Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:146–153
7:146Page 168
سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦
I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness,1 they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.
ولَمّا انْقَضى ذَلِكَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَيْفَ يَخْتارُ عاقِلٌ ذَلِكَ؟ فَكَيْفَ بِمَن رَأى الآياتِ وشاهَدَ المُعْجِزاتِ؟ فَقالَ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ أيِ: المَسْمُوعَةِ والمَرْئِيَّةِ عَلى عَظَمَتِها بِما أشارَتْ إلَيْهِ الإضافَةُ بِالصَّرْفِ عَنْ فَهْمِها واتِّباعِها والقُدْرَةِ عَلى الطَّعْنِ فِيها بِما يُؤَثِّرُ في إبْطالِها (p-٨٣)﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ الكِبْرَ بِما لَيْسَ لَهم ويَعْمَلُونَ قُواهم فِيهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: جِنْسِها الَّذِي أمَرْتُ بِالتَّواضُعِ فِيهِ.
ولَمّا كانَ مَن رَفَعَهُ اللَّهُ بِصِفَةٍ فاضِلَةٍ فَوَضَعَ نَفْسَهُ مَوْضِعَها ولَمْ يُهِنْها نَظَرًا لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ ومَنَحَهُ إيّاهُ رُبَّما سُمِّيَ ذَلِكَ كِبْرًا، ورُبَّما سُمِّيَ طَلَبُهُ لِتِلْكَ الأخْلاقِ الَّتِي تُوجِبُ رِفْعَتَهُ تَكَبُّرًا، [ولَيْسَ كَذَلِكَ وإنْ وافَقَهُ في الصُّورَةِ، لِمُفارَقَتِهِ لَهُ في المَعْنى؛ فَإنَّهُ صِيانَةُ النَّفْسِ عَنِ الذُّلِّ، وهو إنْزالُ النَّفْسِ دُونَ مَنزِلَتِها صَنْعَةً لا تَواضُعًا، والكِبْرُ رَدُّ الحَقِّ واحْتِقارُ النّاسِ، فَفي التَّقْيِيدِ هُنا إشارَةٌ خَفِيَّةٌ لِإثْباتِ العِزَّةِ بِالحَقِّ والوُقُوفِ عَلى حَدِّ التَّواضُعِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ إلى الصَّنْعَةِ وُقُوفًا عَلى شَرْطِ العَزْمِ المَنصُوبِ عَلى مَتْنِ نارِ الكِبْرِ؛ قالَ الإمامُ السَّهَرْوَرْدِيُّ: ولا يُؤَيَّدُ في ذَلِكَ ويَثْبُتُ عَلَيْهِ إلّا أقْدامُ العُلَماءِ الرّاسِخِينَ] قالَ تَعالى احْتِرازًا عَنْهُ ومُدْخِلًا كُلَّ كِبْرٍ [خَلا] عَنِ الحَقِّ الكامِلِ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: إنَّما يَخْتارُ غَيْرَ الأحْسَنِ مَن يَخْتارُهُ بِقَضائِي الَّذِي لا يُرَدُّ وأمْرِي العالِي عَلى أمْرِ كُلِّ ذِي جِدٍّ فَأُزَيِّنُ لِمَن عَلِمْتُ خَباثَةَ عُنْصُرِهِ ورَداءَةَ جَوْهَرِهِ ما أُرِيدَ حَتّى يَرْتَكِبُوا كُلَّ قَبِيحَةٍ ويَتْرُكُوا كُلَّ مَلِيحَةٍ، فَيَنْصَرِفُونَ عَنِ الآياتِ ويَعْمُونَ عَنِ الدَّلالاتِ الواضِحاتِ.
ولَمّا أخْبَرَ بِتَكَبُّرِهِمْ في الحالِ، عَطَفَ عَلَيْهِ فِعْلَهم في المَآلِ فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ أيْ: مَرْئِيَّةً أوْ مَسْمُوعَةً ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ: لِتَكَبُّرِهِمْ (p-٨٤)عَنِ الحَقِّ ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ﴾ أيْ: طَرِيقَ ﴿الرُّشْدِ﴾ أيِ: الصَّلاحِ والصَّوابِ الَّذِي هو أهْلٌ لِلسُّلُوكِ ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ أيْ: فَلا يَسْلُكُونَهُ بِقَصْدٍ مِنهم ونَظَرٍ وتَعَمُّدٍ، بَلْ إنْ سَلَكُوهُ فَعَنْ غَيْرِ قَصْدٍ ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ أيِ: الضَّلالِ ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ أيْ: بِغايَةِ الشَّهْوَةِ والتَّعَمُّدِ والِاعْتِمالِ لِسُلُوكِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا مَحَلَّ عَجَبٍ، أجابَ مَن يَسْألُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الصَّرْفُ العَظِيمُ الَّذِي زادَ عَنْ مُطْلَقِ الصَّرْفِ بِالعَمى عَنِ الإيمانِ واتِّخاذِ الرَّشادِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿وكانُوا عَنْها﴾ [أيْ] خاصَّةً جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿غافِلِينَ﴾ أيْ: كانَ دَأْبُهم ودَيْدَنُهم مُعامَلَتَهم لَها بِالإعْراضِ عَنْها حَتّى كَأنَّها مَغْفُولٌ عَنْها فَهم لِذَلِكَ يُصِرُّونَ عَلى ما يَقَعُ مِنهم.
7:147Page 168
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤٧
Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?
ولَمّا ذَكَرَ أحْوالَ المُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ أدّاهم كِبْرُهم إلى التَّكْذِيبِ في الدُّنْيا، ذَكَرَ أحْوالَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ﴾ أيْ: كَذَّبُوا بِها والحالُ أنَّ الَّذِينَ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: فَلَمْ يَعْتَبِرُوا عَظَمَتَها ﴿ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ولِقائِهِمْ إيّاها أوْ لِقائِهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ فِيها، اللّازِمِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ الحامِلِ التَّصْدِيقِ بِها عَلى مَعالِي الأخْلاقِ ﴿حَبِطَتْ﴾ أيْ: فَسَدَتْ فَسَقَطَتْ ﴿أعْمالُهُمْ﴾ [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ الغَفْلَةِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى إرادَتِها ثانِيًا، واللِّقاءُ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى إرادَتِهِ أوَّلًا].
(p-٨٥)ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ بَطَلَتْ؟ قِيلَ: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما﴾ أيْ: جَزاءَ ما ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِإبْطالِ أعْمالِهِمْ وإنْ عَمِلُوا كُلَّ حَسَنٍ سِوى الإيمانِ بِسَبَبِ أنَّهم أبْطَلُوا الآياتِ والآخِرَةَ بِتَكْذِيبِهِمْ بِها، أيْ: عَدُّوها باطِلَةً، والجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، والحاصِلُ أنَّهم لَمّا عَمُوا عَنِ الآياتِ لِأنَّهم لَمْ يَنْظُرُوا فِيها ولا انْقادُوا مَعَ ما دَلَّتْ عُقُولُهم عَلَيْهِ مِن أمْرِها، بَلْ سَدُّوا بابَ الفِكْرِ فِيها؛ زادَهُمُ اللَّهُ عَمًى فَخَتَمَ عَلى مَدارِكِهِمْ، فَصارَتْ لا يُنْتَفَعُ بِها فَصارُوا لا يَعُونَ، وهَذِهِ الآياتُ أعْظَمُ زاجِرٍ عَنِ التَّكَبُّرِ؛ فَإنَّها بَيَّنَتْ أنَّهُ يُوجِبُ الكُفْرَ والإصْرارَ عَلَيْهِ والوَهْنَ في جَمِيعِ الأُمُورِ،
7:148Page 168
وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨
And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يَتَعَجَّبُ المُوَفَّقُ مِنَ ارْتِكابِهِ، أعْقَبَهُ تَعالى مُبَيِّنًا ومُصَوِّرًا ومُحَقِّقًا لِوُقُوعِهِ ومُقَرِّرًا قَوْلَهُ عَطْفًا عَلى: ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] مُبَيِّنًا لِإسْراعِهِمْ في الكُفْرِ: ﴿واتَّخَذَ﴾ أيْ: بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿قَوْمُ مُوسى﴾ أيْ: بِاتِّخاذِ السّامِرِيِّ ورِضاهُمْ، ولَمْ يَعْتَبِرُوا شَيْئًا مِمّا أتاهم بِهِ مِن تِلْكَ الآياتِ الَّتِي لَمْ يُرَ مِثْلُها ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ إبْطائِهِ عَنْهم بِالعَشَرَةِ الأيّامِ الَّتِي أتْمَمْنا بِها الأرْبَعِينَ ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي كانَتْ مَعَهم مِن مالِهِمْ ومِمّا اسْتَعارُوهُ مِنَ القِبْطِ ﴿عِجْلا﴾ ولَمّا كانَ العِجْلُ اسْمًا لِوَلَدِ البَقَرِ، بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما يُشْبِهُ صُورَتَهُ فَقَطْ، فَقالَ مُبْدِلًا مِنهُ: ﴿جَسَدًا﴾
ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِأنَّهُ جَسَدٌ مُفْهِمًا لِأنَّهُ خالٍ مِمّا يُشْبِهُ النّاشِئَ (p-٨٦)عَنِ الرُّوحِ، قالَ: ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ أيْ: صَوْتٌ كَصَوْتِ البَقَرِ، والمَعْنى أنَّهُ لا أضَلَّ ولا أعْمى مِن قَوْمٍ كانَ مَعَهم حُلِيٌّ أخَذُوهُ مِمَّنْ كانُوا يَسْتَعْبِدُونَهم ويُؤْذُونَهم وهم مَعَ ذَلِكَ أكْفَرُ الكَفَرَةِ فَكانَ جَدِيرًا بِالبُغْضِ لِكَوْنِهِ مِن آثارِ الظّالِمِينَ الأعْداءِ فاعْتَقَدُوا أنَّهُ بِالصَّوْغِ صارَ إلَهًا وبالَغُوا في حُبِّهِ والعُبُودِيَّةِ لَهُ وهو جَسَدٌ يَرَوْنَهُ ويَلْمِسُونَهُ، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي هَداهُمُ اللَّهُ بِهِ واصْطَفاهُ لِكَلامِهِ يَسْألُ رُؤْيَةَ اللَّهِ فَلا يَصِلُ إلَيْها.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ نَصٌّ بِاتِّخاذِهِ إلَهًا، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّخَذُوا إلَهًا ﴿أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ أيْ: كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ كَما هَداهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى سَبِيلِ النَّجاةِ، مِنها سُلُوكُهم في البَحْرِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ كَما كانَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: سَلَبَ عَنْهُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ دُونَ باقِي أوْصافِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّ انْتِقاءَ التَّكْلِيمِ [يَسْتَلْزِمُ] انْتِفاءَ العِلْمِ، وانْتِفاءُ الهِدايَةِ إلى سَبِيلٍ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ القُدْرَةِ، وانْتِفاءُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ باقِي الأوْصافِ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا عَظِيمًا جِدًّا مُسْتَبْعَدَ الوُقُوعِ ولا سِيَّما مِن قَوْمٍ نَبِيُّهم بَيْنَهم ولا سِيَّما وقَدْ أراهم مِنَ النِّعَمِ والآياتِ ما مَلَأتْ أنْوارُهُ الآفاقَ، كانَ جَدِيرًا بِالتَّأْكِيدِ فَقالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ أيْ: بِغايَةِ الجِدِّ والنَّشاطِ والشَّهْوَةِ ﴿وكانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا مَعَ ما أثْبَتَ لَهم مِنَ الأنْوارِ (p-٨٧)﴿ظالِمِينَ﴾ أيْ: حالُهم حالُ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ، أوْ أنَّ المَقْصُودَ أنَّ الظُّلْمَ وصْفٌ لَهم لازِمٌ، فَلا بِدَعَ إذا فَعَلُوا أمْثالَ ذَلِكَ.
7:149Page 168
وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩
And when regret overcame them1 and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."
ولَمّا كانَ هَذا في سِياقِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] فَأنْتَجَ أنَّ مَن كَذَبَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ أُهْلِكَ، فانْتَظَرَ السّامِعُ الإخْبارَ بِتَعْجِيلِ هَلاكِهِمْ، أخْبَرَ بِأنَّهُ مَنَعَهم مِن ذَلِكَ وحَرَمَهُمُ المُبادَرَةَ بِالتَّوْبَةِ، ولَمّا اشْتَدَّ مِن تَشَوُّفِ السّامِعِ إلَيْهِ، قَدَّمَهُ عَلى سَبَبِهِ وهو رُجُوعُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ وإنْكارُهُ عَلَيْهِمْ، ولِأنَّ السِّياقَ في ذِكْرِ إسْراعِهِمْ في الفِسْقِ لَمْ يَذْكُرْ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ كَما في البَقَرَةِ؛ ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم تَبَيَّنَ لَهم عَنْ قُرْبِ سُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ لِكَوْنِ نَبِيِّهِمْ فِيهِمْ، عَبَّرَ بِما أفْهَمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَسُقِطَ في أيْدِيهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ] سائِقًا مَساقَ ما هو مَعْرُوفٌ: ﴿ولَمّا سُقِطَ﴾ أيْ: سَقَطَتْ أسْنانُهم ﴿فِي أيْدِيهِمْ﴾ بَعْضُها نَدَمًا سُقُوطًا كَأنَّهُ بِغَيْرِ اخْتِيارٍ لِما غَلَبَ فِيهِ مِنَ الوَجْدِ والأسَفِ الَّذِي أزالَ تَأمُّلَهم ولِذَلِكَ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ ﴿ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ الواضِحِ ﴿قالُوا﴾ تَوْبَةً ورُجُوعًا إلى اللَّهِ كَما قالَ أبُوهم آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ أيِ: الَّذِي لَمْ يَقْطَعْ قَطُّ إحْسانَهُ عَنّا فَكَيْفَ غَضَبُهُ ويُدِيمُ إحْسانَهُ ﴿ويَغْفِرْ لَنا﴾ أيْ: يَمْحُو ذُنُوبَنا عَيْنًا وأثَرًا لِئَلّا يَنْتَقِمَ مِنّا في المُسْتَقْبَلِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: فَيَنْتَقِمُ مِنّا بِذُنُوبِنا.
7:150Page 169
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥٠
And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people overpowered me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me1 and do not place me among the wrongdoing people."
ولَمّا أخْبَرَ بِالسَّبَبِ في تَأْخِيرِ الِانْتِقامِ عَنْهم مَعَ مُساواتِهِمْ لِمَن أُوقِعَتْ (p-٨٨)بِهِمُ النِّقْمَةُ في مُوجِبِ الِانْتِقامِ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِحالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم عِنْدَ رُجُوعِهِ إلَيْهِمْ مِنَ الغَضَبِ لِلَّهِ والتَّبْكِيتِ لِمَن خالَفَهُ مَعَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ والتَّواضُعِ فَقالَ: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى﴾ أيْ: مِنَ المُناجاةِ ﴿إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ أيْ: في حالِ رُجُوعِهِ لَمّا أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن عِبادَةِ العِجْلِ ﴿أسِفًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الغَضَبِ والحُزْنِ ﴿قالَ بِئْسَما﴾ أيْ: خِلافَةُ خِلافَتِكُمُ الَّتِي ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ أيْ: قُمْتُمْ مَقامِي وفَعَلْتُمْ مَقامِي وفَعَلْتُمْ خَلْفِي.
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّهم فَعَلُوهُ مِن رِوائِهِ وهو حاضِرٌ في طَرَفِ العَسْكَرِ، قالَ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ أيْ: حَيْثُ عَبَدْتُمْ غَيْرَ اللَّهِ أيُّها العَبَدَةُ، وحَيْثُ لَمْ تَكْفُوهم أيُّها المُوَحِّدُونَ بَعْدَ ذَهابِي إلى الجَبَلِ لِلْمُواعَدَةِ الإلَهِيَّةِ وبَعْدَ ما سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنَ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ تَعالى وإفْرادِهِ عَنْ خَلْقِهِ بِالعِبادَةِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، وقَدْ رَأيْتُمْ حِينَ كَفَفْتُكم وزَجَرْتُكم عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ حِينَ قُلْتُمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ومِن حَقِّ الخُلَفاءِ أنْ يَسِيرُوا سِيرَةَ المُسْتَخْلِفِ ولا يُخالِفُوهُ في شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ قَدْ أمَرَهُمُ أنْ لا يُحْدِثُوا حَدَثًا حَتّى يَعُودَ إلَيْهِمْ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ انْتِظارِهِ فَقالَ: ﴿أعَجِلْتُمْ﴾ قالَ الصَّغانِيُّ في المَجْمَعِ: سَبَقْتُمْ، وقالَ غَيْرُهُ: عَجِلَ عَنِ الأمْرِ، إذا تَرَكَهُ غَيْرَ تامٍّ، ويُضَمَّنُ مَعْنى سَبَقَ، فالمَعْنى: (p-٨٩)سابِقِينَ ﴿أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِيعادَ الَّذِي ما زالَ مُحْسِنًا إلَيْكُمْ، أيْ: فَعَلْتُمْ هَذا قَبْلَ بُلُوغِ أمْرِ المَوْعِدِ الَّذِي زادَ فِيهِ رَبِّي وهو العَشَرَةُ الأيّامِ بِرُجُوعِي إلَيْكم إلى حَدِّهِ، فَظَنَنْتُمْ أنِّي مُتٌّ فَغَيَّرْتُمْ كَما غَيَّرَتِ الأُمَمُ بَعْدَ مَوْتِ أنْبِيائِها، قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ أيْضًا: عَجِلْتُمْ: سَبَقْتُمْ، ومِنهُ تَقُولُ: عَجِلْتُ فُلانًا سَبَقْتُهُ، وأسْنَدَهُ ابْنُ التَّيّانِيِّ إلى الأصْمَعِيِّ.
﴿وألْقى الألْواحَ﴾ أيِ: الَّتِي فِيها التَّوْراةُ غَضَبًا لِلَّهِ وإرْهابًا لِقَوْمِهِ، ودَلَّ هَذا عَلى أنَّ الغَضَبَ بَلَغَ مِنهُ حَدًّا لَمْ يَتَمالَكْ مَعَهُ، وذَلِكَ في اللَّهِ تَعالى: ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ أيْ: بِشَعْرِهِ ﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ أيْ: بِناءً عَلى أنَّهُ قَصَّرَ وإعْلامًا لَهم بِأنَّ الغَضَبَ مِن هَذا الفِعْلِ قَدْ بَلَغَ مِنهُ مَبْلَغًا يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ لِأنَّهُ اجْتِثاثٌ لِلدِّينِ مِن أصْلِهِ.
ولَمّا كانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ مُقَصِّرٍ في نَهْيِهِمْ، أخَذَ في إعْلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُخَصِّصًا الأُمَّ وإنْ كانَ شَقِيقَهُ - تَذْكِيرًا لَهُ بِالرَّحِمِ المُوجِبَةِ لِلْعَطْفِ والرِّقَّةِ ولا سِيَّما وهي مُؤْمِنَةٌ وقَدْ قاسَتْ فِيهِ المَخاوِفَ، فاسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ وحَذَفَ أداةَ النِّداءِ وياءَ الإضافَةِ لِما يَقْتَضِيهِ الحالُ مِنَ الإيجازِ، وفَتَحَ الجُمْهُورُ المِيمَ تَشْبِيهًا [لَهُ] بِخَمْسَةَ عَشَرَ وعَلى حَذْفِ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ، وكَسَرَ المِيمَ ابْنُ عامِرٍ وحَمَزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ ياءِ الإضافَةِ تَخْفِيفًا ﴿إنَّ القَوْمَ﴾ أيْ: عَبَدَةَ العِجْلِ الَّذِينَ (p-٩٠)يَعْرِفُ قِيامَهم في الأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُونَها ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ أيْ: عَدُّونِي ضَعِيفًا وأوْجَدُوا ضَعْفِي بِإرْهابِهِمْ لِي ﴿وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أيْ: قارَبُوا ذَلِكَ لِإنْكارِي ما فَعَلُوهُ [فَسَقَطَ عَنِّي الوُجُوبُ].
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إطْلاقُهُ، خافَ أنْ يَمْنَعَهُ الغَضَبُ مِن ثَباتِ ذَلِكَ في ذِهْنِهِ وتَقَرُّرِهِ في قَلْبِهِ فَقالَ: ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ أيْ: لا تَسُرُّهم بِما تَفْعَلُ بِي فَأكُونَ مَلُومًا مِنهم ومِنكَ؛ ولَمّا اسْتَعْطَفَهُ بِالتَّذْكِيرِ بِالشَّماتَةِ الَّتِي هي شَماتَةٌ بِهِ أيْضًا، أتْبَعَهُ ضَرَرًا يَخُصُّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْنِي﴾ أيْ: بِمُؤاخَذَتِكَ لِي ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فَتَقْطَعَنَّ بِعَدِّكَ لِي مَعَهم وجَعْلِي في زُمْرَتِهِمْ عَمَّنْ أحَبَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ، وتَصِلُنِي بِمَن أبْغَضَهُ مِنَ الفاسِدِينَ الَّذِينَ فَعَلُوا فِعْلَ مَن هو في الظَّلامِ، فَوَضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ ولا لَبْسٍ أصْلًا.
7:151Page 169
قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١
[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."
ولَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ما هو اللّائِقُ بِمَنصِبِ أخِيهِ الشَّرِيفِ مِن أنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ في دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ ولا ونى في نَهْيِهِمْ عَنِ الضَّلالِ، ورَأى أنَّ ما ظَهَرَ مِنَ الغَضَبِ مُرْهِبٌ لِقَوْمِهِ وازِعٌ لَهم عَمّا ارْتَكَبُوا، دُعاءٌ لَهُ ولِنَفْسِهِ مَعَ الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ وأنَّهُ لا يَسَعُ أحَدًا إلّا العَفْوُ، وساقَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مَساقَ الجَوابِ لِسُؤالٍ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿اغْفِرْ لِي﴾ أيْ: ما حَمَلَنِي عَلَيْهِ الغَضَبُ لَكَ مِن إيقاعِي بِأخِي ﴿ولأخِي﴾ أيْ: في كَوْنِهِ لَمّا يَبْلُغْ ما كُنْتُ أُرِيدُهُ مِنهُ مِن جِهادِهِمْ.
ولَمّا دَعا بِمَحْوِ التَّقْصِيرِ، أتْبَعَهُ الإكْرامَ فَقالَ: ﴿وأدْخِلْنا﴾ أيْ: (p-٩١)أنا وأخِي وكُلُّ مَنِ انْتَظَمَ مَعَنا ﴿فِي رَحْمَتِكَ﴾ لِتَكُونَ غامِرَةً لَنا مُحِيطَةً بِنا؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ: لِأنَّكَ تُنْعِمُ بِما لا يَحْصُرُهُ الجَدُّ ولا يُحْصِيهِ العَدُّ مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَصِلُ إلَيْكَ ولا أذًى يَلْحَقُكَ بِفِعْلِ ذَلِكَ ولا تَرْكِهِ.
7:152Page 169
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢
Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].
ولَمّا كانَ لَهُ ولِأخِيهِ وهُما مَعْصُومانِ مِنَ الذُّنُوبِ، طَوى ما يَتَعَلَّقُ بِالمَغْفِرَةِ وذَكَرَ مُتَعَلِّقَ الرَّحْمَةِ بِخِلافِ ما يَأْتِي في السُّؤالِ لَهُ ولِلسَّبْعِينَ مِن قَوْمِهِ فَإنَّهُ عَكَسَ فِيهِ ذَلِكَ؛ ولَمّا صَحَّتْ بَراءَةُ الخَلِيفَةِ، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ فَقِيرٌ إلى المَغْفِرَةِ، التَفَتَتِ النَّفْسُ إلى حالِ المُفْسِدِينَ فَقالَ مُخْبِرًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيْ: رَغِبُوا رَغْبَةً تامَّةً في أخْذِهِمْ إلَهًا مَعَ المُخالَفَةِ لِما رُكِزَ في الفِطْرَةِ الأُولى ودَعاهم إلَيْهِ الكِلِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿غَضَبٌ﴾ أيْ: عُقُوبَةٌ فِيها طَرْدٌ أوْ إبْعادٌ، ولَعَلَّهُ ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وأشارَ إلى أنَّهُ فِيهِ رِفْقٌ بِهِمْ وحُسْنُ تَرْبِيَةٍ لِتَوْبَةِ مَن يَبْقى مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ أيِ: الَّذِي لا مُحْسِنَ إلَيْهِمْ غَيْرُهُ، يَلْحَقُهم في الدُّنْيا ويَتْبَعُهم في الآخِرَةِ ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: جَزاءٌ لَهم عَلى افْتِرائِهِمْ وكَذَلِكَ مَن رَضِيَ فِعْلَهم ولا سِيَّما إنْ كانَ مِن أوْلادِهِمْ كَقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وأهْلِ خَيْبَرَ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ جَزائِهِمْ ﴿نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ أيِ: المُعْتَمِدِينَ لِلْكَذِبِ، وهَذا نَصٌّ في أنَّ كُلَّ مُفْتَرٍ ذَلِيلٌ، كَما هو المُشاهَدُ - وإنْ أظْهَرَ الجَراءَةَ بَعْضُهم.
7:153Page 169
وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣
But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.
(p-٩٢)ولَمّا ذَكَرَ المُصِرِّينَ عَلى المَعْصِيَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ التّائِبِينَ تَرْغِيبًا في مِثْلِ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ عَبَّرَ بِالعَمَلِ إشارَةً إلى بِالعَفْوِ وإنْ أقْدَمُوا عَلَيْها عَلى عِلْمٍ، وجَمَعَ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ وإنْ عَظُمَ وكَثُرَ وإنْ طالَ زَمانُهُ، ولِذَلِكَ عَطَفَ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ تابُوا﴾ وحَقَّقَ الأمْرَ ونَفى المَجازَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِها﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الأساسَ الَّذِي لا يُقْبَلُ عَمَلٌ لَمْ يُبْنَ عَلَيْهِ عَلى وجْهٍ يُفْهِمُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ في السَّيِّئاتِ رِدَّةٌ أوْ لا؛ فَقالَ: ﴿وآمَنُوا﴾ ثُمَّ أجابَ المُبْتَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِقَبُولِ تَوْبَةِ التّائِبِينَ لِما سَيَّرَكَ مِن ذَلِكَ لِأنَّكَ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴿مِن بَعْدِها﴾ أيِ: التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ﴾ أيْ: مَحّاءٌ لِذُنُوبِ التّائِبِينَ عَيْنًا وأثَرًا وإنْ عَظُمَتْ وكَثُرَتْ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: فاعِلٌ بِهِمْ فِعْلَ الرَّحِيمِ مِنَ البِرِّ والإكْرامِ واللُّطْفِ والإنْعامِ، وكَأنَّ المُصِرِّينَ هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا لَمّا أمَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، فَلَمّا أهْلَكَ المُصِرَّ وتابَ الباقِي، وصَحَّتْ بَراءَةُ أخِيهِ وبَقاؤُهُ عَلى رُتْبَتِهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والِاجْتِهادِ في أمْرِ اللَّهِ، زالَ مُوجِبُ الغَضَبِ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا يَعْقُبُهُ فَقالَ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences