Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الأعراف
Al-A'raf
The Heights · Meccan · 206 ayahs
7:1–2Page 151
الٓمٓصٓ ١
Alif, Lām, Meem, Ṣād.1
كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢
[This is] a Book revealed to you, [O Muḥammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.
(p-٣٤٧)سُورَةُ الأعْرافِ
مَقْصُودُها إنْذارُ مَن أعْرَضَ عَمّا دَعا إلَيْهِ الكِتابُ في السُّورَةِ الماضِيَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والِاجْتِماعِ عَلى الخَيْرِ والوَفاءِ لِما قامَ عَلى وُجُوبِهِ مِنَ الدَّلِيلِ في الأنْعامِ، وتَحْذِيرِهِ بِقَوارِعِ الدّارَيْنِ، وهَذا أحْسَنُ مِمّا كانَ ظَهَرَ لِي وذَكَرْتُهُ عِنْدَ ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَقْصِدِ أمْرُ الأعْرافِ فَإنَّ اعْتِقادَهُ يَتَضَمَّنُ الإشْرافَ عَلى الجَنَّةِ والنّارِ والوُقُوفَ عَلى حَقِيقَةِ ما فِيها وما أُعِدَّ لِأهْلِها الدّاعِي إلى امْتِثالِ كُلِّ خَيْرٍ واجْتِنابِ كُلِّ شَرٍّ والِاتِّعاظِ بِكُلِّ مُرَقِّقٍ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المُتَرَدِّي بِرِداءِ الكِبْرِ وإزارِ العَظَمَةِ والجَلالِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي مِن رَحْمَتِهِ انْتِقامُهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ والضَّلالِ ”الرَّحِيم“ الهادِي لِأهْلِ الِاصْطِفاءِ إلى لُزُومِ طَرِيقِ الوَفاءِ ﴿المص﴾ .
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - في آخِرِ الَّتِي قَبْلَها أنَّهُ أنْزَلَ إلَيْهِمْ كِتابًا مُبارَكًا، وأمَرَ بِاتِّباعِهِ وعَلَّلَ إنْزالَهُ وذَكَرَ ما اسْتَتْبَعَهُ ذَلِكَ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ في مِنهاجِ البَلاغَةِ ومَيْدانِ البَراعَةِ، وكانَ مِن جُمْلَتِهِ أنْ أمَرَ المَدْعُوِّينَ بِهِ لَيْسَ إلّا إلَيْهِ، إنْ شاءَ هَداهم وإنْ شاءَ أضَلَّهم واسْتَمَرَّ فِيما لا بُدَّ مِنهُ في تَتْمِيمِ ذَلِكَ إلى أنْ خَتَمَ السُّورَةَ بِما انْعَطَفَ عَلى ما افْتُتِحَتْ بِهِ، فاشْتَدَّ اعْتِناقُهُ لَهُ (p-٣٤٨)حَتّى صارا كَشَيْءٍ واحِدٍ - أخَذَ يَسْتَدِلُّ عَلى ما خَتَمَ بِهِ تِلْكَ مِن سُرْعَةِ العِقابِ وعُمُومِ البِرِّ والثَّوابِ وما تَقَدَّمَهُ، فَقالَ مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَإ تَقْدِيرِهِ: [هُوَ] ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ أوْضَحَ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ فَلَمْ يَدَعْ بِها لَبْسًا ولَمْ يَذَرْ خَيْرًا إلّا أمَرَ بِهِ ولا شَرًّا إلّا نَهى عَنْهُ، فَإنْزالُهُ مِن عَظِيمِ رَحْمَتِهِ؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِما أكَّدَ ما أشارَ إلَيْهِ مِن رَحْمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: وأنْتَ أكْرَمُ النّاسِ نَفْسًا وأوْسَعُهم صَدْرًا وأجْمَلُهم قَلْبًا وأعْرَقُهم أصالَةً وأعْرَفُهم بِاسْتِعْطافِ المُباعِدِ واسْتِجْلابِ المُنافِرِ المُباغِضِ، وهَذا شَيْءٌ قَدْ خَصَّكَ بِهِ فَرَفَعَكَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ دَرَجاتٍ لا تُحْصى ومَراتِبَ لا حَدَّ لَها فَتُسْتَقْصى.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ البِعْثَةِ أوَّلًا النِّذارَةُ لِلرَّدِّ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، وكانَتْ مُواجَهَةُ النّاسِ بِالإنْذارِ شَدِيدَةً عَلى النُّفُوسِ، وكانَ الإقْدامُ عَلَيْها مِنَ الصُّعُوبَةِ بِمَكانٍ عَظِيمٍ؛ قَدَّمَ قَوْلَهُ مُسَبِّبًا عَنْ تَخْصِيصِهِ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ: ﴿فَلا يَكُنْ﴾ [وعَبَّرَ عَنِ القَلْبِ بِمَسْكَنِهِ الَّذِي هو أوْسَعُ مِنهُ مُبالَغَةً في الأمْرِ فَقالَ]: ﴿فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ مِن ضِيقٍ بِهِمْ أوْ خَوْفٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ﴿مِنهُ﴾ عَلى ما تَعَلَّقَ بِـ (أُنْزِلَ) مِن قَوْلِهِ: (p-٣٤٩)﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أيْ: نُذْرى لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ أوْ لِلْمُخالِفِينَ مِن سُرْعَةِ العِقابِ عَلى نَحْوِ ما أوْقَعَ - سُبْحانَهُ - بِالقُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ السّابِقَةِ - كَما أشارَ إلَيْهِ آخِرُ الأنْعامِ، وسَيَقُصُّ مِن أخْبارِهِمْ مِن هَذِهِ السُّورَةِ ”و“ لِتُنْذِرَ بِهِ ”ذِكْرى“ أيْ: عَظِيمَةٌ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِالبِشْرِ والمَواعِظِ والغُفْرانِ والرَّحْمَةِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ خِتامُ الأنْعامِ، وحَذْفُ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرِّسالَةِ لِكُلِّ مَن أمْكَنَ إنْذارُهُ وتَذْكِيرُهُ مِنَ العُقَلاءِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ لامُ (لِتُنْذِرَ) بِمَعْنى النَّهْيِ، أيْ: انْفِ الحَرَجَ لِكَذا، فَإنَّ مَن كانَ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ أقْدَمَ عَلى ما يُرِيدُ أوْ يُحْرَجُ، أيْ: لا يَكُنْ الحَرَجُ الواقِعُ لِأجْلِ أنْ تُنْذِرَ، أيْ: لِأجْلِ إنْذارِكَ بِهِ، والنَّهْيُ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُوِّلَ إلى الحَرَجِ مُبالَغَةً وأدَبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ بِهِ وتُذَكِّرَ بِهِ، فَإنَّهُ نُذْرى لِلْكافِرِينَ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، والآيَةُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُهُ (لِتُنْذِرَ) أوَّلًا، دالٌّ عَلى حَذْفِ (لِتُذَكِّرَ) ثانِيًا، وإثْباتُ المُؤْمِنِينَ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ المُخالِفِينَ أوَّلًا، فَإنَّ النُّفُوسَ عَلى قِسْمَيْنِ: نُفُوسٌ بَلِيدَةٌ جاهِلَةٌ بَعِيدَةٌ عَنْ عالَمِ الغَيْبِ غَرِيقَةٌ في طَلَبِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ والشَّهَواتِ الحَيَوانِيَّةِ فَبِعْثَةُ الرُّسُلِ في حَقِّهِمْ إنْذارٌ وتَخْوِيفٌ، ونُفُوسٌ شَرِيفَةٌ مُشْرِقَةٌ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ فَبِعْثَةُ الرُّسُلِ في حَقِّهِمْ تَذْكِيرٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ بِمُقْتَضى جَواهِرِها الأصْلِيَّةِ وجِبِلَّتِها الخِلْقِيَّةِ مُسْتَعِدَّةٌ لِلِانْجِذابِ إلى عالَمِ القُدْسِ إلّا أنَّهُ رُبَّما غَشِيَها غَواشٍ مِن عالَمِ الأجْسادِ فَيَعْرِضُ لَها (p-٣٥٠)نَوْعُ ذُهُولٍ وغَفْلَةٍ، فَإذا سَمِعَتْ دَعْوَةَ الأنْبِياءِ واتَّصَلَتْ بِها أنْوارُ أرْواحِ رُسُلِ اللَّهِ تَذَكَّرَتْ مَرْكَزَها وأبْصَرَتْ مَنشَأها، فاشْتاقَتْ إلى ما حَصَلَ هُناكَ مِنَ الرَّوْحِ والرَّيْحانِ فَطارَتْ نَحْوَهم كُلَّ مَطارٍ فَتَمَحَّضَتْ لَدَيْها تِلْكَ الأنْوارُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: واعْتِلاقُ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] واسْتَطْرَدَ مِنهُ لِما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ في آخِرِ السُّورَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وذَكَرَ ابْتِلاءَهم فِيما آتاهم، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ - ذَكَرَ ما يَكُونُ بِهِ التَّكالِيفُ، وهو الكِتابُ الإلَهِيُّ، وذَكَرَ الأمْرَ بِاتِّباعِهِ كَما أمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] انْتَهى. وقالَ شَيْخُهُ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ تَعالى ابْتِداءً بِالِاعْتِبارِ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] [ثُمَّ قالَ تَعالى]: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] ثُمَّ قالَ تَعالى (p-٣٥١)﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا﴾ [الأنعام: ٣٤] وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [الأنعام: ٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَوَقَعَتْ الإحالَةُ في هَذِهِ الآيِ عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ وما كانَ مِنهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم وهَلاكِ تِلْكَ القُرُونِ بِتَكْذِيبِهِمْ وعُتُوِّهِمْ وتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجَرَيانِ ما جَرى لَهُ بِمَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] فاسْتَدْعَتْ الإحالَةُ والتَّسْلِيَةُ بَسْطَ أخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ، والإعْلامَ بِصَبْرِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ وتَلَطُّفِهِمْ في دُعائِهِمْ، ولَمْ يَقَعْ في السُّوَرِ الأرْبَعِ قَبْلَ سُورَةِ الأنْعامِ مِثْلُ هَذِهِ الإحالَةِ والتَّسْلِيَةِ وقَدْ تَكَرَّرَتْ في سُورَةِ الأنْعامِ كَما تَبَيَّنَ بَعْدَ انْقِضاءِ ما قَصَدَ مِن بَيانِ طَرِيقِ المُتَّقِينَ أخْذًا وتَرْكًا وحالِ مَن حادَ عَنْ سُنَنِهِمْ مِمَّنْ رامَهُ أوْ قَصَدَهُ فَلَمْ يُوَفَّقْ لَهُ ولا أتَمَّ لَهُ أمَلَهُ مِنَ الفِرْقَتَيْنِ: المُسْتَنِدَةِ لِلسَّمْعِ والمُعْتَمِدَةِ لِلنَّظَرِ، فَحادَ الأوَّلُونَ بِطارِئِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وتَنَكَّبَ الآخَرُونَ بِسُوءِ التَّناوُلِ وقُصُورِ الأفْهامِ وعِلَّةِ حَيْدِ الفَرِيقَيْنِ السّابِقَةِ الأزَلِيَّةِ. فَلَمّا انْقَضى أمْرُ هَؤُلاءِ وصُرِفَ الخِطابُ إلى تَسْلِيَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَثْبِيتِ فُؤادِهِ (p-٣٥٢)بِذِكْرِ أحْوالِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ وأمْرِ الخَلْقِ بِالِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ، وقَدْ كانَ قُدِّمَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذِكْرِ الأنْبِياءِ
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] بَسَطَ تَعالى حالَ مَن وقَعَتْ الإحالَةُ عَلَيْهِ، واسْتَوْفى الكَثِيرَ مِن قِصَصِهِمْ إلى آخِرِ سُورَةِ هُودٍ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] فَتَأمَّلْ بِما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ المَقْصُودَةُ بِها قِصَصُ الأُمَمِ وبِما اخْتُتِمَتْ يَلُحْ لَكَ ما أشَرْتُ إلَيْهِ - واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ وتَأمَّلْ افْتِتاحَ سُورَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] وخَتْمَ القَصَصِ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] بَعْدَ تَعْقِيبِ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ بِقِصَّةِ بَلْعامَ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٦] فَتَأمَّلْ هَذا الإيماءَ بَعْدَ ذِكْرِ القَصَصِ، وكَيْفَ ألْحَقَ مَن كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ بِمَن قَصَّ ذِكْرَهُ مِنَ المُكَذِّبِينَ، وتَأمَّلْ افْتِتاحَ ذِكْرِ الأشْقِياءِ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ وخَتْمَها بِقِصَّةِ بَلْعامَ وكِلاهُما مِمَّنْ كَفَرَ عَلى عِلْمٍ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ مَوْعِظَةٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى إثْرَ ذَلِكَ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ [الأعراف: ١٧٨] فَبَدَأ الِاسْتِجابَةَ بِنَبِيِّهِ ﷺ بِذِكْرِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ وعَلى مَن اسْتَجابَ لَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ (p-٣٥٣)فَأشارَ إلى نِعْمَتِهِ بِإنْزالِ الكِتابِ الَّذِي جَعَلَهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وأشارَ هُنا إلى ما يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ وشَرْحِ الصُّدُورِ بِما جَرى مِنَ العَجائِبِ والقِصَصِ مَعَ كَوْنِهِ هُدًى ونُورًا، فَقالَ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ أيْ: أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِمّا أحَلْناكَ عَلَيْهِ ما يَرْفَعُ الحَرَجَ ويُسَلِّي النُّفُوسَ لِتُنْذِرَ بِهِ كَما أنْذَرَ مَن قَبْلَكَ مِمَّنْ نَقُصُّ خَبَرَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ولِتَسْتَنَّ في إنْذارِكَ ودُعائِكَ وصَبْرِكَ سُنَنَهم، ولِيَتَذَكَّرَ المُؤْمِنُونَ. ثُمَّ أمَرَ عِبادَهُ بِالِاتِّباعِ لِما أنْزَلَهُ، فَقالَ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] فَإنَّ هَلاكَ مَن نَقُصُّ عَلَيْكم خَبَرَهُ مِنَ الأُمَمِ إنَّما كانَ لِعَدَمِ الِاتِّباعِ والرُّكُونِ إلى أوْلِيائِهِمْ مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيُبَيِّنَ لِعِبادِهِ ما جَرَتْ سُنَّتُهُ فِيهِمْ مِن تَسَلُّطِ الشَّياطِينِ وكَيْدِهِ وأنَّهُ عَدُوٌّ لَهم ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] ووَقَعَ في قِصَّةِ آدَمَ هُنا ما لَمْ يَقَعْ في قِصَّةِ البَقَرَةِ مِن بَسْطِ ما أجْمَلَ هُناكَ كَتَصْرِيحِ اللَّعِينِ بِالحَسَدِ وتَصَوُّرِ خَيْرِيَّتِهِ بِخَلْقِهِ مِنَ النّارِ وطَلَبِهِ الإنْظارَ والتَّسَلُّطِ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ والإذْنِ لَهُ في ذَلِكَ ووَعِيدِهِ ووَعِيدِ مُتَّبِعِيهِ ثُمَّ أخْذِهِ في الوَسْوَسَةِ إلى آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحَلِفِهِ لَهُ ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وكُلُّ هَذا مِمّا أُجْمِلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ولَمْ تَتَكَرَّرْ قِصَّةٌ إلّا وهَذا شَأْنُها، أعْنِي: أنَّها تُفِيدُ مَهْما تَكَرَّرَتْ ما لَمْ يَكُنْ حَصَلَ مِنها أوَّلًا؛ ثُمَّ انْجَرَّتِ (p-٣٥٤)الآيُ إلى ابْتِداءِ قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْتَمَرَّتْ القِصَصُ إلى قِصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَبَسَطَ هُنا مِن حالِهِمْ وأخْبارِهِمْ شَبِيهَ ما بَسَطَ في قِصَّةِ آدَمَ وما جَرى مِن مِحْنَةِ إبْلِيسَ، وفَصَّلَ هُنا الكَثِيرَ وذَكَرَ ما لَمْ يَذْكُرْ في البَقَرَةِ حَتّى لَمْ يَتَكَرَّرْ بِالحَقِيقَةِ ولا التَّعَرُّضِ لِقِصَصِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَقَطْ، ومِن عَجِيبِ الحِكْمَةِ أنَّ الواقِعَ في السُّورَتَيْنِ مِن كِلْتا القِصَّتَيْنِ مُسْتَقِلٌّ شافٍ، وإذا ضُمَّ بَعْضُ ذَلِكَ إلى بَعْضٍ ارْتَفَعَ إجْمالُهُ ووَضَحَ كَمالُهُ، فَتَبارَكَ مَن هَذا كَلامُهُ ومَن جَعَلَهُ حُجَّةً قاطِعَةً وآيَةً باهِرَةً.
ولَمّا أعْقَبَ تَعالى قِصَصَهم في البَقَرَةِ بِأمْرِهِ نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ فَقالَ تَعالى: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] أعْقَبَ تَعالى أيْضًا هُنا بِقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقَدْ خَرَجْنا عَنِ المَقْصُودِ فَلْنَخْرُجْ إلَيْهِ. انْتَهى.
7:3Page 151
ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣
Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.
ولَمّا تَقَدَّمَ - سُبْحانَهُ - إلَيْهِ ﷺ في أمْرِ الإنْذارِ والإذْكارِ بِالكِتابِ - تَقَدَّمَ إلى أتْباعِهِ فَأمَرَهم بِاتِّباعِهِ ونَهاهم عَنْ اتِّباعِ أهْلِ الضَّلالِ وما يُوحِي إلَيْهِمْ أوْلِياؤُهم مِن زَخارِفِهِمْ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ بِكَوْنِهِ ذِكْرى أنَّهُ سَبَبٌ لِعُلُوِّ شَأْنِهِمْ وعِزِّ سُلْطانِهِمْ، فَقالَ مُلْتَفِتًا إلَيْهِمْ مُقْبِلًا بِعِزِّ جَلالِهِ (p-٣٥٥)عَلَيْهِمْ ﴿اتَّبِعُوا﴾ أيْ: حَمِّلُوا أنْفُسَكم حِمْلًا عَظِيمًا بِجِدٍّ ونَشاطٍ عَلى اتِّباعِ ﴿ما أُنْـزِلَ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: قَدْ خُصِصْتُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِكم فاشْكُرُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ مُحْسِنًا إلَيْكم ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالِافْتِعالِ إيماءً إلى أنَّ ما كانَ دُونَ عِلاجٍ - بَلْ هَفْوَةٌ وبِنَوْعِ غَفْلَةٍ - في مَحَلِّ العَفْوِ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ: دُونِ رَبِّكم ﴿أوْلِياءَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ نَهَيْناكم عَنْهم في الأنْعامِ وبَيَّنّا ضَرَرَهم لَكم مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، وعَدَمَ إغْنائِهِمْ وأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِرَبِّكم.
ولَمّا كانُوا قَدْ خالَفُوا في اتِّباعِهِمْ صَرِيحَ العَقْلِ وسَلِيمَ الطَّبْعِ، وعِنْدَهم أمْثِلَةُ ذَلِكَ لَوْ تَذَكَّرُوا، قالَ مُنَبِّهًا لَهم عَلى تَذَكُّرِ ما يَعْرِفُونَ مِن تَصَرُّفاتِهِمْ: ﴿قَلِيلا﴾ وأكَّدَ التَّقْلِيلَ بِـ (ما) النّافِي وبِإدْغامِ تاءِ التَّفْعِيلِ فَقالَ: ﴿ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تُعالِجُونَ أنْفُسَكم عَلى ذِكْرِ ما هو مَرْكُوزٌ في فِطَرِكم الأُولى فَإنَّكم مُقِرُّونَ بِأنَّ رَبَّكم رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، فَكُلُّ مَن تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَرْبُوبٌ، وأنْتُمْ لا تَجِدُونَ في عُقُولِكم ولا طِباعِكم ولا اسْتِعْمالاتِكم ما يَدُلُّ بِنَوْعِ دِلالَةٍ عَلى أنَّ مَرْبُوبًا يَكُونُ شَرِيكًا لِرَبِّهِ.
7:4Page 151
وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ ٤
And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.
ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ ما يُتَذَكَّرُ سارُّ النِّعَمِ وضارُّ النِّقَمِ لِلْإقْبالِ عَلى اللَّهِ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ وعَدَمِ الِاغْتِرارِ بِأسْبابِ الأمْنِ والرّاحَةِ - قالَ: ﴿وكَمْ﴾ أيْ: قَلَّ تَذَكُّرُكم وخَوْفُكم مِن سَطْواتِنا والحالُ أنَّهُ (p-٣٥٦)كَمْ ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ وإنْ جَلَّتْ. ولَمّا كانَ المُرادُ المُبالَغَةَ في الإهْلاكِ، أسْنَدَهُ إلى القَرْيَةِ والمُرادُ أهْلُها فَقالَ: ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ لِظُلْمِها بِاتِّباعِ مَن دُونَ اللَّهِ، فَلا تَغْتَرُّوا بِأوْلِيائِكم مِن دُونِهِ وأنْتُمْ عالِمُونَ بِأنَّهم لَمْ يَنْفَعُوا مَن ضَلَّ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ وقْتَ إنْزالِنا بِهِمْ السَّطْوَةَ وإحْلالِنا بِهِمْ النِّقْمَةَ وتَحَقُّقِ المُهْلَكُونَ إذْ ذاكَ - مَعَ أنَّهم كانُوا أشَدَّ بَطْشًا وأكْثَرَ عَدَدًا وأمْتَنَ كَيْدًا - عَدَمَ إغْنائِهِمْ فَلَمْ يُوَجِّهُوا آمالَهم نَحْوَهم.
ولَمّا كانَ المَعْنى: أرَدْنا إهْلاكَها وحَكَمْنا بِهِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ أيْ: عَذابُنا بِما لَنا مِنَ القُوَّةِ والعَظَمَةِ. أوْ الإهْلاكُ عَلى حَقِيقَتِهِ وهَذا تَفْصِيلٌ لَهُ وتَفْسِيرٌ. ولَمّا كانَ لا فَرْقَ في إتْيانِ عَذابِهِ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ كَوْنِهِ لَيْلًا أوْ نَهارًا، وكانَ أفْحَشُ البَأْسِ وأشَدُّهُ ما كانَ في وقْتِ الرّاحَةِ والدَّعَةِ والغَفْلَةِ - قالَ: ﴿بَياتًا﴾ أيْ: وقْتَ الِاسْتِكْنانِ في البُيُوتِ لَيْلًا كَما أهْلَكَ قَوْمَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقْتَ السَّحَرِ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلَها - بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ [لِأنَّهُ إذا حُذِفَ المُضافُ جازَ فِيهِ اعْتِبارانِ بِحَسَبِ ما يَحْسُنُ مِنَ المَعْنى: أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ - كَما في أوَّلِ الآيَةِ، وأنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ - كَما في هَذا الأخِيرِ لِبَيانِ أنَّ الأهْلَ هم المَقْصُودُونَ بِالذّاتِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّهْدِيدِ]: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ أيْ (p-٣٥٧)نائِمُونَ وقْتَ القائِلَةِ أوْ مُسْتَرِيحُونَ مِن غَيْرِ نَوْمٍ كَما أهْلَكَ قَوْمَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْنِي: أنَّهم كانُوا في كُلٍّ مِنَ الوَقْتَيْنِ غافِلِينَ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا آمِنِينَ، لَمْ يَظُنُّوا أنَّ شَيْئًا مِن أعْمالِهِمْ مُوجِبٌ لِلْعَذابِ ولا كانُوا مُتَرَقِّبِينَ لِشَيْءٍ مِنهُ، فالتَّقْدِيرُ: بَياتًا هم فِيهِ بائِتُونَ أيْ: نائِمُونَ، أوْ قائِلَةٌ هم فِيها قائِلُونَ أيْ: نائِمُونَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ إثْباتُ (بَياتًا) أوَّلًا عَلى حَذْفِ (قائِلَةٍ) ثانِيًا، وإثْباتُ (هم قائِلُونَ) ثانِيًا عَلى حَذْفِ (هم نائِمُونَ) أوَّلًا، والَّذِي أرْشَدَنا إلى هَذا المَعْنى الحَسَنِ سَوْقُ (هُمْ) مِن غَيْرِ واوٍ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى فِيما يَأْتِي: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] فالأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ أوَّلًا نائِمُونَ، وثانِيًا نَهارًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: بَياتًا هم فِيهِ نائِمُونَ، أوْ نَهارًا هم فِيهِ قائِلُونَ، وبَيَّنَ عَظَمَةَ ما جاءَهم وهَوَّلَهُ بِأنَّهم في كُلٍّ مِنَ الوَقْتَيْنِ لَمْ يَقَعْ في فِكْرِ أحَدٍ مِنهم التَّصْوِيبُ إلى مُدافَعَتِهِ بِما سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ:
7:5Page 151
فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٥
And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"
﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ أيْ: قَوْلُهم الَّذِي اسْتَدْعَوْهُ ﴿إذْ جاءَهم بَأْسُنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ أيْ: إلّا قَوْلَهم ﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ الجِبِلَّةِ ﴿ظالِمِينَ﴾ أيْ: في أنّا لَمْ نَتَّبِعْ ما أُنْزِلَ إلَيْنا مِن رَبِّنا، فَلَمْ يُفِدْهم ذَلِكَ شَيْئًا غَيْرَ شِدَّةِ التَّحَسُّرِ؛
7:6Page 151
فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦
Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.
ثُمَّ سَبَّبَ عَمّا مَضى مِن أمْرِ الرَّسُولِ والأُمَمِ (p-٣٥٨)قَوْلَهُ دَفْعًا لِوَهْمِ مَن يَظُنُّ أنَّ الأمْرَ انْقَضى بِما عُذِّبُوا بِهِ في الدُّنْيا: ﴿فَلَنَسْألَنَّ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لِلْعُصاةِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ لِلْمُطِيعِينَ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ﴾
ولَمّا كانَتْ المَلامَةُ عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مُعَيَّنًا بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: وهم الأُمَمُ، هَلْ امْتَثَلُوا أوامِرَنا وأحْجَمُوا عِنْدَ زَواجِرِنا كَما أمَرَتْهُمُ الرُّسُلُ أمْ لا ﴿ولَنَسْألَنَّ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: هَلْ كانَ في صُدُورِهِمْ حَرَجٌ مِمّا أرْسَلْناهم بِهِ وهَلْ بَلَّغُوهُ أمْ لا يَوْمَ تَكُونُونَ شُهَداءَ عَلى النّاسِ بِما عَلِمْتُمْ مِن شَهادَتِي في هَذا القُرْآنِ ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فَإنّا لا بُدَّ أنْ نُحْيِيَكم بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ نَسْألَكم في يَوْمٍ تَظْهَرُ فِيهِ السَّرائِرُ وتَنْكَشِفُ - وإنْ اشْتَدَّ خَفاؤُها - الضَّمائِرُ، ولَنُرِيَنَّ الأفْعالَ والأقْوالَ، ولا نَتْرُكُ شَيْئًا مِنَ الأحْوالِ.
7:7Page 151
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧
Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.
ولَمّا كانَ السُّؤالُ يُفْهِمُ خَفاءَ المَسْؤُولِ عَنْهُ عَلى السّائِلِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما يُزِيلُ هَذا الوَهْمَ بِقَوْلِهِ مُؤْذِنًا بِأنَّهُ أعْلَمُ مِنَ المَسْؤُولِينَ عَمّا سَألَهم عَنْ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ﴾ أيْ: بِما لَنا مِن صِفاتِ العَظَمَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِكُلِّ كَمالٍ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: المَسْؤُولِينَ مِنَ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ، جَمِيعَ أحْوالِهِمْ وما يَسْتَحِقُّونَ مِن جَزائِها ﴿بِعِلْمٍ﴾ أيْ: مَقْطُوعٍ بِهِ لا مَظْنُونٍ، فَقَدْ كُنّا مَعَهم في جَمِيعِ تَقَلُّباتِهِمْ ﴿وما كُنّا﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ كَما هو مُقْتَضى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿غائِبِينَ﴾ أيْ: مُطْلَقًا ولا عَنْ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ (p-٣٥٩)بَلْ عِلْمُنا شامِلٌ لِجَمِيعِ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى العَظَمَةِ ما لَنا مِن صِفاتِ الكَمالِ، [ومَن لَمْ يَكُنْ مُحِيطَ العِلْمِ بِأنْ يُمَيِّزَ المُطِيعَ مِنَ العاصِي لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا] .
7:8Page 151
وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨
And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.
ولَمّا تَقَدَّمَتْ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] الآيَةُ إلى أنَّ المُساواةَ الحَقِيقِيَّةَ في المِيزانِ مَعْجُوزٌ عَنْها وأنَّهُ أبْعَدُ المَقادِيرِ عَنِ التَّساوِي، والنَّصُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] عَلى قُدْرَةِ القَدِيرِ عَلى ذَلِكَ، وخَتَمَ الآيَةَ السّالِفَةَ بِإحاطَةِ العِلْمِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ عَلى أعْلى الوُجُوهِ - أكَّدَ الأمْرَ أيْضًا وقَصَرَهُ عَلى عِلْمِهِ هُنا، فَقالَ: ﴿والوَزْنُ﴾ بِمِيزانٍ حَقِيقِيٍّ لِصُحُفِ الأعْمالِ أوْ لِلْأعْمالِ أنْفُسِها بَعْدَ تَصْوِيرِها بِما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الصُّوَرِ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ يَقْذِفَ اللَّهُ في القُلُوبِ العِلْمَ بِهِ، ولَعَلَّهُ حالٌ مِن نُونِ العَظَمَةِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: إنّا لا نَكْتَفِي بِما نَقُصُّ بَلْ نَزِنُهُ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ أنَّهُ عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ التَّساوِي. قالَ أبُو حَيّانَ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ النَّحْوِيُّ الأصْفَهانِيُّ في إعْرابِهِ: (الوَزْنُ) مُبْتَدَأٌ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِهِ ﴿الحَقُّ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَإ، زادَ الأصْفَهانِيُّ فَقالَ: واسْتُضْعِفَ إعْمالُ المَصْدَرِ وفِيهِ لامُ التَّعْرِيفِ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ جاءَ في التَّنْزِيلِ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] - انْتَهى. أيْ: والوَزْنُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَقْصُورٌ عَلى الحَقِّ، يُطابِقُهُ الواقِعُ (p-٣٦٠)مُطابَقَةً حَقِيقِيَّةً لا فَضْلَ فِيها أصْلًا، ولا يَتَجاوَزُ الوَزْنُ في ذَلِكَ اليَوْمِ الحَقَّ إلى شَيْءٍ مِنَ الباطِلِ بِزِيادَةِ ذَرَّةٍ ولا نَقْصِها ولا ما دُونُ ذَلِكَ، فَتَحَرَّرَ أنَّ مَقْصُودَ السُّورَةِ الحَثُّ عَلى اتِّباعِ الكِتابِ، وهو يَتَضَمَّنُ الحَثَّ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ والدِّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ بِبَيانِ الأفْعالِ الهائِلَةِ في ابْتِداءِ الخَلْقِ وإهْلاكِ الماضِينَ إشارَةً إلى أنَّ مَن لَمْ يَتَّبِعْهُ ويُوَحِّدُ - مَن أنْزَلَهُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ، والمِنهاجِ الَّذِي وقَفَتْ دُونَهُ العُقُولُ والطِّباعُ، لِما قامَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ بِعَجْزِ مَن سِواهُ عَنْ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ - أوْشَكَ أنْ يُعاجِلَهُ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ بِعِقابٍ مِثْلَ عِقابِ الأُمَمِ السّالِفَةِ والقُرُونِ الخالِيَةِ مَعَ ما ادَّخَرَ لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن سُوءِ المُنْقَلَبِ وإظْهارِ أثَرِ الغَضَبِ.
ولَمّا أخْبَرَ أنَّ العِبْرَةَ بِالمِيزانِ عَلى وجْهٍ يَظْهَرُ أنَّهُ لا حَيْفَ فِيهِ بِوَجْهٍ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ﴾ أيْ: دُسَّتْ ورَسَبَتْ عَلى ما يُعْهَدُ في الدُّنْيا ﴿مَوازِينُهُ﴾ أيْ: مَوْزُوناتُ أعْمالِهِ، [أيْ: أعْمالُهُ] المَوْزُونَةُ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِها عَنْها إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ عَمَلٍ يُوزَنُ عَلى حِدَةٍ لِيَسْعى في إصْلاحِهِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيْ: العالُو الهِمَمِ ﴿هُمُ﴾ [أيْ: خاصَّةً] ﴿المُفْلِحُونَ﴾ أيْ: الظّاهِرُونَ بِجَمِيعِ مَآرِبِهِمْ
7:9Page 151
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩
And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.
﴿ومَن خَفَّتْ﴾ أيْ: طاشَتْ ﴿مَوازِينُهُ﴾ أيْ: الَّتِي تُوزَنُ فِيها الأعْمالُ الصّالِحَةُ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المُبْعَدُونَ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ فَكَيْفَ بِما دُونَها ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿يَظْلِمُونَ﴾ (p-٣٦١)أيْ: بِاسْتِمْرارِ ما يُجَدِّدُونَهُ مِن وضْعِها في غَيْرِ المَحَلِّ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ فِعْلُ مَن هو في ظَلامٍ. قالَ الحَسَنُ، وحَقٌّ لِمِيزانٍ تُوضَعُ فِيهِ [الحَسَناتُ أنْ يَثْقُلَ، وحَقٌّ لِمِيزانٍ تُوضَعُ فِيهِ] السَّيِّئاتُ أنْ يَخِفَّ.
7:10Page 151
وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ١٠
And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.
ولَمّا أمَرَ الخَلْقَ بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ وحَذَّرَهم مِن مُخالَفَتِهِمْ، فَأبْلَغَ في تَحْذِيرِهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا ثُمَّ بِعَذابِ الآخِرَةِ، التَفَتَ إلى تَذْكِيرِهِمْ تَرْغِيبًا في ذَلِكَ بِإسْباغِ نِعَمِهِ وتَحْذِيرًا مِن سَلْبِها؛ لِأنَّ المُواجَهَةَ أرْدَعُ لِلْمُخاطِبِ، فَقالَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكُمْ﴾ أيْ: خَسِرُوها والحالُ أنّا مَكَّنّاكم مِن إنْجائِها بِخَلْقِ القُوى والقُدَرِ وإدْرارِ النِّعَمِ، وجَعْلِنا مَكانًا يَحْصُلُ التَّمَكُّنُ فِيهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: كُلِّها، ما مِنها مِن بُقْعَةٍ إلّا وهي صالِحَةٌ لِانْتِفاعِهِمْ بِها ولَوْ بِالِاعْتِبارِ ﴿وجَعَلْنا لَكُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِيها مَعايِشَ﴾ أيْ: جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وهي أشْياءُ يَحْصُلُ بِها العَيْشُ، وهو تَصَرُّفُ أيّامِ الحَياةِ بِما يَنْفَعُ، والياءُ أصْلِيَّةٌ؛ فَلِذا لا تُهْمَزُ، [وكَذا ما ولِيَ ألِفَ جَمْعِهِ حَرْفُ عِلَّةٍ أصْلِيٌّ ولَيْسَ قَبْلَ ألِفِهِ واوٌ كَأوائِلَ ولا ياءٌ كَخَيائِرَ جَمْعُ أوَّلَ وخَيْرٍ فَإنَّهُ لا يُهْمَزُ إلّا شاذًّا كَمَنائِرَ ومَصائِبَ جَمْعُ مَنارَةٍ ومُصِيبَةٍ] .
ولَمّا كانَ حاصِلُ ما مَضى أنَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْجَدَهم وقَوّاهم وخَلَقَ لَهم [ما] يُدِيمُ قُواهم، فَأكَلُوا خَيْرَهُ وعَبَدُوا غَيْرَهُ - أنْتَجَ قَوْلَهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِمَن أسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً (p-٣٦٢)وباطِنَةً بِما تُنْجُونَ بِهِ أنْفُسَكم. وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ راجِعٌ لِلَّذِينِ خُوطِبُوا بِـ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْـزِلَ إلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] وما بَيْنَهُما أُورِدَ مَوْرِدَ الِاعْتِبارِ والِاتِّعاظِ بِذِكْرِ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم في الدُّنْيا وما يَؤُولُ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences