Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:70–79
6:70Page 136
وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠
And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with it [i.e., the Qur’ān], lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allāh no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it [i.e., that soul]. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.
ولَمّا أبْرَزَ هَذا الأمْرَ في صِيغَةِ النَّهْيِ - أعادَهُ بِصِيغَةِ الأمْرِ اهْتِمامًا بِهِ وتَأْكِيدًا لَهُ، وأظْهَرَ لَهم وصْفًا آخَرَ هو غايَةُ الوَصْفِ الأوَّلِ مَعَ ما ضُمَّ إلَيْهِ مِنَ الإرْشادِ إلى الإنْقاذِ مِنَ المَعاطِبِ فَقالَ: ﴿وذَرِ﴾ أيْ: اتْرُكْ أيَّ تَرْكٍ كانَ ولَوْ كانَ عَلى أدْنى الوُجُوهِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم في اتِّباعِ الهَوى بِمُخالَفَةِ العَقْلِ المُسْتَقِيمِ والطَّبْعِ الفِطْرِيِّ السَّلِيمِ بِأنْ أخَذُوا ﴿دِينَهُمْ﴾ عَلى نَمَطِ الأسْخَفِ مِن دُنْياهُمْ؛ ولَمّا كانَ (p-١٤٨)الدِّينُ مَلَكَةً راسِخَةً في النَّفْسِ، ولا شَيْءَ مِن كَيْفِيّاتِ النَّفْسِ أرْسَخُ مِنها ولا أثْبَتُ، وهو أشْرَفُ ما عِنْدَ الإنْسانِ، وكانَ اللَّعِبُ ضِدَّهُ لا شَيْءَ أسْرَعُ مِن انْقِضائِهِ ولا أوْهى مِن بِنائِهِ - قالَ ذامًّا لَهم بِأنَّهم بَدَّلُوا مَقْصُودَ هَذِهِ السُّورَةِ - الَّذِي هو مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي لا أشْرَفَ مِنهُ مُطْلَقًا ولا أعْلى ولا أنْفَسَ بِوَجْهٍ ولا أحْلى - بِما لا أدْنى مِنهُ ولا أوْهى ولا أمْحَقَ لِلْمُرُوءَةِ ولا أدْهى: ﴿لَعِبًا﴾ ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهم إذا انْقَضى اللَّعِبُ عادُوا إلى الِاشْتِغالِ بِالدِّينِ، أتْبَعَهُ الباعِثَ عَلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّهُ كُلَّما مَلُّوا اللَّعِبَ بَعَثُوا النُّفُوسَ إلَيْهِ بِاللَّهْوِ كَما تَرى الرّاقِصَ كُلَّما فَتَرَ في رَقْصِهِ بَعَثُوهُ عَلَيْهِ بِتَقْوِيَةِ اللَّهْوِ أوْ الِانْتِقالِ مِن فَنٍّ إلى آخَرَ مِن فُنُونِهِ وشَأْنٍ بَدِيعٍ مِن شُؤُونِهِ، فَقالَ: ﴿ولَهْوًا﴾ أيْ: في الِاسْتِهْزاءِ بِالدِّينِ الحَقِّ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ وبِالبَحائِرِ والسَّوائِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا يُشْغَلْ قَلْبُكَ بِهِمْ ﴿وغَرَّتْهُمُ﴾ أيْ: خَدَعَتْهم ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ الَّتِي هم مِن أعْرَفِ النّاسِ بِزَوالِها، وأنَّ كُلَّ مَن بِها هالِكٌ، فَمِنَّتُهم النِّعَمُ الَّتِي مَنَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - بِها فِيما لا يَنالُونَهُ مِنَ السَّعادَةِ إلّا بِاتِّباعِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما أفْهَمَ ذَلِكَ تَرْكَهم في كُلِّ حالَةٍ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ: تَحْدِيثِ الآياتِ، وهي القُرْآنُ المُتَجَدِّدُ إنْزالُهُ، (p-١٤٩)والضَّمِيرُ في الحَقِيقَةِ لِلْآياتِ، أيْ: دَعْهم يَفْعَلُوا ما أرادُوا، لا تُبالِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا تَتْرُكْ وعْظَهم بِهَذا القُرْآنِ، أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، لَمْ نُكَلِّفْكَ في هَذِهِ الحالَةِ أكْثَرَ مِنهُ ﴿أنْ تُبْسَلَ﴾ قالَ في ( المُجْمَلِ ): البَسْلُ: النَّخْلُ، وأبْسَلْتُهُ: أسْلَمْتُهُ لِلْهَلَكَةِ، فالمَعْنى: كَراهَةَ أنْ تُخْلى وتُسْلَمَ ﴿نَفْسٌ بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كَسَبَتْ﴾ في دُنْياها كائِنَةً ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُنْفَرِدِ بِالعَظَمَةِ ﴿ولِيٌّ﴾ أيْ: يَتَوَلّى نَصْرَها ﴿ولا شَفِيعٌ﴾ يُنْقِذُها بِشَفاعَتِهِ.
ولَمّا كانَ الفِداءُ مِن أسْبابِ الخَلاصِ - قالَ: ﴿وإنْ تَعْدِلْ﴾ أيْ: تِلْكَ النَّفْسُ لِأجْلِ التَّوَصُّلِ إلى الفِكاكِ ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ يُظَنُّ أنَّهُ يَعْدِلُها ولَوْ كانَ أنْفَسَ شَيْءٍ؛ ( ولَمّا ) كانَ الضّارُّ عَدَمَ الأخْذِ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ ولَمّا أنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا أنَّ مَن هَذا حالُهُ هالِكٌ، قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: الَّذِينَ عَمِلُوا هَذِهِ الأعْمالَ البَعِيدَةَ عَنِ الخَيْرِ ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ أيْ: أُسْلِمُوا ﴿بِما كَسَبُوا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: هو غايَةُ الحَرِّ يُصْهَرُ بِهِ (p-١٥٠)ما في بُطُونِهِمْ بِما اعْتَقَدُوا في الآياتِ ما ظَهَرَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ ﴿وعَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: يَعُمُّ دائِمًا ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم بِما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ بَعْدَ ما بَطَنَ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ مِن تَغْطِيَةِ الآياتِ.
6:71Page 136
قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧١
Say, "Shall we invoke1 instead of Allāh that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allāh has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.'"2 Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَمْنَعُ مِنَ اللَّهِ بِنَوْعٍ، لا آلِهَتُهم الَّتِي زَعَمُوا أنَّها شُفَعاؤُهم ولا غَيْرُها - ثَبَتَ أنَّهم عَلى غايَةِ البَيِّنَةِ مِن أنَّ كُلَّ ما سِواهُ لا يَنْفَعُ شَيْئًا ولا يَضُرُّ، فَكانَ في غايَةِ التَّبْكِيتِ لَهم قَوْلُهُ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: بَعْدَ ما أقَمْتَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مَعَ اللَّهِ أمْرٌ، مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهم ﴿أنَدْعُو﴾ أيْ: دُعاءِ عِبادَةٍ، وبَيَّنَ حَقارَةَ مَعْبُوداتِهِمْ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُنْفَرِدِ بِجَمِيعِ الأمْرِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِتَعْدادِ النِّعَمِ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] ﴿يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] ﴿اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام: ٦٤] - قَدَّمَ النَّفْعَ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، لِيَكُونُوا عَلى غايَةِ اليَأْسِ مِن اتِّباعِ حِزْبِ اللَّهِ لَهم، وهَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]
ولَمّا ذَكَرَ عَدَمَ المَنفَعَةِ في دُعائِهِمْ - أشارَ إلى وُجُودِ الخَسارَةِ في (p-١٥١)رَجائِهِمْ - فَقالَ: ﴿ونُرَدُّ﴾ أيْ: بِرُجُوعِنا إلى الشِّرْكِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُنْكَرَ الرَّدُّ نَفْسُهُ مِن أيِّ رادٍّ كانَ ﴿عَلى أعْقابِنا﴾ أيْ: فَنَأْخُذُ في الوَجْهِ المُخالِفِ لِقَصْدِنا فَنَصِيرُ كُلَّ وقْتٍ في خَسارَةٍ بِالبُعْدِ عَنِ المَقْصُودِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لا خَيْرَ إلّا وهو عِنْدُهُ ولا ضُرَّ إلّا وهو قادِرٌ عَلَيْهِ، إلى التَّوَجُّهِ نَحْوَ المَقْصِدِ، ووَفَّقَنا لَهُ وأنْقَذَنا مِنَ الشِّرْكِ.
ولَمّا صَوَّرَ حالَهم، مَثَّلَهُ فَقالَ: ﴿كالَّذِي﴾ أيْ: نُرَدُّ مِن عُلُوِّ القُرْبِ إلى المَقْصُودِ إلى سُفُولِ البُعْدِ عَنْهُ رَدًّا كَرَدِّ الَّذِي ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أيْ: طَلَبَتْ نُزُولَهُ عَنْ دَرَجَتِهِ ﴿الشَّياطِينُ﴾ فَأنْزَلَتْهُ عَنْ أُفُقِ مَقْصِدِهِ إلى حَضِيضِ مَعْطَبِهِ، شَبَّهَ حالَهُ بِحالِ مَن سَقَطَ مِن عالٍ في مَهْواةٍ مُظْلِمَةٍ فَهو في حالِ هُوِيِّهِ في غايَةِ الِاضْطِرابِ وتَحَقُّقِ التَّلَفِ والعَمى عَنِ الخَلاصِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿حَيْرانَ﴾ تائِهًا ضالًّا لا يَهْتَدِي لِوَجْهِهِ ولا يَدْرِي كَيْفَ يَسْلُكُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَهُ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي هَوى ﴿أصْحابٌ﴾ أيْ: عِدَّةٌ، ولَكِنَّهُ لِتَمَكُّنِ الحَيْرَةِ مِنهُ لا يَقْبَلُ ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ وبَيَّنَ دُعاءَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ائْتِنا﴾ وهو قَدْ اعْتَسَفَ المُهِمَّةَ تابِعًا لِلشَّياطِينِ، لا يُجِيبُهم ولا يَأْتِيهِمْ لِأنَّهُ قَدْ غُلِبَ عَلى نَفْسِهِ، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ العِبَرِ والنَّزَوانِ.
(p-١٥٢)ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَعْرِفُونَهُ وشاهَدُوهُ مِرارًا، وكانُوا عالِمِينَ بِأنَّ دُعاءَ أصْحابِهِ لَهُ في غايَةِ النَّصِيحَةِ والخَيْرِ، وأنَّهُ إنْ تَبِعَهم نَجا، وإلّا هَلَكَ هَلاكًا لا تَدارُكَ لَهُ، فَكانَ جَوابُهم: إنَّ دُعاءَ أصْحابِهِ بِهِ لَهُدًى، بَيَّنَ أنَّهُ مُضْمَحِلٌّ تافِهٌ جِدًّا بِحَيْثُ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ هُدًى بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا الَّذِي يَدْعُوهم إلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الهُدى﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ كَدُعاءِ أصْحابِ المُسْتَهْوِي، بَلْ ذاكَ الهُدى مَعَ إنْقاذِهِ مِنَ الهَلاكِ إلى جَنْبِ هَذا الهُدى كَلا شَيْءٍ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ هو المُوصِلُ إلى سَعادَةِ الأبَدِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقَدْ أمَرْنا أنْ نَلْزَمَهُ ونَتْرُكَ كُلَّ ما عَداهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ أمْرًا عامًّا فَقالَ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ أيْ: ورُدَّ عَلَيْنا الأمْرُ مِمَّنْ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ بِكُلِّ ما يُرْضِيهِ لِأنْ نُسْلِمَ، بِأنْ نُوقِعَ الإسْلامَ وهو الِانْقِيادُ التّامُّ فَنَتَخَلّى عَنْ كُلِّ هَوًى، وأنْ نُقِيمَ الصَّلاةَ بِأنْ نُوقِعَها بِجَمِيعِ حُدُودِها الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ فَنَتَحَلّى بِفِعْلِها أشْرَفَ حِلًى ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: لِإحْسانِهِ إلى كُلِّ أحَدٍ بِكُلِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؛
6:72Page 136
وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُۚ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٢
And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.
ثُمَّ فَسَّرَ المَأْمُورُ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْ أسْلِمُوا ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لِوَجْهِهِ ﴿واتَّقُوهُ﴾ مَعَ ذَلِكَ، أيْ: افْعَلُوها لا عَلى وجْهِ الهُزْءِ واللَّعِبِ، بَلْ عَلى وجْهِ التَّقْوى والمُراقَبَةِ لِيَدُلَّ ما ظَهَرَ مِنها عَلى ما بَطَنَ مِنَ الإسْلامِ لِلْمُحْسِنِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو الَّذِي ابْتَدَأ خَلْقَكم مِن طِينٍ فَإذا أنْتُمْ بَشَرٌ مُصَوَّرُونَ، وجَعَلَكم أحْياءً فَبِقُدْرَتِهِ عَلى مَدى الأيّامِ تَنْتَشِرُونَ، عَطَفَ (p-١٥٣)عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ بَعْدَ بَعْثِكم مِنَ المَوْتِ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فَأتى بِالبَعْثِ الَّذِي هم لَهُ مُنْكِرُونَ لِكَثْرَةِ ما أقامَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ في سِياقٍ دالٍّ عَلى أنَّهُ مِمّا لا مَجالَ لِلْخِلافِ فِيهِ، وأنَّ النَّظَرَ إنَّما هو فِيما وراءَ ذَلِكَ، وهو أنَّ عَمَلَهم لِلْباطِلِ سَوَّغَ تَنْزِيلَهم مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ يُحْشَرُ إلى غَيْرِهِ – سُبْحانَهُ - مِمَّنْ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى جَزائِهِمْ، فَأخْبَرَهم أنَّ الحَشْرَ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لا كَلامَ هُناكَ لِسِواهُ، فَلا عَلَقَ بَيْنَ المَحْشُورِينَ ولا تَناصُرَ كَما في الدُّنْيا، والجُمْلَةُ مَعَ ذَلِكَ كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، وقَدْ بانَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ، فَإنَّهُ حَذَفَ الصَّلاةَ أوَّلًا لِدَلالَةِ ذِكْرِها ثانِيًا، والإسْلامَ ثانِيًا لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ أوَّلًا.
6:73Page 136
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ وَيَوۡمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُۚ قَوۡلُهُ ٱلۡحَقُّۚ وَلَهُ ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٧٣
And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day [i.e., whenever] He says, "Be," and it is, His word is the truth.1 And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen2 and the witnessed;3 and He is the Wise, the Aware.
ولَمّا كانُوا بِعِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى - مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّهُ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضَ - في حالِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِهِ هو الَّذِي خَلَقَهُما، أوْ شارَكا فِيهِما. فَلا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلى حَشْرِ مَن في مَمْلَكَتِهِ، قالَ تَعالى مُنَبِّهًا لَهم مِن غَفْلَتِهِمْ ومُوقِظًا مِن رَقْدَتِهِمْ مُعِيدًا الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ أوَّلَ السُّورَةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ: أوْجَدَ واخْتَرَعَ وقَدَّرَ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ: عَلى عِظَمِهِما وفَوْتِ ما فِيهِما مِنَ الحِكَمِ والمَنافِعِ الحَصْرَ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إقامَةِ الحَقِّ، وأنْتُمْ تَرَوْنَ أنَّهُ غَيْرُ قائِمٍ في هَذِهِ الدّارِ ولا هو قَرِيبٌ مِنَ القِيامِ، فَوَجَبَ عَلى كُلِّ مَن يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ (p-١٥٤)خَبِيرٌ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن بِعْثَةِ العِبادَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ - كَما وعَدَ بِذَلِكَ - لِيُظْهِرَ العَدْلَ بَيْنَهم، فَيُبْطِلَ كُلَّ باطِلٍ ويُحِقَّ كُلَّ حَقٍّ، ويُظْهِرَ الحِكَمَ لِجَمِيعِ الخَلْقِ.
ولَمّا قَرَّرَ أنَّ إقامَةَ الحَقِّ هي المُرادُ - قَرَّرَ قُدْرَتَهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ﴾ أيْ: لِلْخَلْقِ ولِكُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُهُ في هَذِهِ الدّارِ وتِلْكَ الدّارِ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: فَهو يَكُونُ لا يَتَخَلَّفُ أصْلًا.
ولَمّا قَرَّرَ أنَّهُ لا يَتَخَلَّفُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ، عَلَّلَهُ فَقالَ: ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ أيْ: لا قَوْلَ غَيْرَهُ؛ لِأنَّ أكْثَرَ قَوْلِ غَيْرِهِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ شَيْئًا فَلا يَكُونُ ما أرادَ؛ ولَمّا كانَ في مَقامِ التَّرْهِيبِ مِن سَطْوَتِهِ، قالَ مُكَرِّرًا لِقَوْلِهِ: ( وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ): ﴿ولَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ والباطِنِ ﴿المُلْكُ يَوْمَ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَعْظِيمَ النَّفْخَةِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِانْقِطاعِ العَلائِقِ بَيْنَ الخَلائِقِ، لا كَما تَرَوْنَ في هَذِهِ الدّارِ مِن تَواصُلِ الأسْبابِ، وقَوْلُهُ -: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ وهو ما غابَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ - سُبْحانَهُ - ﴿والشَّهادَةِ﴾ وهو ما صارَ بِحَيْثُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الخَلْقُ - مَعَ كَوْنِهِ عِلَّةً لِما قَبْلَهُ مِن تَمامِ القُدْرَةِ كَما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في ( طَهَ ) مِن تَمامِ التَّرْهِيبِ، أيْ: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ (p-١٥٥)مِن أحْوالِكم، فاحْذَرُوا جَزاءَهُ يَوْمَ تَنْقَطِعُ الأسْبابُ، ويَذْهَبُ التَّعاضُدُ والتَّعاوُنُ، وهو عَلى عادَتِهِ - سُبْحانَهُ - في أنَّهُ ما ذَكَرَ أحْوالَ البَعْثِ إلّا قَرَّرَ فِيهِ أصْلَيْنِ: القُدْرَةَ عَلى جَمِيعِ المُمَكَّناتِ، والعِلْمَ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى البَعْثِ إلّا مَن جَمَعَ الوَصْفَيْنِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ: التّامُّ الحِكْمَةِ، فَلا يَضَعُ شَيْئًا في غَيْرِ مَحَلِّهِ ولا عَلى غَيْرِ إحْكامٍ، فَلا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ البَعْثِ ﴿الخَبِيرُ﴾ بِجَمِيعِ المَوارِدِ والمَصادِرِ، فَلا خَفاءَ لِشَيْءٍ مِن أفْعالِ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلَيْهِ في ظاهِرٍ ولا باطِنٍ لِيُهْمِلَهم عَنِ الحِسابِ.
6:74Page 137
۞ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٧٤
And [mention, O Muḥammad], when Abraham said to his father Āzar, "Do you take idols as deities? Indeed, I see you and your people to be in manifest error."
ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذِهِ الآياتِ مَضْمُونَ الآياتِ الثَّلاثِ المُفْتَتَحِ بِها السُّورَةُ الهادِمَةُ لِمَذْهَبِ الثَّنَوِيَّةِ، وهم أهْلُ فارِسٍ قَوْمُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْرِفُ بِفَضْلِهِ جَمِيعَ الطَّوائِفِ؛ لِأنَّ أكْثَرَهم مِن نَسْلِهِ كاليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ، والمُسْلِمُونَ لِما يَعْلَمُونَ مِن إخْلاصِهِ لِلَّهِ تَعالى وانْتِصابِهِ لِمُحاجَّةِ مَن أشْرَكَ بِهِ واحْتِمالِ الأذى فِيهِ - سُبْحانَهُ - تَلاها بِمُحاجَّتِهِ لَهم بِما أبْطَلَ مَذْهَبَهم وأدْحَضَ حُجَجَهم فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ: اذْكُرْ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ كُلَّهُ لَهم في الدَّلائِلِ عَلى اخْتِصاصِنا بِالخَلْقِ وتَمامِ القُدْرَةِ، ما أعْظَمَهُ وما أجَلَّهُ وأضْخَمَهُ! وتَفَكَّرْ في عَجائِبِهِ وتَدَبَّرْ في دَقائِقِهِ وغَرائِبِهِ تَجِدْ ما لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا اللَّهُ، واذْكُرْ إذْ ﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾ أيْ: اذْكُرْ قَوْلَهُ، وحِكْمَةُ (p-١٥٦)التَّذْكِيرِ بِوَقْتِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا لَمْ يَزَلْ ثابِتًا مُقَرَّرًا عَلى ألْسِنَةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ في جَمِيعِ الدُّهُورِ، وكانَ في هَذِهِ المُحاجَّةِ التَّصْرِيحُ بِما لَوَّحَ إلَيْهِ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ مِن إبْطالِ هَذا المَذْهَبِ، وانْعَطَفَ هَذا عَلى ذاكَ أيَّ انْعِطافٍ ! وصارَ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأصْنامَ والنُّجُومَ والنُّورَ والظُّلْمَةَ، فَنَبِّهْهم يا رَسُولَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ لا مُتَصَرِّفَ غَيْرُنا، اذْكُرْ لَهم أنِّي أنا الَّذِي خَلَقْتُهم وخَلَقْتُ جَمِيعَ ما يُشاهِدُونَ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ، فَإنْ تَنَبَّهُوا فَهو حَظُّهم، وإلّا فاذْكُرْ لَهم مُحاجَّةَ خَلِيلِنا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ ﴿لأبِيهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ في قِراءَةِ الجَرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿آزَرَ﴾ وناداهُ في قِراءَةِ يَعْقُوبَ بِالضَّمِّ؛ قالَ البُخارِيُّ في ( تارِيخِهِ الكَبِيرِ ): إبْراهِيمُ بْنُ آزَرَ، وهو في التَّوْراةِ: تارَحُ. انْتَهى.
وقَدْ مَضى ذَلِكَ عَنِ التَّوْراةِ في البَقَرَةِ، فَلَعَلَّ أحَدَها لَقَبٌ، وكانَ أهْلُ تِلْكَ البِلادِ وهم الكَلْدانِيُّونَ، ويُقالُ لَهم أيْضًا الكَسْدانِيُّونَ - بِالمُهْمِلَةِ مَوْضِعَ اللّامِ - يَعْتَقِدُونَ إلَهِيَّةَ النُّجُومِ في السَّماءِ والأصْنامِ في الأرْضِ ويَجْعَلُونَ لِكُلِّ نَجْمٍ صَنَمًا، إذا أرادُوا التَّقَرُّبَ إلى ذَلِكَ النَّجْمِ عَبَدُوا ذَلِكَ الصَّنَمَ لِيَشْفَعَ لَهم - كَما زَعَمُوا - إلى النَّجْمِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِ مُنَبِّهًا لَهُ عَلى ظُهُورِ فَسادِ ما هو مُرْتَكِبُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ﴾ أيْ: أتُكَلِّفُ نَفْسَكَ (p-١٥٧)إلى خِلافِ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأوْلى بِأنْ تَجْعَلَ ﴿أصْنامًا آلِهَةً﴾ أيْ: تَعْبُدُها وتَخْضَعُ لَها ولا نَفْعَ فِيها ولا ضُرَّ، فَنَبَّهَهُ بِهَذا الإنْكارِ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ بُطْلانِ ما هو مُتَدَيِّنٌ بِهِ لا يَحْتاجُ إلى كَثِيرِ تَأمُّلٍ، بَلْ هو أمْرٌ بَدِيهِيٌّ أوْ قَرِيبٌ مِنهُ، فَإنَّهم يُباشِرُونَ أمْرَها بِجَمِيعِ جَوانِبِهِمْ ويَعْلَمُونَ أنَّها مَصْنُوعَةٌ ولَيْسَتْ بِصانِعَةٍ، وكَثْرَتُها تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّتِها بِما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]
ولَمّا خَصَّ بِالنَّصِيحَةِ أقْرَبَ الخَلْقِ إلَيْهِ، عَمَّ بَقِيَّةَ أقارِبِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ أيْ: في اتِّفاقِكم عَلى هَذا ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أيْ: بُعْدٍ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ جِدًّا بِبَدِيهَةِ العَقْلِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ نَبَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَن بَعْدَهُ، فَهو مَعَ ظُهُورِهِ في نَفْسِهِ مُظْهِرٌ لِلْحَقِّ مِن أنَّ الإلَهَ لا يَكُونُ إلّا كافِيًا لِمَن يَعْبُدُهُ، وإلّا كانَ فَقِيرًا إلى تَألُّهِ مَن يَكْفِيهِ.
6:75Page 137
وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ ٧٥
And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith].
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بَصَّرْنا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا التَّبْصِيرَ في هَذا الأمْرِ الجَرِيءِ مِن بُطْلانِ الأصْنامِ، قالَ عاطِفًا عَلَيْهِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ هَذا التَّبْصِيرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، وحَكى الحالَ الماضِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿نُرِي﴾ أيْ: بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ وكَرِّ الشُّهُورِ والأعْوامِ إلى ما لا (p-١٥٨)آخِرَ لَهُ بِنَفْسِهِ والصُّلَحاءِ مِن أوْلادِهِ ﴿إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ﴾ أيْ: باطِنَ مُلْكِ التَّوْحِيدِ فَيَعْلَمُ أنَّ كُلَّ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مِن صَنَمٍ وغَيْرِهِ مِن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ في ضَلالٍ، كَما عَلِمَ ذَلِكَ في قَوْمِهِ في الأصْنامِ ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أيْ: الرّاسِخِينَ في وصْفِ الإيقانِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ كُلِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ لِما أرَيْناهُ بِبَصَرِهِ وبَصِيرَتِهِ، فَتَأمَّلَ فِيهِ حَتّى وقَعَ فِيهِ بَعْدَ عِلْمِ اليَقِينِ عَلى عَيْنِ اليَقِينِ بَلْ حَقِّ اليَقِينِ.
6:76Page 137
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ ٧٦
So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord."1 But when it set, he said, "I like not those that set [i.e., disappear]."
ولَمّا كانَتْ الأُمُورُ السَّماوِيَّةُ مُشاهَدَةً لِجَمِيعِ الخَلْقِ: دانِيهِمْ وقاصِيهِمْ، وهي أشْرَفُ مِنَ الأرْضِيَّةِ، فَإذا بَطَلَتْ صَلاحِيَتُها لِلْإلَهِيَّةِ بَطَلَتْ الأرْضِيَّةُ مِن بابِ الأوْلى؛ نَصَبَ لَهم الحِجاجَ في أمْرِها، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنِ الإراءَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ أيْ: سَتَرَ وأظْلَمَ، وقَصَرَهُ - وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا - دِلالَةً عَلى شِدَّةِ ظَلامِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ: وقَعَ السِّتْرُ عَلَيْهِ، فَحَجَبَ مَلَكُوتِ الأرْضِ فَشَرَعَ يَنْظُرُ في مَلَكُوتِ السَّماءِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أيْ: قَدْ بَزَغَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا (p-١٥٩)فَعَلَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ فَكَأنَّهُ مِن بَصَرِهِ أنْ أتى بِهَذا الكَلامِ الصّالِحِ لِأنْ يَكُونُ خَبَرًا واسْتِفْهامًا، لِيُوهِمَهم أنَّهُ مُخْبَرٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أنْفى لِلْغَرَضِ وأنْجى مِنَ الشُّعَبِ، فَيَكُونُ أشَدَّ اسْتِجْلابًا لَهم إلى إنْعامِ النَّظَرِ وتَنْبِيهًا عَلى مَوْضِعِ الغَلَطِ وقَبُولِ الحُجَّةِ، ولِمِثْلِ ذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ: غابَ بَعْدَ ذَلِكَ الظُّهُورِ الَّذِي كانَ آيَةَ سُلْطانٍ ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ لِأنَّ الأُفُولَ حَرَكَةٌ، والحَرَكَةُ تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ المُتَحَرِّكِ وإمْكانِهِ، ولا نَظُنُّ أنْ يُظَنَّ بِهِ أنَّهُ قالَ ما قالَهُ أوَّلًا عَنْ اعْتِقادِ رُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ دَلَّ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّوَهُّمِ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ أراهُ مَلَكُوتَ الخافِقَيْنِ وجَعَلَهُ مُوقِنًا، فَأسْنَدَ الأمْرَ إلى نَفْسِهِ تَنْبِيهًا لَهم، واسْتَدَلَّ بِالأُفُولِ لِأنَّ دِلالَتَهُ لِزَوالِ سُلْطانِهِ وحَقارَةِ شَأْنِهِ أتَمُّ، ولَمْ يَسْتَدِلَّ بِالطُّلُوعِ لِأنَّهُ - وإنْ كانَ حَرَكَةً دالَّةً عَلى الحُدُوثِ والنُّقْصانِ - شَرَفٌ في الجُمْلَةِ وسُلْطانٌ، فالخَواصُّ يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الإمْكانَ، والمُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ واجِبِ الوُجُودِ، يَكُونُ مُنْتَهى الآمالِ ومَحَطَّ الرِّحالِ ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] والأوْساطُ يَفْهَمُونَ مِنهُ الحُدُوثَ لِلْحَرَكَةِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاسْتِنادِ إلى قَدِيمٍ، (p-١٦٠)والعَوامُّ يَفْهَمُونَ أنَّ الغارِبَ كالمَعْزُولِ لِزَوالِ نُورِهِ وسُلْطانِهِ، وأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، وخَصَّ الأُفُولَ أيْضًا لِأنَّ قَوْمَهُ الفُرْسَ كانُوا مُنَجِّمِينَ، ومَذْهَبَهم أنَّ الكَوْكَبَ إذا كانَ صاعِدًا مِنَ المَشْرِقِ إلى وسَطِ السَّماءِ كانَ قَوِيًّا عَظِيمَ التَّأْثِيرِ، فَإذا كانَ نازِلًا إلى المَغْرِبِ كانَ ضَعِيفَ الأثَرِ، والإلَهُ هو مَن لا يَتَغَيَّرُ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بُرْهانٌ في أنَّ أصْلَ الدِّينِ مَبْنِيٌّ عَلى الحُجَّةِ دُونَ التَّقْلِيدِ.
6:77Page 137
فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧
And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."
ولَمّا بَصَّرَهم قُصُورَ صَغِيرِ الكَواكِبِ، رَقّى النَّظَرَ إلى أكْبَرَ مِنهُ، فَسَبَّبَ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الكَواكِبِ لِقُصُورِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ: طالِعًا أوَّلَ طُلُوعِهِ؛ قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَزْغِ الَّذِي هو الشَّقُّ، كَأنَّهُ بِنُورِهِ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ دَأْبُهُ في الأُولى.
ولَمّا كانَ تَأمَّلَ أنَّ الكَوْكَبَ مَحَلُّ الحَوادِثِ بِالأُفُولِ قَدْ طَرَقَ أسْماعَهم فَخالَجَ صُدُورَهم، قالَ: ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ﴾ مُؤَكِّدًا غايَةَ التَّأْكِيدِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ: الَّذِي قَدَرَ عَلى الإحْسانِ إلَيَّ بِالإيجادِ والتَّرْبِيَةِ لِكَوْنِهِ لا يَتَغَيَّرُ ولا شَرِيكَ لَهُ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِي، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ إلى غَيْرِهِ، ولا تُحْمَلُ عَلى نَصْبِ الأدِلَّةِ، لِأنَّها مَنصُوبَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ، ولا عَلى مَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّهُ عارِفٌ بِهِ (p-١٦١)﴿لأكُونَنَّ﴾ أيْ: بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ﴿مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ فَكانَتْ هَذِهِ أشَدَّ مِنَ الأُولى وأقْرَبَ إلى التَّصْرِيحِ بِنَفْيِ الرُّبُوبِيَّةِ عَنِ الكَواكِبِ وإثْباتِ أنَّ الرَّبَّ غَيْرُها، مَعَ المُلاطَفَةِ وإبْعادِ الخَصْمِ عَمّا يُوجِبُ عِنادَهُ.
6:78Page 137
فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٧٨
And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allāh.
ولَمّا كانَ قَدْ نَفى عَنِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ ما رُبَّما يَضِلُّ بِهِ الخَصْمُ قالَ: ﴿فَلَمّا رَأى﴾ أيْ: بِعَيْنِهِ ﴿الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ أيْ: عِنْدِ طُلُوعِ النَّهارِ وإشْراقِ النُّورِ الَّذِي ادَّعَوْا فِيهِ ما ادَّعَوْا ﴿قالَ﴾ مُبَيِّنًا لِقُصُورِ ما هو أكْبَرُ مِنَ النُّورِ وهو ما عَنْهُ النُّورُ ﴿هَذا﴾ مُذَكِّرًا إشارَتَهُ لِوُجُودِ المُسَوِّغِ، وهو تَذْكِيرُ الخَبَرِ إظْهارًا لِتَعْظِيمِها إبْعادًا عَنِ التُّهْمَةِ، وتَنْبِيهًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ المُؤَنَّثَ لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ ﴿رَبِّي﴾ كَما قالَ فِيما مَضى؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بَيانًا لِلْوَجْهِ الَّذِي فارَقَ فِيهِ ما مَضى فَأُورِثُ شُبْهَةً، فَقالَ: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ أيْ: مِمّا تَقَدَّمَ ﴿فَلَمّا أفَلَتْ﴾ أيْ: غَرَبَتْ فَخَفِيَ ظُهُورُها وغَلَبَ نُورُها وهَزَمَهُ جَيْشُ الظَّلامِ بِقُدْرَةِ المَلِكِ العَلّامِ ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ فَصَرَّحَ بِأنَّ الكَلامَ لَهم أجْمَعِينَ، ونادى عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ.
ولَمّا كانَتْ القُلُوبُ قَدْ فَرَغَتْ بِما أُلْقِيَ مِن هَذا الكَلامِ المُعْجِبِ لِلْحُجَّةِ، وتَهَيَّأتْ لِقَبُولِ الحَقَّ - خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: مِن هَذا وغَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى، فَصَرَّحَ بِالمَقْصُودِ لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في المَحْسُوسِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ كَوْكَبٌ أكْبَرُ مِنَ الشَّمْسِ ولا أنْوَرُ،
6:79Page 137
إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٧٩
Indeed, I have turned my face [i.e., self] toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allāh."
فَلَمّا أبْطَلَ (p-١٦٢)بِذَلِكَ جَمِيعَ مَذْهَبِهِمْ أظْهَرَ التَّوَجُّهَ إلى الإلَهِ الحَقِّ، وأنَّهُ قَدْ انْكَشَفَ لَهُ الصَّوابُ بِهَذا النَّظَرِ، والمُرادُ هم، ولَكِنَّ سَوْقَهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أدْعى لِقَبُولِهِمْ إيّاهُ، فَقالَ مُسْتَنْتِجًا عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ في المَلَكُوتِ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ: أخْلَصْتُ قَصْدِي غَيْرَ مُعَرِّجٍ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، فَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنِ الِانْقِيادِ التّامِّ؛ لِأنَّ مَن انْقادَ لِشَيْءٍ أقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، ودَلَّ عَلى كَمالِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالكَمالِ مُبْدِعاتُهُ، وعَبَّرَ بِـ ( اللّامِ ) دُونَ ( إلى ) لِئَلّا يُوهِمَ الحَيِّزَ، فَقالَ: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ﴾ أيْ: لِأجْلِ عُبُودِيَّةِ مَن شَقَّ وأخْرَجَ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَخَتَمَ الدَّلِيلَ بِما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ: ( ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما تَقَدَّمَ - أنِّي فَسَّرْتُ الحَنَفَ بِهِ مِن أنَّهُ المَيْلُ مَعَ الدَّلِيلِ سُهُولَةً ولَطافَةً عَلى ما هو دَأْبُ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها - قَوْلُهُ بَعْدَ نَصْبِ هَذا الدَّلِيلِ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: سَهْلًا هَيِّنًا لَيِّنًا لَطِيفًا مَيّالًا مَعَ الدَّلِيلِ غَيْرَ كَزٍّ جافٍّ جامِدٍ عَلى التَّقْلِيدِ دَأْبُ الغَلِيظِ البَلِيدِ، وأكَّدَ البَراءَةَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: مِنكم، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ المُقْتَضِي لِلْبَراءَةِ والتَّعْمِيمِ، أيْ: لا أُعَدُّ في عِدادِكم بِشَيْءٍ أُقارِبُكم بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences