Al-Biqa'iAt‑Talaq · 65:4–11

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

At-Talaq 65:4–11

65:4Page 558

وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤

And those who no longer expect menstruation among your women - if you doubt, then their period is three months, and [also for] those who have not menstruated. And for those who are pregnant, their term is until they give birth.1 And whoever fears Allāh - He will make for him of his matter ease.

ولَمّا وسَّطَ بَيْنَ العَدَدِ هَذِهِ الجُمَلَ الواعِظَةَ دَلالَةً عَلى عَظَمَتِها حَثًّا عَلى امْتِثالِها والمُبادَرَةِ إلَيْها، وخَتَمَ بِالتَّقْدِيرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بَيانُ مَقادِيرِ العَدَدِ عَلى وجْهٍ أبانَ أنَّ الكَلامَ الماضِيَ كانَ في الحَوائِضِ الرَّجْعِيّاتِ فَقالَ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ﴾ أيْ مِنَ المُطَلَّقاتِ ﴿مِنَ المَحِيضِ﴾ أيِ الحَيْضِ وزَمانِهِ لِوُصُولِها إلى سِنٍّ يُجاوِزُ القَدْرَ الَّذِي تَرْجُو فِيهِ النِّساءُ الحَيْضَ فَصارَتْ بِحَيْثُ لا تَرْجُوهُ، وذَلِكَ السَّنُّ خَمْسٌ وخَمْسُونَ سَنَةً أوْ سِتُّونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُونَ وهُنَّ القَواعِدُ، وأمّا مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُها في زَمَنٍ تَرْجُو فِيهِ الحَيْضَ فَإنَّها تَنْتَظِرُ سِنَّ اليَأْسِ.

ولَمّا كانَ هَذا الحُكْمُ خاصًّا بِأزْواجِ المُسْلِمِينَ لِحُرْمَةِ فَرْشِهِمْ وحَفْظِ أنْسابِهِمْ قالَ: ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُسْلِمُونَ سَواءٌ كُنَّ مُسْلِماتٍ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمّا كانَ المُوجِبُ لِلْعِدَّةِ إنَّما هو الدُّخُولَ لا مُجَرَّدَ الطَّلاقِ قالَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ بِأنْ أجَّلْتُمُ النَّظَرَ في أمْرِهِنَّ، فَأدّاكم إلى رَيْبٍ [ في -] هَلْ هُنَّ حامِلاتٌ أمْ لا، وذَلِكَ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ الَّذِي هو (p-١٥٦)سَبَبُ الرَّيْبِ بِالحَمْلِ في الجُمْلَةِ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ كُلُّ شَهْرٍ يَقُومُ مَقامَ حَيْضَةٍ لِأنَّ أغْلَبَ عَوائِدِ النِّساءِ أنْ يَكُونَ كُلُّ قُرْءٍ في شَهْرٍ.

ولَمّا أتَمَّ قِسْمَيْ ذَواتِ الحَيْضِ إشارَةً وعِبارَةً قالَ: ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أيْ لِصِغَرِهِنَّ أوْ لِأنَّهُنَّ لا حَيْضَ لَهُنَّ أصْلًا وإنْ كُنَّ بالِغاتٍ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ أيْضًا، وهَذا مُشِيرٌ إلى أنَّ أُولاتِ الحَيْضِ بائِناتٌ كُنْ أوْ لا عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ لِأنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ عِوَضٌ عَنْها، فَإمّا أنْ يَكُونَ القُرْءُ - وهو الطُّهْرُ - بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ، أوْ بَيْنَ الطَّلاقِ والحَيْضِ، وهَذا كُلُّهُ في المُطَلَّقَةِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها فَأرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرًا كَما في البَقَرَةِ.

ولَمّا فَرَغَ مِن آئِساتِ الحَوامِلِ أتْبَعَهُ ذِكْرَ الحَوامِلِ فَقالَ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الزَّوْجاتِ المُسْلِماتِ والكُفّارِ المُطَلَّقاتِ عَلى كُلِّ حالٍ والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ إذا كانَ حَمْلُهُنَّ مِنَ الزَّوْجِ مُسْلِمًا كانَ أوْ لا ﴿أجَلُهُنَّ﴾ أيْ لِمُنْتَهى العِدَّةِ سَواءٌ كانَ لَهُنَّ مَعَ الحَمْلِ حَيْضٌ أمْ لا ﴿أنْ يَضَعْنَ﴾ ولَمّا كانَ تَوْحِيدُ الحَمْلِ لا يَنْشَأُ عَنْهُ لَبْسٌ، وكانَ الجَمْعُ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لا تَحِلُّ واحِدَةٌ مِنهُنَّ حَتّى يَضَعَ جَمْعًا قالَ: (p-١٥٧)﴿حَمْلَهُنَّ﴾ وهَذا عَلى عُمُومِهِ مُخَصَّصٌ لِآيَةِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] لِأنَّ المُحافَظَةَ عَلى عُمُومِهِ أوْلى مِنَ المُحافَظَةِ عَلى عُمُومِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ”أزواجًا“ لِأنَّ عُمُومَ هَذِهِ بِالذّاتِ لِأنَّ المَوْصُولَ مِن صِيَغِ العُمُومِ، وعُمُومِ ”أزواجًا“ بِالعَرْضِ لِأنَّهُ بَدَلِيٌّ لا يَصْلُحُ لِتَناوُلِ جَمِيعِ الأزْواجِ في حالٍ واحِدٍ، والحُكْمُ مُعَلَّلٌ هُنا بِوَصْفِ الحَمْلِيَّةِ بِخِلافِ ذاكَ ولِأنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الحارِثِ وضَعَتْ حَمْلَها بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِلَيالٍ، فَأذِنَ لَها النَّبِيُّ ﷺ أنَّ تَتَزَوَّجَ، ولِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَأخِّرَةُ النُّزُولِ عَنْ آيَةِ البَقَرَةِ، فَتَقْدِيمُها عَلى تِلْكَ تَخْصِيصٌ، وتَقْدِيمُ تِلْكَ في العَمَلِ بِعُمُومِها رَفْعٌ لِما في الخاصِّ مِنَ الحُكْمِ فَهو نَسْخٌ والأوَّلُ هو الرّاجِحُ لِلْوِفاقِ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ الحَمْلُ مِن زِنًا أوْ شُبْهَةٍ فَلا حُرْمَةَ لَهُ، والعِدَّةُ بِالحَيْضِ.

ولَمّا كانَتْ أُمُورُ النِّساءِ في المُعاشَرَةِ والمُفارَقَةِ مِنَ المُعاسَرَةِ والمُياسَرَةِ في غايَةِ المَشَقَّةِ، فَلا يَحْمِلُ عَلى العَدْلِ فِيها والعِفَّةِ إلّا خَوْفُ اللَّهِ، كُرِّرَ تَلْمِيعًا بِالحَثِّ عَلى التَّقْوى إشارَةً إلى ذَلِكَ وتَرْغِيبًا في لُزُومِ ما حَدَّهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى [ ما -] تَقْدِيرُهُ: فَمَن لَمْ يَحْفَظْ هَذِهِ الحُدُودَ عَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ أُمُورَهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ يُوجَدُ الخَوْفُ مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ إيجادًا مُسْتَمِرًّا لِيَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ سُخْطِهِ وِقايَةً مِن طاعاتِهِ اجْتِلابًا لِلْمَأْمُورِ واجْتِنابًا لِلْمَنهِيِّ ﴿يَجْعَلْ لَهُ﴾ أيْ يُوجَدُ إيجادًا مُسْتَمِرًّا بِاسْتِمْرارِ (p-١٥٨)التَّقْوى ”إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا“ ﴿مِن أمْرِهِ﴾ أيْ كُلِّهِ في النِّكاحِ وغَيْرِهِ ﴿يُسْرًا﴾ أيْ سُهُولَةً وفَرَجًا وخَيْرًا في الدّارَيْنِ بِالدَّفْعِ والنَّفْعِ، وذَلِكَ أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ المُخْرِجِ المُتَقَدِّمِ في الآيَةِ الأُولى.

65:5Page 558

ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا ٥

That is the command of Allāh, which He has sent down to you; and whoever fears Allāh - He will remove for him his misdeeds and make great for him his reward.

ولَمّا كانَ تَكْرِيرُ الحَثِّ عَلى التَّقْوى لِلسُّؤالِ عَنْ سَبَبِهِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ كالتَّعْلِيلِ لَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ المَذْكُورُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأحْكامِ العالِيَةِ المَراتِبِ ﴿أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، ونَبَّهَ عَلى عُلُوِّ رُتْبَةِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْـزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أباهُ هَوًى في مُهاوِي المُهْلِكاتِ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ بِالِاجْتِلابِ والِاجْتِنابِ، ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ العَجْزِ والنُّقْصانِ، أُنْسُهُ بِأنَّهُ إذا وقَعَ مِنهُ [ زَلَلٌ -] فَراجَعَهُ بِالتَّقْوى لُطْفٌ بِهِ فِيهِ جَزاءٌ عَلى تَقْواهُ بِالدَّفْعِ والنَّفْعِ فَقالَ: ﴿يُكَفِّرْ﴾ أيْ يُغَطِّي تَغْطِيَةً عَظِيمَةً ويَسْتُرُ ويَغِيبُ ويَسْقُطُ ﴿عَنْهُ﴾ جَمِيعَ ﴿سَيِّئاتِهِ﴾ لِيَتَخَلّى عَنِ المُبْعَداتِ فَإنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ. ولَمّا كانَ الكَرِيمُ لا يَرْضى لِمَن أقْبَلَ إلَيْهِ بِالعَفْوِ فَقَطْ قالَ: ﴿ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ بِأنْ يُبَدِّلَ سَيِّئاتِهِ حَسَناتٍ ويُوَفِّيَهُ أجْرَها في الدّارَيْنِ مُضاعَفًا فَيَتَحَلّى بِالمُقَرَّباتِ، وهَذا أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ اليُسْرِ المُتَقَدِّمِ.

65:6Page 559

أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ ٦

Lodge them1 [in a section] of where you dwell out of your means and do not harm them in order to oppress them.2 And if they should be pregnant, then spend on them until they give birth. And if they breastfeed for you, then give them their payment and confer among yourselves in the acceptable way; but if you are in discord, then there may breastfeed for him [i.e., the father] another woman.3

ولَمّا قَدَّمَ التَّكْفِيرَ وأتْبَعَهُ الأجْرَ الكَبِيرَ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ إيجابُ تَرْكِ المُطَلَّقَةِ في مَنزِلِ الطَّلاقِ (p-١٥٩)وأذِنَ في إخْراجِها عِنْدَ الفاحِشَةِ المُبَيِّنَةِ، وكانَ رُبَّما كانَ مَنزِلُ الطَّلاقِ مُسْتَعارًا، وكانَ مِمّا لا يَلِيقُ بِالزَّوْجِ، وكانَ رُبَّما نَزَلَ الكَلامُ السّابِقُ عَلَيْهِ، اسْتَأْنَفَ البَيانَ لَهُ بِما لا يَحْتَمِلُ لَبْسًا فَقالَ آمِرًا بَعْدَ ذَلِكَ النَّهْيِ عَلى وجْهٍ مُشِيرٍ بِسابِقِهِ ولاحِقِهِ إلى الحُلْمِ عَنْهُنَّ فِيما يُمْكِنُ الحُلْمُ فِيهِ حِفْظًا لِلْقُلُوبِ وإبْعادًا لِلشِّقاقِ بَعْدَ الإيحاشِ بِالطَّلاقِ لِئَلّا يَعْظُمَ الكَسْرُ والوَحْشَةُ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ أيْ هَؤُلاءِ [ المُفارِقاتِ -] في العِدَّةِ إنْ كُنَّ مُطَلَّقاتٍ حامِلاتٍ كُنَّ أوْ لا مَبْتُوتاتٍ كُنْ أوْ رَجْعِيّاتٍ بِخِلافِ ما كانَ مِنَ العِدَّةِ عَنْ وفاةٍ بِغَيْرِ حَمْلٍ أوْ كانَ عَنْ شُبْهَةٍ أوْ فَسْخٍ.

ولَمّا كانَ المُرادُ مَسْكَنًا يَلِيقُ بِها وإنْ كانَ بَعْضَ مَسْكَنِ الرَّجُلِ، أدْخَلَ أداةَ التَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أيْ مِن أماكِنِ سُكْناكم لِتَكُونَ قَرِيبَةً مِنكم لِيَسْهُلَ تَفَقُّدُكم لَها لِلْحِفْظِ وقَضاءِ الحاجاتِ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما سَكَنَ في ماضِي الزَّمانِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ قالَ مُبَيِّنًا لِلْمَسْكَنِ المَأْمُورِ بِهِ مُبْقِيًا لِلْمُوادَدَةِ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ بِما يَشُقُّ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ أيْ سِعَتِكم وطاقَتِكم بِإجارَةٍ أوْ مِلِكٍ أوْ إعارَةٍ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ بِحِمْلٍ كانَتْ أوْ غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ الإسْكانُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الشَّنَآنِ قالَ: ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ أيْ حالَ السُّكْنى في المَسْكَنِ ولا في غَيْرِهِ. ولَمّا (p-١٦٠)كانَتِ المُضارَّةُ قَدْ يَكُونُ لِمَقْصِدٍ حَسَنٍ بِأنْ يَكُونَ تَأْدِيبًا لِأمْرٍ بِمَعْرُوفٍ لِيَتَوَصَّلَ بِصُورَةِ شَرٍّ قَلِيلٍ ظاهِرٍ إلى خَيْرٍ كَثِيرٍ قالَ: ﴿لِتُضَيِّقُوا﴾ أيْ تَضْيِيقًا بِالِغًا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ كَذَلِكَ مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ حَتّى يُلْجِئَهُنَّ ذَلِكَ إلى الخُرُوجِ. ولَمّا كانَتِ النَّفَقَةُ واجِبَةً لِلرَّجْعِيَّةِ، وكانَتْ عِدَّتُها تارَةً بِالأقْراءِ وتارَةً بِالأشْهُرِ وتارَةً بِالحَمْلِ، وكانَ رُبَّما تَوَهَّمَ أنَّ ما بَعْدَ الثَّلاثَةِ الأشْهَرِ مِن مُدَّةِ الحَمْلِ لِلرَّجْعِيَّةِ وجَمِيعِ المُدَّةِ لِغَيْرِها لا يَجِبُ الإنْفاقُ فِيهِ قالَ: ﴿وإنْ كُنَّ﴾ أيِ المُعْتَدّاتُ ﴿أُولاتِ حَمْلٍ﴾ أيْ مِنَ الأزْواجِ كَيْفَ ما كانَتِ العِدَّةُ مِن مَوْتٍ أوْ طَلاقٍ بائِنٍ أوْ رَجْعِيٍّ ﴿فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وإنْ مَضَتِ الأشْهُرُ ﴿حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَإنَّ العِلَّةَ الِاعْتِدادُ بِالحَمْلِ، وهَذِهِ الشُّرْطِيَّةُ تَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ الحَوامِلِ مِن بَيْنِ المُعْتَدّاتِ البَوائِنِ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ.

ولَمّا غَيَّ سُبْحانَهُ وُجُوبَ الإنْفاقِ بِالوَضْعِ، وكانَتْ [ قَدْ -] تُرِيدُ إرْضاعَ ولَدِها، وكانَ اشْتِغالُها بِإرْضاعِهِ يُفَوِّتُ عَلَيْها كَثِيرًا مِن مَقاصِدِها ويَكْسِرُها، جَبْرُها بِأنْ قالَ حاثًّا عَلى مُكافَأةِ الأخَوانِ عَلى الإحْسانِ مُشِيرًا بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّهُ لا يُجِيبُ عَلَيْها الإرْضاعُ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ﴾ وبَيَّنَ أنَّ النَّسَبَ لِلرِّجالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكُمْ﴾ أيْ بِأُجْرَةٍ بَعْدَ انْقِطاعِ عَلَقَةِ النِّكاحِ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ عَلى ذَلِكَ الإرْضاعِ. ولَمّا كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنِّساءِ (p-١٦١)مِن مِثْلِ ذَلِكَ مَوْضِعُ المُشاجَرَةِ لا سِيَّما أمْرُ الرَّضاعِ، وكانَ الخَطَرُ في أمْرِهِ شَدِيدًا، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ رَحِمَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِأنَّهُ يُحَرِّكُ لِكُلٍّ مُتَشاحِحَيْنِ مَن يَأْمُرُهُما بِخَيْرٍ لا سِيَّما في أمْرِ الوَلَدِ رَحْمَةً لَهُ قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿وأْتَمِرُوا﴾ أيْ لِيَأْمُرَ بَعْضُكم بَعْضًا في الإرْضاعِ والأجْرِ فِيهِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولِيَقْبَلَ بَعْضُكم أمَرَ بَعْضٍ، وزادَهم رَغْبَةً في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ إنَّ هَذا الخَيْرَ لا يَعْدُوكُمْ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ ونَكَّرَهُ سُبْحانَهُ تَحْقِيقًا عَلى الأُمَّةِ بِالرِّضى بِالمُسْتَطاعِ، وهو يَكُونُ مَعَ الخَلْقِ بِالإنْصافِ، ومَعَ النَّفْسِ بِالخِلافِ، ومَعَ الحَقِّ بِالِاعْتِرافِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْمُياسَرَةِ، وكانَ قَدْ يُوجَدُ في النّاسِ مِنَ الغالِبِ عَلَيْهِ الشَّرُّ، قالَ مُشِيرًا بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ ذَلِكَ وإنْ وُجِدَ فَهو قَلِيلٌ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ فَإنَّ تَياسَرْتُمْ فَهو حَظُّكم وأنْتُمْ جَدِيرُونَ بِسَماعِ هَذا الوَعْدِ بِذَلِكَ: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ طَلَبَ [ كُلٌّ -] مِنكم ما يَعْسُرُ عَلى الآخَرِ بِأنْ طَلَبَتِ المَرْأةُ الأُجْرَةَ وطَلَبَ الزَّوْجُ إرْضاعَها مَجّانًا فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُكْرِهَها.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِأرْزاقِ عِبادِهِ وقَدَّرَها قَبْلَ إيجادِهِمْ. قالَ مُخْبِرًا جَبْرًا لِلْأبِ بِما يَصْلُحُ عِتابًا لِلْأُمِّ: ﴿فَسَتُرْضِعُ﴾ (p-١٦٢)[ أيْ -] بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، وصَرَفَ الخِطابَ إلى الغَيْبَةِ إيذانًا بِأنَّ الأبَ تَرَكَ الأوْلى فِيما هو جَدِيرٌ بِهِ مِنَ المُياسَرَةِ لِكَوْنِهِ حَقِيقًا بِأنْ يَكُونَ أوْسَعَ بِطانًا وأعْظَمَ شَأْنًا مِن أنْ يَضِيقَ عَمّا تَرْضى بِهِ المَرْأةُ اسْتِنانًا بِهِ ﷺ في أنَّهُ «ما خُيِّرَ بَيْنَ أمْرَيْنِ إلّا اخْتارَ أيْسَرَهُما ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا أوْ قَطْعِيَّةَ رَحِمٍ» فَقالَ: ﴿لَهُ﴾ أيِ الأبُ ﴿أُخْرى﴾ أيْ مِرْضَعَةٍ غَيْرِ الأُمِّ ويُغْنِي اللَّهُ عَنْها ولَيْسَ لَهُ إكْراهُها إلّا إذا لَمْ يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِها، وهَذا الحُكْمُ لا يَخْتَصُّ بِالمُطَلَّقَةِ بَلِ المَنكُوحَةِ كَذَلِكَ.

65:7Page 559

لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا ٧

Let a man of wealth spend from his wealth, and he whose provision is restricted - let him spend from what Allāh has given him. Allāh does not charge a soul except [according to] what He has given it. Allāh will bring about, after hardship, ease [i.e., relief].

ولَمّا كانَتِ المُعاسَرَةُ في الغالِبِ في تَرْكِ السَّماحِ، وكانَ تَرْكُ السَّماحِ مِن خَوْفِ الإعْدامِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعُذْرٍ بِتَقْسِيمِ النّاسِ إلى مُوسِعٍ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ، ولِأنَّ الألْيَقَ بِالمُوسِعِ عَلَيْهِ أنْ يُوسِعَ ولا يُسِيءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ وقَدْ جَرَّبَ رِفْدَهُ، وأنَّ المُقْتِرَ عَلَيْهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَ فِعْلَ مَن يَخافُ أنْ يُخْلِفَ وعْدَهُ، فَقالَ شارِحًا لِلْمُياسَرَةِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ أيْ مالٍ واسِعٍ ولَمْ يُكَلِّفْهُ سُبْحانَهُ جَمِيعَ وُسْعِهِ بَلْ قالَ: ﴿مِن سَعَتِهِ﴾ الَّتِي أوْسَعَها اللَّهُ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ الإعْطاءُ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ مَلْزُومًا لِلسِّعَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ كِنايَةً عَنِ الضِّيقِ فَقالَ: ﴿ومَن قُدِرَ﴾ أيْ ضَيَّقَ وسَكَنَتْ عَلَيْهِ حَرَكَتُهُ ورَقَدَتْ عَنْهُ مَعِيشَتُهُ ﴿عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ اللَّهُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى التَّضْيِيقِ والتَّوْسِيعِ غَيْرَهُ بِقَدْرِ ضَرُورِيّاتِهِ فَقَطْ مِن غَيْرِ (p-١٦٣)وُسْعٍ لِشَيْءٍ غَيْرِها لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُظْهِرُ اللَّهُ بِها عَجْزَ العِبادِ رَحْمَةً لَهم لِيُهَذِّبَ بِهِ نُفُوسَهُمْ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ مَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَلْيُنْفِقْ﴾ أيْ وُجُوبًا عَلى المُرْضِعِ وغَيْرِها مِن كُلِّ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أوْ نَدَبَهُ إلَيْهِ، وبَشَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهُ لا يُخَلِّي أحَدًا مِن شَيْءٍ يَقُومُ بِهِ ما دامَ حَيًّا بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِالتَّبْعِيضِ إلى أنَّ ما أوْجَبَهُ سُبْحانَهُ لا يَسْتَغْرِقُ ما وهَبَهُ: ﴿مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا يُنَفِّذُ ما عِنْدَهُ ولا حَدَّ لِجُودِهِ، ولَوْ مِن رَأْسِ المالِ ومُتابِعِ البَيْتِ ومِن ثَمَنِ الضَّيْعَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الغَلَّةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ ضَمِنَ الإخْلافَ، ومِن مُلْكِ ما يَكْفِيهِ لِلْوَقْتِ ثُمَّ اهْتَمَّ لِلزِّيادَةِ لِلْغَدِ فَذَلِكَ اهْتِمامٌ غَيْرُ مَرْحُومٍ، وصاحِبُهُ غَيْرُ مُعانٍ، وفي هَذا إرْشادٌ إلى الِاقْتِداءِ بِهِ ﷺ في عَدَمِ التَّكَلُّفِ واليُسْرِ في [ كُلِّ -] أمْرٍ عَلى حَسَبِ الأوْقاتِ.

ولَمّا كانَ تَعالى لَهُ التَّكْلِيفُ بِما [ لا -] يُطاقُ، أخْبَرَ بِأنَّهُ رَحِمَ العِبادَ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ، فَقالَ مُعَلِّلًا أوْ مُسْتَأْنِفًا جَوابًا لِمَن يَقُولُ: [ فَما -] يَفْعَلُ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْجُودٌ أصْلًا، مُحَبِّبًا في دِينِهِ ﷺ مِمّا فِيهِ مِنَ اليُسْرِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ بِأوْصافِ الرَّحْمَةِ والإنْعامِ عَلَيْنا بِالتَّخْفِيفِ ﴿نَفْسًا﴾ أيْ نَفْسٌ كانَتْ ﴿إلا ما آتاها﴾ ورُبَّما أفْهَمُ، أنَّ مَن كُلِّفَ إنْفاقًا وجَدَ مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ ما يَسُدُّهُ مِنَ الأثاثِ الفاضِلِ (p-١٦٤)عَنْ سَدٍّ جَوْعَتِهِ وسَتْرِ عَوْرَتِهِ.

ولَمّا كانَ التَّذْكِيرُ بِالإعْدامِ رُبَّما أوْجَعُ، قالَ تَعالى جابِرًا لَهُ وتَطْبِيبًا لِقَلْبِهِ نادِبًا إلى الإيمانِ بِالغَيْبِ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ فَلا خُلْفَ لِوَعْدِهِ، ونَزَعَ الجارَّ زِيادَةً في الخَبَرِ فَقالَ: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَعَسَّرَتْ لا أنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ كُلِّ عُسْرٍ ﴿يُسْرًا﴾ أيْ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ ولا يُوجَدُ [ أحَدٌ -] يَسْتَمِرُّ التَّقْتِيرُ عَلَيْهِ طُولَ عُمْرِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وانْتِظارُ اليُسْرِ مِنَ اللَّهِ صِفَةُ المُتَوَسِّطِينَ في الأحْوالِ الَّذِينَ انْحَطُّوا عَنْ دَرَجَةِ الرِّضى واسْتِواءِ وُجُودِ السَّبَبِ وفَقْدِهِ وارْتَقُوا عَنْ حَدِّ اليَأْسِ والقُنُوطِ ويَعِيشُونَ في أفْناءِ الرَّجاءِ ويَتَعَلَّلُونَ بِحُسْنِ المَواعِيدِ - انْتَهى. ولَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ [ وعْدَهُ -] فِيمَن كانُوا مَوْجُودِينَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ، فَفَتَحَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ جَزِيرَةِ العَرَبِ ثُمَّ فارِسَ والرُّومَ وانْتَثَلُوا كُنُوزَها حَتّى صارُوا أغْنى النّاسِ، وصِدْقُ الآيَةِ دائِمٌ غَيْرَ أنَّهُ كانَ في الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أبْيَنُ لِأنَّ إيمانَهم أتَمُّ.

65:8Page 559

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨

And how many a city was insolent toward the command of its Lord and His messengers, so We took it to severe account and punished it with a terrible punishment.

ولَمّا كانَ الأمْرُ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الأحْكامِ والمَواعِظَ والتَّرْغِيبَ لِمَن أطاعَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا التَّهْدِيدُ لِمَن عَصى بِما شُوهِدَ مِنَ المُثُلاتِ وبالِغِ (p-١٦٥)العُقُوباتِ، فَإنَّ مِنَ النّاسِ البَلِيدُ الَّذِي لا يَتَّعِظُ بِما يَرى، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَكَأيٍّ مِن ناسٍ كانُوا في غايَةِ الضِّيقِ فَأطاعُوا أوامِرَنا فَجَعَلْناهم في غايَةِ السِّعَةِ بَلْ جَعَلْناهم مُلُوكًا، عُطِفَ عَلَيْهِ تَزْهِيدًا في الرَّفاهِيَةِ بِأنَّها تَطْغى في الأغْلَبِ، وتَهْدِيدًا لِأهْلِ المَعاصِي قَوْلُهُ مُفِيدًا لِكَثْرَةِ القُرى الخارِجَةِ عَنِ الحَدِّ: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ جامِعَةٍ، عَبَّرَ عَنْ أهْلِها بِها مُبالَغَةً ﴿عَتَتْ﴾ أيِ اسْتَكْبَرَتْ وجاوَزَتِ الحَدَّ في عِصْيانِها وطُغْيانِها فَأعْرَضَتْ عِنادًا ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْها ولا مُحْسِنَ إلَيْها غَيْرُهُ بِكَثْرَةِ الرِّزْقِ وطِيبِ العَيْشِ واللُّطْفِ في التَّرْبِيَةِ والرَّحْمَةِ بَعْدَ الإيجادِ والمُلْكِ ﴿ورُسُلِهِ﴾ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهم ما جاؤُوها بِهِ عَنِ اللَّهِ، فَإنَّ طاعَتَهم مِن طاعَةِ اللَّهِ.

ولَمّا كانَتْ مُحاسَبَةُ مِثْلِ هَؤُلاءِ [ لِلْإهْلاكِ -] لِأنَّ الحِسابَ هو ذِكْرُ الأعْمالِ والمُجازاةِ عَلَيْها بِما يَحِقُّ لِكُلٍّ مِنها، قالَ مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ التَّكَلُّمِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿فَحاسَبْناها﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ عَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلْإحْسانِ أنْ أحْصَيْنا أعْمالَها. ولَمّا كانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُناقَشَةِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ بِالمُجازاةِ عَلى [ كُلِّ -] فِعْلٍ بِما يَلِيقُ بِهِ قالَ: ﴿حِسابًا شَدِيدًا﴾ بِمَعْناهُ المُطابِقِي مِن ذِكْرِ الأعْمالِ كُلِّها والمُجازاةِ عَلَيْها، وهَذا هو (p-١٦٦)المُناقَشَةُ وهي أنَّ العامِلَ إذا أثَّرَ أثَرًا بِعَمَلِهِ هو كالنَّقْشِ في الجامِدِ أثَّرَ المُجازِي لَهُ فِيهِ أثَرًا بِحَسَبِ عَمَلِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وأمّا الحِسابُ اليَسِيرُ فَهو عَرْضُ الأعْمالِ فَقَطْ مِن غَيْرِ جَزاءٍ عَلى قَبِيحِها فَهو دَلالَةُ تَضَمُّنٍ، وإنَّما شَدَّدَ عَلى هَذِهِ القَرْيَةِ لِأنَّ إعْراضَها كانَ كَذَلِكَ بِما نَبَّهَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتُهُ عُتُوًّا ﴿وعَذَّبْناها﴾ أيْ في الدُّنْيا جَزاءً عَلى ما أحْصَيْناهُ مِن ذُنُوبِها ﴿عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ شَدِيدَ النَّكارَةِ لِأنَّ العَقْلَ يُحَيِّرُ في أمْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ ولا قَرِيبًا مِنهُ لِيَعْتَبِرَهُ بِهِ، وأزالَ ذِكْرَ الكَثْرَةِ شُبْهَةَ أنْ يَكُونَ الإهْلاكُ وقَعَ اتِّفاقًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ

65:9Page 559

فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا ٩

And it tasted the bad consequence of its affair [i.e., rebellion], and the outcome of its affair was loss.

﴿فَذاقَتْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَعْدَ ما كانَ لَها مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ ﴿وبالَ﴾ أيْ وخامَةً وعُقُوبَةً وشِدَّةً وثِقَلَ وفَسادَ ﴿أمْرِها﴾ أيْ في العُتُوِّ وجَمِيعِ ما كانَتْ تَأْتَمِرُ فِيهِ، مَثَّلَهُ بِالمَرْعى الوَخِيمِ الَّذِي يَمْرَضُ ويَهْلَكُ. ولَمّا كانَ كُلُّ مَقْهُورٍ إنَّما يُسَلِّي نَفْسَهُ بِانْتِظارِ الفَرَجِ ورَجاءِ العاقِبَةِ، أيْأسَ مِن ذَلِكَ مُذَكِّرًا لِلْفِعْلِ إشارَةً إلى الشِّدَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ آخَرَ ومُنْتَهى وعَقِيبَ ﴿أمْرِها﴾ [ أيْ -] في جَمِيعِ عَمَلِها الَّذِي كانَتْ (p-١٦٧)فِيهِ ﴿خُسْرًا﴾ أيْ نَفْسِ الخُسْرِ في الدّارَيْنِ، فَكُلَّما امْتَدَّ الأمْرُ وجَدُوهُ أمامَهم فَإنَّ مَن زَرَعَ الشَّوْكَ كَما قالَ القُشَيْرِيُّ لا يَجْنِي الوَرْدَ، [و -] مَن أضاعَ حَقَّ اللَّهِ لا يُطاعُ في حَظِّ نَفْسِهِ، ومَنِ احْتَرَقَ بِمُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى فَلْيَصْبِرْ عَلى مُقاساةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فَسَّرَ الخُسْرَ أوِ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ لِمَن يَقُولُ: هَلْ لَها غَيْرُ هَذا في هَذِهِ الدّارِ، بِقَوْلِهِ:

65:10Page 559

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكُمۡ ذِكۡرٗا ١٠

Allāh has prepared for them a severe punishment; so fear Allāh, O you of understanding who have believed. Allāh has sent down to you a message [i.e., the Qur’ān].1

﴿أعَدَّ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿لَهُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ وبَعْدَ البَعْثِ ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾

ولَمّا تَمَّتِ الأحْكامُ ودَلائِلُها، وأحْكَمَتِ الآياتُ وفَواصِلُها، والتَّهْدِيداتُ وغَوائِلُها، كانَتْ فَذْلَكَتُها وثَمَرَةُ سِياقِها ومَوْعِظَتِها ما تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى تَنْبِيهًا عَلى ما يُحْيِي الحَياةَ الطَّيِّبَةَ ويُنْجِي في الدّارَيْنِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ.

ولَمّا كانَ في تَخْلِيصِ المَواعِظِ مِنَ الأحْكامِ واسْتِثْمارِها مِن فَواصِلِ هَذا الكَلامِ أمْرٌ عَظِيمٌ هو مِنَ الرِّقَّةِ بِمَكانٍ لا يُبْصِرُهُ إلّا ذَوُو الأفْهامِ قالَ تَعالى: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولِ الصّافِيَةِ النّافِذَةِ مِنَ الظَّواهِرِ إلى البَواطِنِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ خَلَصُوا مِن دائِرَةِ الشِّرْكِ وأوْجَدُوا (p-١٦٨)الإيمانَ حَقِيقَةً، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ بِما أزالَ العُذْرَ فَقالَ تَنْبِيهًا عَلى ما مَنَّ عَلَيْنا بِهِ مِنَ المُراسَلَةِ فَإنَّ مُراسَلاتٍ فَإنَّ مُراسَلاتِ الأكابِرِ فَخْرٌ فَكَيْفَ بِمُراسَلاتِ المُلُوكِ فَكَيْفَ بِمُراسَلَةِ مَلِكِ المُلُوكِ حَثًّا بِذَلِكَ عَلى شُكْرِهِ: ﴿قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿إلَيْكُمْ﴾ خاصَّةً ﴿ذِكْرًا﴾ أيْ كامِلًا مَذْكُورًا فِيهِ غايَةَ الشَّرَفِ لِكُلِّ مَن يَقْبَلُهُ بَلْ تَشَرَّفَتِ الأرْضُ كُلُّها بِنُزُولِهِ ورَفَعَ عَنْها العَذابَ وعَمَّها النُّورُ والصَّوابُ لِأنَّ فِيهِ تِبْيانَ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنِ اسْتَضاءَ بِنُورِهِ اهْتَدى، ومَن لَجَأ إلى بَرْدِ أفَنائِهِ وصَلَ مِن داءِ الجَهْلِ إلى شِفائِهِ.

65:11Page 559

رَّسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا ١١

[He sent] a Messenger [i.e., Muḥammad (ﷺ)] reciting to you the distinct verses of Allāh that He may bring out those who believe and do righteous deeds from darknesses into the light. And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will admit him into gardens beneath which rivers flow to abide therein forever. Allāh will have perfected for him a provision.

ولَمّا كانَ الرَّسُولُ ﷺ صُورَةَ سُورَةِ القُرْآنِ، فالقُرْآنُ باطِنُهُ وهو ظاهِرُهُ لِأنَّهُ خَلْقُهُ لا قَوْلَ لَهُ ولا فِعْلَ إلّا بِهِ، فَكانَ كَأنَّهُ هُوَ، أبْدَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿رَسُولا﴾ عَلى أنَّ الأمْرَ فِيهِ غِيٌّ عَنْ تَأْوِيلٍ، فَإنَّ الذِّكْرَ بِكَسْرِ الذّالِ في اللُّغَةِ كَما في القامُوسِ مِنَ الرِّجالِ القَوِيُّ الشُّجاعُ الأبِيُّ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ ذِكْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَتْلُو﴾ أيْ يُتابِعُ أنْ يَقُصَّ ﴿عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ دَلائِلَ المَلِكِ الأعْظَمِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ الظّاهِرِ جِدًّا حالَ كَوْنِها ﴿مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ لا لَبْسَ فِيها بِوَجْهٍ. (p-١٦٩)ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّ الذِّكْرَ والرَّسُولَ صارا شَيْئًا واحِدًا، وعَلِمَ ما في هَذِهِ المُراسَلَةِ مِنَ الشَّرَفِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بَيانَ شَرَفٍ آخَرَ بِبَيانِ ثَمَرَةِ إنْزالِهِ فَقالَ: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالشَّهادَتَيْنِ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِما قالُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ وتَحْقِيقًا لِأنَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الأعْمالِ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيِ النَّفْسانِيَّةِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى ظُلْمَةِ الجَوارِحِ بِعَمَلِها الظُّلْمِ وانْتِشارِها في السُّبُلِ الشَّيْطانِيَّةِ ﴿إلى النُّورِ﴾ الرُّوحانِيِّ العُقَيْلِيِّ الخالِصِ الَّذِي لا دَنَسَ فِيهِ بِسُلُوكِ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو [ واحِدٌ -] لا شَتاتَ فِيهِ وبَيِّنٌ لا لَبْسَ فِيهِ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] كَما بادَرُوا إلى إخْراجِ أنْفُسِهِمْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، ومِن فَسادِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ [ إلى سَدادِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ -]، وذَلِكَ بِأنْ يُصَيِّرَهم مُتَخَلِّقِينَ بِالقُرْآنِ لِيَكُونُوا مَظْهَرًا [ لَهُ -] في حَرَكاتِهِمْ وسَكَناتِهِمْ وأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَيَكُونُوا ذِكْرًا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا شاهَدَ بَرَكاتِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ عاجِلًا، عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانًا لِسَعادَةِ الآجِلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٧٠)﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ يُجَدِّدُ في كُلِّ وقْتٍ عَلى الدَّوامِ الإيمانَ بِالمَلِكِ الأعْلى بِأنْ لا يَزالَ في تَرَقٍّ في مَعارِجَ مَعارِفِهِ ﴿ويَعْمَلْ﴾ عَلى التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ ﴿صالِحًا﴾ لِلَّهِ وفي اللَّهِ فَلَهُ دَوامُ النَّعْماءِ، وهو مَعْنى إدْخالِهِ الجَنَّةَ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في آيَةِ التَّقْوى أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ، قالَ شارِحًا لِقَوْلِهِ: ﴿ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ [الطلاق: ٥] ﴿يُدْخِلْهُ﴾ أيْ عاجِلًا مَجازًا بِما يُتِيحُ لَهُ مِن لَذّاتِ العِرْفانِ ويَفْتَحُ لَهُ مِنَ الأُنْسِ آجِلًا حَقِيقَةَ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ هي في غايَةِ ما يَكُونُ مِن [ جَمْعِ -] جَمِيعِ الأشْجارِ وحُسْنِ الدّارِ، وبَيْنَ دَوامِ رَيِّها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي﴾ وبَيْنَ انْكِشافِ كَثِيرٍ مِن أرْضِها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ تَحْتَ غُرَفِها ﴿الأنْهارُ﴾ أوْ [ هو -] كِنايَةٌ عَنْ أنَّ أرْضَها في غايَةِ الرَّيِّ بِحَيْثُ إنَّ ساكِنَها يَجْرِي في أيِّ مَوْضِعٍ أرادَ [ نَهْرًا، و-]إلى زِيادَةِ عَظْمَتِها أشارَتْ قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِنُونِ العَظَمَةِ.

ولَمّا أفْرَدَ الشَّرْطَ والجَزاءَ إجْراءً عَلى لَفْظِ ”مِن“ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ [ في -] الإيمانِ ولا [ في -] جَزائِهِ مُشارَكَةَ أحَدٍ، وأنَّهُ لا تُوقَفُ لِلْقَبُولِ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ الوَصْفِ المَذْكُورِ، جَمَعَ الحالَ بِشارَةً (p-١٧١)بِأنَّ الدّاخِلِينَ كَثِيرٌ، وأنَّ الدّاخِلَ إلى دارِ الكَرامَةِ لا يَحْصُلُ لَهُ هَوانٌ بَعْدَ ذَلِكَ أصْلًا فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وأكَّدَ مَعْنى الخُلُودِ لِيَفْهَمَ الدَّوامَ بِلا انْقِضاءٍ فَقالَ: ﴿أبَدًا﴾ ولَمّا أعْلَمَ أنَّ الخُلُودَ لِكُلِّ الدّاخِلِينَ إلى الجَنَّةِ رَجَعَ إلى الأُسْلُوبِ الأوَّلِ تَنْصِيصًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ إبْلاغًا في عَظَمَةِ هَذا الجَزاءِ بِقَوْلِهِ نَتِيجَةً لِذَلِكَ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّ هَذِهِ النَّتِيجَةَ مِن حَقِّها أنْ يَتَوَقَّعَ قَوْلَها [ مِن -] كُلِّ مَن سَمِعَ هَذِهِ البُشْرى: ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿رِزْقًا﴾ أيْ عَظِيمًا عَجِيبًا، قالَ القُشَيْرِيُّ: الرِّزْقُ الحَسَنُ ما كانَ عَلى حَدِّ الكِفايَةِ لا نُقْصانَ فِيهِ يَتَعَطَّلُ عَنْ أُمُورِهِ بِسَبَبِهِ ولا زِيادَةً تَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِمْتاعِ بِما رُزِقَ لِحِرْصِهِ، كَذَلِكَ أرْزاقُ القُلُوبِ أحْسَنُها أنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الأحْوالِ ما يَسْتَقِلُّ بِها عَنْ غَيْرِ نُقْصانٍ ولا يَتَعَذَّبُ بِتَعَطُّشِهِ ولا يَكُونُ زِيادَةً فَيَكُونُ عَلى خَطَرٍ مِن مَغالِيطِ لا يَخْرُجُ مِنها إلّا بِتَأْيِيدٍ مِنَ اللَّهِ سَماوِيٍّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском