Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Qalam 68:2–14
68:2Page 564
مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢
You are not, [O Muḥammad], by the favor of your Lord, a madman.
ولَمّا كانَ المُخاطَبُ بِهَذا ﷺ قَدْ عاشَرَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ دَهْرًا طَوِيلًا وزَمَنًا مَدِيدًا أرْبَعِينَ سَنَةً وهو أعْلاهم قَدْرًا وأطْهَرُهم خَلائِقَ وأمَتْنُهم عَقْلًا وأحْكَمُهم رَأْيًا وأرْأفُهم وأرْفَعُهم عَنْ شَوائِبِ الأدْناسِ هِمَّةً وأزْكاهم نَفْسًا بِحَيْثُ إنَّهُ لا يُدْعى بَيْنَهم إلّا بِالأمِينِ ولَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ شَيْءٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ أنْ يَصِفُوهُ بِسَبَبِهِ بِالجُنُونِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الضَّلالُ عَنِ المَقاصِدِ المَذْكُورِ آخِرَ المُلْكِ في قَوْلِهِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الملك: ٢٩] إلّا النِّعْمَةُ الَّتِي ما نالَ أحَدٌ [قَطُّ - ] مِثْلَها في دَهْرٍ مِنَ الدُّهُورِ ولا عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ، قالَ مُجِيبًا هَذا القَسَمَ العَظِيمَ رادًّا عَلَيْهِمْ بِأجْلى ما يَكُونُ وأدَلَّهُ عَلى المُرادِ تَأْنِيسًا لَهُ ﷺ مِمّا أوْجَبَ افْتِراؤُهم عَلَيْهِ [لَهُ - ] مِنَ الوَحْشَةِ وشَرْحًا (p-٢٨٧)لِصَدْرِهِ وتَهْدِئَةَ لِسِرِّهِ: ﴿ما أنْتَ﴾ أيْ يا أعْلى المُتَأهِّلِينَ لِخِطابِنا ﴿بِنِعْمَةِ﴾ أيْ بِسَبَبِ إنْعامِ ﴿رَبِّكَ﴾ المُرَبِّي لَكَ بِمِثْلِ تِلْكَ الهِمَمِ العالِيَةِ والسَّجايا الكامِلَةِ بِأنْ خَصَّكَ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو جامِعٌ لِكُلِّ عِلْمٍ وحِكْمَةٍ، وأكَّدَ النَّفْيَ زِيادَةً في شَرَفِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ أيْ [ بَلِ - ] الَّذِي وصَفَكَ بِهَذا هو الحَقِيقُ بِاسْمِ الجُنُونِ ومَعْناهُ فَضْلًا عَنِ الضَّلالِ الَّذِي رَدَّدَ في آخِرِ تِلْكَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم فِيهِ سُلُوكًا لِسَبِيلِ الإنْصافِ لِيَنْظُرُوا في تِلْكَ بِالأدِلَّةِ فَيَعْلَمُوا ضَلالَهم وهِدايَتَكَ بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ بِالنَّظَرِ في الآثارِ المُظْهِرَةِ لِذَلِكَ غايَةَ الإظْهارِ، فَنَفى عَنْهُ ﷺ الشَّقاوَةَ الَّتِي سَبَّبَها [ فَسادُ العَقْلِ فَثَبَتَتِ السَّعادَةُ الَّتِي سَبَّبَها - ] صَلاحُ العَقْلِ ونِعْمَةُ الرَّبِّ لَهُ.
[ و-] قالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَضَمَّنَتْ سُورَةُ المُلْكِ مِن عَظِيمِ البَراهِينِ ما يُعْجِزُ العُقُولَ عَنِ اسْتِيفاءِ الِاعْتِبارِ بِبَعْضِهِ كالِاعْتِبارِ بِخَلْقِ السَّماواتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] أيْ يُطابِقُ بَعْضُها بَعْضًا مِن طابَقَ النَّعْلَ - إذا خَصَفَها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، ويَشْعُرُ هَذا بِتَساوِيها في مِساحَةِ أقْطارِها ومَقادِيرِ أجْرامِها - واللَّهُ أعْلَمُ، ووَقْعُ الوَصْفُ (p-٢٨٨)بِالمَصْدَرِ يُشْعِرُ بِاسْتِحْكامِ مُطابَقَةِ بَعْضِها لِبَعْضٍ إنْباءً مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّها مِن عِظَمِ أجْرامِها وتَباعُدِ أقْطارِها يُطابِقُ بَعْضُها [ بَعْضًا - ] مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] أيْ مِنِ اخْتِلافٍ واضْطِرابٍ في الخِلْقَةِ أوْ تَناقُضٍ، إنَّما هي مُسْتَوِيَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، وجِيءَ بِالظّاهِرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ولَمْ يَقُلْ: ما تَرى فِيهِ مِن تَفاوُتٍ - لِيُشْعِرَ أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ جارٍ عَلى هَذا، كُلُّ شَكْلٍ يُناسَبُ شَكْلَهُ، لا تَفاوُتَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا اضْطِرابَ، فَأعْطى الظّاهِرَ مِنَ التَّعْمِيمِ ما لَمْ يَكُنْ يُعْطِيهِ الإضْمارُ كَما أشْعَرَ خُصُوصُ اسْمِ الرَّحْمَنِ بِما في هَذِهِ الأدِلَّةِ المَبْسُوطَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِلْخَلائِقِ لِمَن رَزِقَ الِاعْتِبارَ، ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى ما يَرْفَعُ الرَّيْبَ ويُزِيحُ الإشْكالَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ [الملك: ٣] أيْ عاوِدِ الِاعْتِبارَ وتَأمَّلْ ما تُشاهِدُهُ مِن هَذِهِ المَخْلُوقاتِ حَتّى يَصِحَّ عِنْدَكَ ما أخْبَرْتَ بِهِ بِالمُعايَنَةِ ولا يَبْقى مَعَكَ في ذَلِكَ شُبْهَةٌ
﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] أيْ [ مِن - ] صُدُوعٍ وشُقُوقٍ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَكْرِيرِ البَصَرِ فِيهِنَّ مُتَصَفِّحًا ومُتَمَتِّعًا هَلْ تَجِدُ عَيْبًا أوْ خَلَلًا ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ [الملك: ٤] أيْ إنَّكَ إذا فَعَلْتَ هَذا رَجَعَ بَصَرُكَ بَعِيدًا عَنْ إصابَةِ المُلْتَمِسِ كَأنَّهُ يَطْرُدُ عَنْ ذَلِكَ طَرْدًا (p-٢٨٩)بِالصَّغارِ وبِالإعْياءِ وبِالكَلالِ لِطُولِ الإجابَةِ والتَّرْدِيدِ، وأمَرَ بِرُجُوعِ البَصَرِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ اسْتِجْمامُهُ واسْتِعْدادُهُ حَتّى لا يَقَعَ بِالرَّجْعَةِ الأُولى [ الَّتِي - ] يُمْكِنُ فِيها [ الغَفْلَةُ و- ] الذُّهُولُ إلى أنْ يَحْسَرَ بَصَرُهُ مِن طُولِ [ المُعاوَدَةِ إذْ مَعْنى التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ ”كَرَّتَيْنِ“ التَّكْرِيرُ كَقَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ فَيَحْسَرُ البَصَرُ مِن طُولِ - ] التَّكْرارِ ولا يَعْثُرُ عَلى شَيْءٍ مِن فُطُورٍ، فَلَوْ لَمْ تَنْطَوِ السُّورَةُ عَلى غَيْرِ ما وقَعَ مَن أوَّلِهِ إلى هُنا لَكانَ في ذَلِكَ أعْظَمَ مُعْتَبِرٍ، وأوْضَحَ دَلِيلٍ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ، إذْ هَذا الِاعْتِبارُ بِما ذَكَرَ مِن عُمُومِهِ جارٍ في كُلِّ المَخْلُوقاتِ ولا يَسْتَقِلُّ بِفَهْمِ مَجارِيهِ إلّا آحادٌ مِنَ العُقَلاءِ بَعْدَ التَّحْرِيكِ والتَّنْبِيهِ، فَشَهادَتُهُ بِنُبُوَّةِ الآتِي بِهِ قائِمَةٌ واضِحَةٌ، ثُمَّ قَدْ تَكَرَّرَتْ في السُّورَةِ دَلالاتٌ كَقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُهُ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] الآياتُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأدْناها كافٍ في الِاعْتِبارِ فَأنّى يَصْدُرُ بَعْضٌ عَنْ مُتَّصِفٍ بِبَعْضِ ما هَزِئُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: مَجْنُونٌ [ و-] ساحِرٌ وشاعِرٌ وكَذّابٌ،
﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] فَلِعَظِيمِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ المُلْكِ مِنَ البَراهِينِ اتَّبَعْتُ بِتَنْزِيهِ الآتِي (p-٢٩٠)بِها مُحَمَّدٌ ﷺ عَمّا تَقَوَّلَهُ المُبْطِلُونَ مُقْسِمًا عَلى ذَلِكَ زِيادَةً في التَّعْظِيمِ، تَأْكِيدًا في التَّعْزِيرِ والتَّكْرِيرِ فَقالَ تَعالى ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ وأنّى يَصِحُّ [ مِن مَجْنُونٍ -] تَصَوَّرَ بَعْضَ تِلْكَ البَراهِينِ قَدِ انْقَطَعَتْ دُونَها أنْظارُ العُقَلاءِ فَكَيْفَ بِبَسْطِها وإيضاحِها في نَسَقٍ مُوجَزٍ، ونَظْمٍ مُعْجِزٍ، وتَلاؤُمٍ يُبْهِرُ العُقُولَ، وعِبارَةٌ تَفُوقُ كُلَّ مَقُولٍ، تُعْرَفُ ولا تُدْرَكُ، وتَسْتَوْضِحُ سُبُلُها فَلا تُسْلَكُ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جَوابًا لِقَوْلِهِ تَعالى [ في - ] آخِرِ السُّورَةِ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ، وتَقَدَّمَ الجَوابُ بِنَفْيِ قَوْلِهِمْ والتَّنْزِيهِ عَنْهُ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لِيَكُونَ أبْلَغَ في إجْلالِهِ ﷺ وأخَفَّ وقْعًا عَلَيْهِ وأبْسَطَ لِحالِهِ في تَلَقِّي ذَلِكَ مِنهُمْ، ولِهَذا قَدَّمَ مَدْحَهُ ﷺ بِما خَصَّ بِهِ مِنَ الخَلْقِ العَظِيمِ، فَكانَ هَذا أوْقَعَ في الإجْلالِ مِن تَقْدِيمِ قَوْلِهِمْ ثُمَّ رَدَّهُ إذْ كَسَرَ سُورَةَ تِلْكَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ بِتَقْدِيمِ التَّنْزِيهِ عَنْها أتَمَّ في الغَرَضِ وأكْمَلَ، ولا مَوْضِعَ ألْيَقُ بِذِكْرِ تَنْزِيهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووَصْفِهِ مِنَ الخُلُقِ والمِنَحِ الكَرِيمَةِ بِما وصَفَ مِمّا أعْقَبَ بِهِ ذَلِكَ إذْ بَعْضُ ما تَضَمَّنَتْهُ (p-٢٩١)سُورَةُ المُلْكِ بِما تَقَدَّمَ الإيماءُ إلَيْهِ شاهِدٌ قاطِعٌ لِكُلِّ عاقِلٍ مُتَّصِفٍ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ وجَلِيلِ صِدْقِهِ
﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَقَدْ تَبَيَّنَ مَوْقِعُ هَذِهِ السُّورَةِ هُنا، وتَلاؤُمُ ما بَعْدَهُ مِن آيِها يُذْكَرُ في التَّفْسِيرِ - انْتَهى.
ولَمّا نَفى سُبْحانَهُ عَنْهُ ﷺ ما قالُوهُ مِمّا تَواقَحُوا بِهِ، فَثَبَتَ لَهُ ﷺ كَمالُ العَقْلِ، وكانَ المَجْنُونُ مَن لا يَكُونُ لَهُ عَمَلٌ يَنْتَظِمُ ولا قَوْلٌ يَرْتَبِطُ، فَلا يَسْتَعْمِلُهُ أحَدٌ في شَيْءٍ لِيَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ أجْرٌ، أثْبَتَ لَهُ الأجْرَ المُسْتَلْزِمَ لِلْعَقْلِ فَيَتَحَقَّقُ إثْباتُهُ مِن أحْكَمِ الحُكَماءِ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ مِمّا [ لَوْ - ] صَرَّحَ بِهِ، فَقالَ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِإنْكارِهِمْ لَهُ بِما ادَّعَوْا فِيهِ مِنَ البُهْتِ: ﴿وإنَّ لَكَ﴾ أيْ عَلى ما تَحَمَّلَتْ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ وعَلى صَبْرِكَ عَلَيْهِمْ بِما يَرْمُونَكَ بِهِ وهو تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ ﴿لأجْرًا﴾ ولَمّا أثْبَتَ لَهُ ما يُلازِمُ العَقْلَ ويَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ في الدُّنْيا وأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ دالًّا بِتَنْوِينِهِ وما أفْهَمَهُ السِّياقُ مِن مَدْحِهِ ﷺ عَلى عَظَمَتِهِ، وكانَ الأجْرُ لا يَسْتَلْزِمُ الدَّوامَ، وقَدْ يَكُونُ مُنَغِّصًا بِنَوْعِ مِنَّةٍ قالَ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ في دُنْياكَ ولا في آخِرَتِكَ ولا لِأحَدٍ (p-٢٩٢)مِنَ النّاسِ عَلَيْكَ [ بِهِ - ] صَنِيعٌ يَمْتَنُّ بِهِ بِأنْ يَذْكُرَهُ عَلى سَبِيلِ اللَّوْمِ والتَّقْرِيعِ، فَهَذا بَيانُ السَّعادَةِ، والأجْرُ لا يَكُونُ إلّا عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، والعَمَلُ رَشَّحَ الأخْلاقَ، فَصالَحَهُ نَتِيجَةَ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ والعَقْلِ الرّاجِحِ.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا العَقْلِ مَعَ ما أفادَهُ مِنَ الفَضْلِ، وكانَ الَّذِي يُؤْجَرُ قَدْ يَكُونُ في أدْنى رُتَبِ العَقْلِ، بَيَّنَ أنَّهُ ﷺ في أعْلاها بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما مَضى: ﴿وإنَّكَ﴾ وزادَ في التَّأْكِيدِ لِزِيادَتِهِمْ في المُكابَرَةِ فَقالَ: ﴿لَعَلى خُلُقٍ﴾ ولَمّا أفْهَمَ السِّياقُ التَّعْظِيمُ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿عَظِيمٍ﴾ وهو الإسْلامُ الَّذِي دَعا إلَيْهِ القُرْآنُ لا بِالبَلاءِ يَنْحَرِفُ، ولا بِالعَطاءِ يَنْصَرِفُ، لِأنَّ خُلُقُهُ - بِشَهادَةِ أعْرَفِ النّاسِ بِهِ زَوْجُهُ أُمِّ المُؤْمِنِينَ الصِّدِّيقَةُ عائِشَةُ بِنْتُ الصَّدِيقِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - القُرْآنَ، فَلا يَتَحَرَّكُ ولا يَسْكُنُ إلّا بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَهَذا الخُلُقُ نَتِيجَةُ الهُدى والهُدى نَتِيجَةُ العَقْلِ، وهو سَبَبُ السَّعادَةِ، فَأفْهَمَ ذَلِكَ عَدَمَ سَعادَتِهِمْ لِعَدَمِ عُقُولِهِمْ، [ و-] قالَ الواسِطِيُّ: أظْهَرَ اللَّهُ قُدْرَتَهُ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونَفاذَهُ في آصَفَ، وسُخْطَهُ وقَهْرَهُ في (p-٢٩٣)عَصى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأظْهَرَ أخْلاقَهُ ونُعُوتَهُ في مُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ مُتَخَلِّقًا بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى والتَّخَلُّقُ بِأخْلاقِهِ أنْ يُنَزِّهَ عِلْمَهُ عَنِ الجَهْلِ وجُودَهُ عَنِ البُخْلِ وعَدْلَهُ عَنِ الظُّلْمِ وحِلْمَهُ عَنِ السَّفَهِ، واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ والخُلُقَ صُورَتانِ: الخَلْقُ صُورَةُ الظّاهِرِ، والخُلُقُ صُورَةُ الباطِنِ؛ فَتَناسُبُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الخَلْقِ الحَسَنِ، وتُناسُبُ المَعانِي الباطِنَةِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الخُلُقِ الحَسَنِ، ثُمَّ الخُلُقُ الحَسَنُ تارَةً مَعَ اللَّهِ، وتارَةً مَعَ حُكْمِ اللَّهِ، وتارَةً مَعَ الخَلْقِ، فَمَعَ اللَّهِ بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ ومَعَ حُكْمِهِ بِالصَّبْرِ في الضَّرّاءِ والبَأْساءِ والشُّكْرِ في الرَّخاءِ والِامْتِثالِ لِلْأوامِرِ والِانْزِجارِ عَنِ النَّواهِي عَنْ طِيبِ قَلْبٍ مُسارَعَةٍ وسَماحَةٍ، وحُسْنُ الخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ بَثُّ النَّصَفَةِ في المُعامَلَةِ وحُسْنِ المُجامَلَةِ في العِشْرَةِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [ أنَّهُ - ] قالَ:
«الخُلُقُ وِعاءُ الدِّينِ، لِأنَّ مِنَ الخُلُقِ يَخْرُجُ الدِّينُ، وهو الخُضُوعُ والخُشُوعُ وبَذْلُ النَّفْسِ لِلَّهِ واحْتِمالِ المَكْرُوهِ» .
ولَمّا كانَ الإسْلامُ أشْرَفَ الأدْيانِ، أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى أقْوى الأخْلاقِ وأشْرَفَها وهو الحَياءُ كَما رُوِيَ أنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وخُلُقُ الإسْلامِ الحَياءُ، ومِنَ الحَياءِ حَياةُ القَلْبِ، فَكانَ ﷺ يَأْخُذُ العَفْوَ (p-٢٩٤)ويَأْمُرُ بِالعُرْفِ ويُعْرِضُ عَنِ الجاهِلِينَ ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ لَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ ويُحْسِنُ مَعَ ذَلِكَ ويَجْذِبُ بِرِدَّتِهِ حَتّى يُؤَثِّرَ في عُنُقِهِ فَيَلْتَفِتَ وهو يَضْحَكُ ويَقْضِي حاجَةَ الجاذِبِ ويُحْسِنُ إلَيْهِ، فَقَدِ اشْتَمَلَ الكَلامُ التَّدْبِيرِيُّ المُشارُ إلَيْهِ بِالنُّونِ والقَضاءِ الكُلِّيِّ التَّأْثِيرِيِّ المُشارِ إلَيْهِ بِالقَلَمِ والقَدَرِ المُبْرَمِ التَّفْصِيلِيِّ الواقِعِ عَلى وقْفِ القَضاءِ المُشارِ إلَيْهِ بِالسَّطْرِ، ومِثالُ ذَلِكَ أنَّ مَن أرادَ بِناءَ دُولابٍ احْتاجَ [ أوَّلًا - ] إلى مُهَنْدِسٍ يُدَبِّرُ لَهُ بِعِلْمِهِ مَوْضِعَ البِئْرِ والمَدارِ ومَوْضِعَ المَحَلَّةِ ومَوْضِعَ السَّهْمِ ومَوْضِعَ الجَداوِلِ، ونَحْوَ ذَلِكَ وهو الحُكْمُ التَّدْبِيرِيُّ، ثانِيًا إلى صانِعٍ يَحْفُرُ البِئْرَ ويَبْنِي ونَجّارٌ يُرَكِّبُ الأخْشابَ عَلى وفْقِ حِكْمَةِ المُهَنْدِسِ، وهو القَضاءُ التَّأْثِيرِيُّ، وثالِثًا إلى إقامَةِ الثَّوْرِ في مَوْضِعِهِ ودَوْرانِ المَحَلَّةِ بِما عَلَيْها مِنَ القَوادِيسِ وجَرْيِ الماءِ في الجَداوِلِ عَلى وفْقِ القَضاءِ وهو القَدَرُ، ويَحْتاجُ رابِعًا وخامِسًا إلى بَيانِ انْقِسامِ المُقَدَّرِ لَهُ إلى شِقِيٍّ وسَعِيدٍ، فالحُكْمُ باطِنٌ وهو سِرٌّ مِن أسْرارِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى - سُبْحانَ مَن لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ غَيْرُهُ.
(p-٢٩٥)ولَمّا أقْسَمَ سُبْحانَهُ عَلى نَفْيِ ما بَهَتُوهُ بِهِ ودَلَّ عَلى ما وهَبَهُ مِن كَمالِ العَقْلِ وتَمامِ الشَّرَفِ والنُّبْلِ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا فَثَبَتَ غايَةَ الثَّباتِ بِأخْبارِ العالِمِ الحَكِيمِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِالمُشاهَدَةِ عَلى وجْهٍ هو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِلْحُكْمِ عَلى المُسْتَقْبَلِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ صادِقِ هَذا الإخْبارِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ أيْ سَتَعْلَمُ يا أعْلى الخَلْقِ وأشْرَفَهم وأكْمَلَهم عَنْ قَرِيبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ عَلَمًا أنْتَ في تَحَقُّقِهِ كالمُبْصِرِ بِالحُسْنِ الباصِرِ ﴿ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُ الَّذِينَ رَمَوْكَ بِالبُهْتانِ عِلْمًا هو كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ ﷺ هو ومَن مَعَهُ فَرِيقًا والأعْداءُ فَرِيقًا، وقَدْ أبْهَمَ آخِرُ المُلْكِ الضّالِّ في الفَرِيقَيْنِ قالَ: ﴿بِأيِّيكُمُ﴾ أيْ في أيِّ فَرِيقَيْكم ﴿المَفْتُونُ﴾ [ أيْ - ] بِالضَّلالِ والجُنُونِ حَتّى صَدَّ عَنِ الهُدى ودِينِ الحَقِّ، أوْ بِأيِّكُمُ الفِتْنَةُ بِالجُنُونِ وغَيْرِهِ عَلى أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ فِتَنٍ، قالَ الرّازِيُّ: مَصْدَرٌ مِثْلُ المَفْتُونِ وهو الجُنُونُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ كَما يُقالُ: ما لَهُ مَعْقُولٌ ولَيْسَ لَهُ مَجْلُودٌ، أيْ عَقْلٌ وجَلّادَةٌ.
68:7Page 564
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧
Indeed, your Lord is most knowing of who has gone astray from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.
ولَمّا كانَ هَذا إخْبارًا بِجُنُونِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِضَلالِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ المُتَّصِفِ، وكانَ مِثْلُ هَذا [ قَدْ - ] يَقَعُ في مُحاوَراتِ النّاسِ بِضَرْبٍ مِنَ الظَّنِّ، اسْتَأْنَفَ تَعالى ما هو كالتَّعْلِيلِ لِما أفادَهُ السِّياقُ مِن هَذا الحُكْمِ (p-٢٩٦)عَلَيْهِمْ إعْلامًا بِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ عِلْمٍ قَطْعِيٍّ لا مِرْيَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ لِأنْ يَكُونُ الأمْرُ عَلى ما أفادَهُ ما تَقَدَّمَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاكَ أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ وجَبَلَكَ عَلى أعْظَمِ الخَلائِقِ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿أعْلَمُ﴾ [ أيْ - ] مِن كُلِّ أحَدٍ لا سِيَّما مَن يَتَحَرَّضُ ﴿بِمَن ضَلَّ﴾ أيْ حارَ وجارَ وذَهَبَ وزَلَّ وضاعَ وغابَ غَيْبَةً عَظِيمَةً لا يَهْتَدِي مِنها، وسَلَكَ غَيْرَ سَبِيلِ القَصْدِ، وأخْطَأ مَوْضِعَ الرُّشْدِ، مُعْرِضًا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَكانَ أجَنَّ المَجانِينَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خالِقُهُمْ، وشارِعُهُ ”ألّا يَعْلَمَ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ“ ولا سِيَّما وهو الحَيُّ القَيُّومُ الَّذِي لا يَغْفُلُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيِ الثّابِتِينَ عَلى الهُدى وهم أُولُو الأحْلامِ والنُّهى، وهَذا سِرُّ القَدَرِ الَّذِي يُقالُ: إنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ يَوْمَ الحاقَّةِ.
ولَمّا كانَ مِن طَبْعِ البَشَرِ أنَّ الحَلِيمَ مِنهُمُ الرَّزِينُ إذا اشْتَدَّ [ عَلَيْهِ - ] الأذى مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ العادَةُ بِأنَّ مِثْلَهُ يُطِيقُ مِثْلَهم قارَبَهم ولا يَتَّهِمُ فِيما الخِلافُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ المُقارَبَةِ، وكانَ سَبَبُ تِلْكَ المُقارَبَةِ إنَّما هو عَدَمُ عِلْمِهِ بِالعَواقِبِ، سَبَّبَ سُبْحانَهُ ما مَضى مِن إعْلامِهِ (p-٢٩٧)بِحَقائِقِ الأُمُورِ وكَشْفِهِ لِمَسْتُورِها قَوْلُهُ إلْهابًا وتَهْيِيجًا عَلى الثَّباتِ عَلى مُعاصاتِهِمْ إعْلامًا لِلضّالِّ بِأماراتِهِ لِيَعْلَمَ المُهْتَدِي لِأنَّ الأُمُورَ تُعْلَمُ بِأضْدادِها. وهو خِطابٌ لَهُ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في سَماعِهِمْ: ﴿فَلا تُطِعِ﴾ أيْ أيُّها المَأْمُورُ بِإنْقاذِهِمْ مِن غَوائِلِ أهْوائِهِمْ وأشْراكِ أهَلاكِهِمْ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ، قالَ المَلْوِيُّ: ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ كُفْرٍ ظَهَرَ وكُلُّ ضَلالَةٍ ظَهَرَتْ، وكُلُّ بِدْعَةٍ [ وكُلَّ - ] شَرٍّ إنَّما كانَ سَبَبُهُ إفْسادَ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ والنُّطْقِيَّةِ، وهو يَكُونُ بِالتَّكْذِيبِ،
68:9Page 564
وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩
They wish that you would soften [in your position], so they would soften [toward you].
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما يَكُونُ مَجْمُوعُهُ عَلى وُقُوعِهِ مِنهم مِن مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ودُّوا﴾ أيْ أحَبُّوا مَحَبَّةً عَظِيمَةً واسِعَةً مُتَجاوِزَةً لِلْحَدِّ قَدِيمًا مَعَ الِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ وأكَّدَ تَهالُكَهم عَلى هَذِهِ الوِدادَةِ بِما يَفْهَمُ التَّمَنِّي وإنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ مِنهم لا أنَّهُ وقَعَ ومَضى، فَقالَ مُشِيرًا إلى إفْسادِهِمُ القُوَّةَ النُّطْقِيَّةَ وخَلْقَ الشَّجاعَةِ الغَرِيزِيَّةِ: ﴿لَوْ تُدْهِنُ﴾ أيْ تُلايِنُ فَتُوافِقُ عَلى بَعْضِ (p-٢٩٨)ما يُرِيدُونَ فَتُهادِنُهم عَلى تَرْكِ نَهْيِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ وتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِسَبِّ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَضْلِيلِ آبائِهِمْ؛ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: والأدْهانُ مُلايَنَةٌ وانْجِرارٌ بِالباطِلِ وإغْماضٌ عَنِ الحَقِّ مَعَ المَعْرِفَةِ بِذَلِكَ - انْتَهى.
وهُوَ مِنَ الدُّهْنِ لِأنَّهُ يَلِينُ ما يُدْهَنُ بِهِ.
ولَمّا كانَ مِن طَبْعِهِمْ أنَّهم كانُوا يَلِينُونَ لَهُ ﷺ بَعْضَ الأوْقاتِ [ خِداعًا - ] كَما قِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ ”الكافِرُونَ“ مِن أنَّهم قالُوا لَهُ ﷺ: تَعالى فَلْنَصْطَلِحْ عَلى أنْ نَعْبُدَ إلَهَكَ سَنَةً وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأباطِيلِ حَتّى أنَّهم سَجَدُوا وراءَهُ ﷺ لَمّا تَلا عَلَيْهِمْ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ فِيها فَسَجَدَ وراءَهُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ والجِنُّ والإنْسُ حَتّى سَمِعَ المُهاجِرُونَ إلى الحَبَشَةِ وهم بِالحَبَشَةِ فَرَجَعَ بَعْضُهم [ ظَنًّا - ] مِنهم أنَّهم قَدْ أسْلَمُوا فَوَجَدُوهم عَلى أخْبَثِ ما كانُوا عَلَيْهِ أوَّلًا، قالَ سُبْحانَهُ مُعَرِّفًا بِأنَّ ذَلِكَ مِنهم خِداعٌ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ أيْ فَبِسَبَبِ وِدادَتِهِمْ أنَّكَ تَدَّهِنُ [ هم - ] يُدْهِنُونَ، فَهو عَطْفٌ عَلى [ ”ودُّوا“ لا - ] جَوابَ ”لَوْ“ لِأجْلِ تَنْبِيهِهِ (p-٢٩٩)ﷺ عَلى أنَّ لِينَهم إنَّما هو خِداعٌ لَمْ يُرِدْ بِهِ غَيْرَ الفَسادِ، وقَدْ أخَّرُوا الإدْهانَ وإنْ كانُوا قَدِيمًا في وِدادِهِ طَمَعًا في أنْ تَبْدَأ بِهِ فَيَظْهَرُوهُ حِينَئِذٍ، قالَ القُشَيْرِيُّ: مَن أصْبَحَ عَلِيلًا تَمَنّى أنْ يَكُونَ النّاسُ كُلُّهم مَرْضى.
68:10Page 564
وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠
And do not obey every worthless habitual swearer
ولَمّا نَهاهُ عَنْ طاعَةِ المُكَذِّبِ وعَلَّلَهُ، وكانَ مِنَ النّاسِ مَن يُخْفِي تَكْذِيبَهُ، قالَ ناصِبًا عَلاماتِ المُكَذِّبِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مِنهم ولا مِن غَيْرِهِمْ ﴿كُلَّ حَلافٍ﴾ أيْ مَبالَغٍ في الِاجْتِراءِ عَلى الأيْمانِ وإنْ لَمْ يَظْهَرْ لَكَ تَكْذِيبُهُ، ولَيْسَ المُرادُ النَّهْيَ عَنِ العُمُومِ بَلْ عُمُومُ النَّهْيِ، أيِ انْتَهِ عَنْ كُلِّ حَلّافٍ فالنَّهْيُ أصْلٌ والكُلُّ وارِدٌ عَلَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ تَخْرِيجُ مِثْلِهِ في آخِرِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وهَذِهِ الأوْصافُ مُتَفَرِّخَةٌ مِنَ الكَذِبِ وخَبُثِ السَّجِيَّةِ، فَهي كالتَّفْصِيلِ، فَكَثْرَةُ الحَلِفِ دالَّةٌ عَلى فَسادِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ فَنَشَأ عَنْها سُقُوطُ تَعْظِيمِ الحَقِّ، فَصارَ صاحِبُها لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، فَلِذَلِكَ يَحْلِفُ صادِقًا وكاذِبًا كَيْفَما اتَّفَقَ ﴿مَهِينٍ﴾ أيْ حَقِيرٍ ضَعِيفٍ سافِلِ الهِمَّةِ والمُرُوءَةِ سافِلِ الرَّأْيِ، لِأنَّ الإنْسانَ لا يَكْثُرُ الحَلِفُ إلّا وهو يَتَصَوَّرُ في نَفْسِهِ أنَّهُ لا يُصَدَّقُ إلّا بِذَلِكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ المَهابَةِ عِنْدَ مَن يُحَدِّثُهُ والجَلالَةُ ما يُصَدِّقُهُ (p-٣٠٠)بِسَبَبِهِ، وهو مُؤْثِرٌ لِلْبِطالَةِ لِما فِيها مِن مُوافَقَةِ طَبْعِهِ، وذَلِكَ هو الحَقارَةُ الكُبْرى.
ولَمّا كانَ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ، أحَبَّ أنْ يُشارِكَهُ النّاسُ [ فِيها - ] أوْ يُقارِبُوهُ لا سِيَّما إنْ كانَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ دَنِيَّةً لِيَسْلَمَ مِنَ العَيْبِ أوِ الِانْفِرادِ بِهِ ولِأنَّ الشَّيْءَ لَمّا داناهُ ألْفٌ قالَ: ﴿هَمّازٍ﴾ أيْ كَثِيرِ العَيْبِ لِلنّاسِ في غَيْبَتِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: هو الَّذِي يَغْمِزُ بِأخِيهِ في المَجْلِسِ، أيْ لِأنَّ الهَمْزَ العَضُّ والعَصْرُ والدَّفْعُ - مِنَ المِهْمازِ الَّذِي يَطْعَنُ [ بِهِ - ] في بُطُونِ الدَّوابِّ، وهو مَخْصُوصٌ بِالغِيبَةِ كَما أنَّ اللَّمْزَ مَخْصُوصٌ بِالمُواجَهَةِ.
ولَمّا كانَتِ النَّمِيمَةُ - وهي نَقْلُ الحَدِيثِ عَلى وجْهِ السِّعايَةِ - أشَدُّ الهَمْزِ أفادَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ ولا يَقْتَصِرُ عَلى مُجَرَّدِ النَّقْلِ بَلْ يَسْعى بِهِ إلى غَيْرِهِ [ وإنْ بَعُدَ -] فَقالَ تَعالى: ﴿مَشّاءٍ﴾ أيْ كَثِيرِ المَشْيِ ﴿بِنَمِيمٍ﴾ أيْ يَنْقُلُ ما قالَهُ الإنْسانُ [ في آخِرِ -] وأذاعَهُ سِرًّا، لا يُرِيدُ صاحِبُهُ إظْهارَهُ عَلى وجْهِ الإفْسادِ لِلْبَيْنِ مُبالَغٌ في ذَلِكَ بِغايَةِ جُهْدِهِ.
68:12Page 564
مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
A preventer of good, transgressing and sinful,
ولَمّا كانَ مَن كانَ هَكَذا يُرِيدُ إعْلاءَ نَفْسِهِ بِهَضْمِ النّاسِ /، وكانَ المَنعُ لِإرادَةِ الِاسْتِئْثارِ بِالمَمْنُوعِ لِيَكُونَ الغَيْرُ مُحْتاجًا إلَيْهِ وعاكِفًا عَلَيْهِ (p-٣٠١)لِأنَّ مِن طَبْعِهِ أنَّهُ لا يَرْتَبِطُ إلّا طَمَعًا لا شُكْرًا بِضِدِّ الجَوادِ، فَإنَّهُ يَرْفَعُ نَفْسَهُ عَنِ المَطامِعِ، ولا يَرْتَبِطُ إلّا شُكْرًا عَلى الصَّنائِعِ فَيَجُودُ ظَنًّا مِنهُ أنَّ النّاسَ كَذَلِكَ، قالَ: ﴿مَنّاعٍ﴾ أيْ كَثِيرِ المَنعِ شَدِيدِهِ ﴿لِلْخَيْرِ﴾ أيْ كُلِّ خَيْرٍ مِنَ المالِ والإيمانِ وغَيْرِهِما مِن نَفْسِهِ ومَن غَيْرِهِ مِنَ الدِّينِ والدُّنْيا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ مَن يَفْعَلُ هَذِهِ المَخازِي مِنَ النّاسِ ويَقْتَصِرُ في الهَمْزِ والنَّمِّ عَلى الواقِعِ، وفي المَنعِ عَلى ما لَهُ مَنعُهُ - لَئِيمًا، بَيَّنَ أنَّهُ لا يَقْنَعُ بِذَلِكَ، بَلْ زادَ عَلَيْهِ بِبَذْلِ الجُهْدِ فِيما يَصِيرُ بِهِ ألْأمُ فَقالَ: ﴿مُعْتَدٍ﴾ أيْ ثابِتِ التَّجاوُزِ لِلْحُدُودِ في كُلِّ ذَلِكَ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ مَبالِغٍ في ارْتِكابِ ما يُوجِبُ الإثْمَ فَيَتْرُكُ الطَّيِّباتِ ويَأْخُذُ الخَبائِثَ ويَرْغَبُ في المَعاصِي ويَتَطَلَّبُها، ويَدَعُ الطّاعاتِ ويَزْهَدُ فِيها.
ولَمّا كانَ كُلُّ مَن يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الدَّنايا الَّتِي مِن شَأْنِها إبْعادُ النّاسِ عَنْهُ ونَفَّرَتْهم مِنهُ يَسْعى في سَتْرِها إنْ كانَ عاقِلًا بِلِينٍ وتَواضُعٍ (p-٣٠٢)وخِداعٍ وسُهُولَةِ انْقِيادٍ، بَيَّنَ أنَّ هَذا عَلى [ غَيْرِ - ] ذَلِكَ فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى هَذا بِالبُعْدِيَّةِ: ﴿عُتُلٍّ﴾ أيْ أكُولٍ شَدِيدِ الخُصُومَةِ جافٍّ غَلِيظٍ في خُلُقِهِ وخُلُقُهُ ثَقِيلٌ مُرٌّ، كَأنَّهُ قِطْعَةُ جَبَلٍ قَدِ انْقَطَعَ عَنْ سائِرِهِ لا يَنْجَرُّ إلى خَيْرٍ إلّا بِعُسْرٍ وصُعُوبَةٍ وعُنْفٍ، مَن عَتَلَهُ - إذا قادَهُ بِغِلْظَةٍ، فَهو في غايَةِ ما يَكُونُ مِن يُبْسِ الطِّباعِ وعَدَمِ الطَّواعِيَةِ في الخَيْرِ والِانْطِباعِ، قالَ الرّازِيُّ: وسُئِلَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - أيْ عَنِ العُتُلِّ - فَقالَ: ”هُوَ الشَّدِيدُ الخُلُقِ الرَّحِيبُ الجَوْفِ الأكُولُ الشَّرُوبُ الظَّلُومُ“ ونَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ثَباتِهِ في تِلْكَ المَخازِي المُوجِبِ لِاسْتِغْراقِ أوْقاتِهِ وأحْوالِهِ بِها بِنَزْعِ الخافِضِ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الخُلُقِ الجَدِيرِ بِتَكَلُّفِ الإبْعادِ عَنْهُ الَّذِي تَجْمَعُ مِن هَذِهِ الأوْصافِ الَّتِي بَلَغَتْ نِهايَةَ القَباحَةِ حَتّى صارَتْ كَأنَّها خُلُقٌ واحِدٌ ثابِتٌ راسِخٌ لا حِيلَةَ [ لَهُ - ] في مُداواتِهِ، وعَلى ذَلِكَ نَبَّهَ قَوْلُهُ: ﴿زَنِيمٍ﴾ أيْ صارَتْ لَهُ عَلامَةَ سُوءٍ وشَرٍّ وثَناءٍ قَبِيحٍ ولِأُمَّةٍ بَيِّنَةٍ ومَعْرِفَةٍ يُعْرَفُ بِها كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وهي الجِلْدَةُ الَّتِي تَكُونُ تَحْتَ حَلْقِها مُدَلّاةً تَنُوسُ، والعَبْدُ بِمَعايِبِهِ وسَفْسافِ أخْلاقِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَتَشَبَّهُ بِقَوْمٍ ولَيْسَ مِنهم في شَيْءٍ، ولا يَخْلُو التَّعْبِيرُ بِهِ مِن إشارَةٍ إلى أنَّهُ دَعِيٌّ لَيْسَ ثابِتَ النَّسَبِ (p-٣٠٣)إلى مَن يَنْتَسِبُ إلَيْهِ، لِيَكُونَ مُنْقَطِعًا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وإنْ كانَ يُنْسَبُ إلى آباءٍ كِرامٍ، أخْذًا مِن زَنَمَةِ البَعِيرِ، وهي جِلْدَةٌ تُقْطَعُ مِن أُذُنِهِ فَتُتْرَكُ مُعَلَّقَةً، ولا يُفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِكِرامِ الإبِلِ، وهَذِهِ الأفْعالُ كُلُّها تُنافِي الشَّجاعَةَ المُقْتَضِيَةَ لِإحْسانِ صاحِبِها إلى كُلِّ أحَدٍ وأنْ لا يَحْسَبُ لَهُ حِسابًا ولا يُوصَلُ إلَيْهِ أذًى إلّا بَعْدَ ظُهُورِ شَرِّهِ فَيُعامِلُهُ حِينَئِذٍ بِحَسَبَ العَدْلِ بِما لا يُرْزِئُ بِالمُرُوءَةِ والمُشارِ إلَيْهِ بِهَذا مَعَ إرادَةِ العُمُومِ قِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وقِيلَ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ أحَدًا ولا ذَكَرَ [ مِن - ] عُيُوبِهِ ما ذَكَرَ مِن عُيُوبِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.
ولَمّا كانَ حُطامُ هَذِهِ الدُّنْيا كُلُّهُ عَرَضًا فانِيًا وظِلًّا مُتَقَلِّصًا زائِلًا، لا يَفْتَخِرُ بِهِ بَلْ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ إلّا مَن كانَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، فَإذا كانَ أكْبَرُ هَمِّهِ ومَبْلَغُ عِلْمِهِ أثْمَرَ لَهُ التَّرَفُّعُ عَلى الحُقُوقِ والتَّكَبُّرُ عَلى العِبادِ قالَ: ﴿أنْ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ ﴿كانَ﴾ هَذا المَوْصُوفُ ﴿ذا مالٍ﴾ أيْ مَذْكُورٍ بِالكَثْرَةِ ﴿وبَنِينَ﴾ أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِهِما فَصارَ يُطاعُ لِأجْلِهِما، (p-٣٠٤)فَكانَ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُنا بِسَبَبِهِما
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences