Al-Biqa'iAl‑Mulk · 67:6–17

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Mulk 67:6–17

67:6Page 562

وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٦

And for those who disbelieved in their Lord is the punishment of Hell, and wretched is the destination.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ تَهْيِئَتِهِ العَذابَ لَهم بِالخُصُوصِ، أخْبَرَ أيْضًا عَنْ تَهْيِئَتِهِ لِكُلِّ عامِلٍ بِأعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ انْدَرَجُوا هم فِيهِ فَقالَ حاثًّا عَلى التَّكَفُّرِ في عَظِيمِ انْتِقامِهِ الخارِجِ عَنِ العادَةِ في عَدَمِ الِانْطِفاءِ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِسَيْفٍ ولا عَصًا. ولا بِسَوْطٍ ونَحْوِهِ بَلِ النّارُ الخارِجَةُ عَنِ العادَةِ في عَدَمِ الِانْطِفاءِ، ولا لِلْمُعَذَّبِ مِنَ الخَلاصِ مِنها مَسْلَكٌ ولا رَجاءٌ [ بَلْ -] كُلَّما طالَ الزَّمانُ تَلَقَّتْهُ بِالشِّدَّةِ والِامْتِدادِ، بِئْسَ الجامِعَةُ لِلْمَذامِّ في كُلِّ انْتِقامٍ مَعَ الإهانَةِ والِاحْتِقارِ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ أيْ أوْقَعُوا -] التَّغْطِيَةَ لِما [ مِن -] حَقِّهِ أنْ يَظْهَرَ ويُشْهِرَ مِنَ الإذْعانِ لِلْإلَهِ، فَقالَ صارِفًا القَوْلَ عَنْ مَقامِ العَظَمَةِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ الخاصَّةِ بِالتَّرْبِيَةِ تَنْبِيهًا عَلى ما في إنْكارِهِ مِن عَظِيمِ الكُفْرانِ: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِإيجادِهِمْ والإحْسانِ إلَيْهِمْ فَأنْكَرُوا إيجادَهُ لَهم بَعْدَ المَوْتِ وذَلِكَ كُفْرًا مِنهم بِما شاهَدُوا مِنِ اخْتِراعِهِ لَهم مِنَ العَدَمِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ أيِ الدِّرْكَةِ النّارِيَّةِ الَّتِي تَلْقاهم بِالتَّجَهُّمِ (p-٢٣٤)والعَبُوسَةِ والغَضَبِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هي مَصِيرُهُمْ، قالَ دالًّا عَلى عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنها أصْلًا أزَلًا وأبَدًا: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ هي.

67:7Page 562

إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ ٧

When they are thrown into it, they hear from it a [dreadful] inhaling while it boils up.

ولَمّا عَبَّرَ عَنْ ذَمِّها بِمَجْمَعِ المَذامِّ، أتْبَعَهُ الوَصْفَ لِبَعْضِ تَجَهُّمِها عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ، فَقالَ دالًّا بِالإلْقاءِ عَلى خَساسَتِهِمْ وحَقارَتِهِمْ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحْقِيقِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وبِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ إلْقاءَهم في غايَةِ السُّهُولَةِ عَلى كُلِّ مَن يُؤْمَرُ بِهِ: ﴿إذا أُلْقُوا﴾ أيْ طُرِحَ الَّذِينَ كَفَرُوا [و -] الأخِسّاءُ مِن أيِّ طارِحٍ أمَرْناهُ بِطَرْحِهِمْ ﴿فِيها﴾ حِينَ تَعْتِلُهُمُ المَلائِكَةُ فَتَطْرَحُهم كَما تُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ ﴿سَمِعُوا لَها﴾ أيْ جَهَنَّمَ نَفْسَها ﴿شَهِيقًا﴾ أيْ صَوْتًا هائِلًا أشَدَّ نَكارَةً مِن أوَّلِ صَوْتِ الحِمارِ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها، أوْ لِأهْلِها - عَلى حَذْفِ مُضافٍ ﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ أيْ تَغْلِي بِهِمْ كَغْلِيِ المِرْجَلِ بِما فِيهِ [ مِن -] شِدَّةِ التَّلَهُّبِ والتَّسَعُّرِ، فَهم لا يَزالُونَ فِيها صاعِدِينَ هابِطِينَ كالحُبِّ إذا كانَ [ الماءُ -] يَغْلِي بِهِ، لا قَرارَ لَهم أصْلًا.

67:8Page 562

تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨

It almost bursts with rage. Every time a company is thrown into it, its keepers ask them, "Did there not come to you a warner?"

ولَمّا وصَفَها بِالفَوَرانِ، بَيَّنَ سَبَبَهُ تَمْثِيلًا لِشِدَّةِ اشْتِعالِها عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾ أيْ تَقَرَّبُ [ مِن -] أنْ يَنْفَصِلَ بَعْضُها مِن (p-٢٣٥)بَعْضٍ كَما يُقالُ: يَكادُ فُلانٌ يَنْشَقُّ مِن غَيْظِهِ وفُلانٌ غَضِبَ فَطارَتْ شَقَّةٌ مِنهُ في الأرْضِ وشَقَّةٌ في السَّماءِ - كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ ﴿مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ حَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَحْصُلُ [ مِنها -] افْتِراقٌ واتِّصالٌ عَلى وجْهٍ مِنَ السُّرْعَةِ لا يَكادُ يُدْرَكُ حَقَّ الإدْراكِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِغَضَبِ سَيِّدِها، وتَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ تُقادُ إلى المَحْشَرِ بِألْفِ زِمامٍ لِكُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَها بِهِ، وهي شِدَّةُ الغَيْظِ تَقْوى عَلى المَلائِكَةِ وتَحْمِلُ عَلى النّاسِ فَتَقْطَعُ الأزْمَةَ جَمِيعًا وتُحَطِّمُ أهْلَ المَحْشَرِ فَلا يَرُدُّها عَنْهم إلّا النَّبِيُّ ﷺ يُقابِلُها بِنُورِهِ فَتَرْجِعُ مَعَ أنَّ لِكُلِّ مَلَكٍ مِنَ القُوَّةِ ما لَوْ أمَرَ [ بِهِ -] أنْ يَقْتَلِعَ الأرْضَ وما عَلَيْها مِنَ الجِبالِ ويَصْعَدُ بِها في الجَوِّ فَعَلَ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ، وهَذا كَما أطْفَأها في الدُّنْيا بِنَفْخَةٍ كَما رَواهُ الجَماعَةُ إلّا التِّرْمِذِيِّ وهَذا لَفْظُ أبِي داوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - فَذَكَرَ صَلاتَهُ إلى أنْ قالَ: ثُمَّ نَفَخَ في آخِرِ سُجُودِهِ. فَقالَ: أُفٍّ أُفٍّ ألَمْ تَعِدْنِي أنْ لا تُعَذِّبُهم وأنا فِيهِمْ وهم يَسْتَغْفِرُونَ» وفي رِوايَةِ النَّسائِيِّ أنَّهُ قالَ: قالَ ﷺ: «لَقَدْ أُدْنِيَتْ مِنِّي النّارُ حَتّى جَعَلْتُ ألْفِتُها خَشْيَةَ أنْ تَغْشاكُمْ» .

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَها، أتْبَعَهُ حالَهم في تَعْذِيبِ القَلْبِ بِاعْتِقادِهِمْ (p-٢٣٦)أنَّهم ظَلَمَةٌ عَلى وجْهٍ، بَيَّنَ السَّبَبَ في عَذابِهِمْ زَجْرًا عَنْهُ فَقالَ: ﴿كُلَّما﴾ ولَمّا كانَ المُنْكِئُ مُجَرَّدَ الإلْقاءِ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ وعَلى حَقارَتِهِمْ بِسُهُولَةِ إلْقائِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿أُلْقِيَ فِيها﴾ أيْ جَهَنَّمَ بِدَفْعِ الزَّبانِيَةِ بِهِمُ الَّذِينَ هم أغْيَظُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّارِ ﴿فَوْجٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ هم في غايَةِ الإسْراعِ مُوجِفِينَ مُضْطَرِبِي الأجْوافِ مِن شِدَّةِ السَّوْقِ ﴿سَألَهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الفَوْجُ ﴿خَزَنَتُها﴾ أيِ النّارِ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإرْجافٍ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ سُؤالُهُمْ؟ قالَ: قالُوا مُوَبِّخِينَ لَهم مُبَكِّتِينَ مُحْتَجِّينَ عَلَيْهِمْ في اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ زِيادَةً في عَذابِهِمْ بِتَعْذِيبِ أرْواحِهِمْ بَعْدَ تَعْذِيبِ أشْباحِهِمْ: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ يُخَوِّفُكم هَذا العَقارُ ويُذَكِّرُكم بِما حَلَّ بِكم وبِما حَلَّ مِمَّنْ قَبْلَكم مِنَ المُثُلاثِ، لِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ، ويَقْرَأُ عَلَيْكُمُ الكُتُبَ المُنْزَلاتِ

67:9Page 562

قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ ٩

They will say, "Yes, a warner had come to us, but we denied and said, 'Allāh has not sent down anything. You are not but in great error.'"

﴿قالُوا بَلى﴾ ولَمّا طابَقَ هَذا الجَوابَ فَتَوَقَّعَ السّامِعُ إيضاحَهُ. أفْصَحُوا بِما أفْهَمَهُ وشَرَحُوهُ تَأسُّفًا عَلى أنْفُسِهِمْ مِمّا حَلَّ بِهِمْ وتَحَسُّرًا فَقالُوا: ﴿قَدْ جاءَنا﴾ وأظْهَرُوا مَوْضِعَ الإضْمارِ تَأْكِيدًا وتَنْصِيصًا فَقالُوا: ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ مُخَوِّفٌ بَلِيغُ التَّحْذِيرِ ﴿فَكَذَّبْنا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ مَجِيئِهِ أنَّنا أوْقَعْنا التَّكْذِيبَ بِكُلِّ (p-٢٣٧)ما قالَهُ النَّذِيرُ ﴿وقُلْنا﴾ أيْ زِيادَةً في التَّكْذِيبِ والنِّكايَةِ لَهُ والعِنادِ الَّذِي حَلَّ شُؤْمُهُ بِنا: ﴿ما نَـزَّلَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ عَلَيْكم و[ لا -] عَلى غَيْرِكُمْ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالتَّفْعِيلِ إشارَةٌ إلى إنْكارِهِمُ الفِعْلَ بِالِاخْتِيارِ المُلازِمِ لِلتَّدْرِيجِ - تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأعْرَقْنا في النَّفْيِ فَقُلْنا: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ لا وحْيًا ولا غَيْرَهُ، وما كَفانا هَذا الفُجُورُ حَتّى قُلْنا مُؤَكِّدِينَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما.

ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِرَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبًا لِجَمِيعِ الرُّسُلِ قالُوا عِنادًا: ﴿أنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها النُّذُرُ المَذْكُورُونَ في ”نَذِيرٍ“ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وفي خِطابِ الجَمْعِ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ جَوابَ الكُلِّ لِلْكُلِّ كانَ مُتَّحِدًا مَعَ افْتِراقِهِمْ في الزَّمانِ حَتّى كَأنَّهم كانُوا [ عَلى -] مِيعادٍ ﴿إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ بُعْدٍ عَنِ الطَّرِيقِ وخَطَأٍ وعَمًى مُحِيطٍ بِكم ﴿كَبِيرٍ﴾ فَبالَغْنا في التَّكْذِيبِ والسَّفَهِ بِالِاسْتِجْهالِ والِاسْتِخْفافِ.

67:10Page 562

وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠

And they will say, "If only we had been listening or reasoning, we would not be among the companions of the Blaze."

ولَمّا حَكى سُبْحانَهُ ما قالُوهُ لِلْخَزَنَةِ تَحَسُّرًا عَلى أنْفُسِهِمْ حَكى ما قالُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم زِيادَةً في التَّحَزُّنِ ومَقْتًا لِأنْفُسِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا﴾ أيِ الكَفَرَةِ في تَوْبِيخِ أنْفُسِهِمْ: ﴿لَوْ كُنّا﴾ أيْ بِما هو لَنا كالغَرِيزَةِ.

ولَمّا كانَ السَّمْعُ أعْظَمَ مَدارِكِ العَقْلِ الَّذِي هو مَدارُ التَّكْلِيفِ قالُوا: ﴿نَسْمَعُ﴾ أيْ سَماعًا يَنْفَعُ بِالقَبُولِ لِلْحَقِّ والرَّدِّ لِلْباطِلِ ﴿أوْ نَعْقِلُ﴾ أيْ بِما أدَّتْهُ إلَيْنا حاسَّةُ السَّمْعِ وغَيْرِها عَقْلًا يُنْجِي وإنْ (p-٢٣٨)لَمْ يَكُنْ سَمْعٌ، وإنَّما قَصَرُوا الفِعْلَيْنِ إشارَةً إلى أنَّ ما كانَ لَهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ عَدَمٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَدْفَعْ عَنْهم هَذا البَلاءُ بِالقَبُولِ مِنَ الرُّسُلِ لِما ذَكَّرُوهم بِهِ مِن نَصائِحِ رَبِّهِمْ وشَهادَةِ الشَّواهِدِ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿ما كُنّا﴾ أيْ كَوْنًا دائِمًا ﴿فِي أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ في عِدادِ مَن أُعِدَّتْ لَهُ النّارُ الَّتِي هي في غايَةِ الِاتِّقادِ والحَرِّ والتَّلَهُّبِ والتَّوَقُّدِ حَتّى كَأنَّ بِها جُنُونًا، وحَكَمَ بِخُلُودِهِمْ في صُحْبَتِها، وأعْظَمُ ما في هَذا مِنَ العَذابِ بِكَوْنِهِمْ أُلْجِئُوا إلى أنْ يُباشِرُوا تَوْبِيخَ أنْفُسِهِمْ ومَقْتَها بِأنْفُسِهِمْ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهم خُرُوجًا عَنِ العادَةِ في الدُّنْيا مِن أنَّ الإنْسانَ إذا أظْهَرَ الخُضُوعَ بِاعْتِرافِهِ ولَوْمِهِ نَفْسَهُ وإنْصافِهِ رُحِمَ وقُبِلَ، وفي الآيَةِ أعْظَمُ فَضِيلَةٍ لِلْعَقْلِ، رَوى ابْنُ المُحَبَّرِ في كِتابِ العَقْلِ والحارِثُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"لِكُلِّ شَيْءٍ دِعامَةٌ ودِعامَةُ المُؤْمِنِ عَقْلُهُ فَبِقَدْرِ عَقْلِهِ تَكُونُ عِبادَتُهُ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الفُجّارِ ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾» .

67:11Page 562

فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١

And they will admit their sin, so [it is] alienation1 for the companions of the Blaze.

ولَمّا كانَ هَذا الإقْرارُ زائِدًا في ضَرَرِهِمْ، وإنَّما كانَ يَكُونُ نافِعًا لَهم لَوْ قالُوهُ في دارِ العَمَلِ ونَدِمُوا عَلَيْهِ وأقْلَعُوا عَنْهُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ ضامًّا - إلى ما تَقَدَّمَ مِن تَعْذِيبِ أرْواحِهِمْ بِمَقْتِ المَلائِكَةِ لَهم ثُمَّ مَقْتِهِمْ (p-٢٣٩)لِأنْفُسِهِمْ - مَقْتَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿فاعْتَرَفُوا﴾ أيْ بالَغُوا جامِعِينَ إلى مَقْتِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ لَهم مَقْتَهم لِأنْفُسِهِمْ في الِاعْتِرافِ وهو الإقْرارُ عَنْ مَعْرِفَةٍ.

ولَمّا كانَ الَّذِي أوْرَدَهُمُ المَهالِكَ هو الكُفْرُ الَّذِي تَفَرَّعَتْ عَنْهُ جَمِيعُ المَعاصِي، أفْرَدَ فَقالَ تَعالى: ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ أيْ في دارِ الجَزاءِ كَما كانُوا يُبالِغُونَ في التَّكْذِيبِ في دارِ العَمَلِ فَلَمْ [ يَكُنْ -] يَنْفَعُهم لِفَواتِ مَحِلِّهِ، أوْ أنَّهُ لَمْ يَجْمَعِ الذَّنْبَ إشارَةً إلى أنَّهم كانُوا كُلُّهم في المُبالَغَةِ في التَّكْذِيبِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] أوْ أنَّ الإفْرادَ أشَدُّ في التَّحْذِيرِ مِن كَثِيرِ الذُّنُوبِ وقَلِيلِها حَقِيرِها وجَلِيلِها.

ولَمّا كانُوا قَدْ أبْلَغُوا في كِلْتَيِ الدّارَيْنِ في إبْعادِ أنْفُسِهِمْ عَنْ مُواطِنِ الرَّحْمَةِ وتَسْفِيلِها إلى حالِ النِّقْمَةِ أنْتَجَ ذَلِكَ وسَبَّبَ قَوْلُهُ: ﴿فَسُحْقًا﴾ أيْ بُعْدًا في جِهَةِ السُّفْلِ وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ مُسْتَجابٌ ﴿لأصْحابِ﴾ وأظْهَرُ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ تَوَقُّدِها وتَغَيُّظِها وتَهَدُّدِها فَقالَ: ﴿السَّعِيرِ﴾ أيِ الَّذِي قَضَتْ عَلَيْهِمْ أعْمالُهم بِمُلازَمَتِها.

(p-٢٤٠)

67:12Page 562

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١٢

Indeed, those who fear their Lord unseen will have forgiveness and great reward.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أهْلَ المُعامَلَةِ بِصِفَةِ العِزَّةِ لِما حَصَلَ لَهم مِنَ العِزَّةِ، أتْبَعُهم أضْدادَهُمُ المُطَوِّعِينَ أنْفُسَهم لِإشارَةِ العَقْلِ المُتَأهِّلِينَ لِنَعْتِ المَعْرِفَةِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما لِلْأضْدادِ مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ أيْ يَخافُونَ [ خَوْفًا -] أرَقَّ قُلُوبَهم وأرَقَّ غَيْرَهم بِحَيْثُ كانُوا كالحُبِّ عَلى المَقْلِيِّ لا يُقِرُّ لَهم قَرارٌ مِن تَوَقُّعِهِمُ العُقُوبَةَ، كُلَّما ازْدادُوا طاعَةً ازْدادُوا خَشْيَةً، يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ فَوَقَوْا أنْفُسَهم فَوَرانَ النّارِ بِهِمْ، وعَدَلَ عَنْ سِياقِ الجَلالَةِ الجامِعِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم غُلِّبَ عَلَيْهِمُ النَّظَرُ إلى الإحْسانِ فَقادَهم إلى الشُّكْرِ مَعَ ما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ الخَشْيَةُ مِنَ اتِّصافِهِمْ بِالفَرْقِ الَّذِي أدّاهم إلى الذُّعْرِ فَقالَ: ﴿رَبَّهُمْ﴾ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ بِتَطْوِيرِهِمْ بِما جَعَلَ لَهم مِنَ الأسْبابِ في أطْوارِ الخَيْرِ وإذا كانُوا يَخْشَوْنَهُ مَعَ نَظَرِهِمْ إلى صِفَةِ إحْسانِهِ فَما ظَنُّكَ بِهِمْ عِنْدَ النَّظَرِ إلى صِفاتِ انْتِقامِهِ ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ غائِبِينَ عَنْهُ سُبْحانَهُ ووَعِيدُهُ غائِبًا عَنْهم وهم غائِبُونَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ وقَدْ مَلَأ الخَوْفُ ما غابَ عَنْهم عَنِ النّاسِ وهي قُلُوبُهم فَهم مَعَ النّاسِ يَتَكَلَّمُونَ وقُلُوبُهم تَتَلَظّى بِنِيرانِ الخَوْفِ وتُكَلَّمُ بِسُيُوفِ الهَيْبَةِ، فَيَتْرُكُونَ المَعْصِيَةَ حَيْثُ لا يَراهم أحَدٌ مِنَ النّاسِ! ولا يَكُونُ لَهم هَذا إلّا بِرِياضَةٍ عَظِيمَةٍ لِما عِنْدَ (p-٢٤١)النّاسِ مِنَ القُوى المُوجِبَةِ لِلطُّغْيانِ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: في الإنْسانِ [ خَواصٌّ -] تَسْتَدْعِي العِلْمَ بِما يَشُوبُها مِنَ الحُظُوظِ فَتَنْشَأُ مِنها - والعِياذُ بِاللَّهِ - المُنازَعَةُ في الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ والجَلالِ والجَمالِ، فالقَلْبُ يَسْتَدْعِي التَّفَرُّدَ بِالوُجُودِ والأمْرِ والنَّهْيِ، فَما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُسْتَبْطِنٌ ما قالَ فِرْعَوْنُ، ولَكِنْ لا يَجِدُ لَهُ مَجالًا كَما وجَدَ فِرْعَوْنُ، والعَقْلُ يَسْتَدْعِي في تَدْبِيرِهِ وتَأْثِيرِهِ اعْتِقادُ أنَّهُ لَوْ مَكَّنَ مِنَ الوُجُودِ لَدَبَّرَهُ، ويَرى أنَّ تَدْبِيرَهُ هو التَّدْبِيرُ وإنْ كانَ أفْسَدَ الفاسِدُ، وكَذَلِكَ لا يَزالُ يَقُولُ: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ كَذا، والنَّفْسُ لا تَتَخَيَّلُ أنَّها مِنَ القُوَّةِ والِاقْتِدارِ بِحَيْثُ لَوْ أرادَتْ أنْ تُخَرِّبَ مُدُنًا وتَبْنِيَها فَعَلَتْ، فَلْيَحْذَرِ الإنْسانُ فَإنَّ أعْدى عَدُوُّهُ نَفْسَهُ الَّتِي هي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، فَمَهْما تَرَكَها انْتَشَرَتْ، قالَ تَعالى ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ويَنْسى ما بَعْدَها ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨] ولِهَذا كانَ بَعْضُ الأكاسِرَةِ - وكانُوا أعْقَلَ المُلُوكِ - يُرَتِّبُ واحِدًا يَكُونُ وراءَهُ بِالقُرْبِ مِنهُ، [ يَقُولُ لَهُ -] إذا اجْتَمَعَتْ جُنُودُهُ بَعْدَ كُلِّ قَلِيلٍ: أنْتَ عَبْدٌ، لا يَزالُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ، والمَلِكُ يَقُولُ لَهُ كُلَّما قالَهُ: نَعَمْ: فَعَلى العاقِلِ أنْ يُطَوِّعَ نَفْسَهُ لِأنْ تَرْجِعَ مُطَمْئِنَّةً بِأنْ (p-٢٤٢)يَرْضى بِاللَّهِ رَبًّا لِيَدْخُلَ في رِقِّ العُبُودِيَّةِ، وبِالإسْلامِ دِينًا لِيَصِيرَ عَرِيقًا فِيها، فَلا يُنازِعُ المُلْكَ في رِدائِهِ الكِبْرِياءُ وإزارِهِ العَظَمَةُ وتاجِهِ الجَلالُ وحُلَّتِهِ الجَمالُ، ولا يُنازِعُهُ فِيما يُدَبِّرُهُ مِنَ الشَّرائِعِ، ويُظْهِرُهُ مِنَ المَعارِفِ، ويَحْكُمُ بِهِ عَلى عَبِيدِهِ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ.

ولَمّا كانَتِ الخَشْيَةُ مُشِيرَةً إلى الذُّنُوبِ، فَكانَ أهَمُّ ما إلَيْهِمُ الإراحَةُ مِنها قالَ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ سُتْرَةٌ عَظِيمَةٌ تَأْتِي عَلى جَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ.

ولَمّا كانَ السُّرُورُ إنَّما يَتِمُّ بِالإعْطاءِ قالَ: ﴿وأجْرٌ﴾ أيْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴿كَبِيرٌ﴾ يَكُونُ لَهم بِهِ مِنَ الإكْرامِ ما يُنْسِيهِمْ ما قاسَوْهُ في الدُّنْيا مِن شَدائِدِ الآلامِ، وتَصْغُرُ في جَنْبِهِ لَذائِذُ الدُّنْيا العِظامِ.

67:13Page 563

وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣

And conceal your speech or publicize it; indeed, He is Knowing of that within the breasts.

ولَمّا كانَتِ الخَشْيَةُ مِنَ الأفْعالِ الباطِنَةِ، وكانَ كُلُّ أحَدٍ يَدَّعِي أنَّهُ يَخْشى اللَّهَ، قالَ مُخَوِّفًا لَهم بِعِلْمِهِ نادِبًا إلى مُراقَبَتِهِ لِئَلّا يَغْتَرُّوا بِحِلْمِهِ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ لِإيجابِ المُراقَبَةِ: فَأبْطَنُوا أفْعالَهم وأظْهَرُوها: ﴿وأسِرُّوا﴾ أيْ أيُّها الخَلائِقُ.

ولَمّا كانَ إفْرادُ الجِنْسِ دالًّا عَلى قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ قالَ: ﴿قَوْلَكُمْ﴾ (p-٢٤٣)أيْ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ ويُجازِيكم بِهِ لِأنَّ عِلْمَهُ لا يَحْتاجُ إلى سَبَبٍ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: أسِرُّوا وإلّا يَسْمَعُ إلَهُ مُحَمَّدٍ: ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما لِلنّاسِ مِنَ اسْتِبْعادِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ رَبُّكم ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ بِحَقِيقَتِها وكُنْهِها وحالِها وجِبِلَّتِها وما يَحْدُثُ عَنْها سَواءٌ كانَتْ قَدْ تَخَيَّلَتْهُ ولَمْ تُعَبِّرْ عَنْهُ، أوْ كانَ مِمّا لَمْ تَتَخَيَّلُهُ بَعْدُ بِدَلِيلِ ما يُخْبِرُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهم مِمّا وقَعَ وهم يُخْفُونَهُ، أوْ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ ثُمَّ يَقَعُ كَما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ؛

67:14Page 563

أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤

Does He who created not know,1 while He is the Subtle, the Aware?

ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعْجِبًا مِمَّنْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ أدْنى تَوَقُّفٍ ومُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ العِلْمِ ونَفى ضِدَّهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ: ﴿ألا يَعْلَمُ﴾ أيْ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الفاعِلَ واصِفًا لَهُ بِما يُقَرِّبُ المُخْبِرَ [ بِهِ -] لِلْإفْهامِ فَقالَ: ﴿مَن خَلَقَ﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَ الخَلْقَ مِنَ القُلُوبِ الحاوِيَةِ لِلْأسْرارِ والأبْدانِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وطُبِعَ في كُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ما طُبِعَ مِمّا قَدَّرَهُ بِعِلْمِهِ وأتْقَنَهُ بِحِكْمَتِهِ، فَإنَّ كُلَّ صانِعٍ أدْرى بِما صَنَعَهُ، ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ ”مِن“ مَفْعُولًا والفاعِلُ مُسْتَتِرًا، أيْ ألا يَعْلَمُ اللَّهُ مَخْلُوقَهُ عَلى الإطْلاقِ ولَهُ صِفَتا اللُّطْفِ والخَبَرِ اللَّتانِ شَأْنُهُما إدْراكُ البَواطِنِ إدْراكًا لا يَكُونُ مِثْلُهُ لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ العِلْمِ لِما أخْفَوْهُ لِظَنِّهِمْ أنَّهم إذا أسَرُّوا يَخْفى، لا إثْباتُ مُطْلَقِ العِلْمِ فَإنَّهم (p-٢٤٤)لَمْ يُنْكِرُوهُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ هو ﴿اللَّطِيفُ﴾ [ أيِ -] الَّذِي يَعْلَمُ ما بَثَّهُ في القُلُوبِ لِأنَّهُ يَصِلُ إلى الأشْياءِ بِأضْدادِها فَكَيْفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ﴿الخَبِيرُ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، وهو أعْظَمُ تَهْدِيدٍ يَكُونُ؛ فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ مَن يَعْصِيهِ عالِمًا بِهِ وهو قادِرٌ عَلَيْهِ لا يَعْصِيهِ أبَدًا.

67:15Page 563

هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ ١٥

It is He who made the earth tame1 for you - so walk among its slopes and eat of His provision - and to Him is the resurrection.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا غامِضًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِأمْرٍ مُشاهَدٍ أبْدَعَهُ بِلُطْفِهِ وأتْقَنَهُ بِخِبْرَتِهِ لِاسْتِدْعاءِ الشُّكْرِ مِن عِبادِهِ عَلى ما أبْدَعَ لَهم ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ الباهِرَةِ الَّتِي بِها قِوامُهُمْ، ولَوْلاهُ لَما كانَ لَهم بَقاءٌ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ لِتَتَوَصَّلُوا إلى ما يَنْفَعُكم ﴿الأرْضَ﴾ عَلى سِعَتِها وعِظَمِها وجَزْوَنَةِ كَثِيرٍ مِنها ﴿ذَلُولا﴾ أيْ مُسَخَّرَةً لا تَمْتَنِعُ، قابِلَةً لِلِانْقِيادِ لِما تُرِيدُونَ مِنها مِن مَشْيٍ وإنْباطِ مِياهٍ وزَرْعِ حُبُوبٍ وغَرْسِ أشْجارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ غايَةَ الِانْقِيادِ، بِما تَفْهَمُهُ صِيغَةُ المُبالَغَةِ مَعَ أنَّ فِيها أماكِنُ خَوّارَةً تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ ويَغُوصُ فِيها ما خالَطَها، ومَواضِعُ مُشْتَبِكَةٌ بِالأشْجارِ يَتَعَذَّرُ أوْ يَتَعَسَّرُ سُلُوكُها، وأماكِنُ (p-٢٤٥)مَلْأى سِباعًا وحَيّاتٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَوانِعِ، وأماكِنَ هي جِبالٌ شاهِقَةٌ إمّا يَتَعَذَّرُ سُلُوكُها كَجَبَلِ السَّدِّ بَيْنَنا وبَيْنِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّهُ تَزْلَقُ عَلَيْهِ الأرْجُلُ ولا تَثْبُتُ، أوْ يُشَقُّ سُلُوكُها، ومَواطِنُ هي بُحُورٌ عَذْبَةٌ أوْ مُلِحَّةٌ فَلَوْ شاءَ لَجَعَلَها كُلَّها كَذَلِكَ لِيَكُونَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِها، فَما قَسَّمَها إلى سُهُولٍ وجِبالٍ وبُرُورٍ وبُحُورٍ وأنْهارٍ وعُيُونٍ ومِلْحٍ وعَذْبٍ وزَرْعٍ وشَجَرٍ وتُرابٍ وحَجَرٍ ورِمالٍ ومَدَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ إلّا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وقُدْرَةٍ باهِرَةٍ، لِتَكُونَ قابِلَةً لِجَمِيعِ ما تُرِيدُونَ مِنها، صالِحَةً لِسائِرِ ما يَنْفَعُكم فِيها.

ولَمّا كانَ مَعْنى التَّذْلِيلِ ما تَقَدَّمَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَمْثِيلًا لِغَرَضِ التَّذْلِيلِ لِأنَّ مِنكَبَيِ البَعِيرِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِينَ أرَقَّ شَيْءٍ وأنْباهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ: ﴿فامْشُوا﴾ [ أيِ -] الهُوَيْنا مُكْتَسِبِينَ وغَيْرِ مُكْتَسِبِينَ إنْ شِئْتُمْ مِن غَيْرِ صُعُوبَةٍ تُوجِبُ لَكم وثْبًا أوْ حَبْوًا ﴿فِي مَناكِبِها﴾ أيْ أماكِنِها الَّتِي هي لَوْلا تَسْهِيلُنا لِمَناكِبِ الحَيَواناتِ لَكانُوا يَنْتَكِبُونَ عَنِ الوُقُوفِ عَلَيْها، فَكَيْفَ بِالمَشْيِ، [و -] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّها الجِبالُ - لِأنَّ تَذْلِيلَها أدَلُّ دَلِيلٍ (p-٢٤٦)عَلى تَذْلِيلِ غَيْرِها، ولِيَكُنْ مِشْيَتُكم فِيها وتَصَرُّفُكم بَذْلٌ وإخْباتٌ وسُكُونٌ اسْتِصْغارًا لِأنْفُسِكم وشُكْرًا لِمَن سَخَّرَ لَكم ذَلِكَ - واللَّهُ الهادِي.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَسَرَّها لِلْمَشْيِ، ذَكَّرَهم بِأنَّهُ سَهَّلَها لِإخْراجِ الخَيْراتِ والبَرَكاتِ فَقالَ: ﴿وكُلُوا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ الرِّزْقَ فَوْقَ الكِفايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رِزْقِهِ﴾ أيِ الَّذِي أوْدَعَهُ لَكم فِيها وأمْكَنَكم مِن إخْراجِهِ بِضِدِّ ما تَعْرِفُونَ مِن أحْوالِكم فَإنَّ الدَّفْنَ في الأرْضِ مِمّا يُفْسِدُ المَدْفُونَ ويُحِيلُهُ إلى جَوْهَرِها كَما يَكُونُ لِمَن قَبَرْتُمُوهُ فِيها، ومَعَ ذَلِكَ فَأنْتُمْ تَدْفِنُونَ الحُبَّ وغَيْرَهُ مِمّا يَنْفَعُكم فَيُخْرِجُهُ لَكم سُبْحانَهُ عَلى أحْسَنِ ما تُرِيدُونَ ويَخْرُجُ لَكم مِنَ الأقْواتِ والفَواكِهِ والأدْهانِ والمَلابِسِ ما تَعْلَمُونَ، وكَذَلِكَ النُّفُوسُ هي صَعْبَةٌ كالجِبالِ وإنْ قُدْتَها لِلْخَيْرِ انْقادَتْ لَكَ كَما قِيلَ ”هِيَ النَّفْسُ ما عَوَّدْتَها تَتَعَوَّدُ“ .

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ لِلْبَعْثِ عَلى الشُّكْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الكُفْرِ: واعْبُدُوهُ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ إلَيْكم وتَرْبِيَتِهِ لَكم. فَمِنهُ مَبْدَأُ جَمِيعِ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَدْعُو إلى الحَياءِ مِنَ السَّيِّدِ والخَجَلِ مِن تَوْبِيخِهِ عِنْدَ لِقائِهِ فَقالَ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿النُّشُورُ﴾ وهو إخْراجُ جَمِيعِ الحَيَواناتِ الَّتِي أكَلَتْها الأرْضُ وأفْسَدَتْها، يُخْرِجُها في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ (p-٢٤٧)عَلى ما كانَ كُلٌّ مِنها [ عَلَيْهِ -] عِنْدَ المَوْتِ كَما أخْرَجَ تِلْكَ الأرْزاقَ، لا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وذاكَ، غَيْرَ أنَّكم لا تَتَأمَّلُونَ [ فَيَسْألُكم -] عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَيا فَوْزَ مَن شَكَرَ ويا هَلاكَ مَن كَفَرَ، فَإنَّ هَذا أبْعَثُ شَيْءٍ عَلى الشُّكْرِ، وأشَدُّ شَيْءٍ إبْعادًا عَنِ العِصْيانِ لا سِيَّما الكُفْرُ، لِما قَرَّرَ مِن حاجَةِ الإنْسانِ، [و -] الإحْسانِ [ إلَيْهِ -] بِأنْواعِ الإحْسانِ.

67:16Page 563

ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦

Do you feel secure that He who is above1 would not cause the earth to swallow you and suddenly it would sway?2

ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الِاسْتِعْطافِ إلّا الإنْذارُ عَلى الخِلافِ، قالَ مُهَدِّدًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِعَذابٍ دُونَ عَذابِ جَهَنَّمَ، مُنْكَرًا عَلَيْهِمُ الأمانُ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ بِيَدِهِ المُلْكَ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِنهُ بِأسْبابِ جُنُودِهِ وبِغَيْرِ سَبَبٍ، مُقَرِّرًا بَعْدَ تَقْرِيرِ حاجَةِ الإنْسانِ وعَجْزِهِ أنَّهُ [ لا حِصْنَ لَهُ ولا -] مانِعَ لَهُ بِوَجْهٍ مِن عَذابِ اللَّهِ، فَهو دائِمُ الِافْتِقارِ مَلازِمٌ لِلصَّغارِ: ﴿أأمِنتُمْ﴾ أيْ أيُّها المُكَذِّبُونَ، وخاطَبَهم بِما كانُوا يَعْتَقِدُونَ مَعَ أنَّهُ [ إذا -] حَمَلَ عَلى الرُّتْبَةِ وأوَّلَ السَّماءَ بِالعُلُوِّ أوْ جَعَلَ كِنايَةً عَنِ التَّصَرُّفِ لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ غالِبًا أنَّ مَن كانَ في شَيْءٍ كانَ مُتَصَرِّفًا فِيهِ صَحَّ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَقالَ: ﴿مَن في السَّماءِ﴾ أيْ عَلى زَعْمِكُمُ العالِيَةَ قاهِرَةٌ لَكُمْ، أوِ المَعْنى: مِنَ المَلائِكَةِ الغِلاظِ الشِّدادِ الَّذِي صَرَفَهم في مَصالِحِ العِبادِ، أوِ المَعْنى: في غايَةِ العُلُوِّ رُتْبَةً، أوْ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ في السَّماءِ أعْظَمَ أمْرِهِ لِأنَّها تَرْفَعُ إلَيْها أعْمالَ عِبادِهِ وهي مَهْبِطُ الوَحْيِ (p-٢٤٨)ومَنزِلُ القُطْرِ ومَحَلُّ القُدْسِ والسُّلْطانِ والكِبْرِياءِ وجِهَةِ العَرْشِ ومَعْدِنِ المُطَهَّرِينَ والمُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ أقامَهُمُ اللَّهُ في تَصْرِيفِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، والَّذِي دَعا إلى مِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ السّائِغِ الماشِي عَلى لِسانِ العَرَبِ [ قِيامُ -] الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ لِأنَّهُ مُحِيطٌ فَلا يُحاطُ بِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِمُحْتاجٍ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”مِن“ بَدَلَ اشْتِمالٍ فَقالَ: ﴿أنْ﴾

ولَمّا كانَتْ قُدْرَتُهُ عَلى ما يُرِيدُ بِلا واسِطَةٍ كَقُدْرَتِهِ بِالواسِطَةِ، وقُدْرَتِهِ إذا كانَ الواسِطَةَ جَمْعًا كَقُدْرَتِهِ إذا كانَ واحِدًا، لِأنَّ الفاعِلَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرِ حَقِيقَةٍ هو لا غَيْرُهُ، وحَدٍّ بِما يَقْتَضِيهِ لَفْظُ ”مِن“ إشارَةً إلى هَذا المَعْنى سَواءٌ أُرِيدَ بِ ”مِن“ هو سُبْحانَهُ أوْ مَلائِكَتُهُ أوْ واحِدٌ مِنهم [ فَقالَ-]: ﴿يَخْسِفَ﴾ أيْ أأمِنتُمْ خَسْفَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِ ”مِنَ“ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما مَضى خِطابًا عَلى زَعْمِهِمْ وظَنِّهِمْ أنَّهُ في السَّماءِ وإلْزامًا لَهم بِأنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى الإمْطارِ والإنْباتِ وغَيْرِهِما مِنَ التَّصَرُّفاتِ في الأرْضِ فَهو يَقْدِرُ عَلى غَيْرِهِ ﴿بِكُمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ وغَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ مِنَ الأرْضَ يَصِيرُ كالسّاقِطِ في الهَواءِ [ وكانَ السّاقِطُ في الهَواءِ -] يَصِيرُ يَضْطَرِبُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ الأرْضُ الَّتِي أنْتُمْ بِها ﴿تَمُورُ﴾ أيْ تَضْرِبُ وهي تَهْوِي بِكم وتَجْرِي هابِطَةً في الهَواءِ وتَتَكَفَّأُ إلى حَيْثُ شاءَ سُبْحانَهُ، (p-٢٤٩)قالَ في القامُوسِ: المَوْرُ الِاضْطِرابُ والجَرَيانُ عَلى وجْهِ الأرْضِ والتَّحَرُّكُ.

67:17Page 563

أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ ١٧

Or do you feel secure that He who is above would not send against you a storm of stones? Then you would know how [severe] was My warning.

ولَمّا كانُوا رُبَّما اسْتَبْعَدُوا الخَسْفَةَ، وكانُوا يَعْهَدُونَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِنَ النَّدى والأمْطارِ والصَّواعِقِ، عادِلٌ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ أيْ أيُّها المُكَذِّبُونَ، وكَرَّرَ لَهم ذِكْرَ ما يَخْشَوْنَهُ زِيادَةً في التَّرْهِيبِ فَقالَ: ﴿مَن في السَّماءِ﴾ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ ﴿أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ ﴿حاصِبًا﴾ أيْ [ حِجارَةً -] يَحْصِبُكم - أيْ يَرْمِيكم - بِها مَعَ رِيحٍ عاصِفٍ بِقُوَّتِها كَما وقَعَ لِقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ.

ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ إنْذارًا عَظِيمًا ووَعْظًا بَلِيغًا شَدِيدًا، وكانَ حالُهم عِنْدَهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ إقْبالٍ وإدْبارٍ، سَبَّبَ عَنْهُ عَلى تَقْدِيرِ إدْبارِهِمْ بِتَمادِيهِمْ بِما لِلْإنْسانِ مِنَ النُّقْصانِ قَوْلُهُ مُتَوَعِّدًا بِما يَقْطَعُ القُلُوبَ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَقامِ التَّكَلُّمِ إيذانًا بِتَشْدِيدِ الغَضَبِ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ أيْ عَنْ قَرِيبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ في الدُّنْيا ثُمَّ في الآخِرَةِ.

ولَمّا كانَ العِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ الشَّيْءِ أعْظَمَ مِنَ العِلْمِ بِمُطْلَقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ العِلْمِ بِها العِلْمُ بِمُطْلَقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وكانَ ما هو (p-٢٥٠)بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا عَظِيمًا قالَ: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أيْ إنْذارِي البَلِيغِ إذا شاهَدْتُمُ العَذابَ وهو بِحَيْثُ لا يُسْتَطاعُ، ولا تَتَعَلَّقُ الأطْماعُ بِكَشْفٍ لَهُ ولا دِفاعٍ، وحُذِفَ الياءُ مِنهُ [و -] مِن ”نَكِيرٍ“ إشارَةً إلى أنَّهُ وإنْ كانَ خارِجًا عَنِ الطُّرُقِ لَيْسَ مُنْتَهى مَقْدُورِهِ بَلْ لَدَيْهِ مَزِيدٌ، لا غايَةَ لَهُ بِوَجْهٍ ولا تَحْدِيدٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском