Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:87–94
6:87Page 138
وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٨٧
And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.
ولَمّا نَصَّ - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ، وخَتَمَ بِتَفْضِيلِ كُلٍّ عَلى العالَمِينَ - أتْبَعَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ غَيْرَهم كانَ مَهْدِيًّا، وأنَّ فَضْلَ هَؤُلاءِ عِلَّةُ النَّصِّ لَهم عَلى أسْمائِهِمْ، فَقالَ تَرْغِيبًا في سُلُوكِ هَذا السَّبِيلِ بِكَثْرَةِ سالِكِيهِ وحَثًّا عَلى مُنافَسَتِهِمْ في حُسْنِ الِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ والسُّلُوكِ فِيهِ: ﴿ومِن﴾ أيْ: وهَدَيْنا أوْ: وفَضَّلْنا مِن ﴿آبائِهِمْ﴾ أيْ: أُصُولِهِمْ ﴿وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: مِن فُرُوعِهِمْ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ ﴿وإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: فُرُوعِ أُصُولِهِمْ، وعَطَفَ عَلى العامِلِ المُقَدَّرِ قَوْلَهُ: ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ أيْ: واخْتَرْناهم، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانَ ما هُدُوا إلَيْهِ حَثًّا لَنا عَلى شُكْرِهِ عَلى ما زادَنا مِن فَضْلِهِ فَقالَ: ﴿وهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بِما تَقَدَّمَ مِنَ الهِدايَةِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وأمّا الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ فَخَصَصْناكم بِهِ وأقَمْناكم عَلَيْهِ، فاعْرِفُوا نِعْمَتَنا عَلَيْكم واذْكُرُوا تَفْضِيلَنا لَكم.
6:88Page 138
ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٨
That is the guidance of Allāh by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allāh, then worthless for them would be whatever they were doing.
ولَمّا كانَ رُبَّما أوْهَمَ تَنْكِيرَهُ نَقْصًا فِيهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا بَيانًا لِكَمالِهِ وتَعْظِيمًا لِفَضْلِهِ وإفْضالِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: الهُدى العَظِيمُ الرُّتْبَةِ ﴿هُدى اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يَهْدِي﴾ أيْ: يَخْلُقُ الهِدايَةَ ﴿بِهِ﴾ أيْ: بِواسِطَةِ الإقامَةِ عَلَيْهِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: سَواءٌ كانَ لَهُ أبٌ (p-١٨١)يُعَلِّمُهُ أوْ كانَ لَهُ مَن يَحْمِلُهُ عَلى الضَّلالِ أوَّلًا؛ ولَمّا بَيَّنَ فَضْلَ الهُدى ونَصَّ عَلى رُؤُوسِ أهْلِهِ، تَهَدَّدَ مَن تَرَكَهُ كائِنًا مَن كانَ، فَقالَ مُظْهِرًا لِعِزِّ الإلَهِيَّةِ بِالغِنى المُطْلَقِ مُنَزِّهًا نَفْسَهُ عَمّا لُوحِظَ فِيهِ غَيْرُهُ ولَوْ بِأدْنى لَحْظٍ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنا مِن مَدْحِهِمْ ما سَمِعْتَ وبَيَّنّا مِن اخْتِصاصِنا لَهم ما عَلِمْتَ - شَيْئًا مِن شِرْكٍ وقَدْ أعاذَهم اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وأقامَ بِهِمْ مُعْوَجَّ المَسالِكِ، وأنارَ بِهِمْ ظَلامَ الأرْضِ بِطُولِها والعَرْضِ ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فَسَدَ وسَقَطَ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: وإنْ كانَ في غايَةِ الإتْقانِ بِقَوانِينِ العِلْمِ،
6:89Page 138
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩
Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if they [i.e., the disbelievers] deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.
وزادَ في التَّرْهِيبِ مِنَ التَّوانِي في السَّيْرِ والزَّيْغِ عَنْ سُوءِ القَصْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ الَّذِينَ قَدَّمْنا ذِكْرَهم وأخْبَرْنا أنَّهم لَوْ أشْرَكُوا سَقَطَتْ أعْمالُهم ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَمَن مَلَكَ ما فِيهِ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ حَكَمَ عَلى البَواطِنِ، وذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ يُحِبُّونَهُ فَيَنْقادُونَ لَهُ بِبَواطِنِهِمْ ﴿والحُكْمَ﴾ أيْ: العَمَلَ المُتْقَنَ بِالعِلْمِ، ومِنهُ نُفُوذُ الكَلِمَةِ عَلى الظَّواهِرِ بِالسَّلْطَنَةِ وإنْ كَرِهَتْ البَواطِنُ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ أيْ: العِلْمَ المُزَيَّنَ بِالحُكْمِ وهي وضْعُ كُلِّ شَيْءٍ في أحَقِّ مَواضِعِهِ، فَهي جامِعَةٌ لِلْمَرْتَبَتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ؛ فَلِذَلِكَ كانَ الأنْبِياءُ يَحْكُمُونَ عَلى البَواطِنِ بِما عِنْدَهم (p-١٨٢)مِنَ العِلْمِ، وعَلى الظَّواهِرِ بِما يَظْهَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ تَعْظِيمِها بِذَلِكَ تَعْظِيمَها بِأنَّها لا تَبُورُ، فَقالَ تَسْلِيَةً عَنِ المُصِيبَةِ بِطَعْنِ الطّاعِنِينَ فِيها وإعْراضِ الجاهِلِينَ عَنْها، وتَرْجِيَةً عِنْدَما يُوجِبُ اليَأْسُ مِن نُفْرَةِ أكْثَرِ المَدْعُوِّينَ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ العَظِيمَةُ ﴿هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ أنْتَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وقَدْ حَبَوْناهم بِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ وأعْلاهُ وأجْمَلِهِ، وأنْتَ تَدْعُوهم إلى أنْ يَكُونُوا سُعَداءَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى وهم عَنْهُ مُعْرِضُونَ، ولَعَلَّ الإشارَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا﴾ أيْ: لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في الماضِي والحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿بِها قَوْمًا﴾ أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ عَلى القِيامِ بِالأُمُورِ بِالإيمانِ بِها والحِفْظِ لِحُقُوقِها ﴿لَيْسُوا﴾ وقَدَّمَ الجارَّ اهْتِمامًا فَقالَ: ﴿بِها بِكافِرِينَ﴾ أيْ: بِساتِرِينَ الشَّيْءَ مِمّا ظَهَرَ مِن شُمُوسِ أدِلَّتِها، وهم الأنْبِياءُ ومَن تَبِعَهم، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ - ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ! فَقَدْ جاءَ في هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ العُلَماءِ الأخْيارِ والرّاسِخِينَ الأحْبارِ مَن لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ.
6:90Page 138
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ ٩٠
Those are the ones whom Allāh has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for it [i.e., this message] no payment. It is not but a reminder for the worlds."
ولَمّا كانَ المُرادُ بِسَوْقِهِمْ هَكَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ كُلًّا مِنهم بادَرَ بَعْدَ الهِدايَةِ إلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والغَيْرَةِ عَلى جَلالِهِ مِنَ الإشْراكِ، لَمْ يُشْغِلْ (p-١٨٣)أحَدًا مِنهم عَنْ ذَلِكَ سَرّاءٌ ولا ضَرّاءٌ بِمُلْكٍ ولا غَيْرِهِ مِن مَلِكٍ أوْ غَيْرِهِ بَلْ لازَمُوا الهُدى والدُّعاءَ إلَيْهِ عَلى كُلِّ حالٍ - قالَ مُسْتَأْنِفًا لِتَكْرارِ أمْداحِهِمْ بِما يَحْمِلُ عَلى التَّحَلِّي بِأوْصافِهِمْ، مُؤَكِّدًا لِإثْباتِ الرِّسالَةِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: العالُو المَراتِبِ ﴿الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: المُلْكُ الحائِزُ لِرُتَبِ الكَمالِ، الهُدى الكامِلُ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ مَدْحِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿فَبِهُداهُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً في واجِباتِ الإرْسالِ وغَيْرِها ﴿اقْتَدِهِ﴾ وأشارَ بِهاءِ السَّكْتِ الَّتِي هي أمارَةُ الوُقُوفِ - وهي ثابِتَةٌ في جَمِيعِ المَصاحِفِ - إلى أنَّ الِاقْتِداءَ بِهِمْ كانَ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ؛ ثُمَّ فَسَّرَ الهُدى بِمُعْظَمِ أسْبابِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِمَن تَدْعُوهم كَما كانُوا يَقُولُونَ مِمّا يَنْفِي التُّهْمَةَ ويُمَحِّصُ النَّصِيحَةَ فَيُوجِبُ الِاتِّباعَ إلّا مَن شَقِيَ ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ: أيُّها المَدْعُوُّونَ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الدُّعاءِ ﴿أجْرًا﴾ فَإنَّ الدَّواعِيَ تَتَوَفَّرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلى الإقْبالِ إلى الدّاعِي والِاسْتِجابَةِ لِلْمُرْشِدِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هُوَ﴾ أيْ: هَذا الدُّعاءُ الَّذِي أدْعُوكم بِهِ ﴿إلا ذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِيرٌ بَلِيغٌ مِن كُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في المَعاشِ والمَعادِ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ دائِمًا، لا يَنْقَضِي دُعاؤُهُ ولا يَنْقَطِعُ نِداؤُهُ، وفي التَّعْبِيرِ بِالِاقْتِداءِ إيماءٌ إلى تَبْكِيتِ كُفّارِ العَرَبِ حَيْثُ اقْتَدَوْا بِمَن لا يَصْلُحُ لِلْقُدْوَةِ مِن آبائِهِمْ، وتَرَكُوا مَن يَجِبُ الِاقْتِداءُ بِهِ.
6:91Page 139
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ ٩١
And they did not appraise Allāh with true appraisal1 when they said, "Allāh did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you2 were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allāh [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.
ولَمّا حَصَرَ الدُّعاءَ في الذِّكْرى، وكانَ ذَلِكَ نَفْعًا لَهم ورِفْقًا بِهِمْ، لا تَزِيدُ طاعَتُهم في مُلْكِ اللَّهِ شَيْئًا ولا يُنْقِصُ (p-١٨٤)إعْراضُهم مِن عَظَمَتِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ؛ بَنى حالًا مِنهم، فَقالَ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الرِّسالَةِ بِالإنْكارِ عَلى مَن جَحَدَها وإلْزامًا لَهم بِما هم مُعْتَرِفُونَ بِهِ، أمّا أهْلُ الكِتابِ فَعِلْمًا قَطْعِيًّا، وأمّا العَرَبُ فَتَقْلِيدًا لَهم؛ ولِأنَّهم سَلَّمُوا لَهم العِلْمَ وجَعَلُوهم مَحَطَّ سُؤالِهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وما﴾ أيْ: فَقُلْنا ذَلِكَ لَهم خاصَّةً والحالُ أنَّهم ما ﴿قَدَرُوا﴾ أيْ: عَظَّمُوا ﴿اللَّهَ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: تَعْظِيمِهِ في جَحْدِهِمْ لِذِكْراهم وصَدِّهِمْ عَنْ بُشْراهم ومُقابَلَتِهِمْ لِلشُّكْرِ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ لَهُ؛ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ قَدَرَ الشَّيْءَ - إذا سَبَرَهُ وحَزَرَهُ وأرادَ أنْ يَعْلَمَ مِقْدارَهُ - يَقْدُرُهُ - بِالضَّمِّ - قَدْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ:
«( فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ )»، أيْ: فاطْلُبُوا أنْ تَعْرِفُوهُ - هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن عَرَفَ شَيْئًا: هو يَقْدُرُ قَدْرَهُ، وإذا لَمْ يَعْرِفْهُ بِصِفاتِهِ: إنَّهُ لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿قالُوا﴾ أيْ: اليَهُودُ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ وقُرَيْشٌ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهم هَذا حِينَ أرْسَلَتْ إلَيْهِمْ قُرَيْشٌ تَسْألُهم عَنْهُ ﷺ في أمْرِ رِسالَتِهِ واحْتِجاجِهِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: ناسِينَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّ (p-١٨٥)مَن نَسَبَ مَلِكًا تامَّ المُلْكِ إلى أنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ أوامِرَهُ في رَعِيَّتِهِ بِما يُرْضِيهِ لِيَفْعَلُوهُ وما يُسْخِطُهُ لِيَجْتَنِبُوهُ، فَقَدْ نَسَبَهُ إلى نَقْصٍ عَظِيمٍ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ كَذِبًا! وهَذا وإنْ كانَ ما قالَهُ إلّا بَعْضُ العالَمِينَ بَلْ بَعْضُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ هم بَعْضُ العالَمِينَ، أُسْنِدَ إلى الكُلِّ، لِأنَّهم لَمْ يَرُدُّوا عَلى قائِلِهِ ولَمْ يُعاجِلُوهُ بِالأخْذِ تَفْظِيعًا لِلشَّأْنِ وتَهْوِيلًا لِلْأمْرِ، وبَيانًا لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سَمِعَ بِآيَةٍ مِن آياتِ اللَّهِ أنْ يَسْعى إلَيْها ويَتَعَرَّفَ أمْرَها، فَإذا تَحَقَّقَهُ فَمَن طَعَنَ فِيها أخَذَ عَلى يَدِهِ بِما يَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَتُهُ، كَما أنَّهُ كَذَلِكَ كانَ يَفْعَلُ لَوْ كانَ ذَلِكَ ناشِئًا عَنْ أبِيهِ أوْ أحَدٍ مِمَّنْ يَكُونُ فَخْرُهُ بِهِ مِن أبْناءِ الدُّنْيا، وفي ذَلِكَ أتَمُّ إشارَةٍ إلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ عِمادُ الأُمُورِ كُلِّها، مَن فَرَّطَ فِيهِ هَلَكَ وأهْلَكَ؛ رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ بِغَيْرِ سَنَدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى - يَعْنِي: هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ اليَهُودَ قائِلُو ذَلِكَ، ومُلْزِمًا بِالِاعْتِرافِ بِالكَذِبِ أوْ المُساواةِ لِلْأُمِّيِّينَ في التَّمَسُّكِ بِالهَوى دُونَ كِتابٍ، مُوَبِّخًا لَهم ناعِيًا عَلَيْهِمْ سُوءَ جَهْلِهِمْ وعَظِيمَ بُهْتِهِمْ وشِدَّةَ وقاحَتِهِمْ وعَدَمَ حَيائِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ السُّفَهاءِ الَّذِينَ تَجَرَّؤُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ غَيْرَ ناظِرِينَ في عاقِبَتِها وما يَلْزَمُ مِنها تَوْبِيخًا لَهم وتَوْقِيفًا عَلى (p-١٨٦)مَوْضِعِ جَهْلِهِمْ ﴿مَن أنْـزَلَ الكِتابَ﴾ أيْ: الجامِعِ لِلْأحْكامِ والمَواعِظِ وخَيْرَيْ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ أيْ: الَّذِي أنْتُمْ تَزْعُمُونَ التَّمَسُّكَ بِشَرْعِهِ، حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الكِتابِ ﴿نُورًا﴾ أيْ: ذا نُورٍ يُمْكِنُ الأخْذُ بِهِ مِن وضْعِ الشَّيْءِ في حاقِّ مَوْضِعِهِ ﴿وهُدًى لِلنّاسِ﴾ أيْ: ذا هُدًى لَهم كُلِّهِمْ، أمّا في ذَلِكَ الزَّمانِ فَبِالتَّقَيُّدِ بِهِ، وأمّا عِنْدُ إنْزالِ الإنْجِيلِ فَبِالأخْذِ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ مِن اتِّباعِهِ، وكَذا عِنْدَ إنْزالِ القُرْآنِ، فَقَدْ بانَ أنَّهُ هُدًى في كُلِّ زَمانٍ، تارَةً بِالدُّعاءِ إلى ما فِيهِ وتارَةً بِالدُّعاءِ إلى غَيْرِهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم أخْفَوْا مِنهُ ما هو نَصٌّ وصَرِيحٌ في الدُّعاءِ إلى غَيْرِهِ اتِّباعًا مِنهم لِلْهَوى ولُزُومًا لِلْعَمى، فَقالَ: ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ أيْ: أيُّها اليَهُودُ ﴿قَراطِيسَ﴾ أيْ أوْراقًا مُفَرَّقَةً لِتَتَمَكَّنُوا بِها مِن إخْفاءِ ما أرَدْتُمْ ﴿تُبْدُونَها﴾ أيْ: تُظْهِرُونَها لِلنّاسِ ﴿وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أيْ: مِنها ما تُرِيدُونَ بِهِ تَبْدِيلَ الدِّينِ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو بِالغَيْبَةِ هو التِفاتٌ مُؤْذِنٌ بِشِدَّةِ الغَضَبِ مُشِيرٌ إلى أنَّ ما قالُوهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُسْتَحْيى مِن ذِكْرِهِ فَكَيْفَ بِفِعْلِهِ ! ثُمَّ التَفَتْ إلَيْهِمْ لِلزِّيادَةِ في تَبْكِيتِهِمْ إعْلامًا بِأنَّهم مُتَساوُونَ لِبَقِيَّةِ الإنْسانِ في أصْلِ الفِطْرَةِ، بَلْ العَرَبُ أزْكى مِنهم وأصَحُّ أفْهامًا، فَلَوْلا ما أتاهم بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما فاقُوهم بِفَهْمٍ، ولا زادُوا عَلَيْهِمْ في عِلْمٍ، فَقالَ: ﴿وعُلِّمْتُمْ﴾ أيْ: أيُّها اليَهُودُ بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ﴾ أيْ (p-١٨٧)أيُّها اليَهُودُ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ ﴿ولا آباؤُكُمْ﴾ أيْ: الأقْدَمُونَ الَّذِينَ كانُوا أعْلَمَ مِنكم.
ولَمّا كانُوا قَدْ وصَلُوا في هَذِهِ المَقالَةِ إلى حَدٍّ مِنَ الجَهْلِ عَظِيمٍ، قالَ مُشِيرًا إلى عِنادِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: أنْتَ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ غَيْرَ مُنْتَظِرٍ لِجَوابِهِمْ فَإنَّهم أجْلَفُ النّاسِ وأعْتاهم ﴿اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي أنْزَلَ ذَلِكَ الكِتابَ ﴿ثُمَّ﴾ بَعْدَ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ لا تَسْمَعْ لَهم شَيْئًا بَلْ ﴿ذَرْهم في خَوْضِهِمْ﴾ أيْ: قَوْلِهِمْ وفِعْلِهِمْ المُثَبَّتَيْنِ عَلى الجَهْلِ المَبْنِيَّيْنِ عَلى أنَّهم في ظَلامِ الضَّلالِ كالخائِضِ في الماءِ يَعْمَلُونَ ما لا يَعْلَمُونَ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ فِعْلَ اللّاعِبِ، وهو ما لا يَجُرُّ لَهم نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْهم ضُرًّا مَعَ تَضْيِيعِ الزَّمانِ.
6:92Page 139
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩٢
And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it.1 Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.
ولَمّا أثْبَتَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ تَكْمِيلًا لِإثْباتِ الرِّسالَةِ بِدَلِيلِ عِلْمِ اليَهُودِ دُونَ مَن لا كِتابَ لَهم - عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَأْكِيدًا لِإثْباتِها وتَقْرِيرًا: ﴿وهَذا﴾ أيْ: القُرْآنِ الَّذِي هو حاضِرٌ الآنَ في جَمِيعِ الأذْهانِ ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: جامِعٌ لِخَيْرَيْ الدّارَيْنِ، وكانَ السِّياقُ لِأنْ يُقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ، ولَكِنَّهُ أتى بِنُونِ العَظَمَةِ، لِأنَّها أدَلُّ عَلى تَعْظِيمِهِ، فَقالَ: ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ: ولَيْسَ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ (p-١٨٨)مِن نَفْسِهِ، وإنَّما هو بِإنْزالِنا إيّاهُ إلَيْهِ وإرْسالِنا لَهُ بِهِ ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الخَيْرِ ثابِتُ الأمْرِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى إنْكارِهِ لِإعْجازِهِ، لِتَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ خُصُوصًا حَقِيقَتَهُ بِتَصْدِيقِهِ لِكِتابِهِمْ لِأنَّهُ ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: كُلَّهُ مِن كُتُبِهِمْ وغَيْرِها، فَيَكُونُ أجْدَرَ لِإيمانِهِمْ بِهِ، وتَعْلَمَ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ عُمُومًا ذَلِكَ بِذَلِكَ وبِإعْجازِهِ ﴿ولِتُنْذِرَ﴾ أيْ: بِهِ ﴿أُمَّ القُرى﴾ أيْ: مَكَّةَ؛ لِأنَّها أعْظَمُ المُدُنِ بِما لَها مِنَ الفَضائِلِ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ مِمَّنْ لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ فَهو لا يُؤْمِنُ بِهِ مِن أهْلِ الأرْضِ كُلِّها مِن جَمِيعِ البُلْدانِ والقُرى؛ لِأنَّها أُمُّ الكُلِّ، وهم في ضَلالَتِهِمْ مُفَرِّطُونَ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: فِيهِمْ قابِلِيَّةُ الإيمانِ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ، مِن أهْلِ أُمِّ القُرى ومَن حَوْلَها بِكُلِّ خَيْرٍ يَنْشُرُونَ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِالكِتابِ بِالفِعْلِ لِأنَّ الإيمانَ بِها داعٍ إلى كُلِّ خَيْرٍ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ، والكُفْرِ بِها حامِلٌ عَلى كُلِّ بِشْرٍ.
ولَمّا تَكَرَّرَ وصْفُ المُنافِقِينَ بِالتَّكاسُلِ عَنِ الصَّلاةِ جَعَلَ المُحافَظَةَ عَلَيْها عَلَمًا عَلى الإيمانِ فَقالَ: ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: يَحْفَظُونَها غايَةَ الحِفْظِ، فالآيَةُ مِن عَجِيبِ فَنِّ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الإنْدارِ والأُمِّ أوَّلًا دالًّا عَلى حَذْفِهِما ثانِيًا، وإثْباتُ الإيمانِ والصَّلاةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى نَفْيِهِما أوَّلًا.
6:93Page 139
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٩٣
And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allāh revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands,1 [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allāh other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."
(p-١٨٩)ولَمّا كانَ في قَوْلِهِمْ: ( ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] صَرِيحُ الكَذِبِ وتَضَمَّنَ تَكْذِيبَهُ - وحاشاهُ ﷺ ! أمّا مِنَ اليَهُودِ فَبِالفِعْلِ، وأمّا مِن قُرَيْشٍ فَبِالرِّضا، وكانَ بَعْضُ الكَفَرَةِ قَدْ ادَّعى الإيحاءَ إلى نَفْسِهِ إرادَةً لِلطَّعْنِ في القُرْآنِ - قالَ تَعالى مُهَوِّلًا لِأمْرِ الكَذِبِ، لا سِيَّما عَلَيْهِ، لا سِيَّما في أمْرِ الوَحْيِ، عاطِفًا عَلى مَقُولِ ( ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ﴾ [الأنعام: ٩١] مُبْطِلًا لِلتَّنَبُّؤِ بَعْدَ تَصْحِيحِ أمْرِ الرِّسالَةِ وإثْباتِها إثْباتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، فَكانَتْ بَراهِينُ إثْباتِها أدِلَّةً عَلى إبْطالِ التَّنَبُّؤِ وكَذِبِ مُدَّعِيهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: بِالفِعْلِ كاليَهُودِ والرِّضى كَقُرَيْشٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: أيَّ كَذِبٍ كانَ، فَضْلًا عَنْ إنْكارِ الإنْزالِ عَلى البَشَرِ ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ ﴿يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ فَهَذا تَهْدِيدٌ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ كَعادَةِ القُرْآنِ المَجِيدِ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ وغَيْرِهِما، ثُمَّ رَأيْتُ في كِتابِ: ( غايَةِ المَقْصُودِ في الرَّدِّ عَلى النَّصارى واليَهُودِ ) لِلسَّمَوْألِ بْنِ يَحْيى المَغْرِبِيِّ الَّذِي كانَ مِن أجَلِّ عُلَمائِهِمْ في حُدُودِ سَنَةِ سِتِّينَ وخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ، وكانَتْ لَهُ يَدٌ طُولى في الحِسابِ والهَنْدَسَةِ والطِّبَّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُلُومِ، فَأظْهَرَ (p-١٩٠)بَعْدَ إسْلامِهِ فَضائِحَهم أنَّ الرَّبّانِيِّينَ مِنهم زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ كانَ يُوحِي إلى جَمِيعِهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرّاتٍ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ أنْ قَسَّمَهم إلى قَرّائِينَ ورَبّانِيِّينَ: إنَّ الرَّبّانِيِّينَ أكْثَرُهم عَدَدًا، وقالَ: وهم الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ كانَ يُخاطِبُهم في كُلِّ مَسْألَةٍ بِالصَّوابِ، قالَ: وهَذِهِ الطّائِفَةُ أشَدُّ اليَهُودِ عَداوَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ ﴿ومَن قالَ سَأُنْـزِلُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿مِثْلَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ ونَحْوِهِ.
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا في كُلِّ مُنْصِفٍ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، بَلْ هم أظْلَمُ الظّالِمِينَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْ رَأيْتَهم وقَدْ حاقَ بِهِمْ جَزاءُ هَذا الظُّلْمِ كَرَدِّ وُجُوهِهِمْ مُسْوَدَّةً وهم يُسْحَبُونَ في السَّلاسِلِ عَلى وُجُوهِهِمْ، وجَهَنَّمُ تَكادُ تَتَمَيَّزُ عَلَيْهِمْ غَيْظًا، وهم قَدْ هَدَّهم النَّدَمُ والحَسْرَةُ، وقَطَعَ بِهِمْ الأسَفُ والحَيْرَةُ لَرَأيْتَ أمْرًا يَهُولُ مَنظَرُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَذاقُهُ ومَخْبَرُهُ ! فَعَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أقْرَبُ مِنهُ، فَقالَ كالمُفَصِّلِ لِإجْمالِ ذَلِكَ التَّهْدِيدِ مُبْرِزًا بَدَلَ ضَمِيرِهِمْ الوَصْفَ الَّذِي أدّاهم إلى ذَلِكَ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ أيْ: يَكُونُ مِنكَ رُؤْيَةٌ فِيما هو دُونَ ذَلِكَ ﴿إذِ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لِأجْلِ مُطْلَقِ الظُّلْمِ فَكَيْفَ بِما ذُكِرَ مِنهُ! واللّامُ لِلْجِنْسِ الدّاخِلِ فِيهِ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ أيْ: شَدائِدِهِ الَّتِي قَدْ غَمَرَتْهم كَما يَغْمُرُ البَحْرُ الخِضَمُّ مَن يَغْرَقُ فِيهِ، فَهو يَرْفَعُهُ ويَخْفِضُهُ ويَبْتَلِعُهُ ويَلْفِظُهُ، لا بُدَّ لَهُ (p-١٩١)مِنهُ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ: الَّذِينَ طَلَبُوا - جَهْلًا مِنهم - إنْزالَ بَعْضِهِمْ عَلى وجْهِ الظُّهُورِ لَهم، وأخْبَرْناهم أنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا لِفَصْلِ الأُمُورِ وإنْجازِ المَقْدُورِ ﴿باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: إلَيْهِمْ بِالمَكْرُوهِ لِنَزْعِ أرْواحِهِمْ وسَلِّها وافِيَةً مِن أشْباحِهِمْ كَما يُسَلُّ السَّفُّودُ المُشَعَّبُ مِنَ الحَدِيدِ مِنَ الصُّوفِ المُشْتَبِكِ المَبْلُولِ، لا يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ تَمْيِيزُها مِنَ الجَسَدِ، ولا يَخْفى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنها في شَيْءٍ مِنهُ، قائِلِينَ تَرْوِيعًا لَهم وتَصْوِيرًا لِلْعُنْفِ والشِّدَّةِ في السِّياقِ والإلْحاحِ والتَّشْدِيدِ في الإزْهاقِ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ وإمْهالٍ، وأنَّهم يَفْعَلُونَ بِهِمْ فِعْلَ الغَرِيمِ المُسَلَّطِ المُلازِمِ ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: لِماذا يا رُسُلَ رَبِّنا؟ فَقالُوا: ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ: هَذِهِ السّاعَةُ، وكَأنَّهم عَبَّرُوا بِهِ لِتَصْوِيرِ طُولِ العَذابِ ﴿تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيْ: العَذابَ الجامِعَ بَيْنَ الإيلامِ العَظِيمِ والهَوانِ الشَّدِيدِ والخِزْيِ المَدِيدِ بِالنَّزْعِ وسَكَراتِ المَوْتِ وما بَعْدَهُ في البَرْزَخِ - إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ﴾ أيْ: تُجَدِّدُونَ القَوْلَ دائِمًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ أيْ: غَيْرَ القَوْلِ المُتَمَكِّنِ غايَةَ التَّمَكُّنِ في دَرَجاتِ الثَّباتِ، ولَوْ قالَ بَدَلَهُ: باطِلًا، لَمْ يُؤَدِّ هَذا المَعْنى، ولَوْ قالَ: الباطِلَ، لَقَصُرَ عَنِ المَعْنى أكْثَرَ، وقَدْ مَضى في المائِدَةِ ما يَنْفَعُ هُنا، وإذا نَظَرْتَ إلى أنَّ السِّياقَ لِأُصُولِ الدِّينِ ازْدادَ المُرادُ وُضُوحًا ﴿وكُنْتُمْ﴾ أيْ: وبِما كُنْتُمْ ﴿عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (p-١٩٢)أيْ: تَطْلُبُونَ الكِبْرَ لِلْمُجاوَزَةِ عَنْها، ومَن اسْتَكْبَرَ عَنْ آيَةٍ واحِدَةٍ كانَ مُسْتَكْبِرًا عَنِ الكُلِّ، أيْ: لَوْ رَأيْتَ ذَلِكَ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا وحالًا هائِلًا شَنِيعًا، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ.
6:94Page 139
وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٩٤
[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone [i.e., individually] as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allāh]. It has [all] been severed between you,1 and lost from you is what you used to claim."
ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يُحِسَّ المَيِّتُ شَيْئًا بَعْدَ المَوْتِ أوْ يَفْهَمَ كَلامًا، وكانَ التَّقْدِيرُ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ -: فَتَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَنعِهِمْ، فَيَقُولُ لَهم: قَدْ رَأيْتُمْ مَلائِكَتَنا الَّذِينَ أخْبَرْناكم أوَّلَ السُّورَةِ أنَّهم إذا أُبْصِرُوا كانَ القَضاءَ الفَصْلَ والأمْرَ البَتَّ الحَتْمَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مُهْلٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُشِيرًا إلى ما كانَ سَبَبَ اسْتِكْبارِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى الضَّلالِ والتَّقْوى بِالأمْوالِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ أيْ: لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِالمَوْتِ الَّذِي هو دالٌّ عَلى شُمُولِ عِلْمِنا وتَمامِ قُدْرَتِنا قَطْعًا، ودَلَّ عَلى تَمامِ العَظَمَةِ وأنَّ المُرادَ مَجِيئُهم بِالمَوْتِ قَوْلُهُ: ﴿فُرادى﴾ أيْ: مُتَفَرِّقِينَ، لَيْسَ أحَدٌ مِنكم مَعَ أحَدٍ، ومُنْفَرِدِينَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ صَدَّكم عَنْ اتِّباعِ رُسُلِنا ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي أمَتْناكم بِها بِعَيْنِها ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في الِانْفِرادِ والضَّعْفِ والفَقْرِ، فَأيْنَ جَمْعُكم الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَكْبِرُونَ! ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ أيْ: مَلَّكْناكم مِنَ المالِ ومَكَّنّاكم مِن إصْلاحِهِ نِعْمَةً عَلَيْكم لِتَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى رِضانا، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لَكم بِالأصالَةِ، وأعْرَضْتُمْ عَنّا وبَدَّلْتُمْ ما دَلَّ (p-١٩٣)عَلَيْهِ مِن عَظَمَتِنا بِضِدٍّ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِأوامِرِنا ﴿وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ فَما أغْنى عَنْكم ما كُنْتُمْ مِنهُ تَسْتَكْبِرُونَ.
ولَمّا كانُوا يَعُدُّونَ الأصْنامَ آلِهَةً، ويَرْجُونَ شَفاعَتَها، إمّا اسْتِهْزاءً، وإمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ - عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لِصِحَّةِ البَعْثِ - قالَ تَهَكُّمًا بِهِمْ واسْتِهْزاءً بِشَأْنِهِمْ: ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ أيْ: الَّتِي كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِيها ما تَقُولُونَ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ: كَذِبًا وجَراءَةً وفُجُورًا ﴿أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ أيْ: أنَّ لَهم فِيكم نَصِيبًا مَعَ اللَّهِ حَتّى كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهم في وقْتِ الرَّخاءِ وتَدْعُونَهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ، أرُوناهم لَعَلَّهم سَتَرَهم عَنّا ساتِرٌ أوْ حَجَبَنا عَنْهم حاجِبٌ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى بُهْتِهِمْ في جَوابِ هَذا الكَلامِ الهائِلِ المُرْعِبِ حَيْرَةً وعَجْزًا ودَهَشًا وذُلًّا بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ﴾ أيْ: تَقَطُّعًا كَثِيرًا.
ولَمّا كانَ ذِكْرُ البَيْنِ في شَيْءٍ يَدُلُّ عَلى قُرْبِهِ في الجُمْلَةِ وحُضُورِهِ ولَوْ في الذِّهْنِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَ كَذا كَذا، وكانَ فُلانٌ بَيْنَنا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ - قالَ مُنَبِّهًا عَلى زَوالِ ذَلِكَ حَتّى بِالمُرُورِ بِالبالِ والخُطُورِ في الذِّهْنِ لِشِدَّةِ الِاشْتِغالِ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ فَأسْنَدَ القَطْعَ المُبالَغَ فِيهِ إلى البَيْنِ، وإذا انْقَطَعَ البَيْنُ تَقَطَّعَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي كانَتْ تُسَبِّبُ الِاتِّصالَ، فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ مِنهم اتِّصالٌ (p-١٩٤)بِالآخَرِ؛ لِأنَّ ما بَيْنَهُما صارَ كالخَنْدَقِ بِانْقِطاعِ نَفْسِ البَيْنِ، فَلا يَتَأتّى مَعَهُ الوُصُولُ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالرَّفْعِ، وهَذا المِثالُ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ ولَمّا رَجَعَ المَعْنى إلى تَقَطُّعِ الوَصْلَ، بَيْنَ سَبَبِ ذَلِكَ، وهو زَوالُ المُسْتَنَدُ الَّذِي كانُوا يَسْتَنِدُونَ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿وضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: ذَهَبَ وبَطَلَ ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الأباطِيلِ كُلِّها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences