Al-Biqa'iAl‑Mulk · 67:18–27

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Mulk 67:18–27

67:18Page 563

وَلَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ١٨

And already had those before them denied, and how [terrible] was My reproach.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَأْمُورَ بِإبْلاغِهِمْ وإنْذارِهِمْ هَذا الإنْذارَ ﷺ في غايَةِ الرَّحْمَةِ لَهم [ والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ -] فَهو بِحَيْثُ يَشُقُّ عَلَيْهِ غايَةَ المَشَقَّةِ ما أفْهَمَهُ هَذا الكَلامُ مِن إهْلاكِهِمْ أنْ يُصَدِّقُوا، [و -] يُحِبُّ التَّأنِّي بِهِمْ، لَفَتَ سُبْحانَهُ الخِطابُ إلَيْهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَقَدْ طالَ إمْهالُنا لَهم وحِلْمُنا عَنْهم وتَعْرِيفُنا لَهم بِعَظِيمِ قُدْرَتِنا وهم لا يَرْجِعُونَ وكَثُرَ وعْظُنا لَهم وتَصْرِيفُنا القَوْلَ بَيْنَهم عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِنا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم يَتَمادَوْنَ ولا يَنْتَهُونَ، قَوْلُهُ مُصَوِّرًا [ لَهم -] ما تَوَعَّدَهم بِهِ في أمْرٍ مَحْسُوسٍ لِأنَّ الأُمُورَ المُشاهَداتِ أرْوَعُ لِلْإنْسانِ لِما لَهُ مِنَ التَّقَيُّدِ بِالوَهْمِ مُؤَكِّدًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّكْذِيبَ مَعَ إقامَةِ البَراهِينِ أمْرٌ يَجِبُ إنْكارُهُ فَلا يَكادُ يُصَدِّقُ: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ﴾ وطَغى وبَغى وأعْرَضَ وتَجَبَّرَ وتَمَرَّدَ ووَلّى بِوَجْهِهِ (p-٢٥١)وقَلْبِهِ ﴿الَّذِينَ﴾

ولَمّا كانَ هَذا التَّكْذِيبُ لَمْ يَعُمَّ الماضِينَ بَعَّضَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ أمْلى لَهم ثُمَّ أخَذَهم بَعْدَ طُولِ الحِلْمِ أخْذًا بَقِيَتْ أخْبارُهُ، ولَمْ تَنْدَرِسْ إلى الآنَ عَلى تَمادِي الزَّمانِ آثارُهُ، فَكانَ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْهُ لِعِظَمِ أحْوالِهِ، وشِدَّةِ زَلازِلِهِ وفَظاعَةِ أهْوالِهِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُنَبِّهًا عَلى اسْتِحْضارِ ذَلِكَ العَذابِ ولَوْ بِالسُّؤالِ عَنْهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِما أصَبْتَهم بِهِ مِنَ العَذابِ في تَمَكُّنِ كَوْنِهِ وهَوْلِ أمْرِهِ، فَقَدْ جَمَعَ إلى التَّسْلِيَةِ غايَةَ التَّهْدِيدِ.

67:19Page 563

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءِۭ بَصِيرٌ ١٩

Do they not see the birds above them with wings outspread and [sometimes] folded in? None holds them [aloft] except the Most Merciful. Indeed He is, of all things, Seeing.

ولَمّا ذَكَرَ بِمُصارِعِ الأوَّلِينَ، وكانَ التَّذْكِيرُ بِالحاصِبِ تَذْكِيرًا لِقُرَيْشٍ بِما حَصَّبَ بِهِ عَلى قُرْبِ الزَّمانِ عَدُوَّهم أصْحابَ الفِيلِ بِما أرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّيْرِ الأبابِيلِ تَحْذِيرًا لَهم مِن ذَلِكَ إنْ تَمادَوْا عَلى كُفْرِهِ، ولَمْ يَنْقادُوا إلى شُكْرِهِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ تَقْرِيرًا لِزِيادَةِ قُدْرَتِهِ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ ولُطْفِ تَرْبِيَتِهِ حَيْثُ جَبَرَ الطَّيْرَ لِضَعْفِها بِالطَّيَرانِ لِيُكْمِلَ بِعُمُومِ رَحْمانِيَّتِهِ أمْرَ مَعاشِها تَقْرِيرًا لِأنَّ بِيَدِهِ المُلْكَ وتَرْهِيبًا مِن أنْ يُنازِعَهُ (p-٢٥٢)أحَدٌ في تَدْبِيرِهِ مَعَ تَبْقِيَةِ القَوْلِ مَصْرُوفًا عَنْ خِطابِهِمْ، إيذانًا بِشِدَّةِ حِسابِهِمْ وسُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ ومَآبِهِمْ؛ ألَمْ يَرَوْا إلى قُدْرَتِنا عَلى مَصارِعِ الأوَّلِينَ وإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ وإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعْرِضًا عَنْهم زِيادَةً في الإنْذارِ بِالحَصَبِ مِنَ الطَّيْرِ وغَيْرِها: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ وأجْمَعُ القُرّاءُ عَلى القِراءَةِ هُنا بِالغَيْبِ لِأنَّ السِّياقَ لِلرَّدِّ عَلى المُكَذِّبِينَ بِخِلافِ ما في النَّحْلِ.

وأشارَ إلى بُعْدِ الغايَةِ بِحَرْفِ النِّهايَةِ فَقالَ: ﴿إلى الطَّيْرِ﴾ وهو جَمْعُ طائِرٍ.

ولَمّا كانَ الجَوُّ كُلُّهُ مُباحًا لِلطَّيَرانِ نَزَعَ الجارَّ فَقالَ: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ وبَيَّنَ حالَ الطَّيْرِ في الفَوْقِيَّةِ بِقَوْلِهِ واصِفًا لَها بِالتَّأْنِيثِ إشارَةً إلى ضَعْفِها في أنْفُسِها لَوْلا تَقْوِيَتُهُ لَها ﴿صافّاتٍ﴾ أيْ باسِطاتٍ أجْنِحَتَها تَمُدُّها غايَةَ المَدِّ بِحَيْثُ تَصِيرُ مُسْتَوِيَةً لا اعْوِجاجَ فِيها مَعَ أنَّهُ إذا كانَ جَماعَةٌ مِنها كانَتْ صُفُوفًا أوْ صَفًّا واحِدًا في غايَةِ الِانْتِظامِ تابِعَةً لِإمامٍ مِنها.

ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الصَّفِّ بِالِاسْمِ لِأنَّهُ الأصْلُ الثّابِتُ، عَبَّرَ عَنِ التَّحْرِيكِ بِالفِعْلِ لِأنَّ الطَّيَرانَ في ساحَةِ الهَواءِ كالسِّباحَةِ في باحَةِ الماءِ، والأصْلُ في السِّباحَةِ مَدُّ الأطْرافِ وبَسْطُها، والقَبْضُ طارِئٌ عَلى البَسْطِ فَقالَ: [ ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ أيْ يُوقِعْنَ قَبْضَ الأجْنِحَةِ وبَسْطَها وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ لِلِاسْتِراحَةِ والِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى السَّبْحِ في الهَواءِ. ولَمّا تَمَّ هَذا التَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ الرّائِعِ لِلْقُلُوبِ تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ - ]: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ أيْ في (p-٢٥٣)الجَوِّ في حالِ القَبْضِ والبَسْطِ عَنِ السُّقُوطِ عَلى خِلافِ ما يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ.

ولَمّا كانَ هَذا مِنَ التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ النّاظِرِ إلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ قالَ: ﴿إلا الرَّحْمَنُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي رَحْمَتُهُ عامَّةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ بِأنْ هَيَّأهُنَّ - بَعْدَ أنْ أفاضَ عَلَيْهِنَّ رَحْمَةَ الإيجادِ - عَلى أشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ وخَصائِصَ مُفْتَرِقَةٍ لِلْجَرْيِ في الهَواءِ بِما أوْجَدَ لَها مِنَ القَوادِمِ والحَوافِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الهَيْئاتِ المُقابِلَةِ لِذَلِكَ، وكَذا جَمِيعُ العالَمِ لَوْ أمْسَكَ عَنْهُ حَفِظَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَفَسَدَ بِتَهافُتِ الأفْلاكِ وتَداعِي الجِبالِ وغَيْرِها، وعَبَّرَ في النَّحْلِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِأنَّ سِياقَها لِلرَّدِّ عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ وهُمُ الفَلاسِفَةُ الَّذِينَ لا يَقُومُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ إلّا المُتَبَحِّرُ في مَعْرِفَةِ جَمِيعِ أُصُولِ الدِّينِ بِمَعْرِفَةِ جَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى الَّتِي جَمَعَها اسْمُ الذّاتِ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا رائِعًا لِلْعَقْلِ، ولَكِنَّهُ لِشِدَّةِ الإلْفِ صارَ لا يَتَنَبَّهُ لَهُ إلّا بِالتَّنْبِيهِ، وكانَ الجاهِلُ رُبَّما ظَنَّ أنَّ التَّقْدِيرَ عَلى الطَّيَرانِ خاصٌّ بِالطَّيْرِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى عَظَمَةِ ما هَيَّأ الطَّيْرَ لَهُ وعَلى أنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ قُصُورِ بَعْضِ العُقُولِ عَنِ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ وتَضَمَّنَ الإشْراكَ لِلطَّعْنِ في تَمامِ الِاقْتِدارِ المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ في تَمامِ العِلْمِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الرَّحْمَنُ سُبْحانَهُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قَلَّ أوْ كَثُرَ جَلِيلٌ وحَقِيرٌ ظاهِرٌ وباطِنٌ ﴿بَصِيرٌ﴾ بالِغُ البَصَرِ والعِلْمِ بِظَواهِرِ الأشْياءِ (p-٢٥٤)وبَواطِنِها، فَمَهْما أرادَ كانَ وهو يَخْلَقُ العَجائِبَ ويُوجِدُ الغَرائِبَ، فَيُهَيِّئُ مَن أرادَ مِنَ الآدَمِيِّينَ وغَيْرِهِمْ لِمِثْلِ ذَلِكَ.

67:20Page 563

أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٞ لَّكُمۡ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ إِنِ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ٢٠

Or who is it that could be an army for you to aid you other than the Most Merciful? The disbelievers are not but in delusion.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَقْرِيرًا لِذَلِكَ: فَمَن يُدَبِّرُ مَصالِحَكم ظاهِرًا وباطِنًا، وفَعَلَ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العَذابِ بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَبْلِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ عائِدًا إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أقْعَدُ في التَّكْبِيثِ والتَّوْبِيخِ، وأدَلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبَ لَيْسَ بِأهْلٍ لِأنْ يَهابَ مُقَرِّرًا لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمُلْكِ: ﴿أمَّنْ﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ لِلْأشْياءِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في غايَةِ القُرْبِ والشَّهادَةِ لَها لِيَكُونَ بَصِيرًا بِرَعْيِها، ويَكُونَ مَعَ مَزِيدِ قُرْبِهِ عالِيَ الرُّتْبَةِ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِ، فَقالَ مُقَرِّرًا لِعَجْزِ العِبادِ: ﴿هَذا﴾ بِإشارَةِ الحاضِرِ ﴿الَّذِي﴾ وأبْرَزَ العائِدَ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن إبْرازِهِ مَعَ الِاسْمِ بِعَدَمِ صَلاحِهِ لِتَحَمُّلِ الضَّمِيرِ فَقالَ: ﴿هُوَ جُنْدٌ﴾ أيْ عَسْكَرٌ وعَوْنٌ، وصَرَفَ القَوْلَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّقْرِيعِ فَقالَ: ﴿لَكم يَنْصُرُكُمْ﴾ أيْ عَلى مَن يَقْصِدُكم بِالخَسْفِ والحَصْبِ وغَيْرِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ألْكُمُ إلَهٌ يُدَبِّرُ مَصالِحَكم غَيْرُنا أمْ كانَ الَّذِي عَذَّبَ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ سِوانا أمْ لَكم جُنْدٌ يُصارُ إلَيْهِ يَنْصُرُكم دُونَنا كَما قالَ تَعالى ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ [الأنبياء: ٤٣] ولَكِنَّهُ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ عَنْ تَعْيِينِ الجُنْدِ تَعْرِيفًا بِأنَّهم لِغايَةِ جَهْلِهِمُ اعْتَقَدُوا أنَّ لَهم مِن أجْنادِ الأرْضِ أوِ السَّماءِ مَن يَنْصُرُهم وإلّا لَما كانُوا آمِنِينَ.

(p-٢٥٥)ولَمّا كانَتِ المَراتِبُ مُتَضائِلَةً عَنْ جَنابِهِ مُتَكَثِّرَةً جِدًّا، قالَ تَعالى مُشِيرًا بِالحَرْفِ والظَّرْفِ إلى ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى ظُهُورِهِ سُبْحانَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ ولا يَقْدِرُ أنْ يُنازِعَهُ في ذَلِكَ ولا في أنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ لِكُلِّ ما دُونَهُ مِنَ المَراتِبِ: ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ إنْ أرْسَلَ عَلَيْكم عَذابَهُ، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ بَعْثًا عَلى اسْتِحْضارِ ما لَهُ مِن شُمُولِ الرَّحْمَةِ، وتَلْوِيحًا إلى التَّهْدِيدِ بِأنَّهُ لَوْ قَطَعَها [عَنْ - ] أحَدٍ مِمَّنْ أوْجَدَهُ عَمَهُ الغَضَبِ كُلِّهِ، ولِذَلِكَ قالَ مُسْتَنْتِجًا عَنْهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ رَفْعَ المَضارِّ وجَمْعَ المَسارِّ لَيْسَ إلّا بِيَدِهِ لِأنَّهُ المُخْتَصُّ [بِالمُلْكِ- ]: ﴿إنِ﴾ أيْ ما، وأبْرَزَ الضَّمِيرَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ ومُواجَهَةً بِذَلِكَ لِأنَّهُ أقْعَدُ في التَّوْبِيخِ فَقالَ: ﴿الكافِرُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الكُفْرِ وهم مِن يَمُوتُ عَلَيْهِ ﴿إلا في غُرُورٍ﴾ أيْ قَدْ أحاطَ بِهِمْ فَلا خَلاصَ لَهم مِنهُ وهو أنَّهم يَعْتَمِدُونَ عَلى غَيْرِ مُعْتَمَدٍ.

67:21Page 563

أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي يَرۡزُقُكُمۡ إِنۡ أَمۡسَكَ رِزۡقَهُۥۚ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ ٢١

Or who is it that could provide for you if He withheld His provision? But they have persisted in insolence and aversion.

ولَمّا قَدَّمَ أعْظَمَ الرَّحْمَةِ بِالحِياطَةِ والنُّصْرَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَقاءِ، أتْبَعَهُ ما يَتِمُّ بِهِ البَقاءُ فَقالَ: ﴿أمَّنْ﴾ وأشارَ إلى القُرْبِ بِالعِلْمِ والبُعْدِ بِالعُلُوِّ والعَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا﴾ وأشارَ إلى مَعْرِفَةِ كُلِّ أحَدٍ لَهُ بِصِفاتِهِ العَلِيَّةِ الَّتِي (p-٢٥٦)تَنْشَأُ عَنْها أفْعالُهُ المُحْكَمَةُ السُّنِّيَّةُ، فَقالَ: ﴿الَّذِي﴾ [ وأسْقَطَ العائِدَ لِتَحَمُّلِ الفِعْلِ لَهُ فَقالَ: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ - ] أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، لا يَنْقَطِعُ مَعْرُوفُهُ أبَدًا مَعَ أنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ ولا غَفْلَةَ لَهُ عَنْ شَيْءٍ ﴿إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ بِإمْساكِ الأسْبابِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها ويَكُونُ وُصُولُهُ إلَيْكم مِنها كالمَطَرِ، ولَوْ كانَ الرِّزْقُ مَوْجُودًا أوْ كَثِيرًا وسَهْلَ التَّناوُلِ فَوَضَعَ الأكْلَةِ في فَمِهِ فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ قُوَّةَ الِازْدِراءِ عَجَزَ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ عَنْ أنْ يُسَوِّغُوهُ تِلْكَ اللُّقْمَةَ.

ولَمّا قامَتْ بِهَذا دَلائِلُ قُدْرَتِهِ وشُمُولُ عِلْمِهِ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ فالخُصُوصِ، فَكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أنْ يَرْجِعَ الجاحِدُ ويَخْجَلَ المُعانِدُ، ويَعْلَمَ الجاهِلُ ويَتَنَبَّهَ الغافِلُ، فَكانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: هَلْ رَجَعُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ لافِتًا الكَلامَ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم تَنْبِيهًا عَلى سُقُوطِ مَنزِلَتِهِمْ وسُوءِ أفْهامِهِمْ وقُوَّةِ غَفْلَتِهِمْ: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ أيْ تَمادَوْا سَفاهَةً لا احْتِياطًا وشَجاعَةً، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: واللَّجاجُ تَقَحُّمُ الأمْرِ مَعَ كَثْرَةِ الصَّوارِفِ عَنْهُ ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ أيْ مَظْرُوفِينَ لِعِنادٍ وتَكَبُّرٍ عَنِ الحَقِّ وخُرُوجٍ إلى فاحِشِ الفَسادِ ﴿ونُفُورٍ﴾ أيْ (p-٢٥٧)شِرادٍ عَنْ حُسْنِ النَّظَرِ والِاسْتِماعِ، دَعا إلَيْهِ الطِّباعَ، واسْتَوْلى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى أحاطَ بِهِمْ مَعَ أنَّهُ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ مِنهم في جَلْبِ سارٍّ ولا دَفْعِ ضارٍّ، والدّاعِي إلى ذَلِكَ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ.

67:22Page 563

أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٢

Then is one who walks fallen on his face better guided or one who walks erect on a straight path?

ولَمّا كانَ هَذا فِعْلُ مَن لا بَصَرَ لَهُ ولا بَصِيرَةَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُمَثِّلًا لِلْمُوَحِّدِ والمُشْرِكِ بِسالِكَيْنِ ولِدِينِيهِما بِمَسْلَكَيْنِ: ﴿أفَمَن يَمْشِي﴾ أيْ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ ﴿مُكِبًّا﴾ أيْ داخِلًا بِنَفْسِهِ في الكَبِّ وصارا إلَيْهِ، وهو السُّقُوطُ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ السَّيْرِ عَلى رَسْمٍ مَجْهُولٍ وأثَرٍ [مُعْوَجٍّ - ] مَعْلُولٍ، عَلى غَيْرِ عادَةِ العُقَلاءِ لِخَلَلٍ في أعْضائِهِ، واضْطِرابٍ في عَقْلِهِ ورَأْيِهِ، فَهو كُلٌّ حِينَ يُعْثَرُ فَيَخِرُّ عَلى وجْهِهِ، لِأنَّهُ لِعَدَمِ نَظَرِهِ يَمْشِي في أصْعَبِ الأماكِنِ لِإمالَةِ الهَوى لَهُ عَنِ المَنهَجِ المَسْلُوكِ، وغَلَبَةِ الجَهْلِ عَلَيْهِ فَهو بِحَيْثُ لا يَكُونُ تَكْرارُ المَشاقِّ عَلَيْهِ زاجِرًا [لَهُ - ] عَنِ السَّبَبِ المُوقِعِ لَهُ فِيهِ، ولَمْ يُسَمَّ سُبْحانَهُ وتَعالى مَمْشاهُ طَرِيقًا لِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ رُبَّما صادَفَ السَّهْلَ لا عَنْ بَصِيرَةٍ بَلِ اتِّفاقًا قالَ: ﴿أهْدى﴾ أيْ أشَدَّ هِدايَةً ﴿أمَّنْ يَمْشِي﴾ دائِمًا مُسْتَمِرًّا ﴿سَوِيًّا﴾ قائِمًا رافِعًا رَأْسَهُ ناصِبًا وجْهَهُ سالِمًا مِنَ العِثارِ لِأنَّهُ لِانْتِصابِهِ يُبْصِرُ ما أمامَهُ وما عَنْ يَمِينِهِ وما عَنْ شِمالِهِ﴿عَلى صِراطٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ مُوَطَّأٍ واسِعٍ (p-٢٥٨)مَسْلُوكٍ سَهْلٍ قَوِيمٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ هو في غايَةِ القَوْمِ، هَذا مِثْلُ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا فَإنَّهُ يَتْبَعُ الفِطْرَةَ الأُولى السَّلِيمَةَ عَنْ شَهْوَةٍ أوْ غَضَبٍ أوْ شائِبَةِ حَظٍّ، والأوَّلُ مِثْلُ الكافِرِ، حالُهُ في سَيْرِهِ إلى اللَّهِ حالُ المُكِبِّ أيِ الَّذِي كَبَّ نَفْسَهُ بِغايَةِ الشَّهْوَةِ عَلى وجْهِهِ، لا يَرى ما حَوْلَهُ ولا يَشْعُرُ بِما أحاطَ بِهِ، ولا يَنْظُرُ في الآياتِ ولا يَعْتَبِرُ بِالمَسْمُوعاتِ، فَهو اليَوْمُ شَيْءٌ باطِنٌ لِظُهْرِ يَوْمِ القِيامَةِ فَيُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ جَزاءً لِرِضاهُ بِحالَتِهِ هَذِهِ في هَذِهِ الدّارِ فَيُظْهِرُ لَهُ سُبْحانَهُ ما أبْطَنَ [لَهُ - ] اليَوْمَ، والمُؤْمِنُ بِخِلافِ ذَلِكَ فِيهِما، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الكَبَّ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والمُسْتَقِيمُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى المُعْوَجِّ أوَّلًا، وسَرَّهُ أنَّهُ ذَكَرَ أنَكَأ ما لِلْمُجْرِمِ وأسَرَّ ما لِلْمُسْلِمِ.

67:23Page 563

قُلۡ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُمۡ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٢٣

Say, "It is He who has produced you and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful."

ولَمّا كانَ العَرَبُ المَوْعُوظُونَ بِهَذا الذِّكْرِ يَتَغالَوْنَ في التَّفاخُرِ بِالهِدايَةِ في الطُّرُقِ المَحْسُوسَةِ وعَدَمِ الإخْلالِ بِشُكْرِ المَعْرُوفِ لِمُسْدِيهِ ولَوْ قَلَّ، فَنَفى عَنْهُمُ الأوَّلَ بِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى خَطَئِهِمُ الفاحِشِ في كُلِّ ما خالَفُوا فِيهِ الرَّسُولَ ﷺ مِن طَرِيقِهِمُ المَعْنَوِيِّ الَّذِي اتَّخَذُوهُ دِينًا، فَهو أشْرَفُ مِنَ الطَّرِيقِ المَحْسُوسِ، أتْبَعَهُ بَيانَ انْسِلاخِهِمْ مِنَ [ الثّانِي مَعَ التَّأْكِيدِ لِانْسِلاخِهِمْ مِنَ - ] الأوَّلِ، قالَ آمِرًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِتَنْبِيهِهِمْ لِأنَّ الإنْسانَ عَلى نَوْعِهِ أقْبَلُ لِأنَّهُ إلَيْهِ أمْيَلُ، (p-٢٥٩)إسْقاطًا لَهم مِن رُتْبَةِ الفَهْمِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِسُفُولِ هِمَمِهِمْ ولِقُصُورِ نَظَرِهِمْ مَعَ أنَّهُ جَعَلَ لَهم حَظًّا ما مِنَ الحُضُورِ بِتَأْهِيلِهِمْ لِخِطابِ الرَّسُولِ ﷺ لِإقامَتِهِمْ بِالمَذْكُورِ في الآيَةِ فِيما يُرْجى مَعَهُ العِلْمُ ويُورَثُ الفَطِنَةَ [و - ] الفَهْمَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أشْرَفَ الخَلْقِ وأشْفَقَهم عَلَيْهِمْ مُذَكِّرًا لَهم بِما دَفَعَ عَنْهُمُ المُلْكُ مِنَ المُفْسِداتِ وجَمَعَ لَهم مِنَ المُصْلِحاتِ والقُوى والعَقْلِ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ، ولا يُعَوِّلُوا في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا عَلَيْهِ، ويَنْظُرُوا في لَطِيفِ صُنْعِهِ وحُسْنِ تَرْبِيَتِهِ فَيَمْشِي كُلٌّ مِنهم سَوِيًّا: ﴿هُوَ﴾ أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿الَّذِي﴾ شَرَّفَكم بِهَذا الذِّكْرِ وبَيَّنَ لَكم هَذا البَيانَ وحْدَهُ الَّذِي ﴿أنْشَأكُمْ﴾ أيْ أوَجَدَكم ودَرَجَكم في مَدارِجِ التَّرْبِيَةِ حَيْثُ طَوَّرَكم في أطْوارِ الخِلْقَةِ في الرَّحِمِ ويَسَّرَ لَكم بَعْدَ خُرُوجِكُمُ [الخُرُوجَ - ] اللِّيِّنَ حَيْثُ كانَتِ المَعِدَةُ ضَعِيفَةً عَنْ أكْثَفِ مِنهُ.

ولَمّا كانَ مَن أعْظَمِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ بَعْدَ الإيجادِ العَقْلُ، أتْبَعَهُ بِهِ، [وبَدَأ - ] بِطَرِيقِ تَنْبِيهِهِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ﴾ أيْ خاصَّةً مُسَبِّبًا عَنِ الجِسْمِ الَّذِي أنْشَأهُ ﴿السَّمْعَ﴾ [أيِ - ] الكامِلِ لِتَسْمَعُوا (p-٢٦٠)ما تَعْقِلُهُ قُلُوبُكم فَيَهْدِيكُمْ، ووَحَّدَهُ لِقِلَّةِ التَّفاوُتِ فِيهِ لِيَظْهَرَ سِرُّ تَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ في القُلُوبِ بِغايَةِ المُفاوَتَةِ مَعَ أنَّهُ أعْظَمُ الطُّرُقِ المُوصِلَةِ لِلْمَعانِي إلَيْها ﴿والأبْصارَ﴾ لِتَنْظُرُوا صَنائِعَهُ فَتَعْتَبِرُوا وتَزْدَجِرُوا عَمّا يُرْدِيكم ﴿والأفْئِدَةَ﴾ أيِ القُلُوبِ الَّتِي جَعَلَها سُبْحانَهُ في غايَةِ التَّوَقُّدِ بِالإدْراكِ لِما [لا - ] يُدْرِكُهُ بَقِيَّةُ الحَيَوانِ لِتَتَفَكَّرُوا فَتَقْبَلُوا عَلى ما يُعْلِيكُمْ، وجَمْعًا لِكَثْرَةِ التَّفاوُتِ في نُورِ الأبْصارِ وإدْراكِ الأفْكارِ، وهَذا تَنْبِيهٌ [عَلى - ] إكْمالِ هَذِهِ القُوى في دَرْكِ الحَقائِقِ بِتَلْطِيفِ السِّرِّ لِتَدْقِيقِ الفِكْرِ، قالَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ المَلْوِيُّ: انْظُرْ إلى الأفْئِدَةِ كَيْفَ تَحْكُمُ بِأنَّ الِاثْنَيْنَ أكْثَرُ مِنَ الواحِدِ، وأنَّ الجِسْمَ الواحِدَ لا يَكُونُ في مَكانَيْنِ في آنٍ واحِدٍ، وأنَّ الضِّدَّيْنِ لا يَجْتَمِعانِ - وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَشَيْتُمْ مَشْيَ المُكِبِّ عَلى وجْهِهِ فَلَمْ تَسْتَعْمِلُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأسْرارِ الشَّرِيفَةِ فِيما خَلَقَ لَهُ، كانَتْ تَرْجَمَةُ ذَلِكَ: ﴿قَلِيلا﴾ وأكَّدَ المَعْنى بِما صَوَّرَتْهُ صُورَةُ النّافِي فَقالَ: ﴿ما﴾ ولَمّا زادَ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إلى العامِلِ في وصْفِ المَصْدَرِ دَلَّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: (p-٢٦١)﴿تَشْكُرُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ الشُّكْرَ لِمَن أعْطاكم ما لا تَقْدِرُونَ قَدْرَهُ بِاسْتِعْمالِهِ فِيما خَلَقَ لِأجْلِهِ تَدَّعُونَ أنَّكم أشْكُرُ النّاسِ لِلْإحْسانِ وأعْلاهم [فِي - ] العِرْفانِ.

67:24Page 563

قُلۡ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤

Say, "It is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered."

ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الهِدايَةِ وعَنِ الشُّكْرِ اللَّذَيْنِ يَفْخَرُونَ عَلى النّاسِ كافَّةً بِكُلٍّ مِنهُما، واسْتَعْطَفَهم بِما أوْدَعَ فِيهِمْ مِنَ اللَّطائِفِ الرَّبّانِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ بِنُورانِيَّتِها لِلْعُرُوجِ إلى مُواطِنِ القُدْسِ ومَعادِنِ الأُنْسِ، دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى حَشْرِهِمْ تَحْذِيرًا لَهم مِنَ التَّمادِي في الإعْراضِ بِمَعْنًى يَجِدُهُ كُلٌّ مِنهم في نَفْسِهِ عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ بِما أوْدَعَ فِيهِمْ مَعَ تِلْكَ اللَّطائِفِ مَعَ كَثائِفِ طِباعِ الأرْضِ المُوجِبَةِ لِلسُّفُولِ لِيَكُونَ - إذا أعْلَتْهُ تِلْكَ اللَّطائِفَ بِالتَّوْبَةِ - مُجْتَهِدًا في تَنْقِيَةِ آثارِ تِلْكَ الكَثائِفِ المُسْفَلَةِ كَما يَكُونُ لِلزَّرْعِ إذا حُصِدَ مِن بَقايا تِلْكَ الجِذْرِ الَّتِي إنْ لَمْ تُقْلَعْ مِن أصْلِها عادَتْ بِالنَّباتِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ الزَّرْعُ أوَّلًا، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا بَيانًا لِأنَّهُ دَلِيلٌ بِرَأْسِهِ كافٍ فِيما سَبَقَ لَهُ: ﴿قُلْ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي ذَرَأكُمْ﴾ أيْ خَلَقَكم وبَثَّكم ونَشَرَكم وكَثَّرَكم وأنْشَأكم بَعْدَ ما كُنْتُمْ كالذَّرِّ أطْفالًا ضُعَفاءَ، ثُمَّ قَوّاكم ثُمَّ جَعَلَكم شِيَبًا ضُعَفاءَ وأسْكَنَكُمُ الغَضَبَ والذُّعْرَ واللَّجاجَ الحامِلَ لَكم عَلى الوَلُوعِ بِما يُلْجِئُ إلَيْهِ الطِّباعُ المُثِيرَةُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ الَّتِي تُقَدِّمُ أنَّهُ ذَلَّلَها لَكم ورَزَقَكم مِنها النَّباتَ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّ إبْداءَهُ مِنها (p-٢٦٢)ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْها [و- ] افْنائِهِ فِيها ثُمَّ إعادَتِهِ كَما كانَ بَعْدَ أنْ صارَ رُفاتًا وشَيْئًا فانِيًا مُماتًا دَلِيلٌ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم أصْلًا، فَكانَ مِنهُ البَدْأُ ﴿وإلَيْهِ﴾ وحَدّهُ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى البَرْزَخِ [و - ] دُفْعَةً واحِدَةً يَوْمَ البَعْثِ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ بِمَن أرادَ مِن عِبادِهِ كُرْهًا مِنكم كَما كانَ أمْرُكم في الدُّنْيا، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلى الإنْسانِ مِنكم أحَبُّ مِنَ الدَّعَةِ والسُّكُونِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَضْطَرُّهُ بِما أوْدَعَهُ مِنَ الطَّبائِعِ المُتَضادَّةِ وأثارَ لَهُ مِنَ الأسْبابِ في طَلَبِ رِزْقِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ إلى السَّعْيِ إلى حَيْثُ يَكْرَهُ، فَكَما أنَّهُ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ مِنكم في الِابْتِداءِ فَهو يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ في الِانْتِهاءِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَكم ويُجازِي كُلًّا عَلى عَمَلِهِ كَما يَفْعَلُ كُلُّ مَلِكٍ بِرَعِيَّتِهِ، وكُلُّ إنْسانٍ مِنكم بِجَماعَتِهِ.

67:25Page 563

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ أبْلَغَ سُبْحانَهُ في وعْظِهِمْ بِنَفْسِهِ وعَلى لِسانِكَ يا أشْرَفَ الخَلْقِ ﷺ وذَلِكَ بِما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ قَطْعًا، ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ ذَلِكَ فَقالَ إعْلامًا بِكَثافَةِ طِباعِهِمْ حَيْثُ لَمْ تُلَطَّفْ أسْرارُهم لِقَبُولِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى وإثارَةِ الأحْوالِ الحَسَنَةِ (p-٢٦٣)مِنَ الصَّبْرِ المُثْبِتِ واليَقِينِ وحُسْنِ الِانْطِباعِ لِقَبُولِ النَّصائِحِ والخَوْفِ وعَدَمِ الِاعْتِزازِ بِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى مِن جِهَةِ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، وكَذَلِكَ لَفَتَ القَوْلَ إلى الإعْراضِ إيذانًا بِشَدِيدِ الغَضَبِ مِنهُمْ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ هَذا القَوْلَ تَجْدِيدًا مُسْتَمِرًّا اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الواوِ في ”[بَلْ - ] لَجُّوا“: ﴿مَتى هَذا﴾ وزادُوا في الِاسْتِهْزاءِ بِقَوْلِهِمْ ﴿الوَعْدُ﴾ وألْهَبُوا وهَيَّجُوا إيضاحًا لِلتَّكْذِيبِ [عَلى زَعْمِهِمْ -] بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿صادِقِينَ﴾ في أنَّهُ لا بُدَّ لَنا مِنهُ، وأنَّكم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ، فَلَوْ كانَ لَهم ثَباتُ الصَّبْرِ واليَقِينِ لَما طاشُوا هَذا الطَّيْشَ بِإبْرازِ هَذا القَوْلِ القَبِيحِ الَّذِي ظاهِرُهُ طَلَبُ الإخْبارِ بِوَقْتِ الأمْرِ المُتَوَعَّدِ بِهِ، وباطِنُهُ الِاسْتِعْجالُ بِهِ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا.

67:26Page 563

قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٢٦

Say, "The knowledge is only with Allāh, and I am only a clear warner."

ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا مَعَ أنَّهُ اسْتِعْجالٌ بِأمْرِ السّاعَةِ اسْتِهانَةً بِها حَتّى أنَّهُ عِنْدَهم كَأنَّها مِن قَبْلِ الوَعْدِ الحَسَنِ وهو مُتَضَمِّنٌ لِإيهامِ أنَّها مِمّا يَطَّلِعُ [الخَلْقُ - ] عَلى تَعْيِينِ وقْتِهِ، نَفى ذَلِكَ بَيانًا لِعَظَمَتِها بِعَظَمَةٍ مِن أمْرِها بِيَدِهِ فَقالَ آمِرًا لَهُ بِجَوابِهِمْ مُؤْذِنًا بِدُونِ ذَلِكَ الإعْراضِ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ عِلْمَهُ تَعالى ذَلِكَ الإنْكارَ: ﴿قُلْ﴾ يا أكْرَمَ الخَلْقِ مُنَبِّهًا لَهم عَلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ بِأنَّ ما عَلِمُوهُ وحَكَمُوا بِعِلْمِهِمْ فِيهِ وما لا (p-٢٦٤)رَدُّوا عِلْمَهُ إلى اللَّهِ: ﴿إنَّما العِلْمُ﴾ أيِ المُحِيطُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بِما سَألْتُمْ عَنْهُ مِن تَعْيِينِ زَمانِ هَذا الوَعْدِ وغَيْرِهِ، ولِأجَلِ إظْهارِ فَضْلِ العِلْمِ اللّازِمِ مِن كَمالِهِ تَمامَ القُدْرَةِ صَرَفَ القَوْلَ عَنْ عُمُومِ الرَّحْمَةِ إلى إفْهامِ العُمُومِ المُطْلَقِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقِيلَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَهو الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ وبِيَدِهِ جَمِيعُ ما يُرادُ مِنهُ، لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهَيْبَتُهُ تَمْنَعُ العالَمَ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ أنْ يَجْتَرِئَ عَلى سُؤالِهِ عَمّا لَمْ يَأْذَنْ [فِيهِ- ]، وعَظَمَتُهُ تَقْتَضِي الِاسْتِئْثارَ بِالأُمُورِ العِظامِ، وإلى ذَلِكَ يُلَوِّحُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّما أنا﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ، وكانَتِ النِّذارَةُ يَكْفِي فِيها تَجْوِيزُ وُقُوعِ المَنذُورِ بِهِ فَكَيْفَ [إذا - ] كانَ مَظْنُونًا فَكَيْفَ إذْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ في الجُمْلَةِ لِيَكُونَ العاقِلُ مُتَوَقَّعًا لَهُ في كُلِّ وقْتٍ قالَ: ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ كامِلٍ في أمْرِ النِّذارَةِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنها البِشارَةُ لِمَن أطاعَ النُّذُرَ لا وظِيفَةَ لِي عِنْدَ هَذا المَلِكِ الأعْظَمِ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلا وُصُولَ لِي إلى سُؤالِهِ عَمّا لا يَأْذَنُ لِي في السُّؤالِ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ النَّذِيرُ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ما يُنْذِرُ بِهِ لِأنَّهُ يَكْفِي العاقِلَ في قَبُولِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ بَلْ إمْكانُ صِدْقِهِ في التَّحَرُّزِ (p-٢٦٥)عَمّا يُنْذَرُ بِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ كاشِفٌ لِلنَّذْرِيِّ غايَةَ الكَشْفِ بِإقامَةِ الأدِلَّةِ عَلَيْها حَتّى تَصِيرَ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ لِمَن لَهُ قَبُولٌ لِلْعِلْمِ.

67:27Page 564

فَلَمَّا رَأَوۡهُ زُلۡفَةٗ سِيٓـَٔتۡ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَدَّعُونَ ٢٧

But when they see it1 approaching, the faces of those who disbelieve will be distressed, and it will be said, "This is that for which you used to call."2

ولَمّا كانَ ما يُنْذِرُ بِهِ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، وكانَ كُلُّ آتٍ قَرِيبًا، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالفاءِ والماضِي فَقالَ صارِفًا العُقُولَ إلى الإعْراضِ لِأنَّ وقْتَ الرُّؤْيَةِ لِلْعَذابِ في غايَةِ المُناسَبَةِ لِلْإهانَةِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ أيِ الوَعْدَ بِانْكِشافِ المَوْعُودِ بِهِ عِنْدَ كَوْنِهِ، وحَقَّقَ مَعْنى الماضِي، والفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿زُلْفَةً﴾ أيْ ذا قُرْبٍ عَظِيمٍ مِنهُمْ، وذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ عَنِ اسْمِ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ إبْلاغًا في المَعْنى المُرادِ وأكَّدَ المُبالَغَةَ [ بِالتّاءِ لِأنَّها تَرِدُ لِلْمُبالَغَةِ - ] إذا لَمْ يَرِدْ مِنها التَّأْنِيثُ، ولا سِيَّما إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ أُخْرى عَلى ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ المُخَوِّفُ في النَّذْرِيِّ الوُقُوعَ في السُّوءِ لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِن مُعَيَّنٍ قالَ: ﴿سِيئَتْ﴾ ولَمّا كانَ السُّوءُ يَظْهَرُ في الوَجْهِ قالَ: ﴿وُجُوهُ﴾ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ ظَهَرَ السُّوءُ وغايَةُ الكَراهَةِ في وُجُوهِ مَن أوْقَعَ هَذا الوَصْفَ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الإيقاعِ وعِلَّتُها الكَآبَةُ.

ولَمّا كانَ لا أوْجَعَ مِنَ التَّبْكِيتِ عِنْدَ إحاطَةِ المَكْرُوهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَعْيِينِ فاعِلِهِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وقِيلَ﴾ أيْ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ﴿هَذا الَّذِي﴾ أيْ تَقَدَّمَ مِن عِنادِكم ومَكْرِكم واسْتِكْبارِكم (p-٢٦٦)﴿كُنْتُمْ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ ومِن أجْلِهِ، وصَرَفَ القَوْلَ إلى الخِطابِ لِأنَّ التَّقْرِيعَ بِهِ أنَكَأُ في العَذابِ: ﴿تَدَّعُونَ﴾ أيْ تَطْلُبُونَ وتُوَقِّعُونَ الطَّلَبَ لَهُ طَلَبًا شَدِيدًا تَبْلُغُونَ فِيهِ غايَةَ الجُهْدِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْجالِ أنْ يَسْتَنْزِلَ بِكم مَكْرُوهُهُ فِعْلَ مَن لا يُبالِي بِهِ بِوَجْهٍ، وتُكَرِّرُونَ ذَلِكَ الطَّلَبَ وتَعُودُونَ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ مُعْرِضِينَ عَنِ السَّعْيِ في الخَلاصِ فِيهِ مِن عُدْوانِ العَذابِ ونَيْلِ الوَعْدِ الحَسَنِ بِجَزِيلِ الثَّوابِ لِبَيانِ قُوَّةِ طَلَبِهِمْ لَهُ وتَداعِيهِمْ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِ حَتّى كَأنَّهم لا مَطْلُوبَ لَهم غَيْرُهُ، قَدَّمَ الجارَّ المُفِيدَ غالِبًا لِلِاخْتِصاصِ فَهو افْتِعالُ مَن دَعا الشَّيْءَ [و- ] بِالشَّيْءِ إذا طَلَبَهُ، ودَعاهُ اللَّهُ بِمَكْرُوهٍ: أنْزَلَهُ بِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском