Al-Biqa'iAl‑An'am · 6:35–44

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:35–44

6:35Page 131

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥

And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allāh had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.

ولَمّا سَلّاهُ بِما هو في غايَةِ الكِفايَةِ في التَّسْلِيَةِ، أخْبَرَهُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ غَيْرَ الصَّبْرِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَتَسَلَّ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا، ولْيَصْغُرْ عِنْدَكَ ما تُلاقِي مِنهم في جَنْبِ اللَّهِ: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ﴾ أيْ: عَظُمَ جِدًّا ﴿عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ أيْ: عَمّا يَأْتِيهِمْ بِهِ مِنَ الآياتِ الَّذِي قَدَّمْنا الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِنا: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] وأرَدْتَ أنْ تَنْتَقِلَ - في إخْبارِنا لَكَ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم الآياتُ المُقْتَرَحاتُ - مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ﴾ أيْ: تَطْلُبَ بِجُهْدِكَ وغايَةِ طاقَتِكَ ﴿نَفَقًا﴾ أيْ: مَنفَذًا ﴿فِي الأرْضِ﴾ تَنْفُذُ فِيهِ إلى ما عَساكَ تَقْدِرُ عَلى الِانْتِهاءِ إلَيْهِ ﴿أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ﴾ أيْ: جِهَةَ العُلُوِّ لِتَرْتَقِيَ فِيهِ إلى ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ أيْ: ما اقْتَرَحُوا عَلَيْكَ فافْعَلْ لِتُشاهِدَ أنَّهم لا يَزْدادُونَ عِنْدَ إتْيانِكَ بِها إلّا إعْراضًا كَما أخْبَرْناكَ، (p-١٠٠)لِأنَّ اللَّهَ قَدْ شاءَ ضَلالَ بَعْضِهِمْ، والمُرادُ بِهَذا بَيانُ شِدَّةِ حِرْصِهِ ﷺ عَلى هِدايَتِهِمْ بِأنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى أنْ يَتَكَلَّفَ النُّزُولَ إلى تَحْتِ الأرْضِ أوْ فَوْقَ السَّماءِ فَيَأْتِيَهِمْ بِما يُؤْمِنُونَ بِهِ لَفَعَلَ.

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في القُدْرَةِ - نَفاهُ إرْشادًا إلى تَقْدِيرِ ما قَدَّرْتَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الباهِرَةُ والقُدْرَةُ الكامِلَةُ القاهِرَةُ ﴿لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ أيْ: لِأنَّ قُدْرَتَهُ شامِلَةٌ، وإيمانَهم في حَدِّ ذاتِهِ مُمْكِنٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ شاءَ افْتِراقَهم بِإضْلالِ بَعْضِهِمْ؛ ولَمّا كانَ ﷺ بَعْدَ إعْلامِ اللَّهِ لَهُ بِما أعْلَمَ مِن حُكْمِهِ بِأنَّ الآياتِ لا تَنْفَعُ مِن حُتِمَ بِكُفْرِهِ - حَرِيصًا عَلى إجابَتِهِمْ إلى ما يَقْتَرِحُونَهُ رَجاءَ جَمْعِهِمْ عَلى الهُدى لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِن مَزِيدِ الشَّفَقَةِ عَلى الغَرِيبِ فَضْلًا عَنِ القَرِيبِ، مَعَ ما أوْصاهُ اللَّهُ بِهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ - كَما أفادَهُ الحرالي - مِن إدامَةِ الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِهِ والرَّحْمَةِ لَهم والإحْسانِ إلَيْهِمْ واللِّينِ لَهم وإدْخالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، فَتَظافَرَ عَلى ذَلِكَ الطَّبْعُ والإيصاءُ حَتّى كانَ لا يَكُفُّ عَنْهُ إلّا لِأمْرٍ جازِمٍ أوْ نَهْيٍ مُؤَكَّدٍ صارِمٍ - سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ فَأكَّدَ الكَلامَ - سُبْحانَهُ - لِيَعْلَمَ ﷺ أنَّهُ قَدْ حَتَمَ بِافْتِراقِهِمْ، فَيَسْكُنُ إلى ذَلِكَ (p-١٠١)ويُخالِفُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ ﴿مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: إنَّكَ أعْلَمُ النّاسِ مُطْلَقًا ولَكَ الفِراسَةُ التّامَّةُ والبَصَرُ النّافِذُ والفِكْرَةُ الصّافِيَةُ بِمَن لَمْ تُعاشِرْهُ، فَكَيْفَ بِمَن بَلَوْتَهم ناشِئًا وكَهْلًا ويافِعًا! فَلا تَعْمَلْ بِحُجَّةِ ما أوْصاكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّفْحِ، وجَبَلَكَ عَلَيْهِ مِنَ الأناةِ والحِلْمِ في ابْتِغاءِ إيمانِهِمْ بِخِلافِ ما يُعْلَمُ مِن خُسْرانِهِمْ، فَلا تُطْمِعْ نَفْسَكَ فِيما لا مَطْمَعَ فِيهِ، فَإنَّ ما شاءَهُ لا يَكُونُ [غَيْرُهُ]، فَهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها - مِمّا في ظاهِرِهِ غِلْظَةٌ - مِنَ الدِّلالَةِ عَلى عَظِيمِ رُتْبَتِهِ ﷺ ومِن لَطِيفِ أمْداحِ القُرْآنِ لَهُ - كَما يُبَيَّنُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ التَّوْبَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣]

6:36Page 132

۞ إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٣٦

Only those who hear will respond. But the dead1 - Allāh will resurrect them; then to Him they will be returned.

ولَمّا أفْهَمَ هَذا القَضاءُ الحَتْمُ أنَّهُ قَدْ صارَ حالُهم [حالَ] مِن حُتِمَ بِالمَوْتِ، فَلا يُمْكِنُ إسْماعُهُ إلّا اللَّهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَجِيبَ عادَةً، قالَ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ﴾ أيْ: في مَجارِي عاداتِكم ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: فِيهِمْ قابِلِيَّةُ السَّمْعِ لِأنَّهم أحْياءٌ فَيَتَدَبَّرُونَ حِينَئِذٍ ما يُلْقى إلَيْهِمْ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ، وهَؤُلاءِ قَدْ ساوَوْا المَوْتى في عَدَمِ قابِلِيَّةِ السَّماعِ لِلْخَتْمِ عَلى مَشاعِرِهِمْ ﴿والمَوْتى﴾ أيْ: كُلُّهم حِسًّا ومَعْنًى ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ (p-١٠٢)المَلِكُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَهو قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ بِإفاضَةِ الإيمانِ عَلى الكافِرِ وإعادَةِ الرُّوحِ إلى الهالِكِ فَيَسْمَعُونَ حِينَئِذٍ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ الحَياةَ لِدِلالَةِ ”المَوْتى“ عَلَيْها، ومِنَ الثّانِي السَّماعَ لِدِلالَةِ ﴿يَسْمَعُونَ﴾ عَلَيْهِ.

ولَمّا قَرَّرَ أنَّ [مَن] لا يُؤْمِنُ كالمَيِّتِ، حَثًّا عَلى الإيمانِ وتَرْغِيبًا فِيهِ، وقَدَّرَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، خَوَّفَ مِن سَطَواتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: مَعْنًى في الدُّنْيا فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ مِنهم، لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ عَنْ مُرادِهِ أصْلًا وحِسًّا بَعْدَ المَوْتِ، فَيُساقُونَ قَهْرًا إلى مَوْقِفٍ يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ كُلِّ مَظْلُومٍ وظالِمِهِ.

6:37Page 132

وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧

And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allāh is Able to send down a sign, but most of them do not know."

ولَمّا سَلّاهُ ﷺ فِيما أخْبَرْتُهُ مِن أقْوالِهِمْ بِما شَرَحَ صَدْرَهُ وسَرَّ خاطِرَهُ، وأعْلَمَهُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ أنَّ أمْرَهم إنَّما هو بِيَدِهِ، ذَكَّرَهُ بَعْضَ كَلامِهِمْ الآئِلِ إلى التَّكْذِيبِ عَقِبَ إخْبارِهِ بِالحَشْرِ الَّذِي يُجازِي فِيهِ كُلًّا بِما يَفْعَلُ - فَقالَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] وقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] يُعَجِّبُ مِنهُ تَعْجِيبًا آخَرَ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: مُغالَطَةً أوْ عِنادًا أوْ مُكابَرَةً ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿نُـزِّلَ﴾ (p-١٠٣)أيْ: بِالتَّدْرِيجِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿آيَةٌ﴾ أيْ: واحِدَةٌ تَكُونُ ثابِتَةً بِالتَّدْرِيجِ لا تَنْقَطِعُ، وهَذا مِنهم إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يَعُدُّونَ القُرْآنَ آيَةً ولا شَيْئًا مِمّا رَأوْهُ مِنهُ ﷺ مِن غَيْرِ ذَلِكَ نَحْوَ انْشِقاقِ القَمَرِ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِ عَلى حِسٍّ ما يَدَّعِيهِ لِنَسْتَدِلَّ بِها عَلى ما يَقُولُ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ.

ولَمّا كانَ في هَذا - كَما تَقَدَّمَ - إشارَةٌ مِنهم إلى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِآيَةٍ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إمّا مُكابَرَةً وإمّا مُغالَطَةً، أمَرَهُ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ ﴿قادِرٌ عَلى أنْ﴾ وأشارَ بِتَشْدِيدِ الفِعْلِ إلى آيَةِ القُرْآنِ المُتَكَرِّرَةِ عَلَيْهِمْ كُلَّ حِينٍ تَدْعُوهم إلى المُبارَزَةِ وتَتَحَدّاهم بِالمُبالَغَةِ والمُعاجَزَةِ، فَقالَ: ﴿يُنَـزِّلَ﴾ وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ مُشِيرَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا في الوَقاحَةِ الغايَةَ، وأنَّهم لَوْ قالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ، أيْ: مَرَّةً واحِدَةً لَكانَ أخَفَّ في الوَقاحَةِ، [أوْ إلى أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ أيُّ آيَةٍ، كانَتْ تُلْجِئُهم وتَضْطَرُّهم إلَيْهِ في آنٍ واحِدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَـزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] ولَكِنَّهُ لا يَسْألُ ذَلِكَ إلّا بِالتَّدْرِيجِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ] صِيغَةُ التَّفْعِيلِ في قِراءَةِ غَيْرِهِ المُذَكِّرَةِ (p-١٠٤)بِأنَّ آيَةَ القُرْآنِ لا تَنْقَضِي، بَلْ كُلَّما سَمِعَها أحَدٌ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ طُولَ الدَّهْرِ كانَتْ مُنَزَّلَةً عَلَيْهِ لِكَوْنِها واصِلَةً إلَيْهِ، فَهو أبْلَغُ مِن مَطْلُوبِهِمْ آيَةً يَنْزِلُ عَلَيْهِ وحْدَهُ، والحاصِلُ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً باقِيَةً مَحْضَةً، فَلَوَّحَ لَهم إلى آيَةٍ هي - مَعَ كَوْنِها خاصَّةً بِهِ فِيما حَصَلَ لَهُ مِنَ الشَّرَفِ - عامَّةٌ لِكُلِّ مَن بَلَغْتْهُ، باقِيَةٌ طُولَ المَدى ﴿آيَةٌ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَحُوهُ ومِن غَيْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ مِنَ الآياتِ ما يُعْجِزُ الوَصْفَ، وكَفى بِالقُرْآنِ العَظِيمِ مِثالًا لِذَلِكَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ العَلَمِ، فَهم لا يَتَفَكَّرُونَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الَّذِي يُحْدِثُهُ مِن مَصْنُوعاتِهِ لِيَدُلَّهم عَلى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَلا فائِدَةَ لَهم في إنْزالِ ما طَلَبُوهُ، وأمّا غَيْرُ الأكْثَرِ فَهو - سُبْحانُهُ - يَرُدُّهم بِآيَةِ القُرْآنِ أوْ غَيْرِها مِمّا لَمْ يَقْتَرِحُوهُ.

6:38Page 132

وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ ٣٨

And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register1 a thing. Then unto their Lord they will be gathered.

ولَمّا عَجِبَ مِنهم في قَوْلِهِمْ هَذا الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يَرَوْا [لَهُ] آيَةً قَطُّ بَعْدَ ما جاءَهم مِنَ الآياتِ الخاصَّةِ بِهِ ما مَلَأ الأقْطارَ، ورَدَّ إلى الصُّمِّ الأسْماعَ، وأنارَ مِنَ العُمْيِ الأبْصارَ؛ ذَكَّرَهم بِآيَةٍ غَيْرِ آيَةِ القُرْآنِ تَشْتَمِلُ عَلى آياتٍ مُسْتَكْثَرَةٍ كافِيَةٍ لِصَلاحِهِمْ، رَتَّبَها – سُبْحانَهُ - (p-١٠٥)قَبْلَ سُؤالِهِمْ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ دالَّةً عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي طَلَبُوها وغَيْرِها وعَلى تَفَرُّدِهِ بِجَمِيعِ الأمْرِ، إذا تَأمَّلُوها حَقَّ تَأمُّلِها كَفَتْهم في جَمِيعِ ما يُرادُ مِنهم، فَقالَ تَعالى: ﴿وما﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ ما، وهي ناظِرَةٌ أتَمَّ نَظَرٍ إلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ بِكم وما ﴿مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: تَدُبُّ أيْ: تَنْتَقِلُ بِرِجْلٍ وغَيْرِ رِجْلٍ ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ﴾ وقَرَّرَ الحَقِيقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِجَناحَيْهِ﴾ وشَمِلَ ذَلِكَ جَمِيعَ الحَيَوانِ حَتّى ما في البَحْرِ؛ لِأنَّ سَيْرَها في الماءِ إمّا أنْ يَكُونَ دَبِيبًا أوْ طَيَرانًا مَجازًا.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِالدّابَّةِ والطّائِرِ الِاسْتِغْراقُ - قالَ: ﴿إلا أُمَمٌ﴾ أيْ: يَقْصِدُ مِنها في نَفْسِهِ، ويَقْصِدُ هو نَوْعَهُ ويَنْضَمُّ إلى شَكْلِهِ ﴿أمْثالُكُمْ﴾ أيْ: في ذَلِكَ وفي أنّا خَلَقْناكم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا وحَفِظْنا جَمِيعَ أحْوالِهِمْ، وقَدَّرْنا كُلَّ أرْزاقِهِمْ وآجالِهِمْ، وجَعَلْنا لَكم فِيهِمْ أحْكامًا جَدَّدْناها لَكم، وجَعَلْنا لِكُلٍّ مِنهم أجَلًا لِلْمَوْتِ لا يَتَعَدّاهُ بَعْدَ أنْ فاوَتْنا بَيْنَهم في الحَياةِ، ولِلْكُلِّ أجَلٌ في عِلْمِنا في البَرْزَخِ مُثْبَتٌ قَبْلَ أنْ نَخْلُقَهم، لا يَنْقُصُ ذَرَّةً ولا يَزِيدُ خَرْدَلَةً، وجَعَلْنا في هَذِهِ الحَيَواناتِ ما هو أقْوى مِنكم وما هو أضْعَفُ، وجَعَلْناكم أقْوى مِنَ الجَمِيعِ بِالعَقْلِ، ولَوْ شِئْنا لَجَعَلْنا لَهُ بَيْنَ قُوَّةِ البَدَنِ والعَقْلِ، ورُبَّما سَلَّطْنا الأضْعَفَ عَلَيْكم كالجَرادِ والفَأْرِ والدُّودِ بِما تَعْجِزُ عَنْهُ عُقُولُكم، ولَوْ شِئْنا لَسَلَّطْنا عَلَيْكم مِن أضْعَفِها خَلْقًا - البَعُوضَ - (p-١٠٦)ما أخَذَ بِأنْفاسِكم ومَنَعَكم القَرارَ وأخْرَجَكم عَنْ حَرَكاتِ الِاخْتِيارِ إلى أنْ أهْلَكَكم جَمِيعًا هَلاكَ نَفْسٍ واحِدَةٍ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ تَكِلُّ عَنْها العُقُولُ وتَقِفُ دُونَها نَوافِذُ الفِكْرِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا﴾ أيْ: تَرَكْنا وأغْفَلْنا لِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ والعِلْمِ الشّامِلِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيْ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ والقُرْآنِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لِيَذْهَبَ ذِكْرُهُ كَما يَذْهَبُ العِقْدُ الَّذِي يَنْقَطِعُ سِلْكُهُ فَيَتَفَرَّطُ، بَلْ ذَكَرْنا جَمِيعَ أحْوالِ خَلْقِنا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ ناطِقٍ وصامِتٍ، فَصارَتْ في غايَةِ الضَّبْطِ حَتّى إنَّ الحَفَظَةَ يَعْرِضُونَ ما يَحْدُثُ مِن عَمَلِ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِ آخِرَ النَّهارِ عَلى ما كانَ مُثْبَتًا في أُمِّ الكِتابِ فَيَجِدُونَهُ كَما هو، لا يَزِيدُ شَيْئًا ولا يَنْقُصُ، فَيَزْدادُونَ إيمانًا، وأثْبَتْنا في هَذا القُرْآنِ مَجامِعَ الأُمُورِ، فَهو تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ الأصْلِيَّةِ والفَرْعِيَّةِ والدِّلالاتِ عَلى كُلِّ ذَلِكَ وأخْبارِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ وكُلِّ عِلْمٍ يُمْكِنُ أنْ يَحْتاجَهُ المَخْلُوقُ، فَمَن أرادَ الهِدايَةَ هَداهُ بِدَقِيقِ أسْرارِهِ، ومَن أعْرَضَ أوْقَعَهُ في الرَّدى، وعَمِيَ حَتّى عَنْ واضِحِ أنْوارِهِ، والآيَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى أنْ قالَ:

”وبَثّ فِيها مِن كُلِّ دابَّة - لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ“ .(p-١٠٧)

؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ

أفَلا يَكُونُ لَكم في ذَلِكَ آياتٌ تُغْنِيكم عَنْ إرْسالِ الرُّسُلِ فَضْلًا عَنْ أنْ تَتَوَقَّفُوا بَعْدَ إرْسالِهِمْ ولا تَرْضَوْا مِنهم مِن خَوارِقِ العاداتِ إلّا بِما تَقْتَرِحُونَهُ.

ولَمّا أشارَ إلى ما شارَكَ فِيهِ سائِرَ الحَيَوانِ لِلْآدَمِيِّينَ مِن أحْوالِ الحَياةِ وغَيْرِها، نَصَّ عَلى الحَشْرِ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ طُولِ الحَياةِ والإقامَةِ في البَرْزَخِ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ: خاصَّةً، [وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ عَلى طَرِيقِ كَلامِ القادِرِينَ قَوْلُهُ]: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ [أيْ: يُجْمَعُونَ كَرْهًا] بَعْدَ أنْ يُعِيدَهم كُلَّهم كَما بَدَأهم، ويُنْصِفَ كُلَّ مَظْلُومٍ مِنهم مِن ظالِمِهِ، كُلُّ ذَلِكَ [عَلَيْهِ] هَيِّنٌ ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] والكُلُّ مَحْفُوظُونَ في كِتابٍ مُبِينٍ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِمْ وتَبايُنِ حَقائِقِهِمْ وأشْخاصِهِمْ وزِيادَتِهِمْ في الجِدِّ عَلى أنْ يُوَجِّهَ نَحْوَهم العَدَّ - سُبْحانَ مَن أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

6:39Page 132

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٩

But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allāh wills - He sends astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي تَنَوَّعَتْ فِيها الآياتُ (p-١٠٨)وتَكَرَّرَتْ وتَكَثَّرَتْ فِيها الدِّلالاتُ؛ فالَّذِينَ آمَنُوا أحْياءٌ سامِعُونَ لِأقْوالِنا، ناطِقُونَ بِمَحامِدِنا راؤُونَ لِأفْعالِنا - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّكْذِيبَ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإضافَتِها إلَيْنا، مَرْئِيَّةً كانَتْ أوْ مَسْمُوعَةً، تَكْذِيبًا مُتَكَرِّرًا عَلى عَدَدِ الآياتِ بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ ولَوْ بِالإعْراضِ عَنْها ﴿صُمٌّ﴾ أيْ: أمْواتٌ فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴿وبُكْمٌ﴾ لا يَنْطِقُونَ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ: عُمْيٌ لا يُبْصِرُونَ، فَلِذَلِكَ لا يَزالُونَ خابِطِينَ خَبْطَ العَشْواءِ ساعِينَ غايَةَ السَّعْيِ إلى الرَّدى؛ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ مَن في الظُّلْمَةِ، فَكَيْفَ بِمَن هو في جَمِيعِ الظُّلُماتِ! ولَعَلَّهُ جَمَعَها إشارَةً إلى أنَّ المُكَذِّبَ لا يَنْتَفِعُ بِبَصَرٍ ولا بِبَصِيرَةٍ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِحَياتِهِمْ ولا بِأسْماعِهِمْ ولا نُطْقِهِمْ ولا أبْصارِهِمْ ولا عُقُولِهِمْ كانَ كُلُّ ذَلِكَ مِنهم عَدَمًا.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الأصَمَّ الأبْكَمَ الأعْمى لا تُمْكِنُ هِدايَتُهُ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ - سُبْحانَهُ - فَطْمًا عَنْ طَلَبِ إجابَتِهِمْ إلى ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ الآياتِ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَفَعّالٌ لِما يُرِيدُ، فَقالَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: إنَّما تُمْكِنُ هِدايَتُهم: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ﴾ - أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ - إضْلالَهُ ﴿يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ﴾ هِدايَتَهُ (p-١٠٩)﴿يَجْعَلْهُ﴾ وأشارَ إلى تَمْكِينِهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِأنْ يَخْلُقَ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ - ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ومَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ، مَعَ أنَّ الكُلَّ عِبادُهُ وخَلْقُهُ، مُتَقَلِّبُونَ في نِعَمِهِ، غادُونِ رائِحُونَ في بِرِّهِ وكَرَمِهِ - إنَّ في ذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ لَآياتٍ بَيِّناتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

6:40Page 132

قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٠

Say, "Have you considered:1 if there came to you the punishment of Allāh or there came to you the Hour - is it other than Allāh you would invoke, if you should be truthful?"

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ - بِما فِيها مِنَ التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ - شَدِيدَةَ الِاعْتِناقِ لِقَوْلِهِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] وقَوْلِهِ ﴿كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ﴾ [الأنعام: ٥] الآيَتَيْنِ - رَجَعَ بِالَّذِي بَعْدَها إلى فَذْلَكَةِ التَّفاصِيلِ الماضِيَةِ وواسِطَةِ عِقْدِها وفَرِيدَةِ دُرِّها، وهو التَّوْحِيدُ الَّذِي أبانَتْهُ الأدِلَّةُ قَبْلَ الآيَتَيْنِ، فَقالَ دالًّا عَلى اعْتِقادِهِمْ القُدْرَةَ الَّتِي اسْتَلْزَمَ نَعْتُهم بِطَلَبِ الآيَةِ نَفْيَها، واعْتِقادُهم لِلتَّوْحِيدِ في الجُمْلَةِ وهم يُكَذِّبُونَ بِهِ، بَيانًا لِأنَّهم في الظُّلُماتِ مَقْهُورُونَ بِيَدِ المَشِيئَةِ لِعَدَمِ تَحاشِيهِمْ مِنَ التَّناقُضِ مُعَجِّبًا مِنهم: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي يا مَن كَذَّبَ بِالآياتِ والقُدْرَةِ عِنادًا وشَهِدَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى، وعَدَلَ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ، وهو مَعَ مَن يَدْعُوهُ في كُلِّ سَماءٍ وكُلِّ أرْضٍ بِعِنايَتِهِ ونَصْرِهِ.

ولَمّا كانَتْ حَقِيقَةُ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ هَلْ رَأيْتُمْ أنْفُسَكم، وكانَ هَذا (p-١١٠)لِكَوْنِهِ سُؤالًا عَنْ مَعْلُومٍ لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ، مُشِيرًا إلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا قَدْ يَخْفى مِن أحْوالِ النَّفْسِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ أيِّ أحْوالِ نُفُوسِنا نُسْألُ؟ فَقِيلَ تَنْبِيهًا لَهم عَلى حالَةٍ تُلْزِمُهم بِالتَّوْحِيدِ أوْ العِنادِ الَّذِي يَصِيرُ في العِلْمِ بِهِ كالسُّؤالِ عَنْ رُؤْيَةِ النَّفْسِ سَواءٌ: ﴿إنْ أتاكُمْ﴾ أيْ: قَبْلِ مَجِيءِ السّاعَةِ كَما آتى مَن قَبْلَكم ﴿عَذابُ اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِمَجامِعِ العَظَمَةِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى كَشْفِ ما يَأْتِي بِهِ ﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: القِيامَةُ بِما فِيها مِنَ الأهْوالِ.

ولَمّا عَجَّبَ مِنهم بِما مَضى، كَما مَضى، قالَ مُجِيبًا لِلشَّرْطِ مُوَبِّخًا لَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ عَدَمَ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى دُعائِهِ ولُزُومِ سُؤالِهِ ونِدائِهِ، [ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: مَن تَدْعُونَ؟ ثُمَّ زادَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا بِقَوْلِهِ]: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها ﴿تَدْعُونَ﴾ أيْ: لِشِدَّةٍ مِن تِلْكَ الشَّدائِدِ، ولا تَدْعُونَ اللَّهَ مَعَ ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يُغْنِي شَيْئًا حَتّى يَسْتَحِقَّ الإلَهِيَّةَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فادْعُوا ذَلِكَ الغَيْرَ، وهَذِهِ حُجَّةٌ لا يَسَعُهم مَعَها غَيْرُ التَّسْلِيمِ، فَإنَّ عادَتَهم كانَتْ مُسْتَمِرَّةً أنَّهم إذا اشْتَدَّ الأمْرُ وضاقَ الخِناقُ لا يَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ ولا يُوَجِّهُونَ الهِمَمَ إلّا إلَيْهِ، فَإنْ سَلَكُوا سَبِيلَ الصِّدْقِ الَّذِي لَهُ يَنْتَحِلُونَ وبِهِ يَتَفاخَرُونَ فَقالُوا: لا نَدْعُو غَيْرَهُ، فَقَدْ لَزِمَتْهم الحُجَّةُ في أنَّهُ لا يُعْدَلُ بِهِ شَيْءٌ ولا شَرِيكَ لَهُ، (p-١١١)وإنْ عانَدُوا نَطَقَ لِسانُ الحالِ أنَّهم عَلى مَحْضِ الضَّلالِ، وإنْ سَكَتُوا أُثْبِتَ عَلَيْكَ الخِطابُ، وهي مَعَ ذَلِكَ - كَما تَرى - دَلِيلٌ عَلى ما أخْبَرَتْ بِهِ الآيَةُ قَبْلَها مِن أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، أيْ: إنَّكم كُلَّكم مُشْتَرِكُونَ في وُضُوحِ الأمْرِ في أنَّهُ لا مُنْصَرَفَ إلّا إلَيْهِ وقَدْ افْتَرَقْتُمْ فَصَدَقَ بَعْضٌ وكَذَبَ آخَرُونَ، فَلَوْ أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى وُضُوحِ الدِّلالَةِ فَقَطْ كانَ الكُلُّ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، هَذا ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لِلْعَرَبِ في أرَأيْتَ لُغَتانِ ومَعْنَيانِ: أحَدُهُما: أنْ تَسْألَ الرَّجُلَ: أرَأيْتَ زَيْدًا، أيْ: بِعَيْنِكَ، فَهَذِهِ مَهْمُوزَةٌ. وثانِيهُما: أنْ تَقُولَ: أرَأيْتَ، وأنْتَ تُرِيدُ: أخْبِرْنِي، فَهاهُنا تَتْرُكُ الهَمْزَةَ إنْ شِئْتَ، وهو أكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ، وتُومِئُ إلى تَرْكِ الهَمْزَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ ثُمَّ قالَ أبُو حَيّانَ: وكَوْنُ أرَأيْتَ وأرَأيْتَكَ بِمَعْنى: أخْبِرْنِي نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ العَرَبِ، وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ؛ لِأنَّ أخْبِرْنِي يَتَعَدّى بِعَنْ، وأرَأيْتَ مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولٍ بِهِ صَرِيحٍ وإلى جُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي؛ وقالَ (p-١١٢)فِي سُورَةِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ العَرَبَ تُضَمِّنُ أرَأيْتَ مَعْنى أخْبِرْنِي وأنَّها تَتَعَدّى إذْ ذاكَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ أكْثَرُ ما يَكُونُ جُمْلَةَ اسْتِفْهامٍ، يَنْعَقِدُ مِنها ومِمّا قَبْلَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يَقُولُ العَرَبُ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ؟ المَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ ما صَنَعَ! وقَبْلَ دُخُولِ أرَأيْتَ كانَ الكَلامُ: زَيْدٌ ما صَنَعَ. انْتَهى. قُلْتُ: وحَقِيقَةُ المَعْنى - كَما مَرَّ -: هَلْ رَأيْتَ زَيْدًا؟ فَلَمّا اسْتَفْهَمَ عَنْ رُؤْيَتِهِ - والمُرادُ الخَبَرُ لا البَصَرُ - عُلِمَ أنَّ السُّؤالَ عَنْ بَعْضِ أحْوالِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ؟ فَقِيلَ: ما صَنَعَ؟

6:41Page 132

بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ ٤١

No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].

ولَمّا كانَ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ بِمَعْنى النَّفْيِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْعُونَ غَيْرَهُ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ إيّاهُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿تَدْعُونَ﴾ أيْ: حِينَئِذٍ؛ ولَمّا كانَ يَتَسَبَّبُ عَنْ دُعائِهِمْ تارَةً الإجابَةُ وأُخْرى غَيْرُها قالَ: ﴿فَيَكْشِفُ﴾ أيْ: اللَّهُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ ﴿ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى كَشْفِهِ ﴿إنْ شاءَ﴾ أيْ: ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْكم كَما هي عادَتُهُ مَعَكم في وقْتِ شَدائِدِكم، ولَكِنَّهُ لا يَشاءُ كَشْفَهُ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ وإنْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ، ولَوْ كانَ يُجِيبُكم دائِمًا وأنْتُمْ لا تَدْعُونَ غَيْرَهُ، لَكانَ ذَلِكَ كافِيًا في الدِّلالَةِ عَلى اعْتِقادِكم أنَّهُ لا قادِرَ إلّا هو، فَكَيْفَ وهو يُجِيبُكم في الدُّنْيا (p-١١٣)إذا دَعَوْتُمُوهُ تارَةً ويُجِيبُكم أُخْرى، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَرُدُّكم عَدَمُ إجابَتِهِ عَنْ اعْتِقادِ قُدْرَتِهِ ودَوامِ الإقْبالِ عَلَيْهِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ لِما رَكَزَ في العُقُولِ السَّلِيمَةِ والفِطَرِ الأُولى مِن أنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ عَطْفًا عَلى ( تَدْعُونَ ): ﴿وتَنْسَوْنَ﴾ أيْ: تَتْرُكُونَ في تِلْكَ الأوْقاتِ دائِمًا ﴿ما تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: مِن مَعْبُوداتِكم الباطِلَةِ لِعِلْمِكم أنَّها لا تُغْنِي شَيْئًا، كَما هي عادَتُكم دائِمًا في أوْقاتِ الشَّدائِدِ رُجُوعًا إلى حالِ الِاسْتِقامَةِ. أفَلا يَكُونُ لَكم هَذا زاجِرًا عَنِ الشِّرْكِ في وقْتِ الرَّخاءِ خَوْفًا مِن إعادَةِ الضَّرّاءِ!

6:42Page 132

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢

And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muḥammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].

ولَمّا أقامَ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَوْحِيدِهِ الدَّلِيلَ حَتّى اسْتَنارَتْ السُّبُلُ في تَذْكِيرِهِمْ أنَّ التَّضَرُّعَ قَدْ يُكْشَفُ بِهِ البَلاءُ، أخْبَرَهم أنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ الشَّقاءَ، تَرْغِيبًا في إدامَتِهِ وتَرْهِيبًا مِن مُجانَبَتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلى أُمَمٍ﴾ أيْ: أُناسٍ يَؤُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا، وهم أهْلٌ لِأنْ يَقْصِدَهم النّاسُ، لِما لَهم مِنَ الكَثْرَةِ والعَظَمَةِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بَعْضَ الأُمَمِ، وهم الَّذِينَ أرادَ اللَّهُ إشْهادَهم وقَصَّ أخْبارَهم - أدْخَلَ الجارَّ، فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: رُسُلًا فَخالَفُوهم، وحَسَّنَ هَذا الحَذْفَ كَوْنُهُ مَفْهُومًا ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ: فَكانَ إرْسالُنا إلَيْهِمْ سَبَبًا (p-١١٤)لِأنْ أخَذْناهم بِعَظَمَتِنا، لِيَرْجِعُوا عَمّا زَيَّنَ لَهم الشَّيْطانُ إلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الرُّسُلَ ﴿بِالبَأْساءِ﴾ مِن تَسْلِيطِ القَتْلِ عَلَيْهِمْ ﴿والضَّرّاءِ﴾ بِتَسْلِيطِ الفَقْرِ والأوْجاعِ ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى خُضُوعُهُ وتَذَلُّلُهُ عَلى وجْهٍ بَلِيغٍ، بِما يُرْشِدُ إلَيْهِ - مَعَ صِيغَةِ التَّفْعِيلِ - الإظْهارُ، ولِأنَّ مَقْصُودَها الِاسْتِدْلالُ عَلى التَّوْحِيدِ، وعِنْدَ الكَشْفِ لِلْأُصُولِ يَنْبَغِي الإبْلاغُ في العِبادَةِ، بِخِلافِ ما يَأْتِي في الأعْرافِ.

6:43Page 132

فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣

Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.

ولَمّا لَمْ يَقَعُ مِنهم ما أوْجَبَتْ الحالُ رَجاءَهُ، تَسَبَّبُ عَنْهُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّخْصِيصِ لِيُفِيدَ مَعَ النَّفْيِ أنَّهم ما كانَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ التَّضَرُّعِ: ﴿فَلَوْلا﴾ أيْ: فَهَلّا ﴿إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ [ولَمّا] كانَ مَعْنى الإنْكارِ أنَّهم [ما] تَضَرَّعُوا قالَ: ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: فَلَمْ يَذْكُرُوا رَبَّهم أصْلًا ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِما دَخَلَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن بابِ الشَّهَواتِ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ العَظائِمِ والمَناكِرِ الَّتِي أوْجَبَها النَّكْسُ بِالرَّدِّ أسْفَلَ سافِلِينَ

6:44Page 132

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤

So when they forgot that by which they had been reminded,1 We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ - عَنْ تَرْكِهِمْ التَّذْكِيرَ والأخْذَ بِفائِدَتِهِ الَّتِي هي التَّخَشُّعُ والتَّسَكُّنُ، كَما هو اللّائِقُ بِهِمْ لا سِيَّما في تِلْكَ الحالَةِ - أنّا ﴿فَتَحْنا﴾ أيْ: بِما يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الخَيْراتِ والأرْزاقِ والمَلاذِّ الَّتِي كانَتْ مُغْلَقَةً عَنْهم ونَقَلْناهم مِن (p-١١٥)الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، وذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم، ومَدَدْنا زَمانَهُ وطَوَّلْنا أيّامَهُ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ أيْ: تَناهى بِهِمْ الفَرَحُ ﴿بِما أُوتُوا﴾ أيْ: مُعْرِضِينَ عَمَّنْ آتاهم هَذا الرَّخاءَ بَعْدَ أنْ كانَ ابْتَلاهم بِذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّهم في غايَةٍ مِنَ الغَباوَةِ، لا يَرْتَدِعُونَ بِالتَّأْدِيبِ بِسِياطِ البَلاءِ، ولا يَنْتَفِعُونَ بِبِساطِ المِنَّةِ والرَّخاءِ، بَلْ ظَنُّوا أنَّ البَلاءَ عادَةُ الزَّمانِ، والرَّخاءَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ الِامْتِنانَ، فَعُلِمَ أنَّ قُلُوبَهم لا يُرْجى لَها انْتِباهٌ بِحارٍّ ولا بارِدٍ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴿أخَذْناهُمْ﴾ بِعَظَمَتِنا، وإنَّما أخَذْناهم في حالِ الرَّخاءِ لِيَكُونَ أشَدَّ لِتَحَسُّرِهِمْ ﴿بَغْتَةً﴾ فَلَمْ نُمَكِّنْهم مِنَ التَّضَرُّعِ عِنْدَ خُفُوقِ الأمْرِ، ولا أمْهَلْناهم أصْلًا بَلْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِن أثْقالِ العَذابِ، وأباحَ بِهِمْ مِن أحْمالِ الشَّدائِدِ وصُرُوفِ البَلايا ما أذْهَلَهم وشَغَلَهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى بُهِتُوا ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ: تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ البَغْتِ أنْ فاجَؤُوا السُّكُوتَ عَلى ما في أنْفُسِهِمْ واليَأْسَ تَحَسُّرًا وتَحَيُّرًا، واسْتَمَرُّوا بَعْدَ أنْ سَكَتُوا إلى أنْ هَمِدُوا وخَفَتُوا، فَفي نَفْيِ التَّضَرُّعِ عَنِ المُتَقَدِّمِينَ بَعْدَ أنْ أثْبَتَهُ لِمُشْرِكِي هَذِهِ الأُمَّةِ اسْتِعْطافٌ لِطَيْفٌ، وفي ذِكْرِ اسْتِدْراجِ أُولَئِكَ بِالنِّعَمِ عِنْدَ نِسْيانِ ما ذُكِّرُوا بِهِ إلى ما أخَذَهم بَغْتَةً مِن قَواصِمِ النِّقَمِ - غايَةُ التَّحْذِيرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском