Al-Biqa'iAs‑Saf · 61:8–14

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

As-Saf 61:8–14

61:8Page 552

يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨

They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh will perfect His light, although the disbelievers dislike it.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ رَدِّهِمْ لِلرِّسالَةِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ إرادَةَ رَدِّهِمْ لِلرِّسالَةِ بِافْتِرائِهِمْ ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ يُطْفِئُوا ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا شَيْءَ يُكافِيهِ ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ بِما يَقُولُونَ مِنَ الكَذِبِ لا مَنشَأ لَهُ غَيْرُ الأفْواهِ لِأنَّهُ لا اعْتِقادَ لَهُ في القُلُوبِ لِكَوْنِهِ لا يَتَخَيَّلُهُ عاقِلٌ، فَهم في ذَلِكَ كالنّافِخِينَ في الشَّمْسِ إرادَةَ أنْ يَمْحُوَ نَفْخُهم عَيْنَها ويَنْقُصَ شَيْنُهم زَيْنَها، فَمَثَّلَ إرادَتَهم لِإخْفاءِ القُرْآنِ بِتَكْذِيبِهِمْ وجَمِيعِ كَيْدِهِمْ بِمَن (p-٣٠)يُرِيدُ إطْفاءَ الشَّمْسِ بِنَفْخِهِ فَهو في أجْهَدِ وأضَلِّ الضَّلالِ:

؎وفِي تَعَبِ مَن يَحْسُدُ الشَّمْسَ ضَوْءَها ∗∗∗ ويُجْهِدُ أنْ يَأْتِيَ لَها بِضَرِيبِ

فَأفادَ قَصْرَ الفِعْلِ أنَّ إرادَتَهم كُلَّها مَصْرُوفَةٌ لِهَذا الغَرَضِ وأنَّهُ لا إرادَةَ [لَهُمْ] غَيْرَ ذَلِكَ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهم إرادَةٌ لِأنَّهم عَبِيدٌ، والإرادَةُ لا يَنْبَغِي إلّا لِلسَّيِّدِ لِيَكُونَ إرادَةُ العَبْدِ تابِعَةً لَها، فَتَكُونُ امْتِثالًا لِإرادَتِهِ، فَكَأنَّهُ لا إرادَةَ لَهُ، فَهو أبْلَغُ مِمّا في بَراءَةٍ لِأنَّ هَذِهِ نَتِيجَتُها.

ولَمّا أخْبَرَ بِعِلَّةِ إرادَتِهِمْ وأشارَ إلى وهي أمْرُهم بَعْدَ أنْ أخْبَرَ بِرَدِّهِمْ لِلْحَقِّ وجَرَّأ عَلَيْهِمْ بِالإخْبارِ بِإضْلالِهِمْ، زادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا غَيْرَ مُضْمَرٍ تَنْبِيهًا عَلى [جَمِيعِ] صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا مُدافِعَ [لَهُ] لِتَمامِ عَظَمَتِهِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ نَتِيجَةَ سُورَةِ بَراءَةَ الَّتِي أخْبَرَ فِيها بِأنَّهُ يَأْبى إلّا إتْمامَ نُورِهِ، أخْبَرَ في هَذِهِ بِنَتِيجَةِ ذَلِكَ وهي ثَباتُ تَمامِ النُّورِ ودَوامِهِ، لِأنَّ هَذا شَأْنُ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ إذا أرادَ شَيْئًا فَكَيْفَ إذا أرْسَلَ رَسُولًا فَقالَ: ﴿مُتِمُّ﴾ وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُ قَوْلَ الجُمْهُورِ [أنَّها] مَدِينَةٌ بَعْدَ التَّأْيِيدِ بِذِكْرِ الجِهادِ، فَإنَّ فَرْضَهُ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مِن والظّاهِرُ مِن تَرْتِيبِها عَلى المُمْتَحَنَةِ الَّتِي نَزَلَتْ في غَزْوَةِ الفَتْحِ أنَّها بَعْدَ بَراءَةَ في النُّزُولِ أيْضًا. (p-٣١)ولَمّا كانَ النُّورُ لِإظْهارِ صُوَرِ الأشْياءِ بَعْدَ انْطِماسِها سَبَبًا لِوَضْعِ الأشْياءِ في أتْقَنَ مَواضِعِها، وكانَ ما أتى مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ العِلْمِ كَذَلِكَ، جُعِلَ عَيْنُهُ فَأطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَهُ فَقالَ: ﴿نُورِهِ﴾ فَلا يَضُرُّهُ سَتْرُ أحَدٍ لَهُ بِتَكْذِيبِهِ ولا إرادَةِ إطْفائِهِ، وزادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كَرِهَ﴾ أيْ إتْمامُهُ [لَهُ] ﴿الكافِرُونَ﴾ أيِ الرّاسِخُونَ في صِفَةِ الكُفْرِ المُجْتَهِدُونَ في المُحاماةِ عَنْهُ.

61:9Page 552

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٩

It is He who sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although those who associate others with Allāh dislike it.

ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ، عَلَّلَهُ بِما هو شَأْنُ كُلِّ مَلِكٍ فَكَيْفَ بِالواحِدِ في مِلْكِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيِ الَّذِي ثَبَتَ أنَّهُ جامِعٌ لِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ وزِيرٌ ﴿الَّذِي أرْسَلَ﴾ بِما لَهُ مِنَ القُوَّةِ والإرادَةِ ﴿رَسُولَهُ﴾ أيِ الحَقِيقِ بِأنْ يُعَظِّمَهُ كُلُّ مَن بَلَغَهُ أمْرُهُ لِأنَّ عَظَمَتَهُ مَن عَظَمَتِهِ، ولَمْ يُذْكَرْ حَرْفُ الغايَةِ إشارَةً إلى عُمُومِ الإرْسالِ إلى كُلِّ مَن شَمِلَهُ المَلِكُ كَما مَضى ﴿بِالهُدى﴾ أيِ البَيانِ الشّافِي ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي ثَباتُهُ لا يُدانِيهِ ثَباتٌ، فَلا ثَباتَ لِغَيْرِهِ، فَثَباتُ هَذا الدِّينِ بِثَباتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والدِّينُ الَّذِي هو الحَقُّ الثّابِتُ في الحَقِّيَّةِ الكامِلِ فِيها كَمالًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ إشارَةً إلى شِدَّةِ التِباسِهِ بِها ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيْ يُعْلِيهِ (p-٣٢)مَعَ الشُّهْرَةِ وإذْلالِ المُنازِعِ ﴿عَلى الدِّينِ﴾ أيْ جِنْسِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَجْعَلُ لِيُجازِيَ مَن يَسْلُكُها ومَن يَزِيغُ عَنْها، بِها يَشْرَعُ فِيها مِنَ الأحْكامِ ﴿كُلِّهِ﴾ فَلا يَبْقى دِينٌ إلّا كانَ دُونَهُ وانْمَحَقَ بِهِ وذَلَّ أهْلُهُ لَهُ ذُلًّا لا يُقاسُ بِهِ ذَلٌّ ﴿ولَوْ كَرِهَ﴾ أيْ إظْهارَهُ ﴿المُشْرِكُونَ﴾ أيِ المُعانِدُونَ في كُفْرِهِمُ الرّاسِخُونَ في تِلْكَ المُعانَدَةِ، وأعْظَمُ مُرادٍ بِهَذا أهْلُ العِنادِ بِبِدْعَةِ الِاتِّحادِ، فَإنَّهم ما تَرَكُوا شَيْئًا مِمّا سِواهُ حَتّى أشْرَكُوا بِهِ - تَعالى [اللَّهُ] عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، - وهم مَعَ بُعْدِ نِحْلَتِهِمْ مِنَ العُقُولِ وفَسادِها مِنَ الأوْهامِ ومُصادَمَتِها لِجَمِيعِ النُّقُولِ في غايَةِ الكَثْرَةِ لِمَصِيرِ النّاسِ إلى ما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولَهُ [وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ -] مِن أنَّ أكْثَرَهم قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهم وخَفِيَتْ أماناتُهم وصارُوا حُثالَةً كَحُثالَةِ التَّمْرِ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ، لَكِنَّهم عَلى كَثْرَتِهِمْ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ في أمْثالِها في غايَةِ الذُّلِّ ولِلَّهِ الحَمْدُ لا عِزَّ لَهم إلّا بِإظْهارِ الِاتِّباعِ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم يُكَذِّبُونَ في هَذِهِ الدَّعْوى لِأنَّهم في غايَةِ المُخالَفَةِ لَهُما بِحَيْثُ يَعْتَقِدُونَ أنَّهُما شِرْكٌ لِإثْباتِهِما لِلَّهِ تَعالى وُجُودًا يُخالِفُ وُجُودَ الخَلْقِ وهم يَقُولُونَ مُكابَرَةً لِلضَّرُورَةِ أنَّ الوُجُودَ واحِدٌ وأنَّهُ لا مَوْجُودَ ظاهِرًا وباطِنًا سِواهُ، ولِذَلِكَ سَمُّوا الوُجُودَ بِهِ ثُمَّ لا يَرُدُّهم عِلْمُهم بِذُلِّهِمْ وأنَّهم لا عِزَّ لَهم إلّا (p-٣٣)بِحِمى الشَّرِيعَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ فَأعْجَبَ لِذَلِكَ وألْجَأ إلى اللَّهِ تَعالى بِسُؤالِ العافِيَةِ، فَإنَّ القُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ، وضَرَبَهم بِالذُّلِّ مَعَ كَثْرَتِهِمْ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ المَلِكَ الكامِلَ القُدْرَةَ لا يُقِرُّ مَن يَطْعَنُ في مُلْكِهِ ويَسْعى في رَدَّ رِسالَتِهِ وإهانَةَ رُسُلِهِ ولَقَدْ أنْجَزَ سُبْحانَهُ كَثِيرًا مَن وعَدَهُ بِما دَلَّ - لِكَوْنِهِ تَغْلِيبًا عَلى أقْوى المُلُوكِ مِنَ الأكاسِرَةِ والقَياصِرَةِ - عَلى القُدْرَةِ عَلى الباقِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقاعَدَ قَوْمُهُ عَنْ نُصْرَتِهِ وانْتَدَبُوا لِتَكْذِيبِهِ وجَحَدَ ما شاهَدُوهُ مِن صِدْقِهِ يَسَّرَ اللَّهُ لَهُ أنْصارًا مِن أُمَّتِهِ هم نِزاعُ القَبائِلِ وأجادُ الأفاضِلِ وساداتُ الأماثِلِ فَبَلَغُوا في تَأْيِيدِهِ أقْصى الأمَلِ.

61:10Page 552

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ١٠

O you who have believed, shall I guide you to a transaction that will save you from a painful punishment?

ولَمّا أنْتَجَ هَذا كُلُّهُ نَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كُلِّ حالٍ ودَمارٍ مَن يُخالِفُ أمْرَهُ، أنْتَجَ قَطْعًا أنَّ الجِهادَ مَعَهُ مَتْجَرٌ رابِحٌ لِأنَّ النَّصْرَ مَضْمُونٌ، والمَوْتَ مَنهَلٌ لا بُدَّ مِن وُرُودِهِ سَواءٌ خاضَ الإنْسانُ الحُتُوفَ أوِ احْتَرَسَ في القُصُورِ المُشَيَّدَةِ، فَقالَ تَعالى في أُسْلُوبِ النِّداءِ والِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ أفْخَمُ وأشَدُّ تَشْوِيقًا بِالأداةِ الَّتِي لا يَكُونُ ما بَعْدَها إلّا بِالِغًا في العِظَمِ إلى النِّهايَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ قالُوا (p-٣٤)[فِي] إقْرارِهِمْ بِالإيمانِ ما عَلَيْهِمْ أنْ يَفْعَلُوا بِمُقْتَضاهُ ﴿هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ وأنا المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَهي إيجابٌ في المَعْنى ذُكِرَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ تَشْوِيقًا لِيَكُونَ أوْقَعَ في النَّفْسِ فَتَكُونُ لَهُ أشَدُّ تَقَبُّلًا، والآيَةُ أيْضًا نَتِيجَةَ ما مَضى بِاعْتِبارٍ آخَرَ لِأنَّهُ لَمّا وبَّخَ عَلى انْحِلالِ العَزائِمِ وأخْبَرَ بِما يَجِبُ مِنَ القِتالِ، وبَكَّتْ عَلى أذى الرَّسُولِ ﷺ بِالمُخالَفَةِ، وأخْبَرَ أنَّ مَن خالَفَهُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، كانَ مَوْضِعُ الِاسْتِباقِ في طاعَتِهِ فَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِاشْتِياقَ إلى ذِكْرِ ثَمَرَتِهِ فَذَكَرَها، ولَمّا[ كانَ] فِعْلُ حاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأجْلِ أنَّهُ لا نَجاحَ أهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ في أنْفُسِهِمْ ولا في شَيْءٍ مِن مالِهِمْ، وكانَ هَذا في مَعْنى التِّجارَةِ قالَ: ﴿عَلى تِجارَةٍ﴾ وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ﴿تُنْجِيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ أنْسَبُ لِهَذا المَقامِ مِن قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتَّخْفِيفِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ أنْسَبُ لِمَقْصُودِ حاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ بِالإجاحَةِ في النَّفْسِ أوِ المالِ.

61:11Page 552

تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١

[It is that] you believe in Allāh and His Messenger and strive in the cause of Allāh with your wealth and your lives. That is best for you, if you only knew.

ولَمّا كانَ الِاتِّجارُ إجْهادُ النَّفْسِ في تَحْصِيلِ [الرِّبْحِ النّافِعِ، وكانَ الإيمانُ والجِهادُ أعْظَمُ إجْهادِ النَّفْسِ في تَحْصِينِ -] الجَنَّةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا رِيحَ تُوازِيها، فاسْتَعارَ لَهُما اسْمَها، وكانَ جَوابَ النِّداءِ الإقْبالُ (p-٣٥)وجَوابَ الِاسْتِفْهامِ نَعَمْ، عَدُوًّا كَأنَّهم أقْبَلُوا وأنْعَمُوا تَنْبِيهًا عَلى ما هو الألْيَقُ بِهِمْ، فاسْتَأْنَفَ لَهم بَيانُ التِّجارَةِ بِأنَّهُ الجَمْعُ بَيْنَ الإيمانِ الَّذِي هو أساسُ الأعْمالِ كُلِّها، والجِهادِ بِنَوْعَيْهِ المُكَمِّلِ لِلنَّفْسِ والمُكَمِّلِ لِلْغَيْرِ فَقالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ [أيْ] آمَنُوا بِشَرْطِ تَجْدِيدِ الإيمانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ الَّذِي تَصْدِيقُهُ آيَةُ الإذْعانِ المَعْنَوِيَّةِ والخُضُوعِ لِكَوْنِهِ مَلِكًا ﴿وتُجاهِدُونَ﴾ أيْ وجاهِدُوا بَيانًا لِصِحَّةِ إيمانِكم عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُما بِمَعْنى الأمْرِ ما أرْشَدَ إلَيْهِ جَزْمُ ما أُقِيمَ في مَوْضِعِ الجَوابِ مَعَ قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: آمِنُوا وجاهِدُوا - بِصِيغَةِ الأمْرِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَسْهِيلِ طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُوصِلِ إلَيْهِ الَّذِي لا أمْرَ لِغَيْرِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ ظَرْفًا لَكم في [جَمِيعِ] هَذا الفِعْلِ فَلا شَيْءَ يَكُونُ مِنهُ خارِجًا عَنْهُ لِيَكُونَ خالِصًا بِفَتْحِ بَلَدِ الحَجِّ لِيَسْهُلَ الوُصُولُ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَن أرادَهُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَرائِعِهِ فَتَكُونُوا مِمَّنْ يَصْدُقُ فِعْلُهُ قَوْلَهُ، وهَذا المَعْنى لا وقْفَةَ فِيهِ لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنا: فُلانٌ فَعَلَ كَذا - الصّادِقُ بِمَرَّةَ، وبَيْنَ قَوْلِنا بِفِعْلِهِ الدّالِّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ قَدْ صارَ دَيْدَنًا لَهُ، فالمَعْنى: يا مَن فَعَلَ (p-٣٦)الإيمانَ إنْ أرَدْتُمُ النَّجاةَ فَكُونُوا عَرِيقِينَ في وصْفِ الإيمانِ حَقِيقِينَ بِهِ ثابِتِي الإقْدامِ فِيهِ وأدِيمُوا الجِهادَ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ فَإنَّ الجِهادَ لِما فِيهِ مِنَ الخَطَرِ والمَشَقَّةِ والضَّرَرِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِ الإيمانِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ السِّياقَ لِقِصَّةِ حاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المُفْهِمَةِ في الظّاهِرِ لِعَدَمِ الثَّباتِ في الإيمانِ وإرادَةِ الجِهادِ الدّالِّ عَلى المُصَدِّقِ فِيهِ، ولِذَلِكَ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما قالَ - واللَّهُ الهادِي.

ولَمّا كانَ الجَمْعُ بَيْنَ الرُّوحِ وعَدِيلِها المالُ عَلى وجْهِ الرِّضى والرَّغْبَةِ أدَلُّ عَلى صِحَّةِ الإيمانِ، قالَ: ﴿بِأمْوالِكُمْ﴾ وقَدَّمَها لِعِزَّتِها في ذَلِكَ الزَّمانِ ولِأنَّها قِوامُ الأنْفُسِ والأبْدانِ، فَمَن بَذَلَ مالَهُ كُلَّهُ لَمْ يَبْخَلْ بِنَفْسِهِ لِأنَّ المالَ قِوامُها. ولَمّا قَدِمَ القَوّامَ أتْبَعَهُ القائِمُ بِهِ فَقالَ: ﴿وأنْفُسِكُمْ﴾ ولَمّا أمَرَ بِهَذا في صِيغَةِ الخَبَرِ اهْتِمامًا بِهِ وتَأْيِيدًا لِشَأْنِهِ، أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِمَدْحِهِ قَبْلَ ذِكْرِ جَزائِهِ، فَقالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ مِنَ الإيمانِ وتَصْدِيقُهُ بِالجِهادِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً مِمّا تُرِيدُونَ مِنَ الذَّبْذَبَةِ بِمُناصَحَةِ الكَفّارِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ بِالجِبِلّاتِ الصّالِحَةِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنْ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَتَجَدَّدَ لَكم عِلْمٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ، فَإذا عَلِمْتُمْ، أنَّهُ خَيْرٌ أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِ فَكانَ لَكم بِهِ أمْرٌ (p-٣٧)عَظِيمٌ، وإنْ كانَتْ قُلُوبُكم قَدْ طُمِسَتْ طَمْسًا لا رَجاءَ لِصَلاحِها فَصَلُّوا عَلى أنْفُسِكم صَلاةَ المَوْتِ.

61:12Page 552

يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢

He will forgive for you your sins and admit you to gardens beneath which rivers flow and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence. That is the great attainment.

ولَمّا كانَ مَعْنى ”تُؤْمِنُونَ“: فالأمْرُ كَما تَقَدَّمَ، لَكِنَّهُ حُوِّلَ عَنْ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ، وكانَ أهَمَّ ما إلى الإنْسانِ خَوْفُهُ مِمّا هَدَّدَ عَلَيْهِ، أمَّنَ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ دالًّا عَلى أصْلِ الفِعْلِ بِجَزْمِ ما هو في مَوْضِعِ الجَوابِ فَقالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ مَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴿ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ بِمَحْوِ أعْيانِها وآثارِها كُلِّها.

ولَمّا قَرَعَ القُلُوبَ مِن كَدَرِ العِقابِ والعِتابِ، لَذَّذَها بِطِيبِ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿ويُدْخِلْكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ التَّزْكِيَةِ بِالمَغْفِرَةِ رَحْمَةً لَكم ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ ودَلَّ عَلى قُرْبِ الجارِي وتَخَلُّلِهِ الأراضِي بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ تَحْتَ أشْجارِها وغُرَفِها وكُلِّ مُتَنَزَّهٍ فِيها ﴿الأنْهارُ﴾ فَهي لا تَزالُ غَضَّةً زَهْراءَ، ولَمْ يَحْتَجْ هَذا الأُسْلُوبُ إلى ذِكْرِ الخُلُودِ لِإغْناءِ ما بَعْدَهُ عَنْهُ، دَلَّ عَلى الكَثْرَةِ المُفْرِطَةِ في الدَّوْرِ بِقَوْلِهِ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ: ﴿ومَساكِنَ﴾ ولَمّا كانَتِ المَساكِنِ لا تَرُوقُ إلّا بِما يُقارِنُها مِنَ المَعانِي الحَسَنَةِ قالَ: ﴿طَيِّبَةً﴾ أيْ في الِاتِّساعِ واخْتِلافِ (p-٣٨)أنْواعِ المَلاذِّ وعُلُوِّ الأبْنِيَةِ والأُسْرَةِ مَعَ سُهُولَةِ الوُصُولِ إلَيْها وفي بَهْجَةِ المَناظِرِ وتَيَسُّرِ مَجارِي الرِّيحِ بِانْفِساحِ الأبْنِيَةِ مَعَ طِيبِ الغُرَفِ، لَمْ يُفْسِدِ الماءُ الجارِيَ تَحْتَها شَيْئًا مِن رِيحِها ولا في اعْتِدالِها في شَيْءٍ مِمّا يُرادُ مِنها. ولَمّا كانَتْ لا يَرْغَبُ فِيها إلّا بِدَوامِ الإقامَةِ، بَيْنَ صَلاحِيَتِها لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أيْ بَساتِينَ هي أهْلٌ لِلْإقامَةِ بِها لا يَحْتاجُ في إصْلاحِها إلى شَيْءٍ خارِجٍ يَحْتاجُ في تَحْصِيلِهِ إلى الخُرُوجِ عَنْها [لَهُ]، ولا آخَرَ لِتِلْكَ الإقامَةِ، قالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ في كِتابِهِ جَوامِعِ التَّفْسِيرِ: هي قَصَبَةُ الجِنانِ ومَدِينَةُ الجَنَّةِ أقْرَبُها إلى العَرْشِ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا شَرِيفًا لا يُوجَدُ في غَيْرِها قالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ جِدًّا وحْدَهُ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

61:13Page 552

وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣

And [you will obtain] another [favor] that you love - victory from Allāh and an imminent conquest; and give good tidings to the believers.

ولَمّا ذَكَرَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ في الأُخْرى لِأنَّهُ أهَمُّ لِدَوامِها، كانَ التَّقْدِيرُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ العَطْفُ: هَذا لَكُمْ، عَطْفٌ عَلَيْهِ ما جَعَلَ لَهم في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وأُخْرى﴾ أيْ ولَكم نِعْمَةٌ، أوْ يُعْطِيكُمْ، أوْ يَزِيدُكم نِعْمَةً أُخْرى. ولَمّا كانَ الإنْسانُ أحَبُّ في العاجِلِ وأفْرَحُ بِالنّاجِزِ قالَ: ﴿تُحِبُّونَها﴾ أيْ مَحَبَّةً كَثِيرَةً مُتَجَدِّدَةً (p-٣٩)مُتَزايِدَةً، فَفي ظاهِرِ هَذِهِ البُشْرى تَشْوِيقٌ إلى الجِهادِ وتَحْبِيبٌ، وفي باطِنِها حَثٌّ عَلى [حُبِّ] الشَّهادَةِ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ التَّوْبِيخِ أيْضًا عَلى حَلِّ العاجِلِ والتَّقْرِيعِ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَتْ عَظَمَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَكم وعَلى قَدْرِ إحاطَتِهِ تَكُونُ نُصْرَتُهُ ﴿وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ تَدْخُلُونَ مِنهُ إلى [كُلِّ] ما كانَ مُتَعَسِّرًا عَلَيْكم مِن حُصُونِ أعْدائِكم وغَيْرِها مِن أُمُورِهِمْ في حَياةِ نَبِيِّكم ﷺ أعْظَمُهُ فَتْحُ مَكَّةَ الَّذِي كَتَبَ حاطِبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَبَبِهِ، وبَعْدَ مَماتِهِ، وفِيهِ شَهادَةٌ لِحاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ يُحِبُّ نُصْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ والفَتْحَ عَلَيْهِ مَكَّةَ وغَيْرِها لِصِحَّةِ إيمانِهِ كَما أخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى.

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المُعاتَبَةِ إنْذارًا لِمَن خالَفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وكانَ المَقامُ قَدْ أخَذَ حَظَّهُ مِنَ الإنْذارِ والتَّوْبِيخِ، طَوى ما تَقْدِيرُهُ: فَأنْذَرَ مَن لَمْ يَكُنْ راسِخًا في الدِّينِ مِنَ المُنافِقِينَ، ومَن خالَفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ: عَطَفَ عَلَيْهِ دَلالَةً عَلَيْهِ لِيَكُونَ [أوْقَعَ] في النَّفْسِ لِمَن يُشِيرُ إلَيْهِ طَيُّهُ مِنَ الِاسْتِعْطافِ قَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم وصْفًا راسِخًا كَحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ لَكَ البِلادَ شَرْقًا وغَرْبًا، وأوَّلُ ذَلِكَ مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ ولا يُحْوِجُهم (p-٤٠)إلى أنْ يَدْرَؤُوا عَنْ عَشائِرِهِمْ وأمْوالِهِمْ ولا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِمْ يُخالِفُ شَيْئًا مِن أقْوالِهِمْ.

61:14Page 552

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ ١٤

O you who have believed, be supporters of Allāh, as when Jesus, the son of Mary, said to the disciples, "Who are my supporters for Allāh?" The disciples said, "We are supporters of Allāh." And a faction of the Children of Israel believed and a faction disbelieved. So We supported those who believed against their enemy, and they became dominant.

ولَمّا هَزَّ سُبْحانَهُ إلى الجِهادِ وشَوَّقَ إلَيْهِ بِأنَّهُ مَتْجَرٌ رابِحٌ، ولَوَّحَ إلى النِّذارَةِ بِالتَّنْشِيطِ بِالبِشارَةِ، فَتَهَيَّأتِ النُّفُوسُ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ وانْبَعَثَتْ أيِ انْبِعاثَ، حَضَّ عَلَيْهِ بِالإيجابِ المُقْتَضِي لِلثَّوابِ أوِ العِقابِ، فَقالَ مُنادِيًا بِأداةِ البُعْدِ والتَّعْبِيرِ بِما يَدُلُّ عَلى أدْنى الأسْنانِ تَأْنِيبًا عَلى أنَّهُ لا يُعْدَمُ الوَصْفُ بِالإيمانِ إلّا مُقْرُونٌ بِالحِرْمانِ تَشْوِيقًا وتَحَبُّبًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [أيْ] أقِرُّوا بِذَلِكَ فَأذْعَنُوا بِهَذا الوَعْظِ غايَةَ الإذْعانِ أنِّي أمَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقُولَ لَكُمْ: ﴿كُونُوا﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِكم ﴿أنْصارَ اللَّهِ﴾ أيْ راسِخِينَ في وصْفِ النُّصْرَةِ وفي الذُّرْوَةِ العُلْيا مِن ثَباتِ الأقْدامِ في تَأْيِيدِ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ لِتَكُونُوا - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِالإضافَةِ - بِالِاجْتِهادِ في ذَلِكَ كَأنَّكم جَمِيعُ أنْصارِهِ، فَإنَّكم أشْرَفُ مِن قَوْمِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما نَدَبَكم سُبْحانَهُ لِنُصْرَتِهِ إلّا لِتَشْرِيفِكم بِمُصاحَبَةِ رُسُلِهِ الَّذِينَ هم خُلاصَةُ خَلْقِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّنْوِينِ ولامُ الجَرِّ عَلى مَعْنى: كُونُوا بَعْضَ أنْصارِهِ، ويُشَبِّهُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ الثَّباتَ عَلى (p-٤١)الإيمانِ ولَوْ في أدْنى الدَّرَجاتِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ الرُّسُوخُ فِيهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ عَلى صِفَةٍ هي مِنَ الثَّباتِ والسُّرْعَةِ عَلى صِفَةِ الحَوارِيِّينَ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما﴾ أيْ كُونُوا لِأجْلِ أنِّي أنا [نَدَبْتُكُمْ] بِقَوْلِي مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ولَذَذْتُكم بِخِطابِي مِثْلَ ما كانَ الحَوارِيُّونَ أنْصارُ اللَّهِ حِينَ ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ حِينَ أرْسَلْتُهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ ناسِخًا لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لِلْحَوارِيِّينَ﴾ أيْ خُلَّصِ أصْحابِهِ وخاصَّتِهِ مِنهُمْ: ﴿مَن أنْصارِي﴾ حالَ كَوْنِهِمْ سائِرِينَ في مَنازِلِ السُّلُوكِ والمُعامَلاتِ ومَراحِلِ المُجاهَداتِ والمُنازَلاتِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَنَحْنُ إلَيْهِ راجِعُونَ كَما كُنّا بِهِ مَبْدُوئِينَ.

ولَمّا اشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى جَوابِهِمْ، أبانَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ مُعَلِّمِينَ أنَّهُ جادُّونَ في ذَلِكَ جِدًّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ عامِلِينَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ عَمَلَ الواصِلِ لا السّائِرُ [لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ إجابَتُهُ إجابَةَ اللَّهِ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى فَلَيْسَ كَلامُهُ إلّا عَنِ اللَّهِ]: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ بِأجْمَعِنا ﴿أنْصارَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي هو غَنِيٌّ عَنّا وقادِرٌ عَلى تَمامِ نَصْرِنا، ولَوْ كانَ عَدُوُّنا كُلَّ أهْلِ الأرْضِ نَنْصُرُهُ الآنَ بِالفِعْلِ، لا نَحْتاجُ إلى تَدْرِيبٍ يَسِيرٍ ولا نَظَرَ [إلى] غَيْرِ اسْتِحْضارِنا لِجَمِيعِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الآدَمِيُّ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وجَمالِهِ وكَمالِهِ، ولِذَلِكَ أظْهَرُوا ولَمْ يُضْمِرُوا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ثُمَّ دَعَوْا مَن خالَفَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ وبارَزُوهُمْ، (p-٤٢)سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَتْ﴾ أيْ بِهِ ﴿طائِفَةٌ﴾ أيْ ناسٌ فِيهِمْ أهْلِيَّةُ الِاسْتِدارَةِ لِما لَهم مِنَ الكَثْرَةِ ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ قَوْمِهِ ﴿وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ أيْ مِنهُمْ، وأصْلُ الطّائِفَةِ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ ﴿فَأيَّدْنا﴾ أيْ قَوَيَّنا بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإيمانِ المُخْلِصِ مِنهم وغَيْرِهِ في القَوْلِ والفِعْلِ وشَدَدْنا قُلُوبَهم ﴿عَلى عَدُوِّهِمْ﴾ الَّذِينَ عادُوهم لِأجْلِ إيمانِهِمْ. ولَمّا كانَ الظَّفْرُ بِالمَحْبُوبِ [أحَبَّ ما يَكُونُ] إذا كانَ أوَّلَ النَّهارِ، تَسَبَّبَ عَنْ تَأْيِيدِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا﴾ أيْ صارُوا بَعْدَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ ﴿ظاهِرِينَ﴾ أيْ عالِينَ غالِبِينَ قاهِرِينَ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ لا يَخافُونَ أحَدًا إلّا اللَّهَ ولا يَسْتَخِفُّونَ مِنهُ، فالتَّأْيِيدُ تارَةً يَكُونُ [بِالعِلْمِ وتارَةً] بِالفِعْلِ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] فَصارَ عِلْمُهُ في غايَةِ الإحْكامِ وتَبِعَتْهُ قُوَّةٌ هي في مُنْتَهى التَّمامِ، لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ عِلْمٍ مُسْتَفادٍ مِن قُوَّةٍ، وإلّا لَقالَ: عِلْمُهُ كَثِيرُ العِلْمِ.

﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] قُوَّةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن عِلْمٍ، والظّاهِرُ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] وغَيْرِها أنَّ تَأْيِيدَ المُؤْمِنِينَ [بِهِ] كانَ بَعْدَ رَفْعِهِ بِيَسِيرٍ حِينَ ظَهَرَ (p-٤٣)الحَوارِيُّونَ وانْبَثُّوا في البِلادِ يَدْعُونَ إلى اللَّهِ بِما آتاهم مِنَ الآياتِ، فاتَّبَعَهُمُ النّاسُ، فَلَمّا تَمادى الزَّمانُ وماتَ الحَوارِيُّونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ افْتَرَقَ النّاسُ ودَبَّ إلَيْهِمُ الفَسادُ، فَغَلَبَ أهْلُ الباطِلِ وضَعُفَ أهْلُ الحَقِّ حَتّى كانُوا عِنْدَ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ عَدَمًا أوْ في حُكْمِ العَدَمِ، - كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ كَما تَرى بِما وقَعَ مِنَ التَّنَزُّهِ عَمّا يُوهِمُهُ عُلُوُّ الكَفَرَةِ مِنَ النَّقْصِ بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ وقَسْرِ أعْدائِهِ، ومِنَ الأمْرِ مِمّا أخْبَرَ أوَّلَها أنَّهُ يُحِبُّهُ مِنَ القِتالِ في سَبِيلِهِ حَثًّا عَلَيْهِ وتَشْوِيقًا إلَيْهِ - عَلى أوَّلِها، واتَّصَلَ بِما بَشَّرَ بِهِ مَن آمَنَ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الإيمانِ مِنَ العِزِّ مُوصِلِها بِمَفْصِلِها، بِما أُزِيلَ مِنَ الأسْبابِ الحامِلَةِ لَهُ عَلى المُداراةِ، والأُمُورُ الَّتِي أوْقَعَتْهُ في المُماشاةِ مَعَ الكُفّارِ والمُجاراةِ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ رُسُوخُ الإيمانِ، وحُصُولُ الإتْقانِ، المُقْتَضِي لِلتَّنْزِيهِ بِالفِعْلِ عَنْ كُلِّ شَوْبِ نُقْصانٍ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском