Al-Biqa'iAl‑An'am · 6:95–98

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:95–98

6:95Page 140

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥

Indeed, Allāh is the cleaver of grain and date seeds.1 He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allāh; so how are you deluded?

ولَمّا ثَبَتَتْ الوَحْدانِيَّةُ والنُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ وتَقارِيعُ مِن تَقارِيعِها، وانْتَهى الكَلامُ هُنا إلى ما تَجَلّى بِهِ مَقامُ العَظَمَةِ، وانْكَشَفَ لَهُ قِناعُ الحِكْمَةِ وتَمَثَّلَ نُفُوذُ الكَلِمَةِ، فَتَهَيَّأ السّامِعُ لِتَأمُّلِهِ، وتَفَرَّغَ فَهْمُهُ لِتَدَبُّرِهِ - قالَ دالًّا عَلَيْهِ مُشِيرًا إلَيْهِ، مُعْلِمًا أنَّ ما مَضى أنْتَجَهُ وأظْهَرَهُ لا بُدَّ وأبْرَزَهُ، مُذَكِّرًا بِآياتِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ٩٢] وبِمُحاجَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُصَرِّفًا ما مَضى أوَّلَ السُّورَةِ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ عَلى أوْجُهٍ أُخْرى، إعْلامًا بِأنَّ دَلائِلَ الجَلالِ تَفُوقُ عَدَدَ الرِّمالِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ القَصْدَ بِالذّاتِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، فَهو قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ ﴿فالِقُ الحَبِّ﴾ أيْ: فاطِرُهُ وشاقُّهُ عَنِ الزُّرُوعِ والنَّباتِ، وعَبَرَ بِذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ قَبْلَ وُجُودِهِ كانَ مَعْدُومًا، والعَقْلُ يَتَوَهَّمُ ويَتَخَيَّلُ مِنَ العَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً، (p-١٩٥)فَإذا خَرَجَ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ والفَناءِ الصِّرْفِ فَكَأنَّهُ بِحَسَبِ التَّخَيُّلِ والتَّوَهُّمِ شَقَّ ذَلِكَ العَدَمَ ﴿والنَّوى﴾ أيْ: وهو ما يَكُونُ داخِلَ الثِّمارِ المَأْكُولَةِ كالتَّمْرِ، ولا يَكُونُ مَقْصُودًا لِذاتِهِ بِفَلْقِها عَنِ الأشْجارِ، وفي ذَلِكَ حِكَمٌ وأسْرارٌ تَدُقُّ عَنِ الأفْكارِ، وتَدُلُّ عَلى كَمالِ الواحِدِ المُخْتارِ؛ قالَ الإمامُ الرّازِيُّ ما حاصِلُهُ: إنْ النَّواةَ والحَبَّةَ تَكُونُ في الأرْضِ الرَّطْبَةِ مُدَّةً، فَيُظْهِرُ اللَّهُ فِيها شَقًّا في أعْلاها وآخَرَ في أسْفَلِها، وتَخْرُجُ الشَّجَرَةُ مِنَ الأعْلى فَتَعْلُو وتَهْبِطُ مِنَ الأسْفَلِ شَجَرَةٌ أُخْرى في أعْماقِ الأرْضِ، هي العُرُوقُ، وتِلْكَ الحَبَّةُ أوْ النَّواةُ سَبَبٌ واصِلٌ بَيْنَ الشَّجَرَتَيْنِ: الصّاعِدَةُ والهابِطَةُ، فَيَشْهَدُ الحِسُّ والعَقْلُ بِأنَّ طَبْعَ الصّاعِدَةِ والهابِطَةِ مُتَعاكِسٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ قَطْعًا بِمُقْتَضى الطَّبْعِ والخاصِّيَّةِ، بَلْ بِالإيجادِ والِاخْتِراعِ والتَّكْوِينِ والإبْداعِ، ولا شَكَّ أنَّ العُرُوقَ الهابِطَةَ في غايَةِ اللَّطافَةِ والرِّقَّةِ بِحَيْثُ لَوْ دُلِكَتْ بِاليَدِ بِأدْنى قُوَّةٍ صارَتْ كالماءِ، وهي مَعَ ذَلِكَ تَقْوى عَلى النُّفُوذِ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ الَّتِي لا يَنْفُذُ فِيها المِسَلَّةُ والسِّكِّينُ الحادَّةُ إلّا بِإكْراهٍ عَظِيمٍ، فَحُصُولُ هَذا النُّفُوذِ لِهَذِهِ الأجْرامِ اللَّطِيفَةِ لا يَكُونُ قَطْعًا إلّا لِقُوَّةِ الفاعِلِ المُخْتارِ، لا سِيَّما إذا تَأمَّلْتَ ظُهُورَ شَجَرَةٍ مِن نَواةٍ صَغِيرَةٍ، ثُمَّ تَجْمَعُ الشَّجَرَةُ طَبائِعَ مُخْتَلِفَةً في قِشْرِها ثُمَّ فِيما تَحْتَهُ مِن جِرْمِ الخَشَبَةِ، وفي وسَطِ تَدْوِيرِ الخَشَبَةِ جِرْمٌ ضَعِيفٌ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن ساقِها أغْصانُها، ومِنَ الأغْصانِ أوْراقُها (p-١٩٦)أوَّلًا ثُمَّ أنْوارُها وأزْهارُها ثانِيًا، ثُمَّ الفاكِهَةُ ثالِثًا، ثُمَّ قَدْ يَحْصُلُ لِلْفاكِهَةِ أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ القُشُورِ، مِثْلَ الجَوْزِ واللَّوْزِ قِشْرُهُ الأعْلى ذَلِكَ الجِرْمُ الأخْضَرُ، وتَحْتَهُ القِشْرُ الَّذِي كالخَشَبِ، وتَحْتَهُ القِشْرُ الَّذِي كالغِطاءِ الرَّقِيقِ المُحِيطِ بِاللُّبَّةِ، وتَحْتَهُ اللُّبُّ المُشْتَمِلُ عَلى جِرْمٍ كَثِيفٍ هو أيْضًا كالقِشْرَةِ، وعَلى جِرْمٍ لَطِيفٍ هو الزَّهْرُ، وهو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، فَتَوَلُّدُ هَذِهِ الأجْسامِ المُخْتَلِفَةِ طَبْعًا وصِفَةً ولَوْنًا وشَكْلًا وطَعْمًا مَعَ تَساوِي تَأْثِيراتِ الطَّبائِعِ والنُّجُومِ والعَناصِرِ والفُصُولِ الأرْبَعَةِ - دالٌّ عَلى القادِرِ المُخْتارِ بِتَلَوُّهٍ في الفَرْحَةِ، وقَدْ تَجْتَمِعُ الطَّبائِعُ الأرْبَعَةُ في الفاكِهَةِ الواحِدَةِ كالأُتْرُجِّ، قِشْرُهُ حارٌّ يابِسٌ ونُورُهُ حارٌّ يابِسٌ، وكَذَلِكَ العِنَبُ قِشْرُهُ وعَجَمُهُ يابِسٌ حارٌّ رَطْبٌ مَعَ أنَّكَ تَجِدُ أحْوالَها مُخْتَلِفَةً، بَعْضُها لُبُّهُ في داخِلِهِ وقِشْرُهُ في خارِجِهِ كالجَوْزِ واللَّوْزِ، وبَعْضُها يَكُونُ المَطْلُوبُ مِنهُ في الخارِجِ وخَشَبُهُ في الدّاخِلِ كالخَوْخِ والمِشْمِشِ، وبَعْضُهُ لا لُبَّ لِنَواهُ كالتَّمْرِ، وبَعْضُهُ يَكُونُ كُلُّهُ مَطْلُوبًا كالتِّينِ، واخْتِلافُ هَذِهِ الطَّبائِعِ والأحْوالِ المُتَضادَّةِ والخَواصِّ المُتَنافِرَةِ حَتّى في الحَبَّةِ الواحِدَةِ لا يَكُونُ عَنْ طَبِيعَةٍ، بَلْ عَنِ الواحِدِ المُخْتارِ، والحُبُوبُ مُخْتَلِفَةُ الألْوانِ والأشْكالِ والصُّوَرِ، فَشَكْلُ الحِنْطَةِ كَأنَّهُ نِصْفُ مَخْرُوطٍ، وشَكْلُ الشَّعِيرِ كَأنَّهُ مَخْرُوطانِ اتَّصَلا بِقاعِدَتَيْهِما وشَكْلُ الحِمَّصِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وأوْدَعَ - سُبْحانَهُ - في كُلِّ نَوْعٍ مِنها خاصِّيَّةً ومَنفَعَةً غَيْرَ ما في الآخَرِ، وقَدْ تَكُونُ الثَّمَرَةُ غِذاءً لِحَيَوانٍ (p-١٩٧)وسُمًّا لِحَيَوانٍ آخَرَ، فَهَذا الِاخْتِلافُ مَعَ اتِّحادِ الطَّبائِعِ وتَأْثِيراتِ الكَواكِبِ دالٌّ عَلى أنَّها إنَّما حَصَلَتْ بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ إنَّكَ تَجِدُ في ورَقَةِ الشَّجَرَةِ خَطًّا في وسَطِها مُسْتَقِيمًا نِسْبَتُهُ لِتِلْكَ الوَرَقَةِ نِسْبَةَ النُّخاعِ إلى بَدَنِ الإنْسانِ، يَنْفَصِلُ عَنْهُ خُيُوطٌ مُخْتَلِفَةٌ، وعَنْ كُلٍّ واحِدٍ مِنها خُيُوطٌ أُخْرى أدَقُّ مِنَ الأُولى، ولا يَزالُ عَلى هَذا النَّهْجِ حَتّى تَخْرُجَ الخُيُوطُ عَنِ الحِسِّ والبَصَرِ، كَما أنَّ النُّخاعَ يَتَفَصَّلُ مِنهُ أعْصابٌ كَثِيرَةٌ يَمْنَةً ويَسْرَةً في البَدَنِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَفَصَّلُ عَنْ كُلِّ شُعْبَةٍ أُخْرى، ولا يَزالُ يَسْتَدِقُّ حَتّى تَلَطَّفَ عَنِ الحِسِّ، فَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ في الوَرَقَةِ لِتَقْوى القُوى المَذْكُورَةَ في جِرْمِ تِلْكَ الوَرَقَةِ عَلى جَذْبِ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الأرْضِيَّةِ في تِلْكَ المَجارِي الضَّيِّقَةِ، فَهَذا يُعَلِّمُكَ أنَّ عِنايَتَهُ - سُبْحانَهُ - في اتِّخاذِ جُمْلَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ أكْمَلُ، فَعِنايَتُهُ في تَكْوِينِ جُمْلَةِ النَّباتِ أكْمَلُ، وهو إنَّما خَلَقَ جُمْلَةَ النَّباتِ لِمَصْلَحَةِ الحَيَوانِ فَعِنايَتُهُ في تَخْلِيقِ الحَيَوانِ أكْمَلُ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِ جُمْلَةِ الحَيَوانِ هو الإنْسانُ فَعِنايَتُهُ في تَخْلِيقِهِ أكْمَلُ، وهو – سُبْحانُهُ - إنَّما خَلَقَ الحَيَوانَ والنَّباتَ في هَذا العالَمِ لِيَكُونَ غِذاءً ودَواءً لِلْإنْسانِ بِحَسَبِ جَسَدِهِ، والمَقْصُودُ مِن جَسَدِهِ حِفْظُ تَرْكِيبِهِ لِأجْلِ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فَسَبِيلُكَ أنْ تَنْظُرَ في ورَقَةِ الشَّجَرَةِ وتَتَأمَّلَ في تِلْكَ الأوْتارِ ثُمَّ تَتَرَقّى مِنها إلى أوْجِ تَخْلِيقِ الشَّجَرَةِ ثُمَّ إلى ما فَوْقَها رُتْبَةً رُتْبَةً لِتَعْلَمَ أنَّ المَقْصُودَ الأخِيرَ مِنها حُصُولُ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ لَكَ بابٌ مِنَ المُكاشَفاتِ لا آخِرَ لَهُ، ويَظْهَرُ لَكَ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ في خَلْقِكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ

﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] واللَّهُ الهادِي.

(p-١٩٨)ولَمّا كانَ فَلْقُهُما عَنِ النَّباتِ مِن جِنْسِ الإحْياءِ؛ لِما فِيهِ مِنَ النُّمُوِّ فَسَّرَ مَعْنى الفَلْقِ وبَيَّنَهُ إشارَةً إلى الِاعْتِناءِ بِهِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ تَثْبِيتًا لِأمْرِ البَعْثِ ﴿الحَيَّ﴾ أيْ: كالنَّجْمِ والشَّجَرِ والطَّيْرِ والدَّوابِّ ﴿مِنَ المَيِّتِ﴾ مِنَ الحَبِّ والنَّوى والبَيْضِ والنُّطَفِ فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ؛ ولَمّا انْكَشَفَ مَعْناهُ وبانَ مَغْزاهُ بِإخْراجِ الأشْياءِ مِن أضْدادِها لِئَلّا يُتَوَهَّمَ - لَوْ كانَ لا يَخْرُجُ عَنْ شَيْءٍ إلّا مِثْلُهُ - أنَّ الفاعِلَ الطَّبِيعَةُ والخاصِّيَّةُ - عَطَفَ عَلى ”فالِق“ زِيادَةً في البَيانِ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا باسِمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الثَّباتِ لِأنَّهُ لا مُنازَعَةَ لَهم فِيهِ، فَلَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلى التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ: ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ﴾ أيْ: مِنَ الحَبِّ وما مَعَهُ ﴿مِنَ الحَيِّ﴾ أيْ: مِنَ النَّجْمِ وما مَعَهُ.

ولَمّا تَقَرَّرَتْ لَهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأوْصافُ الَّتِي لا قُدْرَةَ أصْلًا لِأحَدٍ غَيْرَهُ عَلى شَيْءٍ مِنها، قالَ مُنَبِّهًا لَهم عَلى غَلَطِهِمْ في إشْراكِهِمْ، إعْلامًا بِأنَّ كُلَّ شَرِيكٍ يَنْبَغِي أنْ يُساوِيَ شَرِيكَهُ في شَيْءٍ ما مِنَ الأمْرِ المُشْرَكِ فِيهِ، ولا مُكافِئَ لَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَلا شَرِيكَ لَهُ بِوَجْهٍ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أيْ: العالِي المَراتِبِ المَنِيعِ المَراقِي هو ﴿اللَّهَ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ فَلا يَحِقُّ الإلَهِيَّةُ إلّا لَهُ؛ ولَمّا كانَ هَذا (p-١٩٩)مَعْنى الكَلامِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأنّى﴾ أيْ: فَكَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: تُصْرَفُونَ وتُقْلَبُونَ عَمّا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ.

6:96Page 140

فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٩٦

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

ولَمّا وصَفَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ مِن فَلْقِ الجَواهِرِ بِما اقْتَضى حَتْمًا اتِّصافَهُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وقَدَّمَهُ لِكَوْنِهِ مِن أظْهَرِ أدِلَّةِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ الَّذِي هَذا أُسْلُوبُهُ، مَعَ الإلْفِ لَهُ بِقُرْبِهِ ومُعالَجَتِهِ، أتْبَعَهُ ما هو مِثْلُهُ في الدِّلالَةِ عَلى الإحْياءِ لَكِنَّهُ في المَعانِي وهو سَماوِيٌّ، شارِحًا لِما أشارَ إلَيْهِ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُحاجَّةِ قَوْمِهِ مِن إبْطالِ إلَهِيَّةِ كُلٍّ مِنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ والكَواكِبِ الَّتِي هي مَنشَأُ ذَلِكَ، فَقالَ تَرْقِيَةً مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ أيْ: مُوجِدُهُ، وحَقِيقَتُهُ: فالِقُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنِ الصَّباحِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ وأمِنَ اللَّبْسَ فِيهِ أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الصُّبْحِ، كَما يُقالُ: انْفَجَرَ الصُّبْحُ، وانْفَجَرَ عَنْهُ اللَّيْلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالفَلْقِ الكَشْفُ؛ لِأنَّهُ يَكْشِفُ مِنَ المَفْلُوقِ ما كانَ خَفِيًّا، فَعَبَّرَ عَنِ المُسَبَّبِ الَّذِي هو الإظْهارُ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو الفَلْقُ، وعَبَّرَ عَنِ الصَّباحِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي يُقالُ المَدْخُولُ في الصُّبْحِ لِتَصْلُحَ لِإرادَةِ فَلْقِ السُّكُونِ بِالنُّورِ أوْ غَيْرِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالحَرَكَةِ المُرَتَّبَةِ عَلى الدُّخُولِ في الصُّبْحِ، فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى وجاعِلُ الإصْباحِ حَرَكَةً وسادِلُ اللَّيْلِ ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ بِما يَكُونُ مِن إظْلامِهِ ﴿سَكَنًا﴾ يَسْكُنُ النّاسُ فِيهِ وإلَيْهِ ويَسْتَرِيحُونَ فِيهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ الحَرَكَةَ ودَلَّ (p-٢٠٠)عَلَيْها بِالسَّكَنِ، وحَذَفَ مِنَ الثّانِي السَّدْلَ ودَلَّ عَلَيْهِ بِالفَلْقِ، وهَذا الفَلْقُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - وفِيهِ دِلالَتانِ؛ لِأنَّ الإصْباحَ يَشْمَلُ الفَجْرَ الكاذِبَ والصّادِقَ، والأوَّلُ أقْوى دِلالَةً لِأنَّ مَرْكَزَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ فالمَوْضِعُ - الَّذِي تَكُونُ تِلْكَ الدّائِرَةُ أُفُقًا لَهُ - تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَشْرِقِهِ، فَيُضِيءُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ نِصْفَ كُرَةِ الأرْضِ، فَيَحْصُلُ الضَّوْءُ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِن بَلْدَتِكَ، ويَكُونُ ذَلِكَ الضَّوْءُ مُنْتَشِرًا مُسْتَطِيرًا في جَمِيعِ الجَوِّ، ويَجِبُ أنْ يَقْوى لَحْظَةً فَلَحْظَةً، فَلَوْ كانَ الأوَّلُ مِن قُرْصِ الشَّمْسِ لامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ خَطًّا مُسْتَطِيلًا، بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَطِيرًا في الأُفُقِ مُنْتَشِرًا مُتَزايِدًا لَحْظَةً فَلَحْظَةً، لَكِنْ لَيْسَ هو كَذَلِكَ، فَإنَّهُ يَبْدُو كالخَيْطِ الأبْيَضِ الصّاعِدِ حَتّى شَبَّهَتْهُ العَرَبُ بِذَنَبِ السَّرْحانِ ثُمَّ يَحْصُلُ عَقِبَهُ ظُلْمَةٌ خالِصَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ الثّانِي الصّادِقَ المُسْتَطِيرَ فَكانَ الأوَّلُ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ ابْتِداءً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأنْوارَ لَيْسَ لَها وُجُودٌ إلّا بِإبْداعِهِ، والظُّلُماتُ لَيْسَ لَها ثَباتٌ إلّا بِتَقْدِيرِهِ.

ولَمّا ذَكَرَ الضِّياءَ والظُّلْمَةَ - ذَكَرَ مَنشَأهُما وضَمَّ إلَيْهِ قَرِينَهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى مَحَلٍّ ”اللَّيْلِ“ لِأنَّ جاعِلًا لَيْسَ بِمَعْنى المُضِيءِ فَقَطْ لِتَكُونَ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةً، بَلْ المُرادُ اسْتِمْرارُهُ في الأزْمِنَةِ كُلِّها: ﴿والشَّمْسَ﴾ أيْ: الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها كُلٌّ مِنهُما، هَذا عَنْ غُرُوبِها وهَذا عَنْ شُرُوقِها (p-٢٠١)﴿والقَمَرَ﴾ أيْ: الَّذِي هو آيَةُ اللَّيْلِ ﴿حُسْبانًا﴾ أيْ: ذَوِي حُسْبانٍ وعَلَمَيْنِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الحِسابَ يُعْلَمُ بِدَوْرِهِما وسَيْرِهِما، وبِسَبَبِ ذَلِكَ نَظَمَ - سُبْحانَهُ - مَصالِحَ العالَمِ في الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، فَيَكُونُ عَنْ ذَلِكَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن نُضْجِ الثِّمارِ وحُصُولِ الغَلّاتِ، وعَبَّرَ عَنْهُما بِالمَصْدَرِ المَبْنِيِّ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ البَلِيغَةِ إشارَةً إلى أنَّ الحِسابَ بِهِما أمْرٌ عَظِيمٌ كَبِيرُ النَّفْعِ كَثِيرُ الدُّخُولِ، مَعَ ما لَهُ مِنَ الدُّنْيا في أبْوابِ الدِّينِ فَهو جُلُّ نَفْعِهِما الَّذِي وقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ، فَكَأنَّهُ لَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ - كانَ حَقِيقَتَهُما الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهُما بِها، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِن مَنافِعِهِما فَلا مَدْخَلَ لِلْعِبادِ فِيهِ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا ووَصْفًا قاهِرًا - أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: التَّقْدِيرُ العَظِيمُ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ الفَلْقِ وما بَعْدَهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يُغالَبُ فَهو الَّذِي قَهَرَهُما عَلى ما سَيَّرَهُما فِيهِ، وغَلَبَ العِبادَ عَلى ما دَبَّرَ مِن أمْرِهِمْ بِهِما، فَلَوْ أرادَ أحَدٌ أنْ يَجْعَلَ ما جَعَلَهُ مِنَ النَّوْمِ يَقَظَةً واليَقَظَةَ نَوْمًا، أوْ يَجْعَلَ مَحَلَّ السَّكَنِ لِلْحَرَكَةِ أوْ بِالعَكْسِ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ لَأعْياهُ ذَلِكَ ﴿العَلِيمِ﴾ أيْ: الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ عَلى مِنهاجٍ لا يَتَغَيَّرُ ومِيزانٍ قَوِيمٍ لا يَزِيغُ.

6:97Page 140

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٩٧

And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.

ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ، أتْبَعَهُ مَنفَعَةً أُخْرى تَعُمُّهُما مَعَ غَيْرِهِما مُبَيِّنًا ما أذِنَ (p-٢٠٢)فِيهِ مِن عِلْمِ النُّجُومِ ومَنافِعِها، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ ولَمّا كانَتْ العِنايَةُ بِنا أعْظَمَ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿لَكُمُ النُّجُومَ﴾ أيْ: كُلَّها سائِرَها وثابِتَها وإنْ كانَ عِلْمُكم يَقْصُرُ عَنْها كُلِّها كَما يَقْصُرُ عَنِ الرُّسُوخِ والبُلُوغِ في عِلْمِ السَّيْرِ لِلسَّيّارَةِ مِنهُ ﴿لِتَهْتَدُوا﴾ أيْ: لِتُكَلِّفُوا أنْفُسَكم عِلْمَ الهِدايَةِ ﴿بِها﴾ لِتَعْلَمُوا القِبْلَةَ وأوْقاتَ الصَّلَواتِ والصِّيامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَنافِعِكم دُنْيا ودِينًا.

ولَمّا كانَتْ الأرْضُ والماءُ لَيْسَ لَهُما مِن نَفْسِهِما إلّا الظُّلْمَةُ، وانْضَمَّتْ إلى ذَلِكَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، قالَ: ﴿فِي ظُلُماتِ البَرِّ﴾ أيْ: الَّذِي لا عِلْمَ فِيهِ، وإنْ كانَتْ لَهُ أعْلامٌ فَإنَّها قَدْ تَخْفى ﴿والبَحْرِ﴾ فَإنَّهُ لا عِلْمَ بِهِ، والإضافَةُ إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ أوْ تَشْبِيهِ المُلْبِسِ مِنَ الطُّرُقِ وغَيْرِها بِالظُّلْمَةِ؛ رَوى الحافِظُ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ البَغْدادِيُّ في جُزْءٍ جَمَعَهُ في النُّجُومِ مِن طَرِيقِ أحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الأُشْنانِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ( تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ في البَرِّ والبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا، وتَعَلَّمُوا مِنَ الأنْسابِ ما تَصِلُونَ بِهِ أرْحامَكم وتَعْرِفُونَ ما يَحِلُّ لَكم ويَحْرُمُ عَلَيْكم مِنَ النِّساءِ ثُمَّ انْتَهُوا ) . وفِيهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الإمامِ أحْمَدَ في زِياداتِهِ عَلى المُسْنَدِ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( يا عَلِيٌّ ! أسْبِغْ الوُضُوءَ وإنْ شَقَّ عَلَيْكَ، ولا تَأْكُلْ الصَّدَقَةَ ولا تُنْزِ الحَمِيرَ عَلى (p-٢٠٣)الخَيْلِ، ولا تُجالِسْ أصْحابَ النُّجُومِ )» وفِيهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «( لا تَسْألُوا عَنِ النُّجُومِ، ولا تُفَسِّرُوا القُرْآنَ بِرَأْيِكم، ولا تَسُبُّوا أصْحابِي؛ فَإنَّ ذَلِكَ الإيمانَ المَحْضَ )» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» - رَواهُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ؛ وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مِثْلُهُ سَواءٌ، وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «( إذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَتْ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا )» - رَواهُ مِن طُرُقٍ وأسْنَدَ عَنْ قَتادَةَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْهارًا وسُبُلا﴾ [النحل: ١٥] قالَ: طُرُقًا ﴿وعَلاماتٍ﴾ [النحل: ١٦] قالَ: هي النُّجُومُ، قالَ: إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - إنَّما خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثِ خِصالٍ: جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، وجَعَلَها يُهْتَدى بِها، وجَعَلَها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، فَمَن تَعاطى فِيها [شَيْئًا] غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ حَظَّهُ وقالَ رَأْيَهُ وأضاعَ نَصِيبَهُ وتَكَلَّفَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ - في كَلامٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ، [وهَذا الأثَرُ الَّذِي عَنْ قَتادَةَ أخْرَجَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ]، وقالَ صاحِبُ ( كَنْزِ اليَواقِيتِ في اسْتِيعابِ المَواقِيتِ ) في مُقَدِّمَةِ الكِتابِ: واعْلَمْ أنَّ العِلْمَ مِنهُ مَحْمُودٌ، ومِنهُ مَذْمُومٌ لا يُذَمُّ لِعَيْنِهِ، إنَّما يُذَمُّ في حَقِّ العِبادِ لِأسْبابٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا إلى ضَرَرٍ كَعِلْمِ السِّحْرِ (p-٢٠٤)والطَّلْسَماتِ وهو حَقٌّ إذْ شَهِدَ القُرْآنُ بِهِ وأنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وسُحِرَ النَّبِيِّ ﷺ ومَرِضَ بِسَبَبِهِ، حَتّى أخْبَرَهُ جَبْرَئِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخْرَجَ السِّحْرَ مِن تَحْتِ حَجَرٍ في قَعْرِ بِئْرٍ - كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ؛ ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْرِفَةٌ لَيْسَ مَذْمُومًا، أوْ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا لِإضْرارٍ بِالخَلْقِ يَكُونُ مَذْمُومًا. والوَسِيلَةُ إلى الشَّرِّ شَرٌّ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُضِرًّا بِصاحِبِهِ في غالِبِ الأمْرِ كالقِسْمِ الثّانِي مِن عِلْمِ النُّجُومِ الإحْكامِيِّ المُسْتَدَلِّ بِهِ عَلى الحَوادِثِ بِالأسْبابِ كاسْتِدْلالِ الطَّبِيبِ بِالنَّبْضِ عَلى ما يَحْدُثُ مِنَ المَرَضِ، وهو مَعْرِفَةُ مَجارِي سُنَّةِ اللَّهِ وعادَتِهِ في خَلْقِهِ، ولَكِنَّهُ ذَمَّهُ الشَّرْعُ وزَجَرَ عَنْهُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَضُرُّ بِأكْثَرِ النّاسِ فَإنَّهُ إذا قِيلَ: هَذا الأمْرُ لِسَبَبِ سَيْرِ الكَواكِبِ، وقَرَّ في نَفْسِ الضَّعِيفِ العَقْلِ أنَّهُ مُؤَثِّرٌ، فَيَنْمَحِي ذِكْرُ اللَّهِ عَنْ قَلْبِهِ، فَإنَّ الضَّعِيفَ يَقْصُرُ نَظَرَهُ عَلى الوَسائِطِ بِخِلافِ العالِمِ الرّاسِخِ، فَإنَّهُ يَطَّلِعُ عَلى الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ مُسَخَّراتٍ، وفَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ مَن يَقِفُ مَعَ الأسْبابِ وبَيْنَ مَن يَتَرَقّى إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما حاصِلُهُ أنَّ السَّبَبَ الثّانِيَ في النَّهْيِ عَنْهُ أنَّهُ تَخْمِينٌ لا يَصِلُ إلى القَطْعِ؛ والثّالِثُ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ، فَهو خَوْضٌ في (p-٢٠٥)فُضُولٍ، وأنَّ السَّبَبَ الثّالِثَ مِمّا يُذَمُّ بِهِ ما يُذَمُّ مِنَ العُلُومِ أنَّهُ مِمّا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُ أكْثَرِ النّاسِ ولا يُسْتَقَلُّ بِهِ، ولا يُنْكَرُ كَوْنُ العِلْمِ ضارًّا لِبَعْضِ الأشْخاصِ كَما يَضُرُّ لَحْمُ الطَّيْرِ بِالرَّضِيعِ. انْتَهى. ورَوى أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «( مَن اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ )» [وقالَ صاحِبُ كِتابِ: ( الزِّينَةِ ) في آخِرِ كِتابِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ العِيافَةَ والزَّجْرَ ونَحْوَهُما، ويَأْتِي أكْثَرُهُ عَنْهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ: ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «( إيّاكم والنُّجُومَ ! فَإنَّها تَدْعُو إلى الكِهانَةِ )،» قالَ: هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها لَها أصْلٌ صَحِيحٌ، فَمِنها ما كانَتْ مِن عُلُومِ الأنْبِياءِ مِثْلَ النُّجُومِ والخَطِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَوْلا الأنْبِياءُ الَّذِينَ أدْرَكُوا عِلْمَ النُّجُومِ وعَرَفُوا مَجارِيَ الكَواكِبِ في البُرُوجِ وما لَها مِنَ السَّيْرِ في اسْتِقامَتِها ورُجُوعِها، وما قَدْ ثَبَتَ وصَحَّ مِنَ الحِسابِ في ذَلِكَ بِما لا ارْتِيابَ فِيهِ - لَما قَدَرَ النّاسُ عَلى إدْراكِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلى أنْبِيائِهِمْ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - وقَدْ رُوِيَ أنَّ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلُ مَن عَلِمَ النُّجُومَ، ورُوِيَ في الخَطِّ أنَّهُ كانَ عِلْمُ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما أدْرَكَ النّاسُ هَذِهِ اللَّطائِفَ ولا عَرَفُوها] .

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ قَدْ بَلَغَتْ في البَيانِ حَدًّا عَلا عَنْ (p-٢٠٦)طَوْقِ الإنْسانِ والمَلائِكَةِ والجانِّ لِكَوْنِها صِفَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَتْ فَخْرًا يُتَوَقَّعُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ [فَقالَ]: ﴿قَدْ فَصَّلْنا﴾ أيْ: بَيَّنّا بَيانًا شافِيًا عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الآياتِ﴾ واحِدَةً في إثْرِ واحِدَةٍ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ المَنِيعِ والمِثالِ الرَّفِيعِ. ولَمّا كانَتْ مِنَ الوُضُوحِ في حَدٍّ لا يَحْتاجُ إلى كَثِيرِ تَأمُّلٍ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَهم قِيامٌ فِيما إلَيْهِمْ، ولَهم قابِلِيَّةُ العِلْمِ لِيَسْتَدِلُّوا بِها بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ.

6:98Page 140

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ ٩٨

And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage.1 We have detailed the signs for a people who understand.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ هَذا المَلَكُوتِ الأرْضِيِّ والسَّماوِيِّ، أتْبَعَهُ - كَما مَضى في أوَّلِ السُّورَةِ - الخَلْقَ المُفْرَدَ الجامِعَ لِجَمِيعِ المَلَكُوتِ، وهو الإنْسانُ، دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ، مُبْطِلًا بِمُفاوَتَةِ أوَّلِ الإبْداعِ وآخِرِ الآجالِ ما اعْتَقَدُوا في النُّورِ والظُّلْمَةِ والشَّمْسِ والقَمَرِ وغَيْرِهِما؛ لِأنَّ واحِدًا مِنها لا اخْتِيارَ لَهُ في شَيْءٍ يَصْدُرُ عَنْهُ، بَلْ هو مُسَخَّرٌ ومَقْهُورٌ كَما هو مَحْسُوسٌ ومَشْهُورٌ، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ أيْ: وأنْتُمْ في غايَةِ التَّفاوُتِ في الطُّولِ والقَدِّ واللَّوْنِ والشَّكْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْراضِ الَّتِي دَبَّرَها - سُبْحانَهُ - عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ثُمَّ اقْتَطَعَ مِنها زَوْجَها ثُمَّ فَرَّعَكم مِنهُما.

ولَمّا كانَ أغْلَبُ النّاسِ في الحَياةِ [الدُّنْيا] يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَحُولُ ولا يَزُولُ، لا يَكُونُ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ ما دامَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ (p-٢٠٧)[مِن] حَياةٍ، [قالَ]: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ: فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ مِنكم مُسْتَقِرٌّ عَلى الأرْضِ - هَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عُمَرَ وبِكَسْرِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، والمَعْنى في قِراءَةِ الباقِينَ بِفَتْحِهِ اسْمُ مَكانٍ ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤]

ولَمّا كانَ مَن في البَرْزَخِ قَدْ كُشِفَ عَنْهم الغِطاءُ فَهم مُوقِنُونَ بِالسّاعَةِ غَيْرُ عامِلِينَ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وكَذا مَن في الصُّلْبِ والرَّحِمِ - عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الِاسْتِقْرارِ، فَقالَ: ﴿ومُسْتَوْدَعٌ﴾ أيْ: في الأصْلابِ أوْ الأرْحامِ أوْ في بَطْنِ الأرْضِ، [فَدَلَّتْ المُفاوَتَةُ مِن كُلٍّ مِنهُما - مَعَ أنَّ الكُلَّ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ - عَلى القادِرِ المُخْتارِ]، لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يَعْكِسَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ مَضْمُونُ الآيَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وقَدَّمَ الإصْباحَ واللَّيْلَ ومُتَعَلِّقَهُما لِتَقَدُّمِهِما في الخَلْقِ، ثُمَّ تَلاهُ بِخَلْقِ الإنْسانِ عَلى حَسَبِ ما مَرَّ أوَّلَ السُّورَةِ، وذَكَرَ [هُنا أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الطِّينَ نَفْسًا واحِدَةً فَرَّعَ الإنْسَ كُلَّهم مِنها مَعَ تَفاوُتِهِمْ فِيما] هُناكَ وُفِيَ غَيْرِهِ.

ولَمّا ذَكَرَ هَذا المُفْرَدَ الجامِعَ، وفَصَّلَهُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ المُعْجِبَةِ، كانَ مَحَلًّا لِتَوَقُّعِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا﴾ [الأنعام: ٩٧] أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿الآياتِ﴾ [الأنعام: ٩٧] أيْ: أكْثَرْنا بَيانَها في هَذا المُفْرَدِ الجامِعِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الصَّنْعَةِ، تارَةً بِأنْ يَكُونَ مِنَ التُّرابِ بَشَرٌ، وأُخْرى بِأنْ يُخْرِجَ الأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، (p-٢٠٨)وتارَةً بِأنْ يُفَرِّعَ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى ما لا يُحِيطُ بِهِ العَدُّ ولا يَجْمَعُهُ الخَبَرُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الوِلادَةِ إلى الكِبَرِ.

ولَمّا كانَ إنْشاءُ النّاسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَصْرِيفَهم عَلى تِلْكَ الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ جِدًّا ألْطَفَ وأدَقَّ صَنْعَةٍ، فَكانَ ذَلِكَ مُحْتاجًا إلى تَدَبُّرٍ واسْتِعْمالِ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقِ نَظَرٍ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لَهم أهْلِيَّةُ الفِقْهِ والفِطْنَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском