Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:80–86
6:80Page 137
وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠
And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allāh while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?
(p-١٦٣)ولَمّا أبْدى هَذِهِ الأدِلَّةَ في إبْطالِ الضَّلالِ بِالكَواكِبِ والشَّمْسِ الَّتِي هي أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، عَطَفَ عَلَيْها الإخْبارَ بِأنَّهم لَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ بَلْ حاجُّوهُ، فَقالَ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ بِأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْ عِبادَتِها لِأنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ، وأنَّهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الكَلامِ فِيها أصابَتْهُ بِبَعْضِ النَّوازِلِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ التَّسْلِيَةِ لِهَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الكَرِيمِ - عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ - .
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مُحاجَّتَهم بَعْدَ هَذِهِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ في غايَةٍ مِنَ السُّقُوطِ - سَفَلَتْ عَنِ الحَضِيضِ، نَزَّهَ المَقامَ عَنْ ذِكْرِها، إشارَةً إلى أنَّها بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ، وبَيَّنَ جَوابَهُ لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَمَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: بَقَوْلٍ، مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهم: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ وصَرَّحَ بِاسْمِ الرَّبِّ العَلَمِ الأعْظَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيُّ شَيْءٍ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ لا سِيَّما التَّوْحِيدُ ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿هَدانِي﴾ أيْ: أرْشَدَنِي بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ إلى مَعْرِفَةِ كُلِّ ما يَثْبُتُ لَهُ ويُنْفى عَنْهُ، أيْ: لِأنَّهُ قادِرٌ، فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى قَدْ أحْسَنَ إلَيْهِ، فَهو يَرْجُوهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ الإحْسانِ، ويَخافُهُ مِن عَواقِبِ العِصْيانِ؛ لِأنَّ مَن رُجِيَ خَيْرُهُ خِيفَ ضَيْرُهُ، ومَن كانَ بِيَدِهِ النَّفْعُ والضُّرُّ والهِدايَةُ والإضْلالُ فَهو مِن وُضُوحِ الأمْرِ وظُهُورِ الشَّأْنِ بِحَيْثُ لا تُوَجَّهُ نَحْوَهُ (p-١٦٤)المُحاجَّةُ، وأتْبَعُهُ بَيانَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ مَسْلُوبٌ عَنْها ما يُوَجَّهُ إلَيْهِ الهِمَمَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأنا أرْجُوهُ وأخافُهُ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ ولا أرْجُوهُ لِهِدايَةٍ ولا إضْلالٍ ولا غَيْرِهِما لِأنَّهُ عاجِزٌ، فَأثْبَتَ لِلَّهِ القُدْرَةَ بِالهِدايَةِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ، وطَوى الإضْلالَ لِدِلالَتِها ودِلالَةِ ما نُفِيَ في جانِبِ الشُّرَكاءِ عَلَيْهِ، وأثْبَتَ لِآلِهَتِهِمْ العَجْزَ بِنَفْيِ الخَوْفِ المُسْتَلْزِمِ لِنَفْيِ القُدْرَةِ عَلى الضُّرِّ. وذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلٌ لِأنْ يُخافَ مِنهُ. كُلُّ ذَلِكَ تَلْوِيحًا لَهم بِأنَّ العاقِلَ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُخالِفَ إلّا مَن يَأْمَنُ ضُرَّهُ، فَهم في مُخالَفَتِهِمْ لِلَّهِ في غايَةٍ مِنَ الخَطَرِ، لا يَرْتَكِبُها عاقِلٌ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ.
ولَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ خَوْفَ آلِهَتِهِمْ أبَدًا في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وكانَ مِنَ الأمْرِ البَيِّنِ في الدِّينِ الحَقِّ أنَّهُ لا يَصِحُّ الإيمانُ إلّا مَعَ الإقْرارِ بِخَفاءِ العَواقِبِ عَلى العِبادِ وإثْباتِ العِلْمِ بِها لِلَّهِ تَسْلِيمًا لِمَفاتِيحِ الغَيْبِ إلَيْهِ، وقَصْرِها عَلَيْهِ؛ قالَ مُسْتَثْنِيًا مِن سَبَبِ النَّفْيِ، وهو أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي﴾ المُحْسِنُ إلَيَّ في حالِ الضُّرِّ كَما هو مُحْسِنٌ في حالِ النَّفْعِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: مِن تَسْلِيطِها بِأنْفُسِها أوْ بِاتِّباعِها؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، فَإنْ أرادَ أنْطَقَ الجَمادَ وأقْدَرَهُ، وأخْرَسَ النّاطِقَ الفَصِيحَ وأعْجَزَهُ، فَأنا لا أخافُ في الحَقِيقَةِ غَيْرَهُ.
(p-١٦٥)ولَمّا كانَ هَذا في صُورَةِ التَّعْلِيقِ، وكانَ التَّعْلِيقُ وما شابَهَهُ مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَصْدُرَ إلّا مِن مُتَرَدِّدٍ، فَيَكُونُ مَوْضِعَ إطْماعٍ لِلْخَصْمِ فِيهِ، عَلَّلَهُ بِما أزالُ هَذا الخَيالَ، فَقالَ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ: فَأحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً، فَهو إذا أرادَ إقْدارَ العاجِزِ أزالَ عَنْهُ كُلَّ مانِعٍ مِنَ القُدْرَةِ، وأثْبَتَ لَهُ كُلَّ مُقْتَضٍ لَها، وذَلِكَ ثَمَرَةُ شُمُولِ العِلْمِ - كَما سَيَأْتِي بُرْهانُهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ ( طَهَ )، فالمُرادُ أنِّي ما تَرَكْتُ الجَزْمَ لِشَكٍّ عِنْدِي، وإنَّما تَرَكْتُهُ لِعَدَمِ عِلْمِي بِالعَواقِبِ إعْلامًا بِأنَّ تِلْكَ رُتْبَةٌ لا تَصْلُحُ إلّا لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى هَذا اتِّباعُهُ لَهُ بِإنْكارِهِ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الإبْلاغِ في التَّذَكُّرِ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا تاءَ التَّفَعُّلِ إشارَةً إلى أنَّ في جِبِلّاتِهِمْ أصْلُ التَّذَكُّرِ الصّادُّ عَنِ الشِّرْكِ: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: يَقَعُ مِنكم تَذَكُّرٌ، فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِأنْ تَذْكُرُوا مَآلَكم مِن أنْفُسِكم بِأنَّ مَن غابَ عَنْ مَرْبُوبِهِ فَسَدَ أوْ كادَ، وأنَّ هَذِهِ الجَماداتِ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وأنَّها مَصْنُوعُكم،
6:81Page 137
وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨١
And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allāh that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?"
وتَعَجَّبَ مِنهم في ظَنِّهِمْ خَوْفَهُ مِن مَعْبُوداتِهِمْ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ أيْ: مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مَعَ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ (p-١٦٦)﴿ولا﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم أنْتُمْ لا ﴿تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ عَلى العَذابِ والنِّقْمَةِ.
ولَمّا كانَ لَهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ قالَ: ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ﴾ أيْ: بِإشْراكِهِ؛ ولَمّا كانَ المَقامُ صَعْبًا لِأنَّهُ أصْلُ الدِّينِ - أثْبَتَ الجارَّ والمَجْرُورَ وقَدَّمَهُ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً تَكُونُ مانِعَةً مِن إنْزالِهِ الغَضَبَ بِكم، والحاصِلُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْقَعَ الأمْنَ في مَوْضِعِهِ وهم أوْقَعُوهُ في مَوْضِعِ الخَوْفِ، فَعَجِبَ مِنهم لِذَلِكَ فَبانَ أنَّ هَذا وقَوْلَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأعْرافِ ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ [الأعراف: ٨٩] الآيَةُ، وقَوْلَهُ تَعالى في الكَهْفِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ؛ ولَمّا كانَ المَحْذُورُ المَنفِيُّ هُنا إنَّما هو خَوْفُ الضَّرَرِ مِن آلِهَتِهِمْ، وكانَ حُصُولُ الضَّرَرِ لِمُخالِفِها بِواسِطَةِ أتْباعِها أوْ غَيْرِهِمْ مِن سُنَنِ اللَّهِ الجارِيَةِ في عِبادِهِ - اقْتَصَرَ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ والكِفايَةِ والحِمايَةِ، وقَدْ وقَعَ في قِصَّتِهِ الأمْرانِ: إمْكانُهم مِن أسْبابِ ضَرَرِهِ بِإيقادِ النّارِ وإلْقائِهِمْ لَهُ فِيها، ورَحْمَتِهِ بِجَعْلِها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا. ولَمّا كانَ المَحْذُورُ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَوْدُ في مِلَّتِهِمْ - زادَ الإتْيانَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ المُنَزَّهِ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ المُقْتَضِي لِاسْتِحْضارِ الجَلالِ والعَظَمَةِ والتَّفَرُّدِ والكِبْرِ المانِعِ مِن دُنُوِّ ساحاتِ الكُفْرِ، (p-١٦٧)واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا بانَ كالشَّمْسِ بِما أقامَ مِنَ الدَّلِيلِ أنَّهُ أحَقُّ بِالأمْنِ مِنهم، قالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى تَقْرِيرًا لَهم: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيْ: حِزْبِ اللَّهِ وحِزْبِ ما أشْرَكْتُمْ بِهِ، ولَمْ يَقُلْ: فَأيُّنا، تَعْمِيمًا لِلْمَعْنى ﴿أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ وألْزَمَهم بِالجَوابِ حَتْمًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: إنْ كانَ لَكم عِلْمٌ فَأخْبِرُونِي عَمّا سَألْتُكم عَنْهُ؛
6:82Page 138
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٨٢
They who believe and do not mix their belief with injustice1 - those will have security, and they are [rightly] guided.
ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ دِلالَةً عَلى أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا لِيُخْبِرُوا عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ قَوْلَهُ مُسْتَأْنِفًا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الفِعْلَ ﴿ولَمْ﴾ أيْ: وصَدَّقُوا دَعْواهم بِأنَّهم لَمْ ﴿يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ﴾ أيْ: يُخالِطُوهُ ويَشُوبُوهُ ﴿بِظُلْمٍ﴾
ولَمّا كانَ المَعْنى: أحَقُّ بِالأمْنِ، عَدَلَ عَنْهُ إلى قَوْلِهِ مُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ تَنْبِيهًا عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الأمْنُ﴾ أيْ: لِما تَقَدَّمَ مِن وصْفِهِمْ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ ضالُّونَ، فَأنْتُمْ هالِكُونَ لِإشْرافِكم عَلى المَهالِكِ ( وتَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ فِيما أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِهَذا الظُّلْمِ المُطْلَقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ ) الَّذِي هو ظُلْمٌ مَوْصُوفٌ بِالعِظَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] تَنْبِيهٌ لِلصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلى أنَّ هَذا التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ، ولِأنَّهم أهْلُ اللِّسانِ المَطْبُوعُونَ فِيهِ صَفَوْا بِذَلِكَ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ، ولا شَكَّ أنَّ السِّياقَ كُلَّهُ في التَّنْفِيرِ عَنِ الشِّرْكِ، وأنَّهُ دالٌّ عَلى الحَثِّ عَلى التَّبَرِئِ (p-١٦٨)عَنْ قَلِيلِ الشِّرْكِ وكَثِيرِهِ، فَآلَ الأمْرُ إلى أنَّ المُرادَ: ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشَيْءٍ مِنَ الشِّرْكِ، فالتَّنْوِينُ حِينَئِذٍ لِلتَّحْقِيرِ كَما هو لِلتَّعْظِيمِ، فَهو مِن اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أوْ في مَعْنَيْهِ المُشْتَرِكِ فِيهِما لَفْظُهُ مَعًا - واللَّهُ أعْلَمُ.
6:83Page 138
وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣
And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.
ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ انْتَصَبَ لِإظْهارِ حُجَّةِ اللَّهِ في التَّوْحِيدِ والذَّبِّ عَنْها، وكانَ التَّقْدِيرُ -تَنْبِيهًا لِلسّامِعِ عَلى حُسْنِ ما مَضى نَدْبًا لِتَدَبُّرِهِ -: هَذِهِ مُقاوَلَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ وقَوْمِهِ -عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعَدِّدًا وُجُوهَ نِعَمِهِ عَلَيْهِ وإحْسانِهِ إلَيْهِ، دالًّا عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ بَعْدَ إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ: ﴿وتِلْكَ﴾ أيْ: وهَذِهِ الحُجَّةُ العَظِيمَةُ الشَّأْنِ الَّتِي تَلَوْناها عَلَيْكم، وهي ما حاجَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ قَوْمَهُ، وعَظَّمَهُ بِتَعْظِيمِها فَقالَ: ﴿حُجَّتُنا﴾ أيْ: الَّتِي يَحِقُّ لَها - بِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ - أنْ تُضافَ إلَيْنا؛ لِأنَّها مِن أشْرَفِ النِّعَمِ وأجَلِّ العَطايا ﴿آتَيْناها﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إبْراهِيمَ﴾ وأوْقَفْناهُ عَلى حَقِيقَتِها وبَصَّرْناهُ بِها، ونَبَّهَ عَلى ارْتِفاعِ شَأْنِها بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ مُضَمِّنًا لِـ ( آتَيْنا ) ( أقَمْنا )، فَقالَ: ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ: مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ غالِبًا لَهم قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ الحُجَّةُ الَّتِي نَصَبَها، ثُمَّ زادَ في الإعْلامِ بِفَضْلِهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿نَرْفَعُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ كَما رَفَعْنا (p-١٦٩)دَرَجَةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى جَمِيعِ أهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ.
ولَمّا كانَتْ مُحاجَّتُهُ لَهم عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ الَّذِي نَسَبُوا الخَلْقَ والتَّدْبِيرَ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ إلَيْهِ، وكانَ في خِتامِ مُحاجَّتِهِ لَهم أنَّ الجارِيَ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ أنَّ المَلِكَ الحَقَّ لا يُهِينُ جُنْدَهُ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ؛ كانَ الأنْسَبُ أنْ يُقَدِّمَ في خَتْمِ الآيَةِ وصْفَ الحِكْمَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: خاصًّا لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالمُخاطَبَةِ بِاسْمِ الإحْسانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حَجْبَهُ الدَّلِيلَ عَمَّنْ يَشاءُ لِحِكَمٍ أرادَها - سُبْحانَهُ - فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَفْعَلُ بِحِزْبِهِ إلّا ما ظَنَّهُ بِهِ خَلِيلُهُ ﷺ مِمّا يُقِرُّ أعْيُنَهم، إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ وإمّا فِيهِما ﴿عَلِيمٌ﴾ فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَفْعَلُ بِهِ ما يَحِلُّ بِالحِكْمَةِ.
6:84Page 138
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٤
And We gave to him [i.e., Abraham] Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.
ولَمّا أشارَ إلى رِفْعَتِهِ بِأنَّهُ بَصَّرَهُ بِالحُجَّةِ حَتّى كانَ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ، وأنَّهُ عَلا عَلى المُخالِفِينَ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، أتْبَعَ ذَلِكَ ما دَلَّ عَلَيْها وعَلى حِكْمَتِهِ بِعِلْمِهِ بِالعَواقِبِ، فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّهُ جَعَلَهُ عَزِيزًا في الدُّنْيا لِأنَّ (p-١٧٠)أشْرَفَ النّاسِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ، وهم مِن نَسْلِهِ وذُرِّيَّتِهِ، ورَفَعَ ذِكْرَهُ أبَدًا لِأجْلِ قِيامِهِ بِالذَّبِّ عَنْ تَوْحِيدِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ: لِخَلِيلِنا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إسْحاقَ﴾ ولَدًا لَهُ عَلى الكِبَرِ حَيْثُ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ ولا لِمِثْلِ زَوْجَتِهِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: ولَدَ ولَدٍ، وابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِهِما لِأنَّ السِّياقَ لِلِامْتِنانِ عَلى الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو أشَدُّ سُرُورًا بِابْنِهِ الَّذِي مُتِّعَ بِهِ ولَمْ يُؤْمَرْ بِفِراقِهِ وابْنِ ابْنِهِ الَّذِي أكْثَرُ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ مِن نَسْلِهِ ومِن خَواصِّهِ، وهو المُوجِبُ الأعْظَمُ لِلْبَداءَةِ أنَّ أبْناءَهُ طَهَّرُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي هي مُهاجَرُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُخْتارُهُ لِلسُّكْنى بِنَفْسِهِ ونَسْلِهِ، بَلْ مُخْتارُ اللَّهِ لَهُ ولَهم بَعْدَهُ بِمَدَدِ طَهُورِها مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، ودَعَوْا إلى اللَّهِ ونَوَّرُوا الأرْضَ بِعِبادَتِهِ.
ولَمّا كانَتْ النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالهِدايَةِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُقَدِّمًا لِلْمَفْعُولِ لِيَشْمَلَ الكَلامُ إيّاهُما: ﴿كُلا﴾ أيْ: مِنهُما ومِن أبِيهِما ﴿هَدَيْنا﴾ ثُمَّ أتْبَعُ ذَلِكَ المُهْتَدِينَ قَدِيمًا وحَدِيثًا تَأْكِيدًا لِأنَّ هَذا المَذْهَبَ لَمْ يَزَلْ خُلَّصُ العِبادَ دُعاةً إلَيْهِ في قَدِيمِ الزَّمانِ وجَدِيدِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ تَلْزَمُونَ دِينَكم؛ لِأنَّهُ (p-١٧١)عِنْدَكم حَقٌّ، فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكم بُطْلانُهُ، وأنَّ الحَقَّ إنَّما هو التَّوْحِيدُ، وإنْ كُنْتُمْ تَلْزَمُونَهُ لِقِدَمِهِ فَهَذا الدِّينُ - الَّذِي - دَعاكم إلَيْهِ رَسُولِي مَعَ وُضُوحِ الدِّلالَةِ عَلى حَقِّيَّتِهِ - هو القَدِيمُ الَّذِي دَعاكم إلَيْهِ نُوحٌ ومَن تَلاهُ مِن خُلَّصِ ذُرِّيَّتِهِ إلى إبْراهِيمَ أبِيكم الأعْظَمِ ومَن بَعْدَهُ مِن خُلَّصِ ذُرِّيَّتِهِ إلى عِيسى، ثُمَّ إلى هَذا الرَّسُولِ الَّذِي هو دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى - عَلى الكُلِّ أبْلَغُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ - فَهو أحَقُّ بِالِاتِّباعِ مِن جِهَةِ الحَقِّيَّةِ والأقْدَمِيَّةِ، وإنْ كُنْتُمْ تَلْزَمُونَهُ لِمُجَرَّدِ اتِّباعِ الآباءِ فَلَيْسَ في آبائِكم مِثْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَلَوْتُ عَلَيْكم في كَلامِي الَّذِي أقَمْتُ الدَّلِيلَ القَطْعِيَّ بِعَجْزِكم عَنْهُ عَلى صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلى ما حاجَّ بِهِ أباهُ وقَوْمَهُ في إبْطالِ الأوْثانِ الَّتِي أضَلَّتْكم، فَهو أوْلى آبائِكم أنْ تَعْتَدُّوا بِهِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمِ أنَّ هِدايَةَ كُلٍّ مِن إسْحاقَ وابْنِهِ بِتَرْبِيَةِ أبِيهِ، ذَكَرَ العاشِرَ مِن آباءِ الخَلِيلِ وهو نُوحٌ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِدَفْعِ ذَلِكَ، ولِأنَّ السِّياقَ لِإنْكارِ الأوْثانِ، وهو أوَّلُ مَن نَهى عَنْ عِبادَتِها، وهو أجَلُّ آباءِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مِن بَيْنِ ذَلِكَ الجِيلِ الأعْوَجِ.
ولَمّا كانَتْ لَمْ تَتَجاوَزْ مِنهُ، وكانَ زَمَنُهُ بَعْضَ الزَّمَنِ المُتَقَدِّمِ -أثْبَتَ الجارَّ وقَطَعَهُ عَنِ الإضافَةِ لِتَراخِي زَمانِهِمْ كَثِيرًا عَنْ زَمانِهِ فَقالَ: (p-١٧٢)﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: ولَمْ تَكُنْ هِدايَتُهُ إلّا بِنا في زَمانٍ كانَ أهْلُهُ مِن شِدَّةِ الضَّلالِ ولُزُومِ الظُّلْمِ في مِثْلِ اسْتِقْبالِ اللَّيْلِ، كُلَّما امْتَدَّ احْلَوْلَكَ ظَلامُهُ واشْتَدَّ، وطالَما دَعاهم إلى اللَّهِ ورَبّاهم فَلَمْ يَرْجِعْ مِنهم كَثِيرًا أحَدٌ حَتّى لَقَدْ خالَفَهُ زَوْجُهُ وبَعْضُ ولَدِهِ، ولِمِثْلِ ذَلِكَ فَصَلَ بَيْنَ إسْماعِيلَ وأبِيهِ ويُوسُفَ وأبِيهِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - إشارَةً إلى فِراقِ كُلٍّ مِنهُما لِأبِيهِ في الحَياةِ، وأنَّهُ ما حَفِظَ كُلًّا مِنهُما عَلى سُنَنِ الهُدى طُولَ المَدى - إلّا اللَّهُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ المَذْكُورِينَ بَعْدُ بِمَن بَنى عَلى يَدِهِ ويَدِ ابْنِهِ مَسْجِدًا هو بَعْدُ المَسْجِدُ الَّذِي بَناهُ إبْراهِيمُ ووَلَدُهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾
ولَمّا كانَ السِّياقُ كُلُّهُ لِمَدْحِ الخَلِيلِ، وكانَ المَذْكُورُونَ - إلّا لُوطًا - مِن نَسْلِهِ، وكانَ التَّغْلِيبُ مُسْتَعْمَلًا شائِعًا في لِسانِ العَرَبِ، لا سِيَّما ولُوطٌ ابْنُ أخِيهِ ومِثْلُ ولَدِهِ - حَكَمَ بِأنَّ الضَّمِيرَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَ مِن نَسْلِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ هو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهو أحَدُ مَن ذُكِرَ في سِفْرِ الأنْبِياءِ، وسَيَأْتِي خَبَرُهُ مِنَ السِّفْرِ المَذْكُورِ في سُورَةِ ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - وقَدْ صَرَّحَ أبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الكِسائِيُّ في قَصَصِ الأنْبِياءِ أنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، واقْتَضى كَلامُهُ أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كَما اقْتَضى ذَلِكَ (p-١٧٣)كَلامُ البَغَوِيِّ في سُورَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - وأمّا أيُّوبُ فَرُوِيَ مِن نَسْلِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - ﴿داوُدَ﴾ أيْ: هَدَيْناهُ ﴿وسُلَيْمانَ﴾ أيْ: اللَّذَيْنِ بَنَيا بَيْتَ المَقْدِسِ بِأمْرِ اللَّهِ: داوُدُ بِخَطِّهِ وتَأْسِيسِهِ، وسُلَيْمانُ بِإكْمالِهِ وتَشْيِيدِهِ.
وما كانَ مَعَ ذَلِكَ مَلَكَيْنِ، تَلاهُما بِمَن شابَهَهُما في المُلْكِ أوْ الحُكْمِ عَلى المُلُوكِ فَقالَ: ﴿وأيُّوبَ﴾ وقَدَّمَهُ لِمُناسَبَةِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ سُلَيْمانَ في أنَّ كُلًّا مِنهُما ابْتُلِيَ بِأخْذِ كُلِّ ما في يَدِهِ ثُمَّ رَدِّ اللَّهِ إلَيْهِ ﴿ويُوسُفَ﴾ وكُلٌّ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، واغْتَنى فَشَكَرَ، وأيُّوبُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا فَقَدْ كانَتْ ثَرْوَتُهُ غَيْرَ مُقَصِّرَةٍ عَنْ ثَرْوَةِ المُلُوكِ، عَلى أنَّ بَعْضَ الطَّلَبَةِ أخْبَرَنِي عَنْ تَفْسِيرِ الهَكّارِيِّ - فِيما أظُنُّ - أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّهُ مَلِكٌ، وأيْضًا فالِاثْنانِ الأوَّلانِ كانا سَبَبَ إصْلاحِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ الفَسادِ واسْتِنْقاذِهِمْ مِن ذُلٍّ الفِلِسْطِينِ، والِاثْنانِ الباقِيانِ كُلٌّ مِنهُما ابْتُلِيَ بِفِراقِ أهْلِهِ ثُمَّ رُدُّوا عَلَيْهِ: أيُّوبُ بَعْدَ أنْ ماتُوا، ويُوسُفُ قَبْلَ المَوْتِ، (p-١٧٤)وأيْضًا فَداوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شارَكَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في أنَّهُ كانَ سَبَبَ سَلامَتِهِ مِن مَلِكِ زَمانِهِ الِاخْتِفاءُ في غارٍ، وذَلِكَ أنَّ نُمْرُودَ بْنَ الكَنْعانِ كانَ ادَّعى الإلَهِيَّةَ وأطْمَعَ فِيها، وقالَ لَهُ مُنَجِّمُوهُ: يُولَدُ في بَلَدِكَ هَذا العامَ غُلامٌ يُغَيِّرُ دِينَ أهْلِ الأرْضِ، ويَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدِهِ، فَأمَرَ بِذَبْحِ كُلِّ غُلامٍ في ناحِيَتِهِ في تِلْكَ السَّنَةِ، وأمَرَ بِعَزْلِ الرِّجالِ عَنِ النِّساءِ، وحَمَلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ في تِلْكَ السَّنَةِ، فَلَمّا وجَدَتْ الطَّلْقَ خَرَجَتْ لَيْلًا إلى غارٍ قَرِيبٍ مِنها فَوَلَدَتْ فِيهِ إبْراهِيمَ وأصْلَحَتْ مِن شَأْنِهِ، ثُمَّ سَدَّتْ فَمَ الغارِ ورَجَعَتْ، ثُمَّ كانَتْ تُطالِعُهُ فَتَجِدُهُ يَمْتَصُّ إبْهامَهُ، وكانَ يَشِبُّ في اليَوْمِ كالشَّهْرِ وفي الشَّهْرِ كالسَّنَةِ؛ وأمّا داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ لَمّا قَتَلَ جالُوتَ وزَوَّجَهُ طالُوتُ ابْنَتَهُ، وناصَفَهُ مُلْكَهُ - عَلى ما كانَ شَرَطَ لِمَن قَتَلَ جالُوتَ - مالَ إلَيْهِ النّاسُ وأحَبُّوهُ، فَحَسَدَهُ فَأرادَ قَتْلَهُ، فَطَلَبَهُ فَهَرَبَ مِنهُ، فَدَخَلَ غارًا فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ العَنْكَبُوتُ، فَقالَطالُوتُ: لَوْ دَخَلَ هُنا لَخَرَقَ بِناءَ العَنْكَبُوتِ، فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنهُ؛ وتَلاهُ بِسُلَيْمانَ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مِن أهْلِ المُلْكِ والبَلاءِ شارَكَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - في إبْطالِ عِبادَةِ الشَّمْسِ في قِصَّةِ بِلْقِيسَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وقِصَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في إبْطالِ عِبادَةِ الأوْثانِ شَهِيرَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]
(p-١٧٥)ولَمّا كانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمَّنْ أعْلى اللَّهُ كَلِمَتَهُ عَلى كَلِمَةِ مَلِكِ مِصْرَ وأعَزَّ مُلْكَها وأهْلَها وأحْياهم بِهِ - أتْبَعَهُ مَن أعْلى اللَّهُ كَلِمَتَهُما عَلى كَلِمَةِ مَلِكِ مِصْرَ وأهْلِها وأهْلَكَهم بِهِما، فَكَأنَّ بَعْضَ قَصَصِهِمْ وِفاقٌ، وبَعْضَها تَقابُلٌ وطِباقٌ، فَقالَ: ﴿ومُوسى وهارُونَ﴾ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَدَيْناهم جَزاءً لِإحْسانِهِمْ بِاهْتِدائِهِمْ في أنْفُسِهِمْ ودُعائِهِمْ لِغَيْرِهِمْ إلى الهُدى، لَمْ يَشْغَلْ أحَدًا مِنهم مِنحَةُ السَّرّاءِ ولا مِحْنَةُ الضَّرّاءِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلِ ما جَزَيْناهم ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: كُلَّهم، فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ مَقامِهِمْ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وهي أنَّهم مِن أهْلِ السَّرّاءِ المُطْفِئَةِ والضَّرّاءِ المُسْنِيَةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أحْسَنُوا ولَمْ يَفْتَرُوا ولَمْ يَنُوا.
6:85Page 138
وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٥
And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.
ولَمّا كانَ المَذْكُورانِ قَبْلَهُ مِمَّنْ سَلَّطَهُما عَلى المُلُوكِ، أتْبَعَهُما مَن سَلَّطَ المُلُوكَ عَلَيْهِما بِالقَتْلِ فَقالَ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُما مَن عانَدَهُما المُلُوكُ ولَمْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِما وأدامَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - حَياتَهُما إلى أنْ يُرِيدَ - سُبْحانَهُ - فَقالَ: ﴿وعِيسى وإلْياسَ﴾ ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ مِنَ الصّابِرِينَ، قالَ مادِحًا لَهم عَلى وجْهٍ يَعُمُّ مَن قَبْلَهم: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: مِنَ المَذْكُورِينَ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾
6:86Page 138
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٦
And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.
ثُمَّ أتْبَعَهم مَن لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما وبَيْنَ المُلُوكِ (p-١٧٦)أمْرٌ، وهَدى بِهِما مَن كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِ، فَقالَ: ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾ هَذا إنْ كانَ اليَسَعُ هو ابْنَ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ خَلِيفَةُ إلْياسَ، كَما ذَكَرَ البَغَوِيُّ في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ إلى إلْياسَ - وهو مِن سَبْطِ لاوِي مِن نَسْلِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَسًا مِن نارٍ فَرَكِبَهُ فَرَفَعَهُ اللَّهُ وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وكَساهُ الرِّيشَ، فَكانَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا أرْضِيًّا سَماوِيًّا، وسَلَّطَ اللَّهُ عَلى آجب - يَعْنِي: المَلِكَ الَّذِي سَلَّطَ عَلى إلْياسَ - عَدُوًّا فَقَتَلَهُ ونَبَّأ اللَّهُ اليَسَعَ وبَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأيَّدَهُ فَآمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وكانُوا يُعَظِّمُونَهُ وإنْ كانَ اليَسَعُ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ - كَما قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ - فالمُناسَبَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - أنَّ كُلًّا مِنهُما كانَ صادِقَ الوَعْدِ؛ لِأنَّ يُوشَعَ أحَدُ النَّقِيبَيْنِ اللَّذَيْنِ وفَّيا لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ بَعَثَهم يَجُسُّونَ بِلادَ بَيْتِ المَقْدِسِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] وقَوْلِهِ ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣] وأيْضًا فَكُلٌّ مِنهُما كانَ سَبَبَ عِمارَةِ بَلَدِ اللَّهِ الأعْظَمِ بِالتَّوْحِيدِ، فَإسْماعِيلُ سَبَبُ عِمارَةِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، ويُوشِعُ سَبَبُ عِمارَةِ البَلْدَةِ المُقَدَّسَةِ - كَما سَيَأْتِي (p-١٧٧)فِي سُورَةِ يُونُسَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - .
ولَمّا كانَ إسْماعِيلُ واليَسَعُ مِمَّنْ هَدى اللَّهُ بِهِما قَوْمَهُما مِن غَيْرِ عَذابٍ، أتْبَعَهُما مَن هَدى اللَّهُ قَوْمَهُ بِالعَذابِ وأنْجاهم بَعْدَ إتْيانِ مَخايِلِهِ فَقالَ: ﴿ويُونُسَ﴾ أيْ: هَدَيْناهُ. ولَمّا انْقَضَتْ ذُرِّيَّةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَتَمَ بِابْنِ أخِيهِ الَّذِي ضَلَّ قَوْمُهُ فَهَلَكُوا بَغْتَةً، فَبَيْنَ قِصَّتَيْ هَذَيْنِ الآخَرَيْنِ طِباقٌ مِن جِهَةِ الهَلاكِ والنَّجاةِ، ووِفاقٌ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما أُرْسِلَ إلى غَيْرِ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿ولُوطًا﴾ ثُمَّ وصَفَهم بِما يَعُمُّ مَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿وكُلا﴾ أيْ: مِمَّنْ ذَكَرْنا ﴿فَضَّلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِتَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ فَكُلُّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِمَّنْ هَداهُ اللَّهُ بِهُداهُ وجاهَدَ في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، وبَدَأهم تَعالى بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وخَتَمَهم بِابْنِ أخِيهِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى هَذِهِ المُناسَبَةِ الحَسَنَةِ؛ وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ قَوْمَ إبْراهِيمَ - نُمْرُودَ وجُنُودَهُ - بَعْدَ هِجْرَتِهِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ تَمَّتْ المُناسَبَةُ في هَلاكِ كُلٍّ مِن قَوْمِهِ وقَوْمِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ بَعْدَ خُرُوجِ نَبِيِّهِمْ عَنْهم، فَيَكُونُ بَيْنَهُما وِفاقٌ كَما كانَ بَيْنَ قِصَّتِهِ وقِصَّةِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طِباقٌ.
ومِن لَطائِفَ تَرْتِيبِهِمْ هَكَذا أيْضًا أنَّ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُوازِي نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ رابِعٌ في العَدِّ لِهَذا العِقْدِ إذا عَدَدْتَهُ مِن آخِرِهِ، كَما أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - رابِعُهُ إذا عَدَدْتَهُ مِن أوَّلِهِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَهُما أنَّ (p-١٧٨)نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَرَ اللَّهُ مِنهُ الآدَمِيِّينَ حَتّى كانَ مِنهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أبًا لِلْأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَرَ اللَّهُ مِنهُ العَرَبَ الَّذِينَ هم خُلاصَةُ الخَلْقِ حَتّى كانَ مِنهم مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ خاتَمَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، فَهَذا كانَ بِدايَةً وهَذا كانَ نِهايَةً، وأنَّ المَذْكُورِينَ قَبْلَ ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَعْدَها - وهُما نُوحٌ ولُوطٌ عَلَيْهِما السَّلامُ - أهْلَكَ اللَّهُ قَوْمَ كُلٍّ مِنهُما عامَّةً، وغَيَّبَ هَؤُلاءِ في جامِدِ الأرْضِ كَما أغْرَقَ أُولَئِكَ في مانِعِ الماءِ، وأشْقى بِكُلٍّ مِنهُما زَوْجَتَهُ، بَيانًا لِأنَّ الرُّسُلَ كَما يَكُونُونَ لِناسٍ رَحْمَةً يَكُونُونَ عَلى قَوْمٍ نِقْمَةً، وأنَّهُ لا نَجاةَ بِهِمْ ولا انْتِفاعَ إلّا بِحُسْنِ الِاتِّباعِ، وأنَّ ابْنَ عِمْرانَ اشْتَرَكَ مَعَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - في أنَّ كُلًّا مِن مَلِكَيْ زَمانِهِمْ أمَرَ بِقَتْلِ الغِلْمانِ خَوْفًا مِمَّنْ يُغَيِّرُ دِينَهُ ويَسْلُبُهُ مُلْكَهُ، وكَما أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْجى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وابْنَ أخِيهِ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مَلِكِ زَمانِهِما المُدَّعِي لِلْإلَهِيَّةِ فَكَذَلِكَ أنْجى مُوسى وأخاهُ هارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِن مَلِكِ زَمانِهِما المُدَّعِي لِلْآلِهَةِ، وأنْجى ذُرِّيَّةَ إبْراهِيمَ بِهِما، فَإذا جَعَلْتَ إبْراهِيمَ وابْنَ أخِيهِ لُوطًا - لِكَوْنِهِ تابِعًا لَهُ - واحِدًا، ومُوسى وأخاهُ هارُونَ واحِدًا لِمِثْلِ ذَلِكَ، ونَظَمْتَ أسْماءَ جَمِيعِ هَذِهِ (p-١٧٩)الأنْبِياءِ في سِلْكِ النَّقِيِّ: لُوطٍ مَعَ إبْراهِيمَ كَمُوسى مَعَ هارُونَ، وكانَ الأرْبَعَةُ واسِطَةَ عُقْدَةٍ، فَبَيْنَ إبْراهِيمَ ومُوسى حِينَئِذٍ سَبْعَةٌ كَما أنَّ بَيْنَ هارُونَ ولُوطٍ سَبْعَةٌ، وإذا ضَمَمْتَ إلَيْهِمْ المَقْصُودَ بِالذّاتِ المُخاطَبَ بِهَذِهِ الآياتِ المَأْمُورَ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] كانَ مَنزِلُهُ في السِّلْكِ بَيْنَ ابْنِ عَمِّهِ لُوطٍ وأبِيهِ إبْراهِيمَ، ويَكُونُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ تِسْعَةٌ، ومِن خَلْفِهِ تِسْعَةٌ، فَمِن إبْراهِيمَ إلى مُوسى تِسْعَةٌ، ومِن لُوطٍ إلى هارُونَ كَذَلِكَ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واسِطَ العِقْدِ ومُكَمِّلَ العِقْدِ، فَإنَّهُ العاشِرُ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَبِهِ تَكْمُلُ الهُدى وإيجابُ الرَّدى، وذَلِكَ طِبْقَ قَوْلِهِ ﷺ فِيما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
«( مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى بَيْتًا فَأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زَواياهُ، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ويَعْجَبُونَ لَهُ ويَقُولُونَ: هَلّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، فَأنا اللَّبِنَةُ وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ)» ولِلْبُخارِيِّ نَحْوُهُ عَنْ جابِرٍ، هَذا مَعَ اقْتِرانِهِ بِأقْرَبِ أُولِي العَزْمِ رُتْبَةً ونَسَبًا صاحِبِ القِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ جَعَلْتَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَشَيْءٍ واحِدٍ كانا واسِطَةً مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَإنْ عَدَدْتَ مِن جِهَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما ثَمانِيَةٌ، وإنْ عَدَدْتَ (p-١٨٠)مِن جِهَةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ كَذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences