Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Munafiqun 63:8–11
63:8Page 555
يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨
They say, "If we return to al-Madīnah, the more honored [for power] will surely expel therefrom the more humble." And to Allāh belongs [all] honor, and to His Messenger, and to the believers, but the hypocrites do not know.
﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ هَذا القَوْلَ ويُجَدِّدُونَهُ مُؤَكِّدِينَ لَهُ لِاسْتِشْعارِهِمْ بِأنَّ أكْثَرَ قَوْمِهِ يُنْكِرُهُ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا﴾ أيْ [نَحْنُ أيَّتُها العِصابَةُ المُنافِقَةُ] مِن غُزاتِنِا هَذِهِ - الَّتِي قَدْ رَأوْا فِيها مِن نُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ما يُعْجِزُ الوَصْفَ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ حَيٌّ مِن هُذَيْلٍ بِالمَرِيسِيعِ وهو ماءٌ مِن مِياهِهِمْ مِن ناحِيَةِ قَدِيدٍ إلى السّاحِلِ وفِيها تَكَلَّمَ ابْنُ أُبَيٍّ بِالإفْكِ وأشاعَهُ - ﴿إلى المَدِينَةِ﴾ [و]دَلُّوا عَلى تَصْمِيمِهِمْ عَلى عَدَمِ المُساكَنَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ﴾ يَعْنُونَ أنْفُسَهم ﴿مِنها الأذَلَّ﴾ وهم كاذِبُونَ في هَذا، لَكِنَّهم تَصَوَّرُوا لِشِدَّةِ غَباوَتِهِمْ أنَّ العِزَّةَ لَهم وأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى إخْراجِ المُؤْمِنِينَ ﴿ولِلَّهِ﴾ أيْ والحالُ أنَّ كُلَّ مَن لَهُ نَوْعُ بَصِيرَةٍ يَعْلَمُ أنَّ لِلْمَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ وحْدَهُ عِزُّ الإلَهِيَّةِ ﴿العِزَّةُ﴾ كُلُّها، فَهو قَهّارٌ لِمَن دُونُهُ [وكُلُّ ما عَداهُ دُونَهُ].
(p-٩٠)ولَمّا حَصَرَ العِزَّةَ بِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِن تَقْدِيمِ المَعْمُولِ، أخْبَرَ أنَّهُ يُعْطِي مِنها مَن أرادَ وأحَقَّهم بِذَلِكَ مَن أطاعَهُ فَتَرْجَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِرَسُولِهِ﴾ لِأنَّ عِزَّتَهُ مَن عِزَّتِهِ بِعِزِّ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وإظْهارِ اللَّهِ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وكَذَلِكَ أيْضًا أنَّ العِزَّةَ لِمَن أطاعَ الرَّسُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم وصْفًا راسِخًا لِأنَّ عِزَّتَهم بِعَزَّةِ الوِلايَةِ، ونَصَرَ اللَّهُ إيّاهم عِزَّةً لِرَسُولِهِمْ ﷺ، ومَن تَعَزَّزَ بِاللَّهِ لَمْ يَلْحَقْهُ ذُلٌّ.
ولَمّا كانَ جَهْلُهم في هَذا أشَدَّ لِكَثْرَةِ ما رَأوْا مِن نُصْرَةِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ ومَن تابَعَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وإعْلائِهِمْ عَلى كُلِّ مَن ناوَأهُمْ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ﴾ أيِ الَّذِي اسْتَحْكَمَ فِيهِمْ مَرَضُ القُلُوبِ.
ولَمّا كانَتِ الدَّلائِلُ عَلى عِزَّةِ اللَّهِ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ لِما تَحَقَّقَ مِن قَهْرِهِ لِلْمُلُوكِ وغَيْرِهِمْ بِالمَوْتِ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى الخَلاصِ مِنهُ ولا المُنازَعَةِ فِيهِ، ومِنَ المَنعِ مِن أكْثَرِ المُرادّاتِ، ومَن نَصَرَ الرَّسُولَ وأتْباعَهم بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ بِأنْواعِ الهَلاكِ، وبِأنَّهُ سُبْحانَهُ ما قالَ شَيْئًا إلّا تَمَّ ولا قالَتِ الرُّسُلُ شَيْئًا إلّا صَدَقَهم فِيهِ، خَتَمَ الآيَةَ بِالعِلْمِ الأعَمِّ مِنَ الفِقْهِ فَقالَ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا لِأحَدٍ لَهم عِلْمٌ الآنَ، ولا يَتَجَدَّدُ (p-٩١)فِي حِينٍ مَنَّ الأحْيانِ، فَلِذَلِكَ هم يَقُولُونَ مِثْلَ هَذا الخِرافَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ عَبْدُ اللَّهِ ولَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ [بْنِ] سَلُولٍ الَّذِي نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ إلى أبِيهِ، وذَلِكَ في غَزْوَةِ المَرِيسِيعِ لِبَنِي المُصْطَلِقِ فَأخَذَ بِزِمامِ ناقَةِ أبِيهِ وقالَ: أنْتَ واللَّهِ الذَّلِيلُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَزِيزُ، ولَمّا دَنَوْا مِنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ جَرَّ سَيْفَهُ وأتى أباهُ فَأخَذَ بِزِمامِ ناقَتِهِ. وزَجَرَها إلى ورائِها وقالَ: إيّاكَ وراءَكَ واللَّهِ لا تَدْخُلُها حَتّى يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَئِنْ لَمْ تُقِرَّ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الأعَزُّ وأنْتَ الأذَلُّ لَأضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، قالَ: أفاعِلٌ أنْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أشْهَدُ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وشَكا ولَدَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ يَدَعَهُ يَدْخُلُ المَدِينَةَ، فَأطْلَقَ فَدَخَلَ.
63:9Page 555
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩
O you who have believed, let not your wealth and your children divert you from the remembrance of Allāh. And whoever does that - then those are the losers.
ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي حَكاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ المُنافِقِينَ بِحَيْثُ يَعْجَبُ غايَةَ العَجَبِ مِن تَصَوُّرِ قائِلِهِ لَهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ فَكَيْفَ بِأنْ يَعْتَقِدَهُ، نَبَّهَ عَلى [أنَّ] العِلَّةَ المُوجِبَةَ لَهُ طَمْسُ البَصِيرَةِ، وأنَّ العِلَّةَ في طَمْسِ البَصِيرَةِ الإقْبالُ بِجَمِيعِ القَلْبِ عَلى الدُّنْيا رُجُوعًا عَلى إيضاحِ ما تَقَدَّمَ [فِي] (p-٩٢)نَتِيجَةِ الجُمْعَةِ مِنَ الإذْنِ في طَلَبِ الرِّزْقِ والتَّحْذِيرِ مِن مِثْلِ فِعْلِ حاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفِعْلِ مَنِ انْصَرَفَ عَنْ خُطْبَةٍ لِتِلْكَ [العِيرِ]، وكانَ هَذا التَّنْبِيهُ عَلى وجْهٍ حاسِمٍ لِمادَّةِ شَرِّهِمْ في كَلامِهِمْ فَإنَّ كَلِمَةَ الشُّحِّ [كَما قِيلَ] مُطاعَةٌ، ولَوْ بِأنْ تُؤَثِّرَ أثَرًا ما ولَوْ بِأنْ تُقَتِّرَ نَوْعَ تَقْتِيرٍ في وقْتٍ ما، فَقالَ مُنادِيًا لِمَن يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أخْبِرُوا بِما يَقْتَضِي أنَّ بَواطِنَهم مُذْعِنَةً كَظَواهِرِهِمْ ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكُمْ﴾ ولمّا كانَ الخِطابُ مَعَ مَن يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ قالَ: ﴿ولا أوْلادُكُمْ﴾ أيْ لا تَقْبَلُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِجَمِيعِ قُلُوبِكم إقْبالًا يُحَيِّرُكم سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في إصْلاحِها أوِ التَّمَتُّعِ [بِها] بِحَيْثُ تَشْتَغِلُونَ وتَغْفُلُونَ ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ مِن تَوْحِيدِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُعْطِي مَن يَشاءُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ، فَإذا كانَ العَبْدُ ذاكِرًا لَهُ بِقَلْبِهِ دائِمًا لَمْ يَقُلْ كَقَوْلِ المُنافِقِينَ ﴿لا تُنْفِقُوا﴾ [المنافقون: ٧] ولا ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] لِعِلْمِهِ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وأنَّهُ لَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، ولا يَضُرُّ بِذَلِكَ إلّا نَفْسَهُ، وهَذا يَشْمَلُ ما قالُوهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والصَّلاةِ والحَجِّ والصَّوْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولِإرادَةِ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ وجْهِ النَّهْيِ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ بِما المُرادُ مِنهُ نَهْيُهم. (p-٩٣)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَنِ انْتَهى فَهو مِنَ الفائِزِينَ، عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ﴾ أيْ [يُوقِعُ] في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ فِعْلَ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ البَعِيدِ عَنْ أفْعالِ ذَوِي الهِمَمِ مِنَ الِانْقِطاعِ إلى الِاشْتِغالِ بِالفانِي والإعْراضِ عَنِ الباقِي والإقْبالِ عَلى العاجِلِ مَعَ نِسْيانِ الآجِلِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ عَنِ الخَيْرِ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الخاسِرُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الخَسارَةِ حَتّى كَأنَّهم كانُوا مُخْتَصِّينَ بِها دُونَ النّاسِ، وذَلِكَ ضِدُّ ما أرادُوا بِتَوْفِيرِ النَّظَرِ إلَيْهِمْ والإقْبالِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعْيِ لِلتَّكْثِيرِ والزِّيادَةِ والتَّوْفِيرِ، وفي إفْهامِهِ أنَّ مَن شَغَلَهُ ما يُهِمُّهُ مِن أمْرِ دِينِهِ الَّذِي أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِهِ ونَهاهُ عَنْهُ إضاعَتَهُ وتَوَعَّدَهُ عَلَيْها كَفاهُ سُبْحانَهُ أمْرَ دُنْياهُ الَّذِي ضَمِنَهُ لَهُ ونَهاهُ أنْ يَجْعَلَهُ أكْبَرَ هَمِّهِ وتَوَعَّدَهُ عَلى ذَلِكَ، فَما ذَكَرَهُ إلّا مَن وجَدَهُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ دِينًا ودُنْيا، وتَوَجَّهَ إلَيْهِ في جَمِيعِ نَوائِبِهِ، وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّ هُمُومِهِ، وبَذَلَ نَفْسَهُ لَهُ بَذْلَ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ مَمْلُوكٌ مَرْبُوبٌ فَقَدْ أمَرَ رَبَّهُ عَلى نَفْسِهِ واتَّخَذَهُ وكِيلًا فاسْتَراحَ مِنَ المَخاوِفِ، ولَمْ يَمِلْ إلى شَيْءٍ مِنَ المَطامِعِ فَصارَ حُرًّا.
63:10Page 555
وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠
And spend [in the way of Allāh] from what We have provided you before death approaches one of you and he says, "My Lord, if only You would delay me for a brief term so I would give charity and be of the righteous."
ولَمّا حَذَّرَ مِنَ الإقْبالِ عَلى الدُّنْيا، رَغَّبَ في بَذْلِها مُخالَفَةً لِلْمُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿وأنْفِقُوا﴾ أيْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن واجِبٍ أوْ مَندُوبٍ، وزادٍ في التَّرْغِيبِ بِالرِّضى مِنهم بِاليَسِيرِ مِمّا [هُوَ] كُلُّهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ (p-٩٤)أيْ مِن عَظَمَتِنا وبَلَغَ النِّهايَةَ في ذَلِكَ بِالرِّضا بِفِعْلِ ما أمَرَ بِهِ مَعَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ في زَمَنِ ما ولَوْ قَلَّ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ إثْباتُ الجارِّ، فَقالَ مُرَغِّبًا في التَّأهُّبِ لِلرَّحِيلِ والمُبادَرَةِ لِمُباغَتِهِ الأجَلَ، مُحَذِّرًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِالتَّسْوِيفِ في أوْقاتِ السَّلامَةِ: ﴿مِن قَبْلِ﴾ وفَكَّ المَصْدَرَ لِيُفِيدَ ”أنَّ“ مَزِيدَ القُرْبِ [فَقالَ]: ﴿أنْ يَأْتِيَ﴾ ولمّا كانَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ أهْوَلُ قالَ: ﴿أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [أيْ] بِرُؤْيَةِ دَلائِلِهِ وأماراتِهِ، وكُلُّ لَحْظَةٍ مَرَّتْ فَهي مِن دَلائِلِهِ وأماراتِهِ. ولمّا كانَتِ الشَّدائِدُ تَقْتَضِي الإقْبالَ عَلى اللَّهِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولَ﴾ سائِلًا في الرَّجْعَةِ، وأشارَ إلى تَرْقِيقِها لِلْقُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لَوْلا﴾ أيْ هَلْ لا ولِمَ لا ﴿أخَّرْتَنِي﴾ أيْ أخَّرْتُ مَوْتِي إمْهالًا لِي ﴿إلى أجَلٍ﴾ أيْ زَمانٍ، وبَيَّنَ أنَّ مُرادَهُ اسْتِدْراكَ ما فاتَ لَيْسَ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ أيْ لِلتَّزَوُّدِ في سَفَرِي هَذا الطَّوِيلِ الَّذِي أنا مُسْتَقْبَلُهُ، قالَ الغَزالِيُّ في كِتابِ التَّوْبَةِ مِنَ الإحْياءِ: قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ إذا ظَهَرَ لِلْعَبْدِ أعْلَمَهُ أنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِن عُمْرِكَ ساعَةٌ، وأنَّكَ لا تَسْتَأْخِرُ عَنْها طَرْفَةَ عَيْنٍ فَيَبْدُو لِلْعَبْدِ مِنَ الأسَفِ والحَسْرَةِ مِمّا لَوْ كانَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها لَخَرَجَ مِنها عَلى أنْ يَضُمَّ إلى تِلْكَ السّاعَةِ ساعَةً أُخْرى لِيَسْتَعْتِبَ فِيها (p-٩٥)ويَتَدارَكُ تَفْرِيطَهُ، يَقُولُ: يا مَلَكَ المَوْتِ! أخِّرْنِي يَوْمًا أعْتَذِرُ فِيهِ إلى رَبِّي وأتُوبُ وأتَزَوَّدُ فِيها صالِحًا لِنَفْسِي، [فَيَقُولُ]: فَنِيَتِ السّاعاتُ فَلا ساعَةَ، فَيُغْلِقُ عَلَيْهِ بابَ التَّوْبَةِ فَيَتَغَرْغَرُ بِرُوحِهِ وتُرَدِّدُ أنْفاسُهُ في شَراسِيفِهِ ويَتَجَرَّعُ غُصَّةَ اليَأْسِ عَنِ التَّدارُكِ وحَسْرَةِ النَّدامَةِ عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ، فَيَضْطَرِبُ أصْلُ إيمانِهِ في صَدَماتِ تِلْكَ الأهْوالِ، فَإذا زَهَقَتْ نَفْسُهُ فَإنْ كانَ سَبَقَتْ لَهُ [مِنَ] اللَّهِ الحُسْنى خَرَجَتْ رُوحُهُ عَلى التَّوْحِيدِ، فَذَلِكَ حُسْنُ الخاتِمَةِ، وإنْ سَبَقَ لَهُ القَضاءُ بِالشِّقْوَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى خَرَجَتْ رُوحُهُ عَلى الشَّكِّ والِاضْطِرابِ، وذَلِكَ سُوءُ الخاتِمَةِ، ومَن تَرَكَ المُبادَرَةَ إلى التَّوْبَةِ بِالتَّسْوِيفِ كانَ بَيْنَ خَطَرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَتَراكَمَ الظُّلْمَةُ عَلى قَلْبِهِ مِنَ المَعاصِي حَتّى يَصِيرَ رَيْنًا وطَبْعًا فَلا يَقْبَلُ المَحْوَ، الثّانِي أنْ يُعاجِلَهُ المَرَضُ أوِ المَوْتُ فَلا يَجِدُ مُهْلَةً لِلِاشْتِغالِ بِالمَحْوِ، فَيَأْتِي اللَّهُ تَعالى بِقَلْبٍ غَيْرِ سَلِيمٍ، والقَلْبُ أمانَةُ اللَّهِ عِنْدَ عَبْدِهِ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ لِلَّهَ تَعالى إلى عَبْدِهِ سِرَّيْنِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ: أحَدُهُما إذا خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ يَقُولُ لَهُ: عَبْدِي قَدْ أخْرَجْتُكَ إلى الدُّنْيا طاهِرًا نَظِيفًا واسْتَوْدَعْتُكَ وائْتَمَنتُكَ عَلَيْهِ فانْظُرْ كَيْفَ تَحْفَظُ الأمانَةَ وانْظُرْ كَيْفَ تَلْقانِي، والثّانِي عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ يَقُولُ: عَبْدِي ماذا صَنَعْتَ في أمانَتِي [عِنْدَكَ] (p-٩٦)هَلْ حَفِظْتَها حَتّى تَلْقانِي عَلى العَهْدِ فَألْقاكَ عَلى الوَفاءِ أوْ أضَعْتَها فَألْقاكَ بِالمُطالَبَةِ والعَذابِ.
ولَعَلَّهُ أدْغَمَ تاءَ التَّفَعُّلِ إشارَةً إلى أنَّهُ إذا أخَّرَ فِعْلَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ [الإخْفاءِ لِيَكُونَ أفْضَلَ، أوْ يَكُونُ إدْغامُها اخْتِصارًا لِبُلُوغِ الأمْرِ إلى حَدٍّ مُحْوِجٍ إلى] الإيجازِ في القَوْلِ كَما طَلَبَ في الزَّمَنِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الجَماعَةِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو ﴿وأكُنْ﴾ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى الجَوابِ الَّذِي هَدى السِّياقَ إلى تَقْدِيرِهِ، فَإنَّ حالَ هَذا [الَّذِي] أشَرَّفَ هَذا الإشْرافَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أرادَ إنْ ”أخَّرْتَنِي أتَصَدَّقُ“ ولَكِنَّهُ حَذَفَهُ لِضِيقِ المَقامِ عَنْهُ واقْتِضاءِ الحالِ لِحَذْفِهِ، وهو مَعْنى ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ الجَزْمَ عَلى تَوَهُّمِ الشَّرْطِ الَّذِي [دَلَّ] عَلَيْهِ التَّمَنِّي عَلى المَوْضِعِ، فَإنَّ الجازِمَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، ومَعْنى ما قالَ غَيْرُهُ أنَّ ”لَوْلا“ لِكَوْنِها تَحْضِيضِيَّةً مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الأمْرِ ومَعْنى الشَّرْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أخِّرْنِي، فَيَكُونُ جَوابُهُ العارِي عَنِ الفاءِ مَجْزُومًا لَفْظًا والمَقْرُونُ بِها مَجْزُومًا مُحَلًّا فَ ”اكْنِ“ عَطْفٌ عَلى المَحَلِّ، ونَصَبَ أبُو عَمْرٍو عَطْفًا عَلى اللَّفْظِ لِأنَّهُ جَوابُ التَّمَنِّي الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ ”لَوْلا“ وإجْماعُ المَصاحِفِ عَلى حَذْفِ الواوِ لا يَضُرُّهُ لِأنَّهُ قالَ: إنَّها لِلِاخْتِصارِ، وهو ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ والخَطِّ والزَّمانِ والمُرادِ، ومِن هُنا تَعْرِفُ جَلالَةَ (p-٩٧)القُرّاءِ ومُرادُهم إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِمْ في الضّابِطِ المَشْهُورِ وإنْ تَوافَقَ رَسْمُ المُصْحَفِ ولَوِ احْتِمالًا ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ العَظِيمِ، وزادَ في الحَثِّ عَلى المُبادَرَةِ بِالطّاعاتِ قَبْلَ الفَواتِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجَلٍ عَظِيمِ الرَّجاءِ مِن هَذا المُحْتَضَرِ لِلتَّأْخِيرِ عَطْفًا عَلى [ما] تَقْدِيرُهُ: فَلا يُؤَخِّرُهُ اللَّهُ فَيَفُوتُهُ ما أرادَ:
63:11Page 555
وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١١
But never will Allāh delay a soul when its time has come. And Allāh is Aware of what you do.
﴿ولَنْ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا أيْ قالَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ لَنْ ﴿يُؤَخِّرَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ﴿نَفْسًا﴾ أيْ أيُّ نَفْسٍ كانَتْ، وحَقَّقَ الأجَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَ أجَلُها﴾ أيْ وقْتُ مَوْتِها الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ لَها فَلا يُؤَخِّرُ اللَّهُ نَفْسَ هَذا القائِلِ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ النُّفُوسِ الَّتِي شَمِلَها النَّفْيُ. ولمّا كانَ المَعْنى عَلى طَرِيقِ النَّتائِجِ الَّتِي لا شَكَّ في إرْشادِ اللَّفْظِ إلَيْها: اللَّهُ عالِمٌ فَإنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ حاثًّا عَلى المُسارَعَةِ إلى الخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الطّاعاتِ والِاسْتِعْدادِ لِما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ اللِّقاءِ مُحَذِّرًا مِنَ الإخْلالِ ولِأنَّهُ لا تَهْدِيدَ كالعِلْمِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ الخِبْرَةِ والعَلَمِ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ عَمَلَهُ في الماضِي والحالِ والمَآلِ كُلِّهِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ مِن هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكم أنَّ المُحْتَضِرَ العاصِي يَقُولُهُ ومِن غَيْرِهِ [مِنهُ ومِن غَيْرِهِ] (p-٩٨)أيُّها النّاسُ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخِطابِ، وعَلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالغَيْبِ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ المُنافِقُونَ، ويُمْكِنُ أنْ يَعُمَّ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلنَّفْسِ عَلى المَعْنى ويُمْكِنُ [أنْ يَكُونَ] الضَّمِيرُ لِلنّاسِ عَلى الِالتِفاتِ لِلْإعْراضِ تَخْوِيفًا لَهُمْ، ولِذَلِكَ عَلِمَ سُبْحانَهُ كَذِبَ المُنافِقِينَ في أنَّهم يَعْتَقِدُونَ ما شَهِدُوا بِهِ في أمْرِ الرِّسالَةِ وعَلِمَ جَمِيعُ ما قَصَّ مِن أخْبارِهِمْ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences