Al-Biqa'iAl‑A'raf · 7:154–156

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:154–156

7:154Page 169

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤

And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.

﴿ولَمّا سَكَتَ﴾ أيْ: كَفَّ، شَبَّهَ الغَضَبَ بِمُتَكَلِّمٍ كانَ يَحُثُّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُغْرِيهِ عَلى ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ، فَلَمّا شَفى غَيْظَهُ سَكَنَ وقَطَعَ كَلامَهُ فَخَلَفَهُ ضِدُّهُ وهو الرِّضى ﴿عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ وهو غَلَيانُ القَلْبِ بِما يَتَأذّى بِهِ النَّفْسُ ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ أيْ:: الَّتِي جاءَ (p-٩٣)بِها مِن عِنْدِ اللَّهِ بَعْدَما ألْقاها ﴿وفِي﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ في ﴿نُسْخَتِها﴾ أيِ: الأمْرُ المَكْتُوبُ فِيها، فِعْلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا ألْقاها صامَ - مِثْلَ ما كانَ صامَ لِلْمُناجاةِ - أرْبَعِينَ يَوْمًا أُخْرى، فَرُدَّتْ عَلَيْهِ في لَوْحَيْنِ مَكانَ ما تَكَسَّرَ.

﴿هُدًى﴾ أيْ: شَيْءٌ مُوَضِّحٌ لِلْمَقاصِدِ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: سَبَبٌ لِلْإكْرامِ ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: لا لِغَيْرِهِ ﴿يَرْهَبُونَ﴾ أيْ: هم أهْلٌ لِأنْ يَخافُوا خَوْفًا عَظِيمًا مُقَطِّعًا لِلْقُلُوبِ مُوجِبًا لِلْهَرَبِ ويَسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ.

شَرْحُ ما في هَذِهِ الآياتِ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] مِنَ البَدائِعِ مِنَ التَّوْراةِ، قالَ المُتَرْجِمُ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنها بَعْدَ أنْ بَكَّتَهم بِبَعْضِ ما فَعَلُوهُ مِمّا أوْجَبَ لَهُمُ الغَضَبَ والعُقُوبَةَ بِالتِّيهِ وحَثَّهم عَلى لُزُومِ أمْرِ اللَّهِ لِيَنْصُرَهُمْ: وأمّا الوَصايا الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ فاحْفَظُوها واعْمَلُوا بِها لِتَحْيَوْا وتَكْثُرُوا وتَرِثُوا الأرْضَ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ لِآبائِكم فَتَذَكَّرُوا كُلَّ الطَّرِيقِ الَّذِي سَيَّرَكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فِيهِ، ودَبَّرَكم مُنْذُ أرْبَعِينَ سَنَةً في البَرِّيَّةِ لِيُواضِعَكم ويُجَرِّبَكم ولِيَعْلَمَ ما في قُلُوبِكم هَلْ تَحْفَظُونَ وصاياهُ أمْ لا، فَواضَعَكم وأجاعَكم وأطْعَمَكم مَنًّا لَمْ تَعْرِفُوهُ أنْتُمْ ولا آباؤُكم لِيُبَيِّنَ لَكم أنَّهُ لَيْسَ إنَّما يَعِيشُ الإنْسانُ بِالخُبْزِ فَقَطْ، بَلْ إنَّما يَعِيشُ بِما يَخْرُجُ مِن فَمِ اللَّهِ، ولَمْ تُبَلَّ ثِيابَكم ولَمْ تَجِفَّ أقْدامُكم مُنْذُ أرْبَعِينَ سَنَةً، احْفَظُوا وصايا اللَّهِ رَبِّكم وسِيرُوا في (p-٩٤)طُرُقِهِ واتَّقَوْهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ رَبَّكم هو الَّذِي يُدْخِلُكم إلى الأرْضِ المُخْصِبَةِ، أرْضٌ كَثِيرَةُ الأدْوِيَةِ واليَنابِيعِ والعُيُونِ الَّتِي تَجْرِي في الصَّحارى والجِبالِ، أرْضُ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، فِيها الكُرُومُ والتِّينُ والرُّمّانُ والزَّيْتُونُ والدُّهْنُ والعَسَلُ، أرْضٌ تَحْتاجُونَ فِيها ولا تَأْكُلُونَ خُبْزَكم بِالفَقْرِ، ولا يَعُوزُكم فِيها شَيْءٌ، أرْضٌ حِجارَتُها حَدِيدٌ تَسْتَخْرِجُونَ النُّحاسَ مِن جِبالِها، فاحْتَفِظُوا، لا تَنْسَوُا اللَّهَ رَبَّكُمْ، واحْفَظُوا وصاياهُ وشَرائِعَهُ الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ، لا تَبْطُرُوا، فَإذا أكَلْتُمْ وشَبِعْتُمْ وبَنَيْتُمْ بُيُوتًا وسَكَنْتُمُوها وكَثُرَ غَنَمُكم وبَقَرُكم وكَثُرَتْ أمْوالُكم فَتَعْظُمَ قُلُوبُكم وتَنْسَوُا اللَّهَ رَبَّكُمُ الَّذِي أخْرَجَكم مِن أرْضِ مِصْرَ وأنْقَذَكم مِنَ العُبُودِيَّةِ ودَبَّرَكم في البَرِّيَّةِ المَرْهُوبَةِ العَظِيمَةِ حَيْثُ الحَيّاتُ الحَرِداتُ والعَقارِبُ وفي مَواضِعِ العَطَشِ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَكم ماءٌ، أخْرَجَ لَكم مِن ماءِ الظِّرّانِ، وأطْعَمَكم مَنًّا لَمْ يَعْرِفْهُ آباؤُكم لِيُواضِعَكم ويُجَرِّبَكم ويُحْسِنَ إلَيْكم آخِرَ ذَلِكَ، وانْظُرُوا، لا تَقُولُوا في قُلُوبِكم إنّا إنَّما اسْتَفَدْنا هَذِهِ الأمْوالَ بِقُوَّتِنا وعَزَّةِ قُلُوبِنا، ولَكِنِ اذْكُرُوا اللَّهَ رَبَّكُمُ الَّذِي قَوّاكم أنْ تَسْتَفِيدُوا هَذِهِ الأمْوالَ لِيُثَبِّتَ العَهْدَ الَّذِي أقْسَمَ لِآبائِكُمْ، وإنْ أنْتُمْ نَسِيتُمُ اللَّهَ رَبَّكم وتَبِعْتُمْ آلِهَةً أُخْرى وعَبَدْتُمُوها وسَجَدْتُمْ لَها أشْهَدْتُ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ فَأعْلَمْتُكم أنَّكم تَهْلَكُونَ هَلاكَ سُوءٍ، كَما أُهْلِكَتِ الشُّعُوبُ الَّتِي أبادَ الرَّبُّ بَيْنَ أيْدِيكم كَذَلِكَ تَهْلَكُونَ، اسْمَعُوا يا بَنِي إسْرائِيلَ! (p-٩٥)بَلْ أنْتُمْ تَجُوزُونَ اليَوْمَ نَهْرَ الأُرْدُنِّ وتَنْطَلِقُونَ لِتَمْتَلِكُوا الشُّعُوبَ الَّتِي هي أقْوى وأعْظَمُ مِنكم وتَظْفَرُوا بِالقُرى الكِبارِ المُشَيَّدَةِ إلى السَّماءِ وبِشَعْبٍ كَبِيرٍ عَظِيمٍ بَنِي الجَبابِرَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ وسَمِعْتُمْ أنَّهُ ما يَقْدِرُ إنْسانٌ أنْ يَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ الجَبابِرَةِ، وتَعْلَمُونَ يَوْمَكم هَذا أنَّ اللَّهَ رَبَّكم يَجُوزُ أمامَكم وهو نارٌ مُحْرِقَةٌ، وهو يُهْلِكُهم ويَهْزِمُهم أمامَكُمْ، ولا تَقُولُوا في قُلُوبِكم إنَّهُ إنَّما أدْخَلَنا الرَّبُّ لِيَرِثَ هَذِهِ الأرْضَ مِن أجْلِ بِرِّنا؛ لِأنَّهُ إنَّما يُهْلِكُ الرَّبُّ هَذِهِ الشُّعُوبَ مِن أجْلِ خَطاياهُمْ، ولِيُثَبِّتَ الأقْوالَ الَّتِي وعَدَ بِها آباءَكم إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فاعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِن أجْلِ بِرِّكم يُورِثُكُمُ اللَّهُ هَذِهِ الأرْضَ المُخْصِبَةَ، لِأنَّكم صِلابُ الرِّقابِ، اذْكُرُوا ولا تَنْسَوْا أنَّكم أسْخَطْتُمُ اللَّهَ رَبَّكم في البَرِّيَّةِ مُنْذُ يَوْمِ خَرَجْتُمْ مِن أرْضِ مِصْرَ حَتّى انْتَهَيْتُمْ إلى هَذِهِ البِلادِ، ولَمْ تَزالُوا مُسْخِطِينَ لِلَّهِ رَبِّكم وبِحُورِيبَ أيْضًا أغْضَبْتُمُ الرَّبَّ، وغَضِبَ الرَّبُّ عَلَيْكم وأرادَ هَلاكَكم حَيْثُ صَعِدْتُ إلى الجَبَلِ وأخَذْتُ لَوْحَيِ العَهْدِ الَّذِي عاهَدَكُمُ الرَّبُّ، ومَكَثْتُ في الجَبَلِ أرْبَعِينَ يَوْمًا بِلَيالِيها لَمْ أذُقْ خُبْزًا ولَمْ أشْرَبْ ماءً، وأعْطانِي الرَّبُّ لَوْحَيْنِ مِن حِجارَةٍ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِما بِأُصْبُعِ اللَّهِ، وكانَتْ كُلُّ الآياتِ الَّتِي كَلَّمَكُمُ الرَّبُّ بِها مِنَ الجَبَلِ يَوْمَ الجُمْعَةِ ومِن بَعْدِ الأرْبَعِينَ، وأعْطانِي (p-٩٦)لَوْحَيِ العَهْدِ، قالَ لِي الرَّبُّ: قُمْ فانْزِلْ مِن هاهُنا سَرِيعًا؛ لِأنَّ شَعْبَكَ الَّذِي أخْرَجْتُهُ مِن أرْضِ مِصْرَ قَدْ فَسَدُوا ومالُوا عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أمَرْتُهم عاجِلًا، وعَمِلُوا لَهم إلَهًا مَسْبُوكًا، وقالَ لِي الرَّبُّ: رَأيْتُ هَذا الشَّعْبَ فَإذا هو شَعْبٌ قاسِي القَلْبِ، فَدَعْنِي الآنَ حَتّى أُهْلِكَهم وأُبِيدَ أسْماءَهم مِن تَحْتِ السَّماءِ وأُصَيِّرَكَ مُدَبِّرًا لِشَعْبٍ أعْظَمَ وأعَزَّ مِنهُمْ، وأقْبَلْتُ فَنَزَلْتُ مِنَ الجَبَلِ والجَبَلُ يَشْتَعِلُ نارًا ولَوْحا العَهْدِ بِيَدِي، ورَأيْتُ أنَّكم أذْنَبْتُمْ أمامَ اللَّهِ رَبِّكم سَرِيعًا، وعَمَدْتُ إلى لَوْحَيِ الحِجارَةِ فَرَمَيْتُ بِهِما مِن يَدِي وكَسَرْتُهُما قُدّامَكُمْ، وصَلَّيْتُ أمامَ الرَّبِّ كَما صَلَّيْتُ أوَّلًا أرْبَعِينَ يَوْمًا بِلَيالِيها، لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أشْرَبْ شَرابًا مِن أجْلِ جَمِيعِ الخَطايا الَّتِي ارْتَكَبْتُمْ وما عَمِلْتُمْ مِنَ الشَّرِّ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ وأغْضَبْتُمُوهُ: لِأنِّي فَرِقْتُ وخِفْتُ غَضَبَ اللَّهِ وزَجْرَهُ أنَّهُ أرادَ إهْلاكَكُمْ، واسْتَجابَ اللَّهُ [لِي] في ذَلِكَ الزَّمانِ، وأمّا عِجْلُ خَطاياكُمُ الَّذِي عَمِلْتُمُوهُ فَأخَذْتُهُ وأحْرَقْتُهُ بِالنّارِ وسَحَقْتُهُ وطَحَنْتُهُ جِدًّا حَتّى صارَ مِثْلَ التُّرابِ وطَرَحْتُ تُرابَهُ في الوادِي الَّذِي يَنْزِلُ في الجَبَلِ، وبِالحَرِيقِ والبَلايا وبِقُبُورِ أصْحابِ الشَّهْوَةِ، أغْضَبْتُمُ الرَّبَّ، وإذْ أرْسَلَكم رَبُّكم مِن رِقامِ الحَيِّ وقالَ لَكُمُ: اصْعَدُوا ورِثُوا الأرْضَ الَّتِي أُعْطِيكُمْ، اجْتَنَبْتُمْ (p-٩٧)قَوْلَ الرَّبِّ وأغْضَبْتُمُوهُ ولَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَهُ، ولَمْ تَزالُوا لِلَّهِ مُسْخِطِينَ مُنْذُ يَوْمِ عَرَفْتُكُمْ، وصَلَّيْتُ أمامَ الرَّبِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا بِلَيالِيها؛ لِأنَّ الرَّبَّ أمَرَ بِهَلاكِكُمْ، وقُلْتُ في صَلاتِي، يا رَبِّ! لا تُهْلِكْ شَعْبَكَ ومِيراثَكَ الَّذِي خَلَّصْتَهُ بِعَظَمَتِكَ وأخْرَجْتَهم مِن أرْضِ مِصْرَ بِيَدٍ عَزِيزَةٍ، ولَكِنِ اذْكُرْ عَبِيدَكَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، ولا تَنْظُرْ إلى مَعْصِيَةِ هَذا الشَّعْبِ وإثْمِهِ وخَطاياهُ؛ لِئَلّا يَقُولَ سُكّانُ تِلْكَ الأرْضِ الَّتِي أخْرَجْتُهم مِنها: إنَّ الرَّبَّ لَمْ يَقْوَ أنْ يُدْخِلَهُمُ الأرْضَ الَّتِي قالَ لَهُمْ، وإنَّما أُخْرِجُهم مِن عِنْدِنا لِبُغْضِهِ لَهم لِيُضِلَّهم في البَرِّيَّةِ، وهو شَعْبُكَ ومِيراثُكَ الَّذِي أخْرَجْتَهم بِقُوَّتِكَ العَظِيمَةِ وذِراعِكَ العَزِيزَةِ، فَقالَ لِي الرَّبُّ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ انْقُرْ لَوْحَيْنِ مِن حِجارَةٍ مِثْلَ اللَّوْحَيْنِ الأوَّلَيْنِ واصْعَدْ إلى الجَبَلِ إلَيَّ واعْمَلْ تابُوتًا مِن خَشَبِ الشَّمَشادِ - وفي نُسْخَةٍ: السَّنْطِ - ونَقَرْتُ اللَّوْحَيْنِ مِنَ الحِجارَةِ مِثْلَ اللَّوْحَيْنِ [الأوَّلَيْنِ وصَعِدْتُ إلى الجَبَلِ واللَّوْحانِ في يَدِي، وكُتِبَ عَلى اللَّوْحَيْنِ] الكِتابُ الأوَّلُ، وهي العَشْرُ الآياتِ الَّتِي كَلَّمَكُمُ الرَّبُّ بِها مِنَ الجَبَلِ مِنَ النّارِ يَوْمَ الجَماعَةِ، ودَفَعَها الرَّبُّ إلَيَّ فَأقْبَلْتُ نازِلًا مِنَ الجَبَلِ ووَضَعْتُ اللَّوْحَيْنِ في التّابُوتِ الَّذِي عَمِلْتُ وتَرَكْتُهُما فِيهِ كَما فِيهِ أمَرَ الرَّبُّ، وارْتَحَلَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن ثَرَواتِ بَنِي يَعْقانَ ومُوسارَ، وتُوَفِّيَ هارُونُ هُناكَ، وصارَ ألِيعازَرُ ابْنُهُ حَبْرًا مَكانَهُ، وارْتَحَلُوا مِن هُناكَ إلى جَدْجَدَ، ومِن جَدْجَدَ إلى يَطْبَتَ أرْضِ مَسايِلِ الماءِ، في ذَلِكَ الزَّمانِ أفْرَزَ الرَّبُّ سِبْطَ لاوِي لِيَحْمِلُوا تابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ، وأنْ (p-٩٨)يَقُومُوا أمامَ الرَّبِّ ويَخْدِمُوهُ وأنْ يُبَرَّكُوا باسِمِ الرَّبِّ إلى اليَوْمِ، ولِذَلِكَ لَيْسَ لِبَنِي لاوِي حِصَّةٌ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ في مِيراثِهِمْ؛ لِأنَّ مِيراثَهم لِلَّهِ رَبِّهِمْ [كَما] قالَ لَهُمْ، وأنا قُمْتُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ في الجَبَلِ مِثْلَ الأيّامِ الأُولى أرْبَعِينَ يَوْمًا بِلَيالِيها، واسْتَجابَ لِيَ الرَّبُّ في ذَلِكَ الزَّمانِ أيْضًا، ولَمْ يَخْذُلْكُمُ اللَّهُ رَبُّكم ولَمْ يُفْسِدْكُمْ، وقالَ [لِي] الرَّبُّ: قُمْ فارْتَحِلْ وسِرْ أمامَ الشَّعْبِ لِيَدْخُلُوا ويَرِثُوا الأرْضَ الَّتِي أقْسَمْتُ لِآبائِهِمْ أنْ أُعْطِيَهُمْ، والآنَ يا بَنِي إسْرائِيلَ ما الَّذِي يَطْلُبُ اللَّهُ رَبُّكم مِنكُمْ! ما يَطْلُبُ الآنَ إلّا أنْ تَتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم مِن كُلِّ قُلُوبِكم وتَسِيرُوا في طُرُقِهِ وتُحِبُّوهُ، وأنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّكم مَن كُلِّ قُلُوبِكم وأنْفُسِكُمْ، وأنْ تَحْفَظُوا وصايا اللَّهِ رَبِّكُمُ الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ لِيُحْسِنَ إلَيْكم لِأنَّ السَّماءَ وسَماءَ السَّماءِ هُما لِلَّهِ رَبِّكم والأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِآبائِكم وحْدَهم سُرَّ الرَّبُّ وأحَبَّهم وانْتَخَبَ نَسْلَهم مِن بَعْدِهِمْ وفَضَّلَهم عَلى جَمِيعِ الشُّعُوبِ كاليَوْمِ، اخْتَتِنُوا غُلْفَةَ قُلُوبِكُمْ، ولا تُقَسُّوا رِقابَكم أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ رَبَّكم هو إلَهُ الآلِهَةِ ورَبُّ الأرْبابِ، إلَهٌ عَظِيمٌ جَبّارٌ مَرْهُوبٌ لا يُحابِي ولا يَرْتَشِي، يُنْصِفُ لِلْأيْتامِ والأرامِلِ، ويُحِبُّ الَّذِي يُقْبِلُ إلَيْهِ بِرِزْقِهِ طَعامًا وكُسْوَةً، فَأحِبُّوا الَّذِينَ يُقْبِلُونَ إلَيْهِ واذْكُرُوا أنَّكم كُنْتُمْ سُكّانًا بِأرْضِ مِصْرَ، فاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم واتَّبِعُوهُ واعْبُدُوهُ (p-٩٩)وأقْسِمُوا بِاسْمِهِ؛ لِأنَّهُ إلَهُكم ومُرِيحُكُمْ، وهو الَّذِي أكْمَلَ لَدَيْكُمُ العَجائِبَ الَّتِي رَأتْ أعْيُنُكُمْ، واعْلَمُوا أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ آباءَكم إلى مِصْرَ سَبْعِينَ رَجُلًا، والآنَ فَقَدْ كَثَّرَكُمُ اللَّهُ رَبُّكم مِثْلَ نُجُومِ السَّماءِ، أحِبُّوا اللَّهَ رَبَّكم واحْفَظُوا سُنَنَهُ وأحْكامَهُ كُلَّ الأيّامِ، واعْلَمُوا يَوْمَكم هَذا أنَّهُ لَيْسَ لِبَنِيكُمُ الَّذِينَ لَمْ يُعايِنُوا ولَمْ يَعْلَمُوا ما رَبُّ الرَّبِّ وعَظَمَتُهُ ويَدُهُ المَنِيعَةُ وذِراعُهُ العَظِيمَةُ وآياتُهُ وأعْمالُهُ الَّتِي عَمِلَ بِمِصْرَ وبِفِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ وكُلِّ أرْضِهِ وما صَنَعَ بِأجْنادِ مَلِكِ مِصْرَ وما فَعَلَ بِالخَيْلِ والمَراكِبِ وفُرْسانِها الَّذِينَ قَلَبَ عَلَيْهِمْ ماءَ بَحْرِ سُوفَ حَيْثُ خَرَجُوا في طَلَبِكم وأهْلَكَهُمُ الرَّبُّ إلى اليَوْمِ وجَمِيعَ ما صَنَعَ بِكم في البَرِّيَّةِ حَيْثُ انْتَهَيْتُمْ إلى هَذِهِ البِلادِ وما صَنَعَ بِداثانَ وأُبَيْرِمَ ابْنَيْ ألِيبَ بْنِ رُوبِيلَ اللَّذَيْنِ فَتَحَتِ الأرْضُ فاها وابْتَلَعَتْهُما وبَيَّتَهُما، وخِيامَهم وكُلَّ شَيْءٍ هو لَهم إذْ كانُوا قِيامًا عَلى أرْجُلِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولَكِنْ قَدْ رَأتْ أعْيُنُكم جَمِيعَ أعْمالِ اللَّهِ العَظِيمَةِ الَّتِي عَمِلَ، فاحْفَظُوا جَمِيعَ الوَصايا الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِها اليَوْمَ لِتَدْخُلُوا الأرْضَ الَّتِي تَجُوزُونَ إلَيْها لِتَرِثُوها وتَطُولَ أعْمارُكم في الأرْضِ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ لِآبائِكم أنْ يُعْطِيَهم ويَرِثَها نَسْلُهُمْ، وسَتَأْتِي تَتِمَّتُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ

﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣] (p-١٠٠)وفِيهِ مِنَ المُتَشابِهِ قَوْلُهُ: فَمُ اللَّهِ، وإصْبَعُ اللَّهِ، والأوَّلُ: لِكَوْنِهِ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ في شَرْعِنا - مُؤَوَّلٌ بِالكَلامِ، والثّانِي بِالقُدْرَةِ.

7:155Page 169

وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥

And Moses chose from his people seventy men for Our appointment.1 And when the earthquake seized them,2 he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.

ولَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ الوَعْدِ بِالمِيقاتِ المَقْصُودِ بِهِ سَعْيَ الكَلِيمِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يَهْدِيهِمْ إلى صِراطِ اللَّهِ، وذَكَرَ سَعْيَهم فِيما أضَلَّهم عَنِ الطَّرِيقِ بِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، وكانَ خِتامُ ذَلِكَ ما بَدا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى أخِيهِ ثُمَّ عَلى الكافَّةِ بِأخْذِ الألْواحِ عِنْدَ الفَراغِ مِمّا يَجِبُ مِنَ الغَضَبِ لِلَّهِ، رَدَّ الكَلامَ عَلى ذِكْرِ شَيْءٍ فَعَلَهُ في المِيقاتِ مُرادٌ بِهِ عِصْمَتُهم في صِراطِ اللَّهِ بِنَقْلِهِمْ - بِمُشارَكَتِهِ في سَماعِهِمْ لِكَلامِ اللَّهِ - مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ بَلْ حَقِّ اليَقِينِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ورَحْمَةً لَهُمْ، لِيَكُونَ إخْبارُهم عَمّا رَأوْا مُؤَيِّدًا لِما يُخْبِرُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحِفْظِهِمْ مِن مِثْلِ ما وقَعُوا فِيهِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، ومَعَ ذَلِكَ وقَعَ مِنهُمُ العِصْيانُ بِطَلَبِ ما لا يَنْبَغِي لَهم مِنَ الرُّؤْيَةِ عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ، فَقالَ: ﴿واخْتارَ﴾ أيِ: اجْتَهَدَ في أخْذِ الخِيارِ ﴿مُوسى قَوْمَهُ﴾ ثُمَّ أبْدَلَ مِنهم قَوْلَهُ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ إشارَةً إلى أنَّ مَن عَداهم عَدَمٌ، لا يُطْلَقُ عَلَيْهِمُ اسْمُ القَوْمِ في المَعْنى الَّذِي أرادَهُ، وهو نَحْوُ ما قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ”النّاسُ كالإبِلِ المِائَةِ، لا تَكادُ تَجِدُ فِيها راحِلَةً“ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ الِاخْتِيارِ فَقالَ: ﴿لِمِيقاتِنا﴾ أيْ: فَما اخْتارَ إلّا مَن رَأى أنَّهُ يَصْلُحُ لِما نُرِيدُ مِن عَظَمَتِنا في الوَقْتِ الَّذِي حَدَّدْناهُ لَهُ، ودَنا بِهِمْ مِنَ الحَضْرَةِ (p-١٠١)الخَطابِيَّةِ في الجَبَلِ هو وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ، واسْتَخْلَفَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كُلُّ ذَلِكَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ لَهُ، و[فِي] هَذا الكَلامِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] فَيَكُونُ المِيقاتُ هو الأوَّلَ وهو ظاهِرُ التَّوْراةِ كَما مَرَّ بَيانُهُ في البَقَرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٤٨] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا المِيقاتُ غَيْرَ المِيقاتِ الأوَّلِ، ويُؤَيِّدُهُ ما نُقِلَ مِن أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُمْ، وكَأنَّهم لِما سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ طَلَبَ بَعْضُهُمُ الرُّؤْيَةَ جاعِلِيها شَرْطًا لِإيمانِهِمْ فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] كَما فَعَلَ النُّقَباءُ الِاثْنا عَشَرَ حِينَ أرْسَلَهم لِجَسِّ أحْوالِ الجَبّارِينَ فَنَقَضَ أكْثَرُهُمْ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَماتُوا، فَخَشِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَتَّهِمَهُ بَنُو إسْرائِيلَ في مَوْتِهِمْ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ﴾ أيْ: أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الَّتِي سَبَّبَتْها الصّاعِقَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في البَقَرَةِ، فَزُلْزِلَتْ قُلُوبُهم فَأماتَتْهُمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ هَؤُلاءِ غَيْرُ السَّبْعِينَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ [النساء: ١٥٣] وأنَّ أُولَئِكَ كانُوا قَبْلَ هَؤُلاءِ، فالظّاهِرُ أنَّ سَبَبَ الرَّجْفَةِ ما رَأوْا عِنْدَ سَماعِ الكَلامِ مِن جَلالِ اللَّهِ وعَظِيمِ هَيْبَتِهِ مِنَ الغَمامِ الَّذِي تَغَشّى الجَبَلَ والقُتارِ والبُرُوَقِ وأصْواتِ القُرُونِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِحَيْثُ كادَتِ الرَّجْفَةُ - وهي رِعْدَةٌ - تُفَرِّقُ أوْصالَهم بَعْضَها مِن بَعْضٍ ﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى تَمَلُّقًا لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ (p-١٠٢)﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ﴾ أيْ: أمَتَّهم.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ إهْلاكُهم مُسْتَغْرِقًا لِلْماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ أيْ: قُدْرَتُكَ عَلَيَّ وعَلَيْهِمْ قَبْلُ أنْ نَقْتَرِبَ مِن هَذِهِ الحَضْرَةِ المُقَدَّسَةِ ونَحْنُ بِحَضْرَةِ قَوْمِنا كَقُدْرَتِكَ عَلَيْنا حِينَ تُشَرِّفُنا بِها، وقَدْ أسْبَلْتَ عَلَيْنا ذَيْلَ عَفْوِكَ وأسْبَغْتَ عَلَيْنا نِعْمَتَكَ ونَحْنُ في غَيْرِ الحَضْرَةِ فَلَمْ تُهْلِكْنا، فَإنْعامُكَ عَلَيْنا ونَحْنُ في حَضْرَةِ القُدْسِ وبِساطِ القُرْبِ والأُنْسِ أوْلى.

ثُمَّ لَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُقالَ: ألَمْ تَرَ إلى ما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ، وكانَ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنهم سُفَهاءُ، دَلَّ [عَلى] ذَلِكَ بِقَوْلِهِ اسْتِعْطافًا: ﴿أتُهْلِكُنا﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَجْفَتَهم كانَتْ بِسَبَبِ أنَّهم لَمْ يَنْهَوْا عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ مَعَ أنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ. وكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَّرَ بِهَذِهِ العِبارَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ الجَمِيعِ لِأنَّهُ جَوَّزَ أنَّهُ كَما أهْلَكَ هَؤُلاءِ يُهْلِكُ غَيْرَهم لِتَقْصِيرٍ آخَرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَعَدَمِ الجِهادِ مَثَلًا حَتّى يَعُمَّهُمُ الهَلاكُ ﴿بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ فَكَأنَّهُ ﷺ رَضِيَ أنَّهُ إنْ لَمْ يَشْمَلْهُمُ العَفْوُ أنْ يَخُصَّ العَفْوَ بِمَن لَمْ يُذْنِبْ بِالفِعْلِ ويَعْفُوَ عَمَّنْ قَصَّرَ بِالسُّكُوتِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المِيقاتِ غَيْرَ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ كَما تَقَدَّمَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَيَكُونُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ أنْ يَكُونَ إهْلاكُهم فِتْنَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ وسَبَبًا لِكُفْرِهِمْ كَما كانَ إبْطاؤُهُ عَنْهم بِزِيادَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ (p-١٠٣)عَلى الثَّلاثِينَ في المِيقاتِ الأوَّلِ سَبَبًا لِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، ويَجُوزُ حِينَئِذٍ أنْ يُرادَ بِفِعْلِ السُّفَهاءِ اتِّخاذُ العِجْلِ، ويُؤَيِّدُهُ التَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ دُونَ القَوْلِ وقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ هَذا رُبَّما أفْهَمَ رِضاهُ بِهَلاكِ المُذْنِبِينَ، قالَ مُعَرِّضًا بِالسُّؤالِ في العَفْوِ عَنِ الجَمِيعِ: ﴿إنْ هِيَ﴾ أيِ: الفِتْنَةُ الَّتِي أوْقَعَها السُّفَهاءُ ﴿إلا فِتْنَتُكَ﴾ أيِ: ابْتِلاؤُكَ واخْتِبارُكَ ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ أيْ: تُظْهِرُ في عالَمِ الشَّهادَةِ مَن ضَلالُهُ ما كانَ مَعْلُومًا لَكَ في عالَمِ الغَيْبِ ﴿وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ أيْ: تُظْهِرُ ما في عِلْمِكَ مِن ذَلِكَ.

ولَمّا أثْبَتَ أنَّ الكُلَّ بِيَدِهِ، اسْتَأْنَفَ سُؤالَهُ في أنْ يَفْعَلَ لَهُمُ الأصْلَحَ فَقالَ: ﴿أنْتَ﴾ [أيْ: وحْدَكَ] ﴿ولِيُّنا﴾ أيْ: نَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى عَمَلِ مَصالِحِنا غَيْرُكَ، وأنْتَ لا نَفْعَ لَكَ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ ولا ضُرٌّ، بَلِ الكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ونَحْنُ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أنَّ أفْعالَكَ لا تُعَلُّلُ بِالأغْراضِ، وعَفْوُكَ عَنّا يَنْفَعُنا وانْتِقامُكَ مِنّا يَضُرُّنا، ونَحْنُ في حَضْرَتِكَ قَدِ انْقَطَعْنا إلَيْكَ وحَطَطْنا رِحالَ افْتِقارِنا لَدَيْكَ.

ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ الفَعّالُ لِما يَشاءُ وأنَّهُ لا ولِيَّ لَهم غَيْرُهُ، وكانَ مِن شَأْنِ الوَلِيِّ جَلْبُ النَّفْعِ ودَفْعُ الضُّرِّ، سَبَّبَ عَنْ كَوْنِهِ الوَلِيَّ وحْدَهُ قَوْلَهُ بادِئًا بِدَفْعِ الضَّرَرِ: ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ أيِ: امْحُ ذُنُوبَنا ﴿وارْحَمْنا﴾ أيِ: ارْفَعْنا؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ (p-١٠٤)أيْ: لِأنَّ غَيْرَكَ يَتَجاوَزُ عَنِ الذَّنْبِ لِلثَّناءِ أوِ الثَّوابِ أوْ دَفْعًا لِلصِّفَةِ الخَسِيسَةِ وهي صِفَةُ الحِقْدِ ونَحْوِهِ، وأنْتَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ،

7:156Page 170

۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦

And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allāh] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakāh and those who believe in Our verses-

وكَأنَّهُ أحْسَنَ العَفْوَ عَنْهم فَقالَ عاطِفًا عَلى سُؤالِهِ فِيهِ: ﴿واكْتُبْ لَنا﴾ أيْ: في مُدَّةِ إحْيائِكَ لَنا ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ أيِ: الحاضِرَةِ والدَّنِيَّةِ ﴿حَسَنَةً﴾ أيْ: عِيشَةً راضِيَةً طَيِّبَةً ﴿وفِي﴾ الحَياةِ ﴿الآخِرَةِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا هُدْنا﴾ أيْ: تُبْنا ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ: عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِكَ كَما أمَرْتَنا أنْ نُخْبِرَ ما عَساهُ يَقَعُ مِنّا بِالمُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ، فَبَدَأ بِذِكْرِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وثَنّى بِذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ وهُما أقْوى أسْبابِ السَّعادَةِ، وهَذا تَلْقِينٌ لَهم وتَعْلِيمٌ وتَحْذِيرٌ مِن مِثْلِ ما وقَعُوا فِيهِ وحَثٌّ عَلى التَّسْلِيمِ، وكَأنَّهُ لَمّا كانَ ذَنْبُهُمُ الجَهْرَ بِما لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ مِن طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، عَبَّرَ بِهَذا اللَّفْظِ أوْ ما يَدُلُّ عَلى مَعْناهُ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ اسْمَهم يَدُلُّ عَلى التَّوْبَةِ والرُّجُوعِ إلى الحَقِّ والصَّيْرُورَةِ إلى الصَّلاحِ واللِّينِ والضَّعْفِ في الصَّوْتِ والِاسْتِكانَةِ في الكَلامِ والسُّكُوتِ عَمّا لا يَلِيقُ، وأنَّ يَهُودا الَّذِي أُخِذَ اسْمُهُ مِن ذَلِكَ إنَّما سُمُّوا بِهِ ونُسِبُوا إلَيْهِ تَفاؤُلًا لَهم لِيَتَبادَرُوا إلى التَّوْبَةِ.

ولَمّا كانَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ [إنْكارُ] إهْلاكِ الطّائِعِ بِذَنْبِ العاصِي وإنْ كانَ ذَلِكَ إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ مِنهُ والتَّمَلُّقِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَدْلٌ مِنهُ تَعالى ولَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنِ الجَوابِ عَنْ كَلامِهِ عَلى وجْهٍ مُنَبِّهٍ لِلْجَماهِيرِ عَلى أنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ المُطْلَقَ بِقَوْلِهِ: (p-١٠٥)﴿قالَ عَذابِي﴾ أيِ: انْتِقامِي الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ عُذُوبَةٍ عَمَّنْ وقَعَ بِهِ ﴿أُصِيبُ بِهِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿مَن أشاءُ﴾ أيْ: أذْنَبَ أوْ لَمْ يُذْنِبْ ﴿ورَحْمَتِي﴾ أيْ: إنْعامِي وإكْرامِي.

ولَمّا كانَ الإيجادُ مِنَ الرَّحْمَةِ فَإنَّهُ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ فَهو إكْرامٌ في الجُمْلَةِ، قالَ: ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: هَذا شَأْنُها وصِفَتُها في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ بَلَغَ في القَبائِحِ ما عَساهُ أنْ يَبْلُغَ، وهَذا مَعْنى حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في الصَّحِيحِ: «إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ - وفي رِوايَةٍ: غَلَبَتْ - غَضَبِي» سَواءٌ قُلْنا: إنَّ السَّبْقَ بِمَعْنى الغَلَبَةِ، أوْ قُلْنا: إنَّهُ عَلى بابِهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ تَعَلُّقَ الرَّحْمَةِ أكْثَرُ؛ لِأنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الغَضَبُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الرَّحْمَةُ بِإيجادِ وإفاضَةِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، ولا عَكْسَ كالحَيَواناتِ العُجْمِ والجَماداتِ وأهْلِ السَّعادَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ والحُورِ وغَيْرِهِمْ مِن جُنُودِ اللَّهِ الَّتِي لا تُحْصى. ولَمّا أعْلَمَ أنَّ رَحْمَتَهُ واسِعَةٌ وقُدْرَتَهُ شامِلَةٌ، وكانَ ذَلِكَ مُوَسِّعًا لِلطَّمَعِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ ذاكِرًا شَرْطَ إتْمامِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ تَرْهِيبًا لِمَن يَتَوانى عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ الشَّرْطِ: ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ أيْ: أخَصُّ بِدَوامِها بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ لِأجْلِ تَمَكُّنِي بِتَمامِ القُدْرَةِ مِمّا أُرِيدُ مَبْتُوتًا أمْرُها بِالكِتابَةِ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يُوجَدُ لَهم هَذا الوَصْفُ الحامِلُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ ولا يَخِلُّ بِوُسْعِها أنْ أمْنَعَ دَوامَها بَعْدَ الإيجادِ مِن غَيْرِهِمْ، فَإنَّ الكُلَّ لَوْ دَخَلُوا فِيها دائِمًا [ما] ضاقَتْ بِهِمْ، فَهي في نَفْسِها واسِعَةٌ ولَكِنِّي أفْعَلُ ما أشاءُ.

(p-١٠٦)ولَمّا ذَكَرَ نَظَرَهم إلى الخالِقِ بِالِانْتِهاءِ عَمّا نَهى عَنْهُ والِائْتِمارِ بِما أمَرَ بِهِ، أتْبَعَهُ النَّظَرَ إلى الخَلائِقِ فَقالَ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ ولَعَلَّهُ خَصَّها لِأنَّ فَرْضَها كانَ في هَذا المِيقاتِ كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ ولِأنَّها أمانَةٌ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ والخالِقِ كَما أنَّ صِفاتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَتَبَها لَهم وشَرَطَ قَبُولَ أعْمالِهِمْ بِاتِّباعِهِ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ عَمَّمَ بِذِكْرِ ثَمَرَةِ التَّقْوى فَقالَ مُخْرِجًا لِمَن يُوجَدُ مِنهُ ذانِكَ الوَصْفانِ في الجُمْلَةِ عَلى غَيْرِ جِهَةِ العُمُومِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا﴾ أيْ: كُلِّها ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُصَدِّقُونَ بِالقَلْبِ ويُقِرُّونَ بِاللِّسانِ ويَعْمَلُونَ تَصْدِيقًا لِذَلِكَ بِالأرْكانِ، فَلا يَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ويُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском