Al-Biqa'iAl‑Qalam · 68:37–51

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Qalam 68:37–51

68:37Page 565

أَمۡ لَكُمۡ كِتَٰبٞ فِيهِ تَدۡرُسُونَ ٣٧

Or do you have a scripture in which you learn

ولَمّا كانَ الحُكْمُ لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ إلّا مُكَيَّفًا بِكَيْفِيَّةٍ، وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ نَفى حُكْمَهم هَذا بِإنْكارِ جَمِيعِ كَيْفِيّاتِهِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ [ مَعَها-]، وكانَ الحُكْمُ الصَّحِيحُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إلى عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ، زادَ بُطْلانُ حُكْمِهِمْ وُضُوحًا بِنَفْيِ الأمْرَيْنِ مَعًا، فَقالَ عاطِفًا (p-٣٢٠)عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ألَكم دَلِيلٌ مِنَ العَقْلِ إلَيْهِ تَلْجَئُونَ: ﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ أيْ سَماوِيٌّ مَعْرُوفٌ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ خاصٌّ بِكم ﴿فِيهِ﴾ أيْ لا [ في -] غَيْرِهِ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ وزُبُرِ المَمْحُوقِينَ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ أيْ تَقْرَءُونَ قِراءَةَ أتْقَنْتُمْ مُخالَطَتَها أوْ أنْعَمْتُمْ فَهْمَهُ بِسَبَبِها.

68:38Page 565

إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ٣٨

That indeed for you is whatever you choose?

ولَمّا ذَكَرَ الدَّرْسَ ذَكَرَ المَدْرُوسَ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ الَّذِي لا رُخْصَةَ في تَرْكِهِ ﴿فِيهِ﴾ أيِ الكِتابُ لِتَكُونُوا في غايَةِ الوُثُوقِ بِهِ، لا في غَيْرِهِ مِمّا لا وُثُوقَ لَكم بِهِ ﴿لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ تُبالِغُونَ في انْتِقائِهِ وأخَذَ خِيارَهُ، وكَسَرَ الهَمْزَةَ وكانَ حَقَّها الفَتْحُ لَوْلا اللّامُ لِأنَّ ما بَعْدَها هو المَدْرُوسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حِكايَةً لِلْمَدْرُوسِ وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافِيَّةً.

68:39Page 565

أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ٣٩

Or do you have oaths [binding] upon Us, extending until the Day of Resurrection, that indeed for you is whatever you judge?

ولَمّا نَفى دَلِيلَ العَقْلِ والنَّقْلِ مَعَ التَّعَجُّبِ مِنهم والتَّهَكُّمِ بِهِمْ، وكانَ قَدْ بَقِيَ أنَّ الإنْسانَ رُبَّما عاهَدَ غَيْرَهُ عَلى شَيْءٍ فَيُلْزِمُهُ الوَفاءُ بِهِ وإنْ كانَ خارِجًا عَمّا يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ والنَّقْلُ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ﴾ أيْ غَلِيظَةٌ جِدًّا ﴿عَلَيْنا﴾ قَدْ حَمَّلْتُمُونا إيّاها ﴿بالِغَةٌ﴾ أيْ (p-٣٢١)لِأجْلِ عِظَمِها إلى نِهايَةِ رُتَبِ التَّأْكِيدِ بِحَيْثُ يَكُونُ بُلُوغُ غَيْرِها ما يَقْصِدُ بِالنِّسْبَةِ إلى بُلُوغِها ذَلِكَ عَدَمًا أيْ أنَّ بُلُوغَها هو البُلُوغُ لا غَيْرُهُ، أوْ ثَباتُها مُنْتَهٍ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا يُمْكِنُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَتِها إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ لِيَحْتاجَ لِأجْلِها إلى إكْرامِكم في الدّارَيْنِ.

ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ القَسَمَ بِالأيْمانِ ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ المُسْلِمِينَ ﴿لَما تَحْكُمُونَ﴾ أيْ تَفْعَلُونَهُ فِعْلَ الحاكِمِ الَّذِي يُلْزِمُ قَوْلَهُ لِعُلُوِّ أمْرِهِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ الَّذِي لا مَندُوحَةَ عَنْهُ فَتَحْكُمُونَ لِأنْفُسِكم بِما تُرِيدُونَ مِنَ الخَيْرِ.

68:40Page 565

سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠

Ask them which of them, for that [claim], is responsible.

ولَمّا عَجِبَ مِنهم [ و-] تَهَكَّمَ بِهِمْ، ذَيَّلَ ذَلِكَ بِتَهَكُّمٍ أعْلى مِنهُ يَكْشِفُ عُوارَهم غايَةَ الكَشْفِ ويَنْزِلُ بِهِمْ أشَدَّ الحَتْفِ، فَقالَ مُخَوِّفًا لَهم بِالإعْراضِ: ﴿سَلْهُمْ﴾ أيْ يا أيُّها الرَّسُولُ الَّذِي مَحَتْ دَلائِلُهُ بِقُوَّةِ أنْوارِها الأنْوارُ.

ولَمّا كانَ السُّؤالُ سَبَبًا لِحُصُولِ العِلْمِ عُلِّقَتْ، ”سَلْ“ عَلى مَطْلُوبِها الثّانِي وكانَ حَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِعْنَ فَقالَ: ﴿أيُّهم بِذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ مِنَ المُعاهَدَةِ والدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ والعَقْلِيُّ ﴿زَعِيمٌ﴾ أيْ كَفِيلٌ وضامِنٌ أوْ سَيِّدٌ أوْ رَئِيسٌ أوْ مُتَكَلِّمٌ بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ لِتَلْزَمَهُ في ادِّعائِهِ صِحَّةٌ ذَلِكَ (p-٣٢٢)ما تَدَعُهُ بِهِ ضِحْكَةٌ لِلْعِبادِ، وأُعْجُوبَةٌ لِلْحاضِرِ مِنهم والبادِ، فَلَمْ يَجْسُرْ لِما تَعْلَمُونَ مِن حَقِّيَّةِ هَذا القُرْآنِ و[ما-] لِأقْوالِهِمْ كُلِّها مِنَ العَراقَةِ في البُطْلانِ أحَدٌ مِنهم عَلى شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ ومَحَبَّتِهِمْ لِلْمُغالَبَةِ وشَمّاخَتِهِمْ أنْ يَبْرُزَ لِادِّعاءِ ذَلِكَ،

68:41Page 565

أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٤١

Or do they have partners?1 Then let them bring their partners, if they should be truthful.

ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ في تَسْوِيَتِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ أوْ نَقْلِيٌّ أوْ عَهْدٌ وثِيقٌ عَلى هَذا [ التَّرْتِيبِ -] المُحْكَمِ والمِنهاجِ الأقْوَمِ، أتْبَعُهُ ما يَكُونُ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ إنْ كانَ ثَمَّ غَيَّرَ عَلى ما ادَّعَوْا فَقالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ أيْ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ أمْرًا ووَعَدُوهم بِشَيْءٍ أقامُوا عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ ما أقَمْنا لِنَبِيِّنا ﷺ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ أيْ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ كَما أتَيْنا نَحْنُ في نَصْرِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الأمْرَيْنِ مَعًا بِما لا شُبْهَةَ فِيهِ، وسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالكِتابِ مُلْهِبًا مُهَيِّجًا بِما يَحْرُقُ بِهِ أكْبادَهم ولا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِهِ بِوَجْهٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى [ إبْطالِهِمْ-]: فَقالَ: ﴿إنْ كانُوا﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ كَما يَدْعُونَهُ، ولَمّا نَفى جَمِيعَ شُبَهِهِمُ الَّتِي يُمْكِنُ [ أنْ -] يَتَشَبَّثُوا بِها مَعَ البَيانِ لِقُدْرَتِهِ عَلى ما يُرِيدُ مِن تَفْتِيقِ الأدِلَّةِ وتَشْقِيقِ البَراهِينِ الدّالِّ عَلى تَمامِ العِلْمِ اللّازِمِ مِنهُ كَمالُ القُدْرَةِ فَأوْصَلَهم مِن وُضُوحِ الأمْرِ إلى حَدٍّ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا العِنادُ، أتْبَعَ ذَلِكَ تَهْدِيدَهم بِما يُثْبِتُ ذَلِكَ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ مِن يَوْمِ الفَصْلِ ومُعامَلَتِهِمْ (p-٣٢٣)فِيهِ بِالعَدْلِ فَقالَ:

68:42Page 565

يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٤٢

The Day the shin will be uncovered1 and they are invited to prostration but they [i.e., the disbelievers] will not be able,

﴿يَوْمَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِيَوْمِ القِيامَةِ، وبَنى لِإضافَتِهِ إلى الجُمْلَةِ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَأْتُوا، أوْ مَنصُوبًا بِما أخَذَ مِن مَعْنى الكَلامِ مِن [ نَحْوِ-]: سَيَعْلَمُونَ ما يُلْقُونَ مِن غِبِّ هَذِهِ المُعامَلاتِ وإنْ نالُوا في هَذِهِ الدّارِ جَمِيعَ اللَّذّاتِ في جَمِيعِ اليَوْمِ الَّذِي ﴿يُكْشَفُ﴾ أيْ يَحْصُلُ الكَشْفُ فِيهِ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُخِيفَ وُقُوعُ الكَشْفِ الَّذِي هو كِنايَةٌ عَنْ تَفاقُمِ الأُمُورِ وخُرُوجِها عَنْ حَدِّ الطَّوْقِ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، مَعَ أنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا فاعِلَ هُناكَ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ﴿عَنْ ساقٍ﴾ أيْ يَشْتَدُّ فِيهِ الأمْرُ غايَةَ الِاشْتِدادِ لِأنَّ مَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الأمْرُ وجَدَّ في فَصْلِهِ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ لِأجْلِهِ وشَمَّرَتْ حَرَمُهُ عَنْ سُوقِهِنَّ غَيْرَ مُحْتَشِماتٍ هَرَبًا، فَهو كِنايَةٌ عَنْ هَذا ولِذَلِكَ نَكَّرَهُ تَهْوِيلًا [ لَهُ -] وتَعْظِيمًا، نُقِلَ هَذا التَّأْوِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وغَيْرِهِما، وعَنِ انْكِشافِ جَمِيعِ الحَقائِقِ وظُهُورِ الجَلائِلِ فِيهِ والدَّقائِقِ مِنَ الأهْوالِ وغَيْرِها كَما كَشَفَتْ هَذِهِ الآياتُ جَمِيعَ الشُّبَهِ وتَرَكَتِ السّامِعَ لَها في مِثْلِ ضَوْءِ النَّهارِ، وفي الجُزْءِ الخامِسِ والثَّلاثِينَ مِن مُسْنَدِ أبِي يَعْلى المُوصِلِيِّ عَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعالى عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا قالَ:

«عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ يَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا» وهو لا يُنافِي ما ذَكَرَ مِنَ التَّأْوِيلَيْنِ: الشِّدَّةُ والكَشْفُ. ولَمّا كانَ هَذا الكَشْفُ الَّذِي كَشَفَ لَهُمُ المَعانِي في هَذا القُرْآنِ إنَّما هو لِأجْلِ العِبادَةِ الَّتِي هي الخُضُوعُ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ بِالسُّجُودِ وهو (p-٣٢٤)آيَتُها وأمارَةُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الباطِنُ مِنها وعَلامَتُها فَيَأْتُونَها وهم قادِرُونَ عَلَيْها ذَكَّرَهم يَوْمًا يُرِيدُونَها فِيهِ فَلا يَتَأتّى لَهم تَنْدِيمًا لَهم وزِيادَةَ تَحْسِيرٍ وإظْهارَ تَظْلِيلٍ وتَخْسِيرٍ لِأنَّ ظُهُورَهم وأعْضاءَهم تَكُونُ طَبَقًا واحِدًا لا تَنْثَنِي، فَكُلَّما أرادُوا أنْ يَسْجُدُوا انْقَلَبُوا عَلى أقْفائِهِمْ، فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى إرادَتِهِمْ لِلِانْقِيادِ ورَغْبَتِهِمْ فِيهِ مِن أيِّ داعٍ كانَ، وهو دالٌّ عَلى أنَّ التَّكْلِيفَ لا يَنْقَطِعُ إلّا بِدُخُولِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ دارَهُ ﴿ويُدْعَوْنَ﴾ أيْ مِن داعِي المَلِكِ الدَّيّانِ ﴿إلى السُّجُودِ﴾ تَوْبِيخًا عَلى تَرْكِهِ الآنَ وتَنْدِيمًا وتَعْنِيفًا لا تَعَبُّدًا وتَكْلِيفًا فَيُرِيدُونَهُ لِيَضُرُّوا أنْفُسَهم مِمّا يَرَوْنَ مِنَ المَخاوِفِ ﴿فَلا﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم [ لا -] ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيْ لِأنَّهم غَيْرُ سالِمِينَ لا أعْضاءَ لَهم تَنْقادُ بِهِ مَعَ شِدَّةِ مُعالَجَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ عَلى أنَّ تَطَوُّعَ لَهم أعْضاؤُهم بِما تُفْهِمُهُ هَذِهِ الصِّيغَةُ مِن أنَّ الإنْسانَ مِنهم إذا أرادَ الفِعْلَ وعالَجَهُ بِقُوَّةٍ فَلَمْ يُطِقْهُ فَإنَّ ظُهُورَهم تَكُونُ عَلى حالَةٍ لا تَنْثَنِي مَعَها بَلْ كانَ فِيها السَّفافِيدُ فَيَكُونُ لَهم في ذَلِكَ أشَدَّ نَدَمٍ لِتَرْكِهِمْ إيّاهُ في الدُّنْيا وهم يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وهو إذْ ذاكَ نافِعٌ لَهم [ ومُعالَجَتُهم فِعْلَهُ أشَدَّ مُعالَجَةٍ وهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلَيْهِ وهو غَيْرُ نافِعٍ لَهم -] وإذا عَجَزُوا مَعَ المُعالَجَةِ كانُوا بِدُونِها أعْجَزَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُبْعَثُ المَرْءُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ ويُحْشَرُ عَلى ما بُعِثَ عَلَيْهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ،

68:43Page 566

خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ ٤٣

Their eyes humbled, humiliation will cover them. And they used to be invited to prostration while they were sound.1

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ المانِعَ [ لَهُمُ -] الكِبَرُ كَما في هَذِهِ الدُّنْيا، قالَ مُبَيِّنًا لِنَفْيِ الكِبَرِ في (p-٣٢٥)مِثْلِ هَذا اليَوْمِ العَظِيمِ ﴿خاشِعَةً﴾ أيْ مُخْبِتَةً مُتَواضِعَةً ﴿أبْصارُهُمْ﴾ لِأنَّ ما في القَلْبِ يُعْرَفُ في العَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمُ ووُجُوهَهم أضْوَأ مِنَ الشَّمْسِ، ووُجُوهُ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ سُودٌ مُظْلِمَةٌ.

ولَمّا كانَ الخاشِعُ لِذَلِكَ قَدْ يَكُونُ خُشُوعُهُ لِخَيْرٍ عِنْدَهُ حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ مَعَ العِزِّ قالَ: ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ أيْ تَغْشاهم وتَقْهَرُهم ﴿ذِلَّةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ لِأنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا الأعْضاءَ الَّتِي أعْطاهُمُوها سُبْحانَهُ وتَعالى لِيَتَقَرَّبُوا بِها إلَيْهِ في دارِ العَمَلِ في التَّمَتُّعِ بِما يَبْعُدُ مِنهُ.

ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُطابَقَةً لِما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلى أنَّ مَن كانَ في قَلْبِهِ مَرَضٌ في الدُّنْيا يَصِيرُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا فَقارَّةً واحِدَةً فَيُعالِجُ السُّجُودَ فَيَصِيرُ كُلَّما أرادَهُ انْقَلَبَ لِقَفاهُ، عَجَبَ مِنهم في مُلازَمَةِ الظُّلْمِ الَّذِي هو إيقاعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْقِعِهِ فَقالَ: ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿كانُوا﴾ أيْ دائِمًا بِالخِطابِ الثّابِتِ ﴿يُدْعَوْنَ﴾ في الدُّنْيا مِن كُلِّ داعٍ يَدْعُو إلَيْنا ﴿إلى السُّجُودِ وهُمْ﴾ أيْ فَيَأْبَوْنَهُ والحالُ أنَّهم ﴿سالِمُونَ﴾ أيْ [ فَهم -] مُسْتَطِيعُونَ، لَيْسَ في أعْضائِهِمْ ما يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، وإنَّما يَمْنَعُهم مِنهُ الشَّمّاخَةُ والكِبْرُ، فالآيَةُ مِنَ [ الِاحْتِباكِ-]: ذَكَرَ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِ الِاسْتِطاعَةِ ثانِيًا، وذِكْرُ السَّلامَةِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ عَدَمِ السَّلامَةِ أوَّلًا.

68:44Page 566

فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤

So leave Me, [O Muḥammad], with [the matter of] whoever denies this statement [i.e., the Qur’ān]. We will progressively lead them [to punishment] from where they do not know.1

(p-٣٢٦)ولَمّا عَلِمَ بِهَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ بِما يَشاءُ كَيْفَ يَشاءُ مِنَ المَنعِ والتَّمْكِينِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجِدُ مِن تَكْذِيبِهِمْ لَهُ - مَعَ إتْيانِهِ بِما لا يَحْتَمِلُ التَّكْذِيبَ بِوَجْهٍ - مِنَ المَشَقَّةِ ما لا يَعْلَمُ مِقْدارَهُ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وكانَ عِلْمُ المَغْمُومِ بِأنَّ لَهُ مُنْقِذًا يُخَفِّفُ عَنْهُ، وكانَ عِلْمُهُ بِاقْتِدارِهِ عَلى ما يُرادُ مِنهُ أقَرَّ لِعَيْنِهِ سَبَبٌ عَنْ كَمالِ اقْتِدارِهِ قَوْلُهُ مُخَفِّفًا عَنْهُ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، لافِتًا القَوْلَ إلى التَّكَلُّمِ بِالإفْرادِ تَنْصِيصًا عَلى المُرادِ زِيادَةً في تَسْكِينِ القَلْبِ وشَرْحِ الصَّدْرِ: ﴿فَذَرْنِي﴾ أيِ اتْرُكْنِي عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ ﴿ومَن يُكَذِّبُ﴾ أيْ يُوقِعُ التَّكْذِيبَ لِمَن يَتْلُو ما جَدَّدَتْ إنْزالُهُ مِن كَلامِي القَدِيمِ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ إيقاعُهُ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ نَصًّا عَلى تَهْدِيدِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ: ﴿بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ أيْ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهم وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ ولا تَكْتَرِثْ بِشَيْءٍ مِنهُ أصْلًا فَإنِّي أكْفِيكَهم لِأنَّهُ [ لا -] مانِعَ مِنهم فَلا تَهْتَمَّ بِهِمْ أصْلًا.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا تَعْمَلُ فِيهِ إذا خَلَّيْتَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ؟ (p-٣٢٧)أجابَهُ بِقَوْلِهِ جامِعًا الضَّمِيرَ لِيَكُونَ الواحِدُ مُهَدَّدًا مِن بابِ الأوْلى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ أيْ فَنَأْخُذُهم بِعَظَمَتِنا عَمّا قَلِيلٍ عَلى غِرَّةٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ونُدْنِيهِمْ إلى الهَلاكِ دَرَجَةً دَرَجَةً بِواسِطَةِ مَن شِئْنا مِن جُنُودِنا وبِغَيْرِ واسِطَةٍ بِما نُواتِرُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي تُوجِبُ [ عَلَيْهِمُ -] الشُّكْرَ فَيَجْعَلُونَها سَبَبًا لِزِيادَةِ الكُفْرِ فَنُوجِبُ لَهُمُ النِّقَمَ. ولَمّا كانَ أخْذُ الإنْسانِ مِن مَأْمَنِهِ عَلى حالَةِ غَفْلَةٍ بِتَوْرِيطِهِ في أسْبابِ الهَلاكِ لا يُحِسُّ بِالهَلاكِ إلّا وهو لا يَقْدِرُ عَلى التَّفَصِّي فِيها بِوَجْهٍ قالَ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ﴾ أيْ مِن جِهاتٍ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهم عِلْمٌ ما في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ بِغَوائِلِها، وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَغُرُّهم بِالإمْهالِ ولا يُعاجِلُهم بِالعِقابِ في وقْتِ المُخالَفَةِ كَما يَتَّفِقُ لِمَن يُرادُ بِهِ الخَيْرُ فَيَسْتَيْقِظُ بَلْ يُمْهِلُهم ويَمُدُّهم بِالنِّعَمِ حَتّى يَزُولَ عَنْهم خاطِرُ التَّذَكُّرِ فَيَكُونُوا مُنْعَمِينَ في الظّاهِرِ مُسْتَدْرِجِينَ في الحَقِيقَةِ فَيَقُولُونَ: قَدْ قُلْتُمْ: إنَّ القَدَرَ فائِضٌ عَنِ القَضاءِ وأنَّ الأعْمالَ [ قَضاءٌ -] وجَزاءَها قَدَرٌ، ويَقُولُونَ: إنَّ أفْعالَنا في الدُّنْيا قَبِيحَةٌ ونَحْنُ لا نَرى جَزاءَها إلّا ما يَسُرُّنا لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ فَأنْتُمْ كاذِبُونَ في تَوَعُّدِنا فَإنّا كُلَّما أحْدَثْنا ما تُسَمُّونَهُ مَعْصِيَةً تَجَدَّدَتْ لَنا نِعْمَةٌ، وذَلِكَ كَما قادَهم إلى تَدْرِيجِهِمْ (p-٣٢٨)وهم في غايَةِ الرَّغْبَةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والِاسْتِدْراجُ أنْ يُرِيدَ السَّيِّئَ ويَطْوِي عَنْ صاحِبِهِ وجْهَ القَصْدِ حَتّى يَأْخُذَهُ بَغْتَةً فَيُدْرَجُ إلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

68:45Page 566

وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ٤٥

And I will give them time. Indeed, My plan is firm.

ولَمّا كانَ الِاسْتِدْراجُ يَكُونُ بِأسْبابٍ كَثِيرَةٍ مِن بَسْطِ النِّعَمِ وغَيْرِها، فَأبْرَزَهُ بِالنُّونِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الِاسْتِتْباعِ والعَظَمَةِ، وكانَ تَأْخِيرُ الأجَلِ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ بِغَيْرِ واسِطَةِ شَيْءٍ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأُمْلِي﴾ أيْ أُأخِّرُ أنا وحْدِي في آجالِهِمْ وأُوَسِّعُ لَهم في جَمِيعِ تَمَتُّعِهِمْ لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴿لَهُمْ﴾ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مَدِّ الأجَلِ وتَرْفِيهِ العَيْشِ غَيْرِي.

ولَمّا سَلّاهُ ﷺ بِهَذا غايَةَ التَّسْلِيَةِ، عَلَّلَ أوِ اسْتَأْنَفَ في جَوابٍ مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ أحَدُهم عَلى هَذا الوَجْهِ؟ مُسَمِّيًا إنْعامَهُ كَيْدًا: ﴿إنَّ كَيْدِي﴾ أيْ سَتْرِي لِأسْبابِ الهَلاكِ عَمَّنْ أُرِيدُ إهْلاكَهُ وإبْدائِي ذَلِكَ لَهُ في مَلابِسِ الإحْسانِ وخَلْعِ البِرِّ والِامْتِنانِ ﴿مَتِينٌ﴾ أيْ في غايَةِ القُوَّةِ حَيْثُ كانَ حامِلًا لِلْإنْسانِ عَلى إهْلاكِ نَفْسِهِ بِاخْتِيارِهِ وسَيَعْلَمُ عِنْدَ الأخْذِ أنِّي لَمّا أمْهَلْتُهُ ما أهْمَلْتُهُ وأنَّ (p-٣٢٩)إمْهالِي إنَّما كانَ اسْتِدْراجًا.

68:46Page 566

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦

Or do you ask of them a payment, so they are by debt burdened down?

ولَمّا كانَ هَذا القُرْآنُ أعْظَمَ إحْسانٍ، ساقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلَيْهِمْ فَكانَ مُوجِبًا لِلشُّكْرِ عَلَيْهِمْ لِلَّذِي أنْزَلَهُ ولِإكْرامِ الآتِي بِهِ، فَكانَ سَبَبًا لِمُباشَرَتِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ [ بِهِ -] والأذى لِلْآتِي بِهِ إلَيْهِمْ ما يُوجِبُ أخْذَهُمْ، قالَ دالًّا [ عَلى -] مَتانَةِ كَيْدِهِ سُبْحانَهُ ودِقَّةِ اسْتِدْراجِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ لِبَيانِ أنَّهم يُباشِرُونَ ما يُهْلِكُهم بِاخْتِيارِهِمْ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ: أكانَ تَكْذِيبُهم هَذا الذِّكْرَ لِشَيْءٍ فِيهِ يَرْتابُونَ؟ قَوْلُهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ، مُبَيِّنًا أنَّ تَكْذِيبَهم إنَّما هو لِأنَّهُ طَبْعٌ وخُبْثٌ سَجِيَّةً لا شَهْوَةَ لَهم فِيهِ ولا شُبْهَةَ: ﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ أنْتَ يا أعَفَّ الخَلْقِ وأعْلاهم هِمَمًا ﴿أجْرًا﴾ عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم ﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وتَعَقَّبَ أنَّهم ﴿مِن مَغْرَمٍ﴾ كُلَفْتِهِمْ بِهِ فَهم لِشِدَّتِهِ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ أيُّ واقِعُ إثْقالِهِمْ بِهِ حَتّى أوْجَبَ لَهم ذَلِكَ الغُرْمَ النّاقِصَ لِأمْوالِهِمُ التَّقاعُدَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِما جِئْتَ بِهِ إلَيْهِمْ مِن عِنْدِنا فَصارُوا يَشْتَهُونَ إقْلاعَكَ عَنْهُ.

68:47Page 566

أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧

Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?

ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ تَكْذِيبُهم بِشَهْوَةٍ دَعَتْهم إلى ذَلِكَ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ شُبْهَةٌ مِن شَكٍّ في الذِّكْرِ [ أوْ حَيْفٍ في المُذَكَّرِ -] (p-٣٣٠)وأنْ يَكُونُوا عَلى ثِقَةٍ أوْ ظَنٍّ مِن سَلامَةِ العاقِبَةِ فَقالَ: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الغَيْبُ﴾ أيَّ عَلِمُوهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ غَيْرِهِ ﴿فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿يَكْتُبُونَ﴾ أيْ ما يُرِيدُونَ مِنهُ لِيَكُونُوا قَدِ اطَّلَعُوا عَلى أنَّ هَذا الذِّكْرَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْ عَلى أنَّهم لا دَرْكَ عَلَيْهِمْ في التَّكْذِيبِ بِهِ، فَقَدْ عَلِمَ بِهَذا أنَّهُ لا شَهْوَةَ لَهم في ذَلِكَ عادِيَّةً ولا شُبْهَةَ، وإنَّما تَكْذِيبُهم مُجَرَّدُ خُبْثِ طِباعٍ، وظُلْمَةِ نُفُوسٍ وأمالِي فارِغَةٍ وأطْماعٍ.

68:48Page 566

فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ ٤٨

Then be patient for the decision of your Lord, [O Muḥammad], and be not like the companion of the fish [i.e., Jonah] when he called out while he was distressed.

ولَمّا انْتَفى جَمِيعَ ذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّهم عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ، وقَدْ أخْبَرَ بِإهْلاكِهِمْ مِن أجْلِهِ ﷺ، وأنَّ كُفْرَ مَن كَفَرَ وإيمانَ مَن آمَنَ بِقَضائِهِ وتَقْدِيرِهِ، فَكّانَ لا بُدَّ مِنهُما، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا حامِلًا لَهُ [ عَلى -] الصَّبْرِ إلى الوَقْتِ الَّذِي ضَرَبَهُ سُبْحانَهُ لِلْفَرَجِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا تَقْدِيرُهُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرَ، وإنَّما هو القَضاءُ والقَدَرُ: ﴿فاصْبِرْ﴾ أيْ أوْفَرَ الصَّبْرِ وأوْجَدَهُ عَلى كُلِّ ما يَقُولُونَ فِيكَ وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما يَقَعُ مِنهم ومِن غَيْرِهِ مِن مُرِّ القَضاءِ والقَدَرِ ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِلْقَضاءِ الَّذِي قَضاهُ وقَدَّرَهُ (p-٣٣١)المُحْسِنُ إلَيْكَ الَّذِي أكْرَمَكَ [ بِما أكْرَمَكَ بِهِ مِنَ الرِّسالَةِ وألْزَمَكَ بِما ألْزَمَكَ مِنَ البَلاغِ وخَذَلَهم بِالتَّكْذِيبِ -] ومَدَّ لَهم عَلى ذَلِكَ في الآجالِ وأوْسَعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ وأخَّرَ ما وعَدَكَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ.

ولَمّا كانَ حاصِلُ قِصَّةِ يُونُسَ - عَلى نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ - أنَّهُ اسْتَثْقَلَ الكَرامَةَ بِالرِّسالَةِ لِما فِيها مِنَ الأُمُورِ الشَّدِيدَةِ مِن مُعالَجَةِ الخَلْقِ فامْتُحِنَ، كانَ سَبَبًا لِقَبُولِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ كانَ سَبَبُ إسْلامِ قَوْمِهِ إدْناءَ العَذابِ مِنهم وتَقْرِيبَ غَشَيانِهِ لَهُمْ، أشارَ [ لَهُ -] بِقِصَّتِهِ إلى أنَّهُ يُرادُ إعْلاؤُهُ ﷺ وعَلى سائِرِ الأنْبِياءِ - وإعْلاءُ أُمَّتِهِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ بِما يَحْتاجُ إلى صَبْرٍ [ عَلى -] ما يَسْتَثْقِلُ مِن ضُرٍّ أوْ أمْرٍ شَدِيدٍ مَرَّ فَقالَ: ﴿ولا تَكُنْ﴾ أيْ ولا يَكُنْ حالُكَ في الضَّجَرِ والعَجَلَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ قَدِ افْتَتَحَ السُّورَةَ بِالنُّونِ الَّذِي مِن مَدْلُولاتِهِ الحُوتُ، عَبَّرَ بِهِ هُنا تَحْقِيقًا لِإرادَتِهِ فَقالَ: ﴿كَصاحِبِ﴾ أيْ كَحالِ صاحِبِ ﴿الحُوتِ﴾ وهو يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ، والعامِلُ في هَذا الظَّرْفِ المُضافِ المَحْذُوفِ مِنَ الحالِ ونَحْوِها، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لا يَكُنْ حالُكَ كَحالِهِ يَحْصُلُ لَكَ [ مِثْلُ -] ما حَصَلَ لَهُ حِينَ ﴿نادى﴾ أيْ رَبَّهُ (p-٣٣٢)المُرَبِّي لَهُ بِإحْسانِهِ في الظُّلُماتِ مِن بَطْنِ الحُوتِ وظُلْمَةِ ما يُحِيطُ بِهِ مِنَ الجَثَّةِ وظُلْمَةٍ لِحَجِّ البِحارِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ عِنْدَ نِدائِهِ ﴿مَكْظُومٌ﴾ أيْ مَمْلُوءٌ كَرْبًا وهَمًّا وشِدَّةً وغَمًّا مَحْمُولٌ عَلى السُّكُوتِ بِبَطْنِهِ فَهو لا يَنْطِقُ مِن شِدَّةِ حُزْنِهِ، ومَحْبُوسٌ عَنْ جَمِيعِ ما يُرِيدُ مِنَ التَّصَرُّفِ إلى أنْ ألْجَأهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ إلى الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، مِنَ الكَظْمِ، وهو السُّكُوتُ عَنِ امْتِلاءٍ وتَجَرُّعٍ لِلْمَراراتِ، ومِن هَذا كَظَمْتَ السِّقاءَ أيْ شَدَدَتْهُ ومَلَأتْهُ فَكانَ مَكْظُومًا، والمَكْظُومُ: المَكْرُوبُ - كَأنَّهُ قَدْ أخَذَ بِكَظْمِهِ وهو مُخْرِجٌ نَفْسَهُ.

68:49Page 566

لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ ٤٩

If not that a favor [i.e., mercy] from his Lord overtook him, he would have been thrown onto the naked shore while he was censured.1

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ مِن أمْرِهِ بَعْدَ هَذا الأمْرِ العَجِيبِ قالَ: ﴿لَوْلا أنْ﴾ وعَظُمَ الإحْسانُ بِالتَّذْكِيرِ وصِيغَةِ التَّفاعُلِ فَقالَ: ﴿تَدارَكَهُ﴾ أيْ أدْرَكَهُ إدْراكًا عَظِيمًا كانَ كَلًّا مِنَ النِّعْمَةِ والمِنَّةِ يُرِيدُ أنْ تُدْرِكَ [ الآخَرَ -] ﴿نِعْمَةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ جِدًّا ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ الَّذِي أرْسَلَهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ بِإرْسالِهِ وتَهْذِيبِهِ لِلرِّسالَةِ والتَّوْبَةِ عَلَيْهِ والرَّحْمَةِ لَهُ ﴿لَنُبِذَ﴾ أيْ لَوْلا هَذِهِ الحالَةُ السُّنِّيَّةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِها لَطَرَحَ طَرْحًا هَيِّنًا جِدًّا ﴿بِالعَراءِ﴾ أيِ الأرْضِ القَفْرِ الَّتِي لا بِناءَ فِيها ولا نَباتَ، البَعِيدَةِ مِنَ الإنْسِ حِينَ طَرَحَ فِيها كَما حَكَمَ بِذَلِكَ مِن (p-٣٣٣)الأزَلِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿مَذْمُومٌ﴾ أيْ مَلُومٌ عَلى الذَّنْبِ،

68:50Page 566

فَٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٥٠

And his Lord chose him and made him of the righteous.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهُ تَدارَكَهُ بِالنِّعْمَةِ فَلَمْ يَكُنْ في نَبْذِهِ مَلُومًا، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فاجْتَباهُ﴾ أيِ اخْتارَهُ لِرِسالَتِهِ ﴿رَبُّهُ﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ اجْتِبائِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ رَسَخُوا في رُتْبَةِ الصَّلاحِ فَصَلَحُوا في أنْفُسِهِمْ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وصَلَحَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَنَبَذَ بِالعَراءِ وهو مَحْمُودٌ، ومَن صَبَرَ أعْظَمَ مِن صَبْرِهِ كانَ أعْظَمَ أجْرًا مِن أجْرِهِ، وأنْتَ كَذَلِكَ فَأنْتَ أشْرَفُ العامِلِينَ والعالِمِينَ.

68:51Page 566

وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ ٥١

And indeed, those who disbelieve would almost make you slip with their eyes [i.e., looks] when they hear the message, and they say, "Indeed, he is mad."

ولَمّا نَهاهُ ﷺ عَنْ طاعَةِ المُكَذِّبِينَ وحَذَّرَهُ إدْهانَهم وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثالَ، وتَوَعَّدَهم إلى أنْ قالَ: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ [القلم: ٤٤] وخَتَمَ بِقِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّدْرِيبِ عَلى الصَّبْرِ وعَدَمِ الضَّعْفِ ولَوْ بِالصَّغْوِ إلى المُدَّهِنِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ تَسْبِيبًا عَمّا فِيها مِنَ النَّهْيِ: فَإنَّهم إنَّما يُبالِغُونَ في أذاكَ لِتَضْجَرَ فَتَتْرُكَ ما أنْتَ فِيهِ، قالَ عاطِفًا عَلى [ هَذا -] المُقَدَّرِ مُخْبِرًا لَهُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنَ الإحَنِ عَلَيْهِ وفي قُلُوبِهِمْ مِنَ الضَّغائِنِ لَهُ لِيَشْتَدَّ حَذَرُهُ مِن إدْهانِهِمْ، مُؤَكِّدًا لِأنَّ مَن يَرى إدْهانَهم يَظُنُّ إذْعانَهم ويُنْكِرُ لِمُبالَغَتِهِمْ فِيهِ طُغْيانُهُمْ: (p-٣٣٤)﴿وإنْ﴾ أيْ وإنَّهُ ﴿يَكادُ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعُ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِمّا جِئْتَ بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ.

ولَمّا كانَتْ [ ”ن“ -] مُخَفَّفَةً، أتى بِاللّامِ الَّتِي هي عِلْمُها فَقالَ: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ أيْ مِن شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ وحَسَدِهِمْ وغَيْظِ قُلُوبِهِمْ ﴿بِأبْصارِهِمْ﴾ أيْ يُوجِدُونَ لَكَ التَّنْحِيَةَ عَمّا أنْتَ فِيهِ والزَّلَلُ العَظِيمُ الَّذِي صاحَبَهُ في مَوْضِعِ دَحْضٍ لا مُسْتَمْسِكَ فِيهِ بِالهَلاكِ فَما دُونَهُ مِنَ الأذى حَتّى يَرْمُوكَ مِن قامَتِكَ إلى الأرْضِ كَما يَزْلَقُ الإنْسانُ فَيَنْطَرِحُ لِما يَتَراءى في عُيُونِهِمْ حِينَ تَصْوِيبِ [ النَّظَرِ -] لِلْفِطَنِ مِنَ الحَنَقِ والسُّخْطِ الدّالِّ عَلى أنَّ صُدُورَهم تَغْلِي، وهو مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا كادَ يَصْرَعُنِي، [ يَعْنِي -] لَوْ أمْكَنَهُ أنْ يَصْرَعَنِي بِهِ لَصَرَعَنِي كَما قالَ تَعالى ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢] وقِيلَ: يُهْلِكُونَكَ بِإصابَةِ العَيْنِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: كانُوا إذا أرادُوا أنْ يُصِيبُوا شَيْئًا بِأعْيُنِهِمْ جاعُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ نَظَرُوا إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ وقالَ: ما أحْسَنَهُ مِن شَيْءٍ، فَيَسْقُطُ المَنظُورُ إلَيْهِ في الوَقْتِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وقالُوا: ما أنْصَحَهُ مِن رَجُلٍ، فَحَفِظَهُ اللَّهُ مِنهُمْ، ولِلشَّيْخَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (p-٣٣٥)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:

«العَيْنُ حَقٌّ» وفي رِوايَةٍ عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ ماجَّةَ: «يَحْضُرُ بِها الشَّيْطانُ وحَسَدَ ابْنَ آدَمَ» ولِأحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما رَفَعَهُ: «العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ أنَّ شَيْئًا سابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَيْنُ، وإذا اسْتَغْسَلْتُمْ فاغْسِلُوا» ولِأبِي نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَفَعَهُ: «العَيْنُ حَقٌّ تُدْخِلُ الجُمَلَ القِدْرَ والرَّجُلَ القَبْرَ» ولِأبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «وإنَّها لِتُدْرِكُ الفارِسَ فَتُدَعْثِرُهُ» .

ولَمّا ذَكَرَ هَذا الإزْلاقَ العَظِيمَ، ذَكَرَ ظَرْفَهُ مُعَبِّرًا بِالماضِي تَذْكِيرًا بِالحالِ الماضِيَةِ فَقالَ: ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيِ القُرْآنِ الَّذِي [ غُلِبَ -] عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ بِأُمُورٍ يُعْلِيها كُلُّ أحَدٍ مِن نَفْسِهِ، ومِنَ الآفاقِ كانَ هَواياهُ أوَّلُ ما سَمِعُوهُ حَسَدًا عَلى ما أُوتِيَتْ مِنَ الشَّرَفِ فَكانَ سَماعُهم لَهُ باعِثًا لِما عِنْدَهم مِنَ البُغْضِ والحَسَدِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَزِدْهم تَمادِي الزَّمانِ إلّا حَنَقًا بِدَلالَةِ ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ قَوْلًا لا يَزالُونَ يُجَدِّدُونَهُ.

ولَمّا كانَ ﷺ في غايَةِ البُعْدِ عَمّا يَشِينُ، أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ حَيْرَةٌ في أمْرِكَ وتَنْفِيرًا عَنْكَ لِما يَعْلَمُونَ مِن أنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أحَدٌ لا غَرَضَ لَهُ إلّا كَذِبُهم ومالَ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْكَ وكانَ (p-٣٣٦)مَعَكَ وارْتَبَطَ بِكَ واغْتَبَطَ بِما جِئْتَ بِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ قِراءَةَ هَذِهِ الآيَةِ دَواءٌ لِلْإصابَةِ بِالعَيْنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском