Al-Biqa'iAl‑An'am · 6:56–69

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:56–69

6:56Page 134

قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦

Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allāh." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."

(p-١٣٢)ولَمّا كانَ مَحَطُّ حالِهِمْ في السُّؤالِ طَرْدَ الضُّعَفاءِ قَصْدَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّهُ مُبايِنٌ لَهم - لَمّا بَيَّنَ لَهُ بِالبَيانِ الواضِحِ مِن سُوءِ عاقِبَةِ سَبِيلِهِمْ - مُبايَنَةً لا يُمْكِنُ مَعَها اتِّباعُ أهْوائِهِمْ، وهي المُبايَنَةُ في الدِّينِ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ﴾ أيْ: مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أيْ: تَعْبُدُونَ بِناءً مِنكم عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ في أعْظَمِ أُصُولِ الدِّينِ، و[حَقَّرَ أمْرَهم و] بَيَّنَ سُفُولَ رُتْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ، فَقَدْ وقَعْتُمْ في تَرْكِ الأعْظَمِ ولُزُومِ الدُّونِ الَّذِي هو دُونُكم في أعْظَمِ الجَهْلِ المُؤْذِنِ بِعَمى القَلْبِ مَعَ الكُفْرِ بِالمُحْسِنِ، فَمُبايَنَتِي مَبْناها عَلى المُقاطَعَةِ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ في مُتابَعَةٍ ! ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأمْرٍ آخَرَ دالٍّ عَلى أنَّهُ لا شُبْهَةَ لَهم في عِبادَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ أيْ: عِوَضًا عَمًّا أنا عَلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالبَراهِينِ السّاطِعَةِ والأدِلَّةِ القاطِعَةِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الهَوى لا يَدْعُو إلى هُدًى، بَلْ إلى غايَةِ الرَّدى - حَقَّقَ ما أفْهَمَتْهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ أيْ: إذا اتَّبَعْتُ أهْواءَكُمْ؛ ولَمّا كانَ الضّالُّ قَدْ يَرْجِعُ - بَيَّنَ أنَّ هَذا لَيْسَ كَذَلِكَ، لِعَراقَتِهِمْ في الضَّلالِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ: (p-١٣٣)﴿وما أنا﴾ أيْ: إذْ ذاكَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الهِدايَةِ لِأُعَدَّ ﴿مِنَ المُهْتَدِينَ﴾

6:57Page 134

قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧

Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient.1 The decision is only for Allāh. He relates the truth, and He is the best of deciders."

ولَمّا كانَ طَلَبُهم لِلْآياتِ - أيْ: العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى الصِّدْقِ تارَةً بِالرَّحْمَةِ في إنْزالِ الأنْهارِ والكُنُوزِ وإراحَةِ الحَياةِ، وتارَةً بِالعَذابِ مِن إيقاعِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ كِسَفًا ونَحْوِ ذَلِكَ - لَيْسَ في يَدِهِ ولا عِنْدَهُ تَعَيُّنُ وقْتُ نُزُولِهِ، وأمَرَهُ هُنا أنْ يُصَرِّحَ لَهم بِالمُبايَنَةِ ويُؤْيِسَهم مِنَ المُلايَنَةِ ما دامُوا عَلى المُداهَنَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِما هو مُتَمَكِّنٌ فِيهِ مِنَ النُّورِ وما هم فِيهِ مِنَ العَمى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي﴾ وأشارَ إلى تَمَكُّنِهِ في الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ والحُجَجِ القاهِرَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: إنَّ العَدُوَّ إنَّما يُصانِعُ عَدُوَّهُ إمّا لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِ وتَعْذِيبِهِ بِعَداوَتِهِ، وإمّا لِعَدَمِ وُثُوقِهِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ، وأمّا أنا فَواثِقٌ بِكِلا الأمْرَيْنِ ﴿مِن رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ بِإرْسالِي بَعْدَ الكَشْفِ التّامِّ لِي عَنْ سِرِّ المُلْكِ والمَلَكُوتِ ”و“ الحال أنَّكم ”كَذَّبْتُمْ بِهِ“ أيْ: رَبِّي حَيْثُ رَدَدْتُمْ رِسالَتَهُ فَهو مُنْتَقِمٌ مِنكم لا مَحالَةَ.

ولَمّا قِيلَ ذَلِكَ، فُرِضَ أنَّ لِسانَ حالِهِمْ قالَ: فائْتِنا بِهَذِهِ البَيِّنَةِ ! فَقالَ: إنْ رَبِّيَ تامُّ القُدْرَةِ، فَلا يَخافُ الفَوْتَ فَلا يَعْجَلُ، وأمّا أنا فَعَبْدٌ ﴿ما عِنْدِي﴾ أيْ: [فِي] قُدْرَتِي وإمْكانِي ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أيْ: في قَوْلِكم ( أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ) ونَحْوِهِ حَتّى أحْكُمَ فِيكم بِما يَقْتَضِيهِ (p-١٣٤)طَبْعُ البَشَرِ مِنَ العَجَلَةِ ﴿إنِ﴾ أيْ: ما ﴿الحُكْمُ﴾ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، هَذا وغَيْرُهُ ﴿إلا لِلَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا كُفُؤَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا أنَّهُ سُبْحانَهُ يَأْتِي بِالأمْرِ في الوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُ عَلى ما هو الألْيَقُ بِهِ مِن غَيْرِ قُدْرَةٍ لِأحَدٍ غَيْرِهِ عَلى تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ فَقالَ: ﴿يَقُصُّ﴾ أيْ: يُفَصِّلُ ويُنْفِذُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وهو مَعْنى قِراءَةِ الحَرَمِيِّينَ وعاصِمٍ ( يَقُصُّ ) أيْ: يَقْطَعُ القَضاءَ أوْ القَصَصَ ﴿الحَقَّ﴾ ويُظْهِرُهُ فَيُفَصِّلُهُ مِنَ الباطِلِ ويُوَضِّحُهُ، لِيَتَّبِعَهُ مَن قَضى بِسَعادَتِهِ، ويَتَنَكَّبَ عَنْهُ مِن حَكَمَ بِشَقاوَتِهِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ لِأنَّهُ إذا أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَدْعُ لَبْسًا لِمَن يُرِيدُ هِدايَتَهُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ الظّاهِرِ سَبَبًا لِمَن يُرِيدُ ضَلالَتَهُ؛

6:58Page 134

قُل لَّوۡ أَنَّ عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۗ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٥٨

Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allāh is most knowing of the wrongdoers."

ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ لِمَن زادَ قَلْبُهُ في الجَلافَةِ مُبَيِّنًا ما في غَيْرِهِ مِن وخِيمِ العاقِبَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ ﴿لَقُضِيَ﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَخُوفَ إنَّما هو الإهْلاكُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: فَكُنْتُ أُهْلِكُ مَن خالَفَنِي غَضَبًا لِرَبِّي بِما ظَهَرَ لِي مِنهُ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَن كُتِبَ في دِيوانِ السُّعَداءِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الأمْرُ (p-١٣٥)إلَيَّ لِأنِّي لا أعْلَمُ الظّالِمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِ، فَلَيْسَ الأمْرُ إلّا إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِالمُنْصِفِينَ فَيُنْجِيهِمْ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: المَكْتُوبِينَ في دِيوانِ الظَّلَمَةِ فَيُهْلِكُهم.

6:59Page 134

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩

And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ مُثْبِتَةً لِجُزْئِيّاتٍ مِن عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، وكانَ خِتامُها العِلْمَ بِالظّالِمِ وغَيْرِهِ - أتْبَعَها الِاخْتِصاصَ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وهو عِلْمُ مَفاتِحِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ إلّا مَن حازَها، إذْ لا يَطَّلِعُ عَلى الخَزائِنِ إلّا مَن فَتَحَها، ولا يَفْتَحُها إلّا مِن حازَ مَفاتِيحَها وعَلِمَ كَيْفَ يَفْتَحُ بِها، فَإثْباتُ ذَلِكَ في هَذا الأُسْلُوبِ مِن بابِ التَّرْقِيَةِ في مَراقِي الِاعْتِقادِ مِن دَرَجَةٍ كامِلَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها، فَقالَ عاطِفًا عَلى مَعْنى ما سَبَقَ، وهو: فَعِنْدَهُ خاصَّةً جَمِيعُ ذَلِكَ: ﴿وعِنْدَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ أيْ: الَّتِي لا يُدْرِكُ الغَيْبَ إلّا مَن عَلِمَها.

ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ - صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ وتَخْصِيصُها بِالنَّفْيِ دُونَ الخَزائِنِ دالٌّ عَلى ما فَهِمْتُهُ مِن أنَّ التَّقْيِيدَ [فِيها] بِـ ( لَكم ) يُفْهِمُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ نَقُولَ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.

ولَمّا ذَكَرَ عِلْمَ الغَيْبِ، أتْبَعَهُ عِلْمَ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ القَضايا العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ يَصْعُبُ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِها عَلى سَبِيلِ التَّمامِ إلّا لِلْكُمَّلِ مِنَ الأنامِ (p-١٣٦)الَّذِينَ تَجَرَّدُوا فَتَعَوَّدُوا اسْتِحْضارَ المَعْقُولاتِ المُجَرَّدَةِ، والقُرْآنُ إنَّما أُنْزِلَ لِنَفْعِ جَمِيعِ الخَلْقِ: الذَّكِيُّ مِنهم والغَبِيُّ، فَكانَ ذِكْرُ المَحْسُوساتِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ القَضِيَّةِ العَقْلِيَّةِ الكُلِّيَّةِ مُعِينًا عَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ المَعْقُولِ ورُسُوخِهِ في القَلْبِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِهَذا المَعْقُولِ الكُلِّيِّ المُجَرَّدِ بِمِثالٍ داخِلٍ تَحْتَهُ يَجْرِي مَجْرى المَحْسُوسِ، وعَطَفَهُ بِالواوِ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ إشارَةً إلى تَعْظِيمِهِ، فَقالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ﴾ وقَدَّمَهُ لِأنَّ الإنْسانَ أكْثَرُ مُلابَسَةً لَهُ بِما فِيهِ مِنَ القُرى والمُدُنِ والمَفاوِزِ والجِبالِ والتِّلالِ وكَثْرَةِ ما بِها مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ النَّجْمِ وذِي السّاقِ والمَعادِنِ ﴿والبَحْرِ﴾ وأخَّرَهُ لِأنَّ إحاطَةَ العَقْلِ بِأحْوالِهِ أقَلُّ وإنْ كانَ الحِسُّ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَجائِبَها أكْثَرُ، وطُولَها وعَرْضَها أعْظَمُ، وما فِيها مِنَ الحَيَواناتِ وأجْناسِ المَخْلُوقاتِ أعْجَبُ، فَكانَ هَذا الأمْرُ المَحْسُوسُ مُقَوِّيًا لِعَظَمَةِ ذَلِكَ الأمْرِ المَعْقُولِ.

ولَمّا ذَكَرَ ما يَعُمُّ الثّابِتَ والمُنْتَقِلَ: خَصَّ المُنْتَقِلَ تَنْصِيصًا عَلى الجُزْئِيّاتِ وتَعْظِيمًا لِلْعِلْمِ بِتَعْظِيمِ المَعْلُوماتِ، فَقالَ: ﴿وما تَسْقُطُ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ورَقَةٍ﴾ ونَكَّرَها إتْمامًا لِلتَّعْمِيمِ ﴿إلا يَعْلَمُها﴾ ولَمّا كانَ هَذا مَعَ عِظَمِهِ ظاهِرًا، ذَكَرَ ما هو أدَقُّ مِنهُ، فَقالَ: ﴿ولا﴾ أيْ: (p-١٣٧)وما مِن ﴿حَبَّةٍ﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ الأرْضَ لَيْسَ لَها مِن نَفْسِها نُورٌ تَنْبِيهًا عَلى ما أُودِعَ هَذا الآدَمِيُّ المُكَوَّنُ مِنها مِنَ الغَرائِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ أيْ: ولَوْ كانَ في أقْصى بَطْنِها، فَكَيْفَ بِما هو في النُّورِ وهو أكْبَرُ مِنَ الحَبَّةِ.

ولَمّا خَصَّ، رَجَعَ إلى التَّعْمِيمِ رَدًّا لِلْآخِرِ عَلى الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ أيْ: وُجِدَ أوْ لَمْ يُوجَدْ أوْ سَيُوجَدُ ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: مُوَضِّحٍ لِأحْوالِهِ وأعْيانِهِ وكُلِّ أُمُورِهِ وأحْيانِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ فاعِلٌ لِجَمِيعِ العالَمِ بِجَواهِرِهِ وأعْراضِهِ عَلى سَبِيلِ الإحْكامِ والإتْقانِ؛ لِأنَّهُ وحْدَهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ومَن اخْتَصَّ بِعِلْمِ جَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ مُخْتَصًّا بِصُنْعِ جَمِيعِ المَصْنُوعاتِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ.

6:60Page 135

وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠

And it is He who takes your souls by night1 and knows what you have committed by day. Then He revives you therein [i.e., by day] that a specified term2 may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.

ولَمّا كانَ مِن مَفاتِحِ الغَيْبِ المَوْتُ والبَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ، وكانَ مِن أدِلَّتِهِ العَظِيمَةِ النَّوْمُ والإيقاظُ مِنهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإحْسانِ المُتَكَرِّرِ، وكانَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِكَمالِ القُدْرَةِ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ لِكَمالِ العِلْمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكم كامِلَةً بِحَيْثُ لا يَبْقى عِنْدَكم شُعُورٌ أصْلًا، فَيَمْنَعُكم التَّصَرُّفَ بِالنَّوْمِ كَما يَمْنَعُكم بِالمَوْتِ، وذَكَرَ الأصْلَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ يَعْلَمُ ﴿ما جَرَحْتُمْ﴾ أيْ: كَسَبْتُمْ ﴿بِالنَّهارِ﴾ أيْ: الَّذِي (p-١٣٨)تَعَقَّبَهُ النَّوْمُ، مِنَ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِلْإهْلاكِ، ويُعامِلُكم فِيها بِالحِلْمِ بَعْدَ العِلْمِ ولا يَعْجَلُ عَلَيْكم، وهو مَعْنى ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ أيْ: يُوقِظُكم بَعْدَ ذَلِكَ النَّوْمِ المُسْتَغْرِقِ، فَيُصَرِّفُكم فِيما يَشاءُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ الَّذِي تَعَقَّبَ ذَلِكَ النَّوْمَ بَعْدَ اسْتِحْقاقِكم لِلِانْتِقامِ ﴿لِيُقْضى﴾ أيْ: يَتِمَّ ﴿أجَلٌ مُسَمًّى﴾ كَتَبَهُ لِلْمَوْتَةِ الكُبْرى.

ولَمّا تَمَهَّدَ بِهَذا النَّشْرِ بَعْدَ ذاكَ الطَّيِّ في المَوْتَةِ الصُّغْرى القُدْرَةُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في المَوْتَةِ الكُبْرى، وكانَ فِيهِ تَقْرِيبٌ عَظِيمٌ لَهُ قالَ: ﴿ثُمَّ﴾ يَبْعَثُكم مِن تِلْكَ المَوْتَةِ كَما بَعَثَكم مِن هَذِهِ، ويَكُونُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: حِسًّا بِالحَشْرِ إلى دارِ الجَزاءِ، ومَعْنًى بِانْقِطاعِ الأسْبابِ عَلى ما عُهِدَ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ﴾ بَعْدَ تِلْكَ المَواقِفِ الطِّوالِ والزَّلازِلِ والأهْوالِ، ويُمْكِنُ أنْ تُشِيرَ أداةُ التَّراخِي إلى عَظَمَةِ العِلْمِ بِذَلِكَ، وإلَيْهِ يُرْشِدُ أكْثَرُ ما قَبْلَهُ مِنَ السِّياقِ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا جَلِيلًا مُسْتَقْصًى ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، ولِعِلْمِهِ عَبَّرَ بِالعَمَلِ لِأنَّ الحِسابَ يَكُونُ عَلى المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلِيَّةُ العِلْمِ، فَتَقَرَّرَ - مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى اخْتِراعِ هَذِهِ الأشْياءِ والعِلْمِ بِها - اسْتِقْلالُهُ بِحِفْظِها في كُلِّ حالٍ وتَدْبِيرِها عَلى (p-١٣٩)أحْسَنِ وجْهٍ.

6:61Page 135

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١

And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers [i.e., angels of death] take him, and they do not fail [in their duties].

ولَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ العِلْمِ والقُدْرَةِ - أخْبَرَ بِغالِبِ سَلْطَنَتِهِ وعَظِيمِ جَبَرُوتِهِ وأنَّ أفْعالَهُ هَذِهِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ لا يُسْتَطاعُ مُخالَفَتُها، فَلَوْ بالَغَ أحَدٌ في الِاجْتِهادِ في أنْ يَنامَ في غَيْرِ وقْتِهِ ما قَدَرَ، أوْ أنْ يَقُومَ وقْتَ النَّوْمِ لَعَجَزَ، أوْ أنْ يُحْيِيَ وقْتَ المَوْتِ لَمْ يَسْتَطِعْ ... إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ بِما لَهُ مِن غَيْبِ الغَيْبِ وحُجُبِ الكِبْرِياءِ ﴿القاهِرُ﴾ وصَوَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ أيْ: في الإحاطَةِ بِالعِلْمِ والفِعْلِ، أمّا قَهْرُهُ لِلْعَدَمِ فَبِالتَّكْوِينِ والإيجادِ، وأمّا قَهْرُهُ لِلْوُجُودِ فَبِالإفْناءِ والإفْسادِ بِنَقْلِ المُمْكِنِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ تارَةً ومِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ أُخْرى، فَيَقْهَرُ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ والظُّلْمَةَ بِالنُّورِ، والنَّهارَ بِاللَّيْلِ واللَّيْلَ بِالنَّهارِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن ضُرُوبِ الكائِناتِ وصُرُوفِ المُمْكِناتِ ﴿ويُرْسِلُ﴾ ورَجَعَ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أصْرَحُ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مِن مَلائِكَتِهِ ﴿حَفَظَةً﴾ أيْ: يَحْفَظُونَ عَلَيْكم كُلَّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ لِتَسْتَحْيُوا مِنهم وتَخافُوا عاقِبَةَ كِتابَتِهِمْ. ويَقُومَ عَلَيْكم بِشَهادَتِهِمْ الحُجَّةَ عَلى مَجارِي عاداتِكم، وإلّا فَهو - سُبْحانُهُ - غَنِيٌّ عَنْهم؛ لِأنَّهُ العالَمُ القادِرُ فَيَحْفَظُونَكم عَلى حَسَبِ مُرادِهِ فِيكم ﴿حَتّى إذا جاءَ﴾ (p-١٤٠)ولَمّا كانَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ أخْوَفَ قالَ: ﴿أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: الَّذِي لا مَحِيدَ لَهُ عَنْهُ ولا مَحِيصَ ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ أيْ: أخَذَتْ رُوحَهُ كامِلَةً ﴿رُسُلُنا﴾ مِن مَلَكِ المَوْتِ وأعْوانِهِ عَلى ما لَهم مِنَ العَظَمَةِ بِالإضافَةِ إلَيْنا ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ في نَفَسٍ واحِدٍ ولا ما دُونَهُ ولا ما فَوْقَهُ بِالتَّوانِي عَنْهُ لِيَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ وقْتِهِ أوْ يَتَأخَّرَ.

6:62Page 135

ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢

Then they [i.e., His servants] are returned to Allāh, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.

ولَمّا أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى قُوَّتِهِ بِالجُنُودِ الَّتِي تَفُوتُ الحَصْرَ - وإنْ كانَ عَنْهم غَنِيًّا بِصِفَةِ القَهْرِ - نَبَّهَ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ إلى اسْتِحْضارِ عَظَمَتِهِ وشامِلِ جَبَرُوتِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ حَبْسِهِمْ في قَيْدِ البَرْزَخِ ﴿رُدُّوا﴾ أيْ: رَدَّهم رادٌّ مِنهُ لا يَسْتَطِيعُونَ دِفاعَهُ أصْلًا ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا تُحَدُّ عَظَمَتُهُ ولا تُعَدُّ جُنُودُهُ وخَدَمَتُهُ ﴿مَوْلاهُمُ﴾ أيْ: مُبْدِعُهم ومُدَبِّرُ أُمُورَهم كُلُّها ﴿الحَقِّ﴾ أيْ: الثّابِتُ الوِلايَةِ، وكُلُّ وِلايَةٍ غَيْرُ وِلايَتِهِ مِنَ الحَفَظَةِ وغَيْرِهِمْ عَدَمٌ؛ لِأنَّ الحَفَظَةَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما ظَهَرَ لَهم، وهو - سُبْحانُهُ - يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى.

ولَمّا اسْتَحْضَرَ المُخاطَبُ عِزَّتَهُ وقَهْرَهُ، وتَصَوَّرَ جَبَرُوتَهُ وكِبْرَهُ، فَتَأهَّلَ قَلْبُهُ وسَمْعُهُ لِما يُلْقى إلَيْهِ ويُتْلى عَلَيْهِ - قالَ: ﴿ألا لَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ حَقًّا ﴿الحُكْمُ﴾ ولَمّا كانَ الِانْفِرادُ بِالحُكْمِ بَيْنَ جَمِيعِ الخَلْقِ أمْرًا يُحَيِّرُ الفِكْرَ، ولا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوَهْمِ، قالَ مُحَقِّرًا في جَنْبِ قُدْرَتِهِ: (p-١٤١)﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ يَفْصِلُ بَيْنَ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ في أسْرَعَ مِنَ اللَّمْحِ كَما أنَّهُ يُقَسِّمُ أرْزاقَهم في الدُّنْيا في مِثْلِ ذَلِكَ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْفَكَّ عَنْ عِقابِهِ بِمُطاوَلَةٍ في الحِسابِ ولا مُغالَطَةٍ في ثَوابٍ ولا عِقابٍ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ ولا عَقْدٍ ولا كِتابَةٍ، فَلا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ ولا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ.

6:63Page 135

قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"

ولَمّا تَعَرَّفَ بِأفْعالِهِ وشُؤُونِهِ حَتّى اتَّضَحَتْ وحْدانِيَّتُهُ وثَبَتَتْ فَرْدانِيَّتُهُ - ذَكَّرَهم أحْوالَهم في إقْرارِ تَوْحِيدِهِ وقْتَ الشَّدائِدِ والرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ الإنْجاءِ مِنها، فَكانُوا كَمَن طَلَبَ مِن شَخْصٍ شَيْئًا وأكَّدَ لَهُ المِيثاقَ عَلى الشُّكْرِ، فَلَمّا أحْسَنَ إلَيْهِ بِإعْطائِهِ سُؤْلَهُ نَقَضَ عَهْدَهُ وبالَغَ في الكُفْرِ، وذَلِكَ عِنْدَهم في غايَةٍ مِنَ القَبائِحِ لا تُوصَفُ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ مَحاسِنَ الأعْمالِ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ أيْ: كَثِيرًا وعَظِيمًا ﴿مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: حَيْثُ لا هِدايَةَ لَكم بِنَجْمٍ ولا جَبَلٍ ولا غَيْرِهِما، أوْ عَبَّرَ بِالظُّلُماتِ عَنِ الكُرُوبِ الَّتِي بَلَغَتْ شِدَّتَها إلى أنَّ صاحِبَها يَكُونُ كَأنَّهُ في أشَدِّ ظَلامٍ، فَهو بِحَيْثُ إنَّهُ لا يَهْتَدِي فِيها إلى وجْهِ حِيلَةٍ بِنَوْعِ وسِيلَةٍ ﴿تَدْعُونَهُ﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الإخْلاصِ لَهُ والتَّوْحِيدِ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ شِرْكٍ وشَرِيكٍ لِزَوالِ الحُظُوظِ عِنْدَ إحاطَةِ الرُّعْبِ (p-١٤٢)واسْتِيلائِهِ عَلى مَجامِعِ القَلْبِ، فَلا يَبْقى إلّا الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ؛ قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيلِيُّ في كِتابِهِ: ( الواعِي ): ﴿تَضَرُّعًا﴾ أيْ: مُظْهِرِينِ الضَّراعَةَ، وهي شِدَّةُ الفَقْرِ، وحَقِيقَتُهُ الخُشُوعُ ”و“ قَوْلُهُ: ”خَفِيَّة“ أيْ: تُخْفُونَ في أنْفُسِكم مِثْلَ ما تُظْهِرُونَ؛ قالَ شِمْرٌ: يُقالُ: ضَرَعَ لَهُ وهو ضارِعٌ بَيِّنُ الضَّراعَةِ، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ ضُرَّعٌ، أيْ: أذِلّاءُ، وهم ضَرَعَةٌ أيْ: مُتَضَرِّعُونَ، والتَّضَرُّعُ إلى اللَّهِ: التَّخَشُّعُ إلَيْهِ والتَّذَلُّلُ، وإذا كانَ الرَّجُلُ مُخْتَلُّ الجِسْمِ قُلْتَ: إنَّهُ لَضارِعُ الجِسْمِ بَيِّنُ الضُّرُوعِ، وفي الذُّلِّ بَيِّنُ الضَّراعَةِ. انْتَهى.

ولَمّا بَيَّنَ وصْفَهم وقْتَ الدُّعاءِ، بَيَّنَ قَوْلَهم إذْ ذاكَ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ﴾ فَأكَّدُوا وخَصُّوا وبَيَّنُوا غايَةَ البَيانِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ: العَرِيقِينَ في الشُّكْرِ؛

6:64Page 135

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤

Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هو اللَّهُ، ولَكِنَّهم يَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، عُدُّوا مُنْكِرِينَ فَأمَرَهُ بِالجَوابِ غَيْرَ مُنْتَظِرٍ لِجَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿يُنَجِّيكم مِنها﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ ﴿ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ (p-١٤٣)أيْ: وقَعْتُمْ فِيهِ، وما أعْظَمَ مَوْقِعَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ﴾ مَعَ التِزامِ الإخْلاصِ في وقْتِ الكَرْبِ ومَعَ التِزامِ الشُّكْرِ ﴿تُشْرِكُونَ﴾ مُشِيرًا إلى اسْتِبْعادِ نَقْضِهِمْ بِأداةِ التَّراخِي مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجِناسِ لِما كانَ يَنْبَغِي لَهم مِن أنَّهم يَشْكُرُونَ.

6:65Page 135

قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

ولَمّا كانُوا بِإشْراكِهِمْ كَأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ الشِّدَّةَ زالَتْ عَنْهم زَوالًا لا يَعُودُ، وكانَ اللّائِقُ بِهِمْ دَوامَ التَّذَلُّلِ إمّا وفاءً وإمّا خَوْفًا - أخْبَرَهم تَرْهِيبًا لَهم مِن سَطْوَتِهِ وتَحْذِيرًا مِن بالِغِ قُدْرَتِهِ أنَّ شِدَّتَهم تِلْكَ الَّتِي أذَلَّتْهم لَمْ تَزَلْ في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ قُدْرَةَ المَلِكِ عَلَيْها حالَةَ الرَّخاءِ كَقُدْرَتِهِ عَلَيْها في وقْتِها سَواءٌ، فَإنَّهُ خالِقُ الحالَتَيْنِ وأسْبابُهُما وما فِيهِما، ولَكِنَّهم عُمْيُ الأبْصارِ أجْلافُ الطَّبائِعِ، فَقالَ: ﴿قُلْ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿القادِرُ﴾ ولَمْ يَصُغْهُ صِيغَةَ مُبالَغَةٍ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ إنَّما كانُوا يَدَّعُونَ المُشارَكَةَ الَّتِي نَفاها بِالتَّخْصِيصِ، عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ يُفِيدُ بِهِ المُبالَغَةَ ﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ﴾ أيْ: في أيِّ وقْتٍ يُرِيدُهُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: في كُلِّ حالَةٍ ﴿عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ بِإسْقاطِ السَّماءِ قِطَعًا أوْ شَيْءٍ مِنها كالحِجارَةِ الَّتِي حَصَبَ بِها قَوْمَ لُوطٍ وأصْحابَ الفِيلِ أوْ بِتَسْلِيطِ أكابِرِكم (p-١٤٤)﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ أيْ: بِالخَسْفِ أوْ إثارَةِ الحَيّاتِ أوْ غَيْرِها مِنَ الأرْضِ كَما وقَعَ لِبَعْضِ مَن سَلَفَ، أوْ بِتَسْلِيطِ سَفَلَتِكم وعَبِيدِكم عَلَيْكم ﴿أوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ أيْ: يَخْلِطُ بَيْنَكم حالَ كَوْنِكم ﴿شِيَعًا﴾ أيْ: مُتَفَرِّقِينَ، كُلُّ شِيعَةٍ عَلى هَوًى، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلسَّيْفِ ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَ تِلْكَ الشِّيَعِ ﴿بَأْسَ بَعْضٍ﴾ فَيُساوِي في ذَلِكَ بَيْنَ الحَرَمِ وغَيْرِهِ، ويَصِيرُ التَّخَطُّفُ بِالنَّهْبِ والغاراتِ عامًّا، وسَوْقُ هَذا الكَلامِ هَكَذا يُفْهِمُ إيقاعَهُ في وقْتٍ ما لِناسٍ ما؛ لِأنَّ كَلامَ المُلُوكِ يُصانُ عَنْ أنْ لا يَكُونُ لَهُ صُورَةٌ تُوجَدُ وإنْ كانَ عَلى سَبِيلِ الشَّرْطِ ونَحْوِهِ، فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ عَلّامِ الغُيُوبِ ! ولِلتَّدْرِيبِ عَلى مِثْلِ هَذا الفَهْمِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أما إنَّها كائِنَةٌ ولَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ» .

وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وسَيَأْتِي لِهَذا مَزِيدُ بَسْطٍ وتَحْقِيقٍ في قَوْلِهِ تَعالى في الفُرْقانِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]

ولَمّا كانَ هَذا بَيانًا عَظِيمًا - أشارَ إلى عِظَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ﴾ وعَظَّمَهُ تَعْظِيمًا آخَرَ بِالِاسْتِفْهامِ فَقالَ ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ: نُكَرِّرُها مُوَجَّهَةً في جَمِيعِ الوُجُوهِ البَدِيعَةِ النّافِعَةِ البَلِيغَةِ ﴿لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى فَهْمُهُ وانْتِفاعُهُ بِهِ، كانَ هَذا

6:66Page 135

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."

و الحالُ أنَّهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ﴾ أيْ: هَذا العَذابِ (p-١٤٥)أوْ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ والأسْبابِ المُبَيِّنَةِ لِلْخَلْقِ جَمِيعَ ما يَنْفَعُهم لِيَلْزَمُوهُ وما يَضُرُّهم لِيَحْذَرُوهُ ﴿قَوْمُكَ﴾ أيْ: الَّذِينَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَقُومُوا بِجَمِيعِ أمْرِكَ ويُسَرُّوا بِسِيادَتِكَ؛ فَإنَّ القَبِيلَةَ إذا سادَ أحَدُها عَزَّتْ بِهِ، فَإنَّ عِزَّهُ عِزُّها وشَرَفَهُ شَرَفُها، ولا سِيَّما إذا كانَ مِن بَيْتِ الشَّرَفِ ومَعْدِنِ السِّيادَةِ، وإذا سَفَلَ أحَدُها اهْتَمَّتْ بِهِ غايَةَ الِاهْتِمامِ وسَتَرَتْ عُيُوبَهُ مَهْما أمْكَنَها فَإنَّ عارَهُ لاحِقٌ بِها، فَهو مِن عَظِيمِ التَّوْبِيخِ لَهم ودَقِيقِ التَّقْرِيعِ، وزادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿الحَقُّ﴾ أيْ: الثّابِتُ الَّذِي لا يَضُرُّهُ التَّكْذِيبُ بِهِ ولا يُمْكِنُ زَوالُهُ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما حَصَلَ لَهُ اللَّوْمُ بِسَبَبِ قَوْمِهِ كانَ ﷺ في هَذا المَقامِ بِمَعْرِضِ أنْ يَخافَ عاقِبَةَ ذَلِكَ ويَقُولَ: فَماذا أصْنَعُ بِهِمْ ؟ فَقالَ - تَعالى - مُعَلِّمًا: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ مِن تَكْذِيبِهِمْ: ﴿قُلْ لَسْتُ﴾ وقَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ مُعَبِّرًا بِالأداةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: حَفِيظٍ ورَقِيبٍ لِأقْهَرَكم عَلى الرَّدِّ عَمّا أنْتُمْ فِيهِ.

6:67Page 135

لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٦٧

For every news [i.e., happening] is a finality;1 and you are going to know.

ولَمّا كانُوا بِصَدَدِ أنْ يَقُولُوا تَهَكُّمًا: كُنْ كَذَلِكَ، فَلا عَلَيْنا مِنكَ ! قالَ مُهَدِّدًا: ﴿لِكُلِّ﴾ وأشارَ إلى جَلالَةِ خَبَرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَبَإٍ﴾ أيْ: خَبَرٍ أخْبَرْتُكم بِهِ مِن هَذِهِ الأخْبارِ العَظِيمَةِ، ومَعْنى ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ (p-١٤٦)مَوْضِعٌ ووَقْتُ قَرارٍ مِن صِدْقٍ أوْ كَذِبٍ، أيْ: لا بُدَّ أنْ يَحُطَّ الخَبَرُ عَلى واحِدٍ مِنهُما، لا يَنْفَكُّ خَبَرٌ مِنَ الأخْبارِ عَنْ ذَلِكَ ﴿وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مَحَطَّ خَبَرِهِ العَظِيمِ بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ تَأخَّرَ وُقُوعُهُ.

6:68Page 135

وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨

And when you see those who engage in [offensive] discourse1 concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

ولَمّا أمَرَهُ بِما يَقُولُ جَوابًا لِتَكْذِيبِهِمْ، تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيما يَفْعَلُ وقْتَ خَوْضِهِمْ في التَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ خاطَبَ النَّبِيَّ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ لِيَكُونَ أرْدَعَ ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ أيْ: يَتَكَلَّمُونَ ﴿فِي آياتِنا﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَأمُّلٍ ولا بَصِيرَةٍ بَلْ طَوْعَ الهَوى، كَما يَفْعَلُ خائِضُ الماءِ في وضْعِهِ لِرِجْلِهِ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ لِسَتْرِ مَواضِعِ الخُطا وبِغَيْرِ تَمامِ الِاخْتِيارِ لِغَلَبَةِ الماءِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بِتَرْكِ المُجالَسَةِ أوْ ما يَقُومُ مَقامَها؛ ولَمّا كانَ الخَوْضُ في الآياتِ دالًّا عَلى قِلَّةِ العَقْلِ قالَ: ﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فَحَكَمَ عَلى حَدِيثِهِمْ فِيما سِوى ذَلِكَ أيْضًا بِالخَوْضِ؛ لِأنَّ فِيهِ الغَثَّ والسَّمِينَ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِنِظامِ الشَّرْعِ.

ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى - ولَهُ الحَمْدُ - قَدْ رَفَعَ حُكْمَ النِّسْيانِ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ مُؤَكِّدًا: ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: إنْساءً عَظِيمًا إشارَةً إلى أنَّ مِثْلَ هَذا الأمْرِ جَدِيرٌ بِأنْ لا يُنْسى ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ أيْ: (p-١٤٧)التَّذَكُّرِ لِهَذا النَّهْيِ ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا ودِلالَةً عَلى الوَصْفِ الَّذِي هو سَبَبُ الخَوْضِ، وهو الكَوْنُ في الظَّلامِ.

6:69Page 136

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٦٩

And those who fear Allāh are not held accountable for them [i.e., the disbelievers] at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةً، وكانُوا إذْ ذاكَ عاجِزِينَ عَنِ الإنْكارِ بِغَيْرِ القَلْبِ - قالَ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ اللَّهَ فَلا يُكَذِّبُونَ بِآياتِهِ في مُجالَسَةِ الكَفَرَةِ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ أيْ: الخائِضِينَ إذا كانُوا أقْوى مِنهم ﴿مِن شَيْءٍ﴾ وما نَهَيْنا عَنِ المُجالَسَةِ لِأنَّ عَلَيْهِمْ فِيها - والحالَةُ هَذِهِ - إثْمًا ﴿ولَكِنْ﴾ نَهَيْنا لِتَكُونَ المُفارَقَةُ إظْهارًا لِلْكَراهَةِ ﴿ذِكْرى﴾ لِلْخائِضِينَ لِاسْتِحْيِائِهِمْ مِن أذى الجَلِيسِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم بِذَلِكَ حالَ مَن يُرْجى مِنهُ التَّقْوى، فَيَجْتَنِبُ الخَوْضَ في الآياتِ إكْرامًا لِلْجَلِيسِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском