Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:124–136
7:124Page 165
لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٢٤
I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides; then I will surely crucify you all."
ثُمَّ فَسَّرَ ما أجْمَلَ مِن هَذا الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ﴾ أيِ: اليُمْنى مَثَلًا ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ أيِ: اليُسْرى، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن خِلافٍ﴾ أيْ: يُخالِفُ الطَّرَفُ (p-٣٢)- الَّذِي تُقْطَعُ مِنهُ اليَدُ - الطَّرَفَ الَّذِي تُقْطَعُ مِنهُ الرِّجْلُ.
ولَمّا كانَ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ الإنْذارَ، فَذَكَرَ فِيها ما وقَعَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والسَّحَرَةِ عَلى وجْهٍ يُهَوِّلُ ذِكْرَ ما كانَ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ عَلى وجْهٍ يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ، فَعَبَّرَ بِحَرْفِ التَّراخِي لِأنَّ فِيهِ - مَعَ الإطْنابِ الَّذِي يَكُونُ شاغِلًا لِأصْحابِهِ عَمّا أدْهَشَهم مِمّا رَأوْهُ - تَعْظِيمًا لِأمْرِ الصَّلْبِ. فَيَكُونُ أرْهَبَ لِلسَّحَرَةِ ولِمَن تَزَلْزَلَ بِهِمْ مِن قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ أيْ: أُعَلِّقَنَّكم مَمْدُودَةً أيْدِيكم لِتَصِيرُوا عَلى هَيْئَةِ الصَّلِيبِ، أوْ حَتّى يَتَقاطَرَ صَلِيبُكم وهو الدُّهْنُ الَّذِي فِيكم ﴿أجْمَعِينَ﴾ أيْ: لا أتْرُكُ مِنكم أحَدًا لِأجْعَلَكم نَكالًا لِغَيْرِكم.
7:125Page 165
قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ١٢٥
They said, "Indeed, to our Lord we will return.
ولَمّا كانَ حالًا يُشَوِّقُ النُّفُوسَ إلى جَوابِهِمْ، اسْتَأْنَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: أجْمَعُونَ، لَمْ يَرْتَعِ مِنهم إنْسانٌ ولا تَزَلْزَلَ عَمّا مَنَحَهُ اللَّهُ بِهِ مِن رُتْبَةِ الإيمانِ: ﴿إنّا إلى رَبِّنا﴾ أيِ: الَّذِي ما زالَ يُحْسِنُ إلَيْنا بِنِعَمِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ حَتّى جَعَلَ آخِرَ ذَلِكَ أعْظَمَ النِّعَمَ، لا إلى غَيْرِهِ ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: بِالمَوْتِ انْقِلابًا ثابِتًا لا انْفِكاكَ لَنا عَنْهُ إنْ صَلَبَتْنا أوْ تَرَكْتَنا، لا طَمَعَ لَنا في البَقاءِ في الدُّنْيا، فَنَحْنُ لا نُبالِي - بَعْدَ عِلْمِنا بِأنّا عَلى حالَةِ السُّعَداءِ - بِالمَوْتِ عَلى أيْ: حالَةٍ كانَ، أوِ المُرادُ أنّا نَنْقَلِبُ إذا قَتَلْتَنا إلى مَن يُحْسَنُ إلَيْنا بِما مِنهُ الِانْتِقامُ مِنكَ، ولِذَلِكَ أتْبَعُوهُ بِقَوْلِهِمْ:
7:126Page 165
وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ ١٢٦
And you do not resent us except because we believed in the signs of our Lord when they came to us. Our Lord, pour upon us patience1 and let us die as Muslims [in submission to You]."
﴿وما تَنْقِمُ﴾ أيْ: تُنْكِرُ ﴿مِنّا﴾ أيْ: فِعْلَكَ ذَلِكَ بِنا وتَعِيبُ عَلَيْنا ﴿إلا أنْ آمَنّا﴾ (p-٣٣)أيْ: إلّا ما هو أصْلُ المُفاخِرِ كُلِّها وهو الإيمانُ ﴿بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ: الَّتِي عَظُمَتْ بِكَوْنِها صادِرَةً عَنْهُ ولَمْ يَزَلْ مُحْسِنًا إلَيْنا فَوَجَبَ عَلَيْنا شُكْرُهُ ﴿لَمّا﴾ [أيْ: حِينَ] ﴿جاءَتْنا﴾ لَمْ نَتَأخَّرْ عَنْ مَعْرِفَةِ الصِّدْقِ [المُصَدِّقِ]، وهَذا يُوجِبُ الإكْرامَ لا الِانْتِقامَ؛ ثُمَّ آذَنُوهُ بِأنَّهم مُقْدِمُونَ عَلى كُلِّ ما عَساهُ أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ فَقالُوا: ﴿رَبِّنا﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا القادِرُ عَلى خَلاصِنا ﴿أفْرِغْ﴾ أيْ: صُبَّ صَبًّا غامِرًا ﴿عَلَيْنا﴾ أيْ: فِيما تَهَدَّدْنا بِهِ هَذا الَّذِي قَوَّيْتَهُ عَلَيْنا ﴿صَبْرًا﴾ أيْ: كَثِيرًا تَغْمُرُنا بِهِ كَما يَغْمُرُ الماءُ مَن يُفْرَغُ عَلَيْهِ حَتّى لا يُرَوِّعَنا ما يُخَوِّفُنا بِهِ ﴿وتَوَفَّنا﴾ أيِ: اقْبِضْ أرْواحَنا وافِيَةً حالَ كَوْنِنا ﴿مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في الِانْقِيادِ بِالظّاهِرِ والباطِنِ بِدَلائِلِ الحَقِّ، والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهم فِيما سَألُوهُ تَلْوِيحًا بِذِكْرِ الرَّبِّ فَلَمْ يُقَدِّرْهُ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] ولَمْ يَأْتِ في خَبَرٍ يُعْتَمَدُ أنَّهُ قَتَلَهُمْ، وسَيَأْتِي في آخِرِ الحَدِيدِ، عَنْ تارِيخِ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ ما هو صَرِيحٌ في خَلاصِهِمْ.
7:127Page 165
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ ١٢٧
And the eminent among the people of Pharaoh said, "Will you leave Moses and his people to cause corruption in the land and abandon you and your gods?" [Pharaoh] said, "We will kill their sons and keep their women alive; and indeed, we are subjugators over them."
ولَمّا قَنِعَ فِرْعَوْنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي بَهَرَتْ قَوْمَهُ تِلْكَ المُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ بِالِانْفِصالِ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي لَمْ يَدَعْ فِيهِ حِيلَةً إلّا خَيَّلَ بِها، وخَلَصَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْمِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهم بَعْضَ التَّمَكُّنِ، وكانَ السِّياقُ (p-٣٤)لِبَيانِ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ فاسِقٌ، أخْبَرَ تَعالى بِما قالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ بَعْدَ [ما] رَأوْا مِنَ المُعْجِزِ القاهِرِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠] وما بَعْدَهُ، أوْ عَلى قَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وقالَ المَلأُ﴾ أيِ: الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: ظانِّينَ أنَّ فِرْعَوْنَ مُتَمَكِّنٌ مِمّا يُرِيدُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ [مِنَ] الأذى مُنْكِرِينَ لِما وصَلَ إلَيْهِ الحالُ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ فَعَلَ ما فَعَلَ وآمَنَ بِهِ السَّحَرَةُ، وما عَمِلَ فِرْعَوْنُ شَيْئًا، لا قَتَلَهُ ولا حَبَسَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا يَعْتَرِفُ بِهِ لِقَوْمِهِ ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ﴾
ولَمّا كانَ ما كانَ في أوَّلِ مَجْلِسٍ مِن إيمانِ السَّحَرَةِ جَدِيرًا بِأنْ يَجُرَّ إلَيْهِ أمْثالَهُ، سَمَّوْهُ فَسادًا وجَعَلُوهُ مَقْصُودًا لِفِرْعَوْنَ إحْماءً لَهُ واسْتِغْضابًا فَقالُوا: ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ أيْ: يُوقِعُوا الفَسادَ وهو تَغْيِيرُ الدِّينِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيِ: الَّتِي هي الأرْضُ كُلُّها، وهي أرْضُنا هَذِهِ، أوِ الأرْضُ كُلُّها، لِكَوْنِ مِثْلِ هَذا الفِعْلِ جَدِيرًا بِرَدِّ أهْلِ الأرْضِ كُلِّهِمْ عَنْ عَقائِدِهِمْ ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ قِيلَ: كانَ أمَرَ قَوْمَهُ أنْ يَعْبُدُوا الأصْنامَ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، وقالَ الإمامُ: الأقْرَبُ أنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِوُجُودِ الصّانِعِ، وكانَ يَقُولُ: مُدَبِّرُ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ هو الكَواكِبُ، وأنَّهُ المَخْدُومُ في العالَمِ لِلْخَلْقِ أوْ لِتِلْكَ الطّائِفَةِ والمُرَبِّي لَهُمْ؛ ثُمَّ قالَ: وإذا كانَ مَذْهَبُهُ ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدِ اتَّخَذَ أصْنامًا عَلى صُوَرِ الكَواكِبِ ويَعْبُدُها عَلى ما هو دِينُ عَبَدَةِ الكَواكِبِ [انْتَهى]. ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] هَكَذا قِيلَ، (p-٣٥)وهُوَ ظاهِرُ عِبارَةِ التَّوْراةِ الآتِيَةِ في آيَةِ القَمْلِ، ولَكِنَّ إرادَتَهُ غَيْرُ مُلائِمَةٍ لِهَذِهِ المُعادَلَةِ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ كانَ سَمّى أمَراءَهُ آلِهَةً، وسَمّى لِكُلِّ أمِيرٍ قَوْمًا يَتَألَّهُونَهُ أيْ: يُطِيعُونَهُ، فَإنَّهُ نُقِلَ عَنْهم أنَّهم كانُوا يُسَمَّوْنَ الحاكِمَ بَلْ والكَبِيرَ إلَهًا كَما سَيَأْتِي عَنْ عِبارَةِ التَّوْراةِ، فَحَيْثُ وقَعَتِ المُوازَنَةُ بَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، عَبَّرَ بِالآلِهَةِ تَعْظِيمًا لِجانِبِهِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ إلَهٌ أيْ: حاكِمٌ مَعْبُودٌ، لَيْسَ وراءَهُ مُنْتَهًى ومَلَؤُهُ كُلُّهم آلِهَةٌ؛ أيْ: حُكّامٌ دُونَهُ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِإلَهٍ ولا في قَوْمِهِ إلَهٌ بَلْ هم مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ فَهم ضُعَفاءُ فَكَيْفَ يُتْرَكُونَ! وحَيْثُ نَفى الإلَهِيَّةَ عَنْ غَيْرِهِ فَبِالنَّظَرِ إلى خِطابِهِ لِلْمَلَأِ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] وحَيْثُ حَشَرَ الرَّعِيَّةَ ناداهم بِقَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وكَأنَّ ذَلِكَ كانَ يُطْلَقُ عَلى الحاكِمِ مَجازًا، فَجَعَلُوهُ حَقِيقَةً وصارُوا يَفْعَلُونَ ما يَخْتَصُّ بِهِ الآلِهَةُ [مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ] فَكَفَرُوا بِادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ بِمَعْنى العُبُودِيَّةِ، ونَفْيِ المَعْبُودِ الحَقِّ بِدَلِيلِ آيَةِ ”ما عَمِلْتُ“، والحاصِلُ أنَّهم عَيَّرُوهُ بِالرِّضى بِأنْ يَكُونَ رَئِيسًا عَلى القِبْطِ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ [رَئِيسًا] عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُوا بِهَذِهِ المُتارَكَةِ (p-٣٦)أكْفاءَ لِلْقِبْطِ.
ولَمّا أعْجَزَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَفْعَلَ أكْثَرَ مِمّا كانَ يَعْمَلُ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِما يُرادُ بِهِ مِنَ الِاسْتِدْراجِ إلى الهَلاكِ، أخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِما يُفْهِمُ ذَلِكَ؛ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ ﴿سَنُقَتِّلُ﴾ أيْ: تَقْتِيلًا كَثِيرًا ﴿أبْناءَهُمْ﴾ أيْ: كَما كُنّا نَفْعَلُ ﴿ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ أيْ: نُبْقِيهِمْ أحْياءَ إذْلالًا لَهم وأمْنًا مِن غائِلَتِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ ﴿وإنّا فَوْقَهُمْ﴾ أيِ: الآنَ ﴿قاهِرُونَ﴾ ولا أثَرَ لِغَلَبَةِ مُوسى لَنا في هَذِهِ المَناظِرِ لِئَلّا تَتَوَهَّمَ العامَّةُ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي تَحَدَّثَ المُنَجِّمُونَ والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِهِمْ عَلى يَدِهِ فَيُثَبِّطَهم ذَلِكَ عَنِ الطّاعَةِ، مُوهِمًا بِهَذا أنَّ تَرْكَهُ لِأذى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِعَدَمِ التِفاتِهِ إلَيْهِ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ عَنْهُ.
7:128Page 165
قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ١٢٨
Said Moses to his people, "Seek help through Allāh and be patient. Indeed, the earth belongs to Allāh. He causes to inherit it whom He wills of His servants. And the [best] outcome is for the righteous."
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا يَزِيدُ مِن قَلَقِ بَنِي إسْرائِيلَ لِما شَمُّوا مِن رائِحَةِ الفَرَجِ، اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الخَبَرَ عَمّا ثَبَّتَهم بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قائِلًا: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ وقِيامٌ [فِيما] يُرِيدُونَ مِنَ الأُمُورِ لَوِ اجْتَمَعَتْ قُلُوبُهم ﴿اسْتَعِينُوا﴾ أيْ: ألْصِقُوا طَلَبَ العَوْنِ ﴿بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ بِما يُرْضِيهِ مِنَ العِبادَةِ ﴿واصْبِرُوا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ولا مَفَرَّ مِن حُكْمِهِ فَقالَ: (p-٣٧)﴿إنَّ الأرْضَ﴾ أيْ:: كُلَّها؛ مِصْرَ وغَيْرَها ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، كَرَّرَهُ تَذْكِيرًا بِالعَظَمَةِ وتَصْرِيحًا وتَبَرُّكًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾
ولَمّا أخْبَرَ أنَّ نِسْبَةَ الكُلِّ إلَيْهِ واحِدَةٌ، أخْبَرَ بِما يَرْفَعُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ فَقالَ: ﴿والعاقِبَةُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ آخِرَ الأمْرِ وإنْ حَصَلَ بَلاءٌ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَقُونَ أنْفُسَهم سَخَطَ اللَّهِ بِعَمَلِ ما يُرْضِيهِ فَلا عِبْرَةَ بِما تَرَوْنَ في العاجِلِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ اسْتِدْراجًا.
7:129Page 165
قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٢٩
They said, "We have been harmed before you came to us and after you have come to us." He said, "Perhaps your Lord will destroy your enemy and grant you succession in the land and see how you will do."
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ مِن جَوابِهِمْ، أشارَ تَعالى إلى أنَّ قَلَقَهم كانَ وصَلَ إلى حَدٍّ لا صَبْرَ مَعَهُ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالُوا﴾ ولَمّا كانَ المُوجِعُ هو الأذى، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿أُوذِينا﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والِاسْتِعْبادِ.
ولَمّا كانَ أذاهم غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ، أثْبَتُوا الجارَّ فَقالُوا: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾ أيْ: كَما تَعْلَمُ ﴿ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ أيْ: فَما الَّذِي أفادَنا مَجِيئُكَ ﴿قالَ﴾ مُسَلِّيًا لَهم وداعِيًّا ومُرَجِّيًا بِما رَمَزَ إلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي أحْسَنَ إلى آبائِكم بِما تَعْرِفُونَ وإلَيْكم بِإرْسالِي إلَيْكم ﴿أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ فَلا يَهُولَنَّكم ما تَرَوْنَ ﴿ويَسْتَخْلِفَكُمْ﴾ أيْ: ويُوجِدَ خِلافَتَكم لَهم مُتَمَكِّنِينَ، لا يَحْكُمُ عَلَيْكم غَيْرُكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: جِنْسِها إنْ كُنْتُمْ مُتَّقِينَ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الِاسْتِخْلافِ قَوْلَهُ مُذَكِّرًا لَهم مُحَذِّرًا مِن (p-٣٨)سَطَواتِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَيَنْظُرَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ خُلَفاءُ مُتَمَكِّنُونَ ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ وهو في الأزَلِ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ مِنكم بَعْدَ إيقاعِكم لِلْأعْمالِ، ولَكِنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْكم عَلى مَجارِي عاداتِكم.
7:130Page 165
وَلَقَدۡ أَخَذۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٣٠
And We certainly seized1 the people of Pharaoh with years of famine and a deficiency in fruits that perhaps they would be reminded.
ولَمّا رَجّاهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ فَعَلَ ما أخْبَرَهم بِهِ، فَذَكَرَ مُقَدِّماتِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ: قالَ لَهم ما قالَ والحالُ أنّا وعِزَّتِنا قَدْ ﴿أخَذْنا﴾ أيْ: قَهَرْنا ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ ولَيَّنّا عَرِيكَتَهم وسَهَّلْنا شَكِيمَتَهم ﴿بِالسِّنِينَ﴾ أيْ: بِالقَحْطِ والجُوعِ، فَإنَّ السَّنَةَ يُطْلَقُ بِالغَلَبَةِ عَلى ذَلِكَ كَما تُطْلَقُ عَلى العامِ؛ ولَمّا كانَتِ السَّنَةُ تُطْلَقُ عَلى نَقْصِ الحُبُوبِ، صَرَّحَ بِالثِّمارِ فَقالَ: ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أيْ: بِالعاهاتِ إنْ كانَ الماءُ كَثِيرًا، أوِ السَّنَةَ لِلْبادِيَةِ والنَّقْصِ لِلْحاضِرَةِ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يَرْجُو ناظِرَهُ أنْ يَتَذَكَّرَ في نَفْسِهِ ولَوْ بِأدْنى وُجُوهِ التَّذَكُّرِ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ، فَإنَّ الضُّرَّ يُزِيلُ الشَّمّاخَةَ الَّتِي هي مَظِنَّةُ الوُقُوفِ مَعَ الحُظُوظِ ويُوجِبُ لِلْإنْسانِ الرِّقَّةَ فَيَقُولُ: هَذا إنَّما حَصَلَ لِي بِسَبَبِ تَكْذِيبِي لِهَذا الرَّسُولِ وعِبادَتِي مَن لا يَكْشِفُ السُّوءَ عَنْ نَفْسِهِ ولا غَيْرِهِ.
7:131Page 166
فَإِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣١
But when good [i.e., provision] came to them, they said, "This is ours [by right]." And if a bad [condition] struck them, they saw an evil omen in Moses and those with him. Unquestionably, their fortune is with Allāh, but most of them do not know.
ولَمّا لَمْ يَتَذَكَّرُوا ولا لانُوا، سَبَّبَ عَنْ أخْذِهِمْ قَوْلَهُ مُعَرِّفًا بِغَباوَتِهِمْ (p-٣٩)مُعَبِّرًا في الخَيْرِ بِأداةِ التَّحْقِيقِ إشارَةً إلى أنَّهُ أغْلَبُ مِنَ الشَّرِّ، حَثًّا عَلى الشُّكْرِ: ﴿فَإذا﴾ أيْ: فَما تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّهم كانُوا إذا ﴿جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ﴾ أيِ: الحالَةُ الكامِلَةُ الَّتِي يُحِبُّونَها مِنَ الخِصْبِ وغَيْرِهِ، وعَرَّفَها بَعْدَ تَحْقِيقِها إشارَةً إلى إكْمالِها ﴿قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيْ: نَحْنُ حَقِيقُونَ بِها، ودَلَّ عَلى أنَّ الخَيْرَ أكْثَرُ مِن غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ بِأداةِ الشَّكِّ مَعَ التَّنْكِيرِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: حالَةٌ يَكْرَهُونَها.
[ولَمّا كانَتِ الإصابَةُ بِالسَّيِّئاتِ تَخُصُّهم ولا يَلْحَقُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنها شَيْءٌ، فَكانَ إظْهارُهم لِلتَّطَيُّرِ بِهِمْ ظاهِرًا في رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ فِيهِ، أشارَ سُبْحانَهُ بِإدْغامِ التّاءِ إلى أنَّهم كانُوا إنَّما يَدُسُّونَهُ إلى مَن يُمْكِنُهُمُ اخْتِداعُهُ مِنَ الجَهَلَةِ والأغْبِياءِ عَلى وجْهِ الحِلْيَةِ والخَفاءِ، بِخِلافِ ما في يس فَقالَ]: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ أيْ:: يَتَشاءَمُوا ﴿بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ أيْ: بِأنْ يَقُولُوا: ما حَصَلَ لَنا هَذا السُّوءُ إلّا بِشُؤْمِهِمْ، وهو تَفَعُّلٌ مِنَ الطَّيْرِ، وهو تَعَمُّدُ قَصْدِ الطَّيْرِ لِأنْ يَطِيرَ لِلتَّفاؤُلِ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وأصْلُهُ أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا مَرَّ الطّائِرُ مِن مُيامِنِهِمْ إلى جِهَةِ مَياسِرِهِمْ قالُوا: بارِحٌ، أيْ: مَشْؤُومٌ، مِنَ البَرْحِ وهو الشِّدَّةُ، فَإذا طارَ مِن جِهَةِ اليَسارِ إلى جِهَةِ اليَمِينِ عَدُّوهُ مُبارَكًا، قالُوا: مِن لِي بِالسّانِحِ بَعْدَ البارِحِ، أيْ: بِالمُبارَكِ بَعْدَ المَشْؤُومِ، وعُرِفَ أنَّ المُرادَ هُنا التَّشاؤُمُ لِاقْتِرانِهِ بِالسَّيِّئَةِ.
ولَمّا كَذَّبُوا في المَوْضِعَيْنِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ: (p-٤٠)﴿ألا إنَّما طائِرُهُمْ﴾ أيْ: قَدَرُهُمُ الَّذِي سَبَقَ في الأزَلِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَلا يُزْدادُ ولا يُنْقَصُ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِغَيْرِهِ وقَدْ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ، فَلا يَقْدِرُ عَلى المَجِيءِ بِهِ غَيْرُهُ أصْلًا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهم أصْلًا فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى ما يَنْفَعُهم ويَظُنُّونَ أنَّ لِلْعِبادِ مَدْخَلًا في ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ تَراهم يُضِيفُونَ الأشْياءَ إلى أسْبابٍ يَتَوَهَّمُونَها.
7:132Page 166
وَقَالُواْ مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ١٣٢
And they said, "No matter what sign you bring us with which to bewitch us, we will not be believers in you."
ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي قالُوهُ يَدُلُّ عَلى سُوءِ المِزاجِ وجَلافَةِ الطِّباعِ بِما لا يَقْبَلُ العِلاجَ، أتْبَعَهُ ما هو شَرُّ مِنهُ، وهو أنَّهم جَزَمُوا بِأنَّهُ كُلَّما أتاهم شَيْءٌ في المُسْتَقْبَلِ قابَلُوهُ بِالكُفْرِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَهْما﴾ هي مُرَكَّبَةٌ مِن ”ما“ مَرَّتَيْنِ: الأُولى الشَّرْطِيَّةُ والثّانِيَةُ تَأْكِيدٌ. قُلِبَتْ ألِفُ الأُولى هاءً اسْتِثْقالًا، قِيلَ: [مَهْ] هي الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ لِلْكَفِّ وما الشَّرْطِيَّةُ، أيْ: كُفَّ عَنْكَ ما أنْتَ فِيهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا ”ما“ ﴿تَأْتِنا بِهِ﴾ أيْ: في أيْ: وقْتٍ وعَلى أيِّ حالَةٍ كانَ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا المَأْتِيَّ بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ أيْ: عَلامَةٍ عَلى صِدْقِكَ، وهَذا عَلى زَعْمِهِ، ولِذَلِكَ عَلَّلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لِتَسْحَرَنا﴾ أيْ: لِتُخَيِّلَ عَلى عُقُولِنا ﴿بِها﴾ وتَلْفِتَنا عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ إلى ما تُرِيدُ فَنَحْنُ نُسَمِّيها سِحْرًا وأنْتَ تُسَمِّيها آيَةً؛ ثُمَّ أجابُوا الشَّرْطَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَما نَحْنُ﴾ أيْ: كُلُّنا ﴿لَكَ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِن أنْ نُكَذِّبَكَ.
7:133Page 166
فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٖ مُّفَصَّلَٰتٖ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ١٣٣
So We sent upon them the flood and locusts and lice and frogs and blood as distinct signs, but they were arrogant and were a criminal people.
ولَمّا بارَزُوا بِهَذِهِ العَظْمِيَّةِ، اسْتَحَقُّوا النَّكالَ فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: (p-٤١)﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ﴾ أيْ: عَذابًا لَهُمْ، لِما يُفْهِمُهُ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ ﴿الطُّوفانَ﴾ أيِ: الرَّعْدَ والبَرْقَ والنّارَ مَعَ المَطَرِ والبَرَدِ الكِبارِ الَّذِي يَقْتُلُ البَقَرَ فَما دُونَها، والظُّلْمَةَ والرِّيحَ الشَّدِيدَةَ الَّتِي عَمَّتْ أرْضَهم وطافَتْ بِها؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أخْصَبَتْ بِهِ الأرْضُ، أخْبَرَ أنَّهُ أرْسَلَ ما يُفْسِدُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿والجَرادَ﴾
ولَمّا كانَ الجَرادُ رُبَّما طارَ وقَدْ أبْقى شَيْئًا، أخْبَرَ بِما يَسْتَمِرُّ لازِقًا في الأرْضِ حَتّى لا يَدَعَ بِها شَيْئًا فَقالَ: ﴿والقُمَّلَ﴾ قالَ في القامُوسِ: القُمَّلُ كالسُّكَّرِ: صِغارُ الذَّرِّ والدَّبى الَّذِي لا أجْنِحَةَ لَهُ، وهو أصْغَرُ الجَرادِ أوْ شَيْءٌ صَغِيرٌ بِجَناحٍ أحْمَرَ، وشَيْءٌ يُشْبِهُ الحَلَمَ خَبِيثُ الرّائِحَةِ أوْ دَوابُّ صِغارٌ كالقِرْدانِ يَعْنِي القُرادَ. وقالَ البُخارِيُّ في بَنِي إسْرائِيلَ مِن صَحِيحِهِ: القُمَّلُ: الحَمْنانُ يُشْبِهُ صِغارَ الحَلَمِ.
ولَمّا رُبَّما كانَ عِنْدَهم شَيْءٌ مَخْزُونًا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ ذَلِكَ، أخْبَرَ بِما يَسْقُطُ نَفْسُهُ في الأكْلِ فَيُفْسِدُهُ أوْ يُنْقِصُهُ فَقالَ: ﴿والضَّفادِعَ﴾ فَإنَّها عَمَّتْ جَمِيعَ أماكِنِهِمْ، وكانَتْ تَتَساقَطُ في أطْعِمَتِهِمْ، ورُبَّما وثَبَتْ إلى أفْواهِهِمْ حِينَ يَفْتَحُونَها لِلْأكْلِ.
ولَمّا تَمَّ ما يَضُرُّ بِالمَأْكَلِ، أتْبَعَهُ ما أفْسَدَ المَشْرَبَ فَقالَ: ﴿والدَّمَ﴾ فَإنَّ مِياهَهُمُ انْقَلَبَتْ كُلُّها دَمًا مُنْتِنًا، وعَمَّ الدَّمُ الشَّجَرَ والحِجارَةَ وجَمِيعَ (p-٤٢)الأرْضِ في حَقِّ القِبْطِ، وأمّا بَنُو إسْرائِيلَ فَسالِمُونَ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآياتِ العَظِيمَةَ، نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِها بِذِكْرِ حالِها فَقالَ: ﴿آياتٍ﴾ أيْ: عَلاماتٍ عَلى صِدْقِهِ عَظِيماتٍ ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، وبَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ وأُخْتِها حِينٌ يُخْتَبَرُونَ فِيهِ مَعَ أنَّ مُغايِرَةَ كُلِّ واحِدَةٍ لِأُخْتِها في غايَةِ الظُّهُورِ، وكَذا العِلْمُ بِأنَّها مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ.
ولَمّا كانَتْ حَقِيقَةً بَأنْ يَتَسَبَّبَ عَنْها الإيمانُ عِنْدَ سَلامَةِ القَلْبِ، سَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ مُبَيِّنًا أنَّ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ مَرَضُ القَلْبِ بِالكِبْرِ والطُّغْيانِ ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: في جِبِلَّتِهِمْ قَطْعُ ما يَنْبَغِي وصْلُهُ مَعَ قُوَّتِهِمْ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ.
7:134Page 166
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٣٤
And when the punishment descended upon them, they said, "O Moses, invoke for us your Lord by what He has promised you. If you [can] remove the punishment from us, we will surely believe you, and we will send with you the Children of Israel."
ولَمّا كانَ هَذا في الحَقِيقَةِ نَقْضًا لِما أخَذَهُ اللَّهُ عَلى العِبادِ بِعَهْدِ العَقْلِ، أتْبَعَهُ نَقْضًا حَقِيقِيًّا، فَقالَ مُبَيِّنًا لِحالِهِمْ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِما يَشْمَلُها ولَمْ يَنُصَّ عَلى التَّكْرارِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كافٍ فِيما ذُكِرَ مِنَ النَّقْضِ والفِسْقِ: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ يَعْنِي العَذابُ المُفَصَّلُ المُوجِبُ لِلِاضْطِرابِ ﴿قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنَ إلَيْكَ، ولَمْ يَسْمَحُوا كِبْرًا وشَماخَةً أنْ يُعَرِّفُوا بِهِ لِيَقُولُوا: رَبَّنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ: مِنَ النُّبُوَّةِ الَّتِي مِنها هَذا البِرُّ الَّذِي تَراهُ يَصْنَعُهُ بِكَ؛ ثُمَّ أكَّدُوا العَهْدَ بِقَوْلِهِمُ اسْتِئْنافًا (p-٤٣)أوْ تَعْلِيلًا: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ أيِ: العَذابَ الَّذِي اضْطَرَبَتْ قُلُوبُنا وجَمِيعُ أحَوْلِنا لَهُ ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ أيْ: لَنَجْعَلَنَّكَ آمِنًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِإيقاعِ التَّصْدِيقِ، ويَكُونُ ذَلِكَ خالِصًا لِأجْلِكَ وخاصًّا بِكَ ﴿ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ﴾ أيْ: في صُحْبَتِكَ، لا نَحْبِسُ أحَدًا مِنكم عَنِ الآخَرِ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: كَما سَألْتَ؛ ودَلَّ عَلى قُرْبِ الإجابَةِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ:
7:135Page 166
فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ١٣٥
But when We removed the punishment from them until a term which they were to reach,1 then at once they broke their word.
﴿فَلَمّا كَشَفْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ كَرَّرَهُ تَصْرِيحًا وتَهْوِيلًا، ومَدَدْنا الكَشْفَ ﴿إلى أجَلٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ ﴿هم بالِغُوهُ﴾ أيْ: في عِلْمِنا ﴿إذا هُمْ﴾ أيْ: بِضَمائِرِهِمُ الَّتِي تَجْرِي ظَواهِرُهم عَلى حَسَبِها ﴿يَنْكُثُونَ﴾
7:136Page 166
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٣٦
So We took retribution from them, and We drowned them in the sea because they denied Our signs and were heedless of them.
ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم فاجَؤُوا النَّكْثَ وكَرَّرُوهُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيِ: انْتِقامًا لَيْسَ كَذَلِكَ الَّذِي كُنّا نُؤْذِيهِمْ بِهِ، بَلِ انْتِقامُ إهْلاكٍ عِبْرَةً لِوُصُولِهِمْ بَعْدَ كَشْفِ جَمِيعِ الشُّبَهِ إلى مَحْضِ العِنادِ؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيْ: في البَحْرِ الَّذِي يُقْصَدُ لِمَنافِعِهِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِما عُرِفَ مِن صِحَّةِ نِسْبَتِها إلَيْنا، ودَلَّ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهم كَذَّبُوا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ لَهم بَلْ عِنادًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿عَنْها غافِلِينَ﴾ أيْ: يَكُونُ حالُهم بَعْدَها كَحالِهِمْ قَبْلَها، فَكَأنَّها لَمْ تَأْتِهِمْ أصْلًا فاسْتَحَقُّوا الأخْذَ لِوُقُوعِ العِلْمِ بِأنَّ الآياتِ لا تُفِيدُهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences