Al-Biqa'iAl‑A'raf · 7:157–160

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:157–160, continued

ذِكْرُ شَيْءٍ مِنَ الآصارِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ وخُفِّفَتْ عَنْهم لَوْ دَخَلُوا في الإسْلامِ بِبَرَكَتِهِ ﷺ غَيْرَ ما أسْلَفْتُهُ في آخِرِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وفي المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ﴾ [المائدة: ٤٧] قالَ في السِّفْرِ الثّانِي مِنَ التَّوْراةِ: [و] قالَ الرَّبُّ لِمُوسى: اعْمَدْ فَخُذْ طِيبًا، إلى أنْ قالَ: ولْيَكُنْ مَعْجُونًا طِيبًا لِلْقُدْسِ ودُقَّهُ واسْحَقْهُ وبَخِّرْ مِنهُ قُدّامَ تابُوتِ الشَّهادَةِ في قُبَّةِ الزَّمانِ (p-١٢٠)لِأُواعِدَكَ إلى هُناكَ، ويَكُونُ عِنْدَكم طُهْرًا مَخْصُوصًا، وأيُّما رَجُلٍ اتَّخَذَ مِثْلَهُ لِيَتَبَخَّرَ بِهِ فَلْيَهْلَكْ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِن شَعْبِهِ؛ وقالَ في الثّالِثِ: ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قالَ لَهُ: كَلِّمْ هارُونَ وبَنِيهِ وجَماعَةَ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهُمْ: هَذا ما أمَرَنِي بِهِ الرَّبُّ أنْ أُخْبِرَكُمْ، أيُّ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَذْبَحُ في مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ يَذْبَحُ خارِجًا مِنَ العَسْكَرِ ولا يَجِيءُ بِقُرْبانِهِ إلى بابِ قُبَّةِ الزَّمانِ لِيُقَرِّبَهُ يُعاقَبُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عُقُوبَةَ مَن قَتَلَ قَتِيلًا؛ وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: كَلِّمْ هارُونَ وقُلْ لَهُ: مَن كانَ عِيبَ مَن نَسْلِكَ - أيْ: مِنَ الأحْبارِ - في جَمِيعِ الأحْقابِ لا يَدْنُو مِن مَقْدِسِي، لا يُقَرِّبْ قُرْبانًا مِثْلَ الرَّجُلِ الأعْرَجِ والأعْمى والأفْطَسِ والأصْمَعِ الأُذُنِ أوْ رَجُلٍ مَسْكُورِ اليَدِ أوْ رَجُلٍ قَصِيرٍ أوْ مُنْحَنٍ أوْ رَجُلٍ قَدْ أشْتَرَ حاجِباهُ أوْ أجْهَرَ العَيْنِ أوْ مَن في عَيْنِهِ بَياضٌ أوْ أبْرَصَ أوْ أحْدَبَ أوْ رَجُلٍ لَهُ خُصْيَةٌ واحِدَةٌ، أيُّ رَجُلٍ كانَ فِيهِ عَيْبٌ [مِن] نَسْلِ هارُونَ الكاهِنِ لا يَدْنُو مِنَ المَذْبَحِ لِيُقَرِّبَ قُرْبانَ الرَّبِّ لِأنَّ فِيهِ عَيْبًا؛ وقالَ في السِّفْرِ الرّابِعِ وهو [مِنَ] الحُجَجِ عَلى أنَّ التَّوْراةَ لَمْ تُنَزَّلْ جُمْلَةً: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى في بَرِّيَّةِ سَيْناءَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِخُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ في الشَّهْرِ الأوَّلِ وقالَ: تَعْمَلُ بَنُو إسْرائِيلَ الفِصْحَ في وقْتِهِ في أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِن هَذا الشَّهْرِ، إلى أنْ قالَ: وعَمِلُوا الفِصْحَ، والقَوْمُ الَّذِينَ تَنَجَّسُوا بِأنْفُسِ النّاسِ لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَعْمَلُوا الفِصْحَ فَقالُوا: قَدْ تَنَجَّسْنا بِأنْفُسِ النّاسِ، أيْ: مَسِسْنا مَيِّتًا، فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْنا عَمَلُ الفِصْحِ؟ فَقالَ لَهم مُوسى: (p-١٢١)قُومُوا في مَواضِعِكم حَتّى تَسْمَعُوا ما يَأْمُرُ الرَّبُّ فِيكُمْ، وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: قُلْ لَهُمُ: الرَّجُلُ إذا تَنَجَّسَ مِنكم لِمَيِّتٍ أوْ كانَ في مَكانٍ بَعِيدٍ يَعْمَلُ فِصْحًا لِلرَّبِّ في أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنَ الشَّهْرِ الثّانِي، ومَن كانَ زَكِيًّا ولَمْ يَكُنْ مُسافِرًا ولَمْ يَعْمَلِ الفِصْحَ في وقْتِهِ تَهْلَكْ تِلْكَ النَّفْسُ مِن بَيْنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ قَبْلَ ذَلِكَ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: مُرْ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يُخْرِجُوا مِن عَسْكَرِهِمْ كُلَّ مَن بِهِ بَرَصٌ أوْ سَلَسٌ وكُلَّ مَن كانَ نَجِسًا بِنَفْسِهِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، يُخْرِجُونَهم خارِجَ العَسْكَرِ، ولا تُنَجِّسُوا عَساكِرَكم لِأنِّي نازِلٌ بَيْنَكُمْ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ إذا غارَ عَلى امْرَأتِهِ واتَّهَمَها، إنَّهُ يَأْتِي الكاهِنَ فَيُقِيمُها ويُلَقِّنُها لَعْنًا، فَإذا قالَتْهُ كَتَبَهُ وأخَذَ ماءً مُقَدَّسًا في وِعاءِ فَخّارٍ ووَضَعَ فِيهِ مِنَ التُّرْبِ الَّذِي أسْفَلَ المَذْبَحِ وسَقاهُ لَها، فَإنْ كانَتْ خانَتِ انْتَفَخَ بَطْنُها وفَسَدَ فَخِذاها وتَصِيرُ لَعْنَةً في شَعْبِها، وإنْ كانَتْ لَمْ تَخُنْ تَطَهَّرَتْ ووَلَدَتْ ذَكَرًا، ثُمَّ أمَرَهم بِذَبْحِ بَقَرَةٍ وإحْراقِها حَتّى تَصِيرَ رَمادًا، ويَغْسِلُ الحَبْرُ الَّذِي ذَبَحَها ثِيابَهُ ويَدَيْهِ، فَكُلُّ مَن يَقْتَرِبُ إلى مَيِّتٍ أوْ مَيِّتَةٍ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أيّامٍ، ويُنْضَحُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الماءِ في اليَوْمِ الثّالِثِ واليَوْمِ السّابِعِ ويَتَطَهَّرُ، وإنْ لَمْ يُرَشَّ عَلَيْهِ كَذَلِكَ فَلا يَتَطَهَّرُ، وكُلُّ مَن دَنا مِن إنْسانٍ مَيِّتٍ ولا يَنْضَحُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الماءِ فَقَدْ نَجَّسَ جَنابَ الرَّبِّ، فَلْتُهْمِلْكَ تِلْكَ النَّفْسُ لِأنَّهُ لَمْ يُنْضَحْ عَلَيْهِ مِن ماءِ الرَّشِّ شَيْءٌ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ نَجِسًا ولا يُفارِقُهُ نَجاسَتُهُ، وهَذِهِ (p-١٢٢)سُنَّةُ الإنْسانِ إذا ماتَ في قُبَّةِ الزَّمانِ، فَكُلُّ مَن [كانَ] هُناكَ في القُبَّةِ وكُلُّ مَن يَدْخُلُها يَكُونُ نَجِسًا [سَبْعَةَ أيّامٍ، وكُلُّ وِعاءٍ يَكُونُ مَكْشُوفًا غَيْرَ مُغَطًّى نَجِسًا]، وكُلُّ مَن دَنا مِن قَتِيلٍ أوْ يَمَسُّ عَظْمَ إنْسانٍ أوْ يَدْخُلُ القَبْرَ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أيّامٍ ويُؤْخَذُ لِلْمُتَنَجِّسِ مِن رَمادِ البَقَرَةِ ويُصِيبُ في وِعاءِ ماءِ عَذْبٍ ويُنْضَحُ مِنهُ - عَلى كَيْفِيَّةِ ذِكْرِها - لِيَكُونَ زَكِيًّا، ومَن تَنَجَّسَ ولَمْ يُرَشَّ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الماءِ تَهْلَكُ نَفْسُهُ مِن جَماعَتِها، ومَن دَنا مِن ماءِ الرَّشِّ يَكُونُ نَجِسًا إلى اللَّيْلِ، [ومَنِ اقْتَرَبَ إلى ذَلِكَ الَّذِي تَنَجَّسَ يَكُونُ نَجِسًا إلى اللَّيْلِ]؛ ثُمَّ قالَ: ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: مُرْ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهُمْ: قَرابَتِي يَكُونُ مَحْفُوظَةً في أوْقاتِها - ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ كَثِيرًا مِن أمْرِ القَرابِينِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أوْقاتِها يَوْمَ السَّبْتِ ورُؤُوسَ الشُّهُورِ، ثُمَّ قالَ: وفي أرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنَ الشَّهْرِ الأوَّلِ هو فِصْحُ الرَّبِّ، ويَوْمَ خَمْسَةَ عَشَرَ اتَّخِذُوهُ عِيدًا، وكُلُوا الفَطِيرَ سَبْعَةَ أيّامٍ، [وصَيِّرُوا] أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّبْعَةِ مُمَيَّزًا مُطَهِّرًا لا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا، واليَوْمُ السّابِعُ يَكُونُ مُمَيَّزًا مُطَهِّرًا لا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا، وأوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ السّابِعِ يَكُونُ مُخْتَصًّا مُطَهِّرًا، لا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا (p-١٢٣)مِمّا يُعْمَلُ، بَلْ صَيِّرُوهُ يَوْمًا يُهْتَفُ فِيهِ بِالقُرُونِ، وقَرِّبُوا ذَبائِحَ كامِلَةً - ثُمَّ وصَفَها وكَذا غَيْرُهُ مِنَ الأيّامِ ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ فافْعَلُوا في أوَّلِ الشَّهْرِ أبَدًا، وفي عَشْرٍ مِنَ الشَّهْرِ السّابِعِ اجْعَلُوهُ يَوْمًا مُخْتَصًّا، مُطَهَّرًا لا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا، ولَكِنْ قَرِّبُوا، ويَوْمَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِن هَذا الشَّهْرِ السّابِعِ، ويَكُونُ مَدْعُوًّا، لا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا، بَلِ اتَّخِذُوهُ عِيدًا لِلرَّبِّ سَبْعَةَ أيّامٍ؛ ثُمَّ قالَ: حَتّى إذا كانَ اليَوْمُ الثّامِنُ فاحْتَفِلُوا بِأجْمَعِكُمْ، ولا تَعْمَلُوا شَيْئًا مِمّا يُعْمَلُ، وقَرِّبُوا قَرابِينَ كامِلَةً - وأطالَ في ذَلِكَ جِدًّا عَلى كَيْفِيّاتٍ حِفْظُها فَضْلًا عَنِ العِلْمِ بِها في غايَةِ المَشَقَّةِ؛ ثُمَّ قالَ: قَرِّبُوا لِلرَّبِّ في أيّامِ أعْيادِكم غَيْرَ نُذُورِكم وغَيْرَ خَواصِّكم الَّتِي تَخْتَصُّونَ لِلرَّبِّ؛ ثُمَّ قالَ مُخاطِبًا لِلْمُجاهِدِينَ في مَدْيَنَ: وأمّا أنْتُمْ فانْزِلُوا خارِجًا مِنَ العَسْكَرِ سَبْعَةَ أيّامٍ، كُلُّ مَن قَتَلَ نَفْسًا أوْ مَسَّ قَتِيلًا يُنْضَحُ عَلَيْهِ مِن ماءِ التَّطْهِيرِ في الثّالِثِ والسّابِعِ - وأمَرَهم بِأشْياءَ مِنَ الآصارِ ثُمَّ قالَ: وتَطَهَّرُوا بِالماءِ في اليَوْمِ السّابِعِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَدْخُلُونَ العَسْكَرَ؛ ثُمَّ قالَ في الخامِسِ: هَذِهِ السُّنَنُ والأحْكامُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تَعْمَلُوها وتَحْفَظُوها في الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّكم مِيراثًا كُلَّ أيّامِ حَياتِكُمْ، خَرِّبُوا كُلَّ البُلْدانِ الَّتِي تَرِثُونَها، والآلِهَةُ الَّتِي عَبَدَها أهْلُها فِيها عَلى الجِبالِ (p-١٢٤)الرَّفِيعَةِ والآكامِ [و] تَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ تُظِلُّ، واسْتَأْصِلُوا مَذابِحَهم وكَسِّرُوا [أنْصابَهُمْ، وأحْرِقُوا أصْنامَهُمُ المَصْنُوعَةَ و] أوْثانَهُمُ المَنحُوتَةَ، ولا تَصْنَعُوا أنْتُمْ مِثْلَ ما صَنَعَ أُولَئِكَ في عِبادَتِكُمُ اللَّهَ رَبَّكُمْ، ولَكِنَّ المَواضِعَ الَّتِي يَخْتارُ اللَّهُ رَبُّكم أنْ تُصَيِّرُوا اسْمَهُ فِيها مِن جَمِيعِ قَبائِلِكُمْ، وافْحَصُوا عَنْ مَحَلَّتِهِ، وانْطَلِقُوا بِجَمْعِكم بِقَرابِينِكُمُ الكامِلَةِ، كُلُوا هُناكَ أمامَ اللَّهِ رَبِّكم أنْتُمْ وأهالِيكُمْ، ولا تَعْمَلُوا كَما يُعْمَلُ هاهُنا اليَوْمَ أيْ: قَبْلَ الوُصُولِ إلى أرْضِ المِيراثِ؛ ثُمَّ قالَ: انْظُرُوا لا تُقَرِّبُوا قَرابِينَكم في المَواضِعِ الَّتِي تُرِيدُونَ، لَكِنْ في المَواضِعِ الَّذِي يَخْتارُ الرَّبُّ، في حَدِّ سِبْطٍ مِن أسْباطِكُمْ؛ ثُمَّ قالَ: وإذا بَنَيْتَ بَيْتًا جَدِيدًا فَحَجِّرْ عَلى البَيْتِ لِئَلّا يَقَعَ إنْسانٌ مِن فَوْقِهِ فَلْيَلْزَمَكَ دَمُهُ، ولا تَزْرَعَنَّ في حَرْثِكَ خَلْطًا لِئَلّا تَفْسُدَ غَلَّةُ زَرْعِكَ وكَرْمِكَ، لا تَحْرُثْ بِالثَّوْرِ والحِمارِ جَمِيعًا، ولا تَنْسِجْ ثَوْبًا مِن قُطْنٍ وصُوفٍ جَمِيعًا، اعْمَلْ خُيُوطًا في أرْبَعَةِ أطْرافِ رِدائِكَ الَّذِي تَلْبَسُ؛ ثُمَّ قالَ: وإنْ وجَدَ رَجُلٌ فَتاةً عَذْراءَ لَمْ تُمْلَكْ، فَيَظْفَرُ بِها ويُضاجِعُها ويُوجَدُ، يَدْفَعُ إلى أبِيها خَمْسِينَ مِثْقالًا مِن فِضَّةٍ، وتَصِيرُ امْرَأتَهُ لِأنَّهُ فَضَحَها، ولا يَقْدِرُ أنْ يُطَلِّقَها حَتّى يَمُوتَ.

ولا يَدْخُلُ (p-١٢٥)ولَدُ الزِّنا إلى بَيْتِ الرَّبِّ، ولا يَدْخُلُ نَسْلُهُ مِن بَعْدِهِ إلى عَشَرَةِ أحْقابٍ، ولا يَدْخُلُ عُمانِيٌّ ولا مُؤابِيٌّ إلى بَيْتِ الرَّبِّ، ولا يَدْخُلُ نَسْلُهُما مِن بَعْدِهِما إلى عَشَرَةِ أحْقابٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوكم ولَمْ يُعَشُّوكم بِالخُبْزِ والماءِ حَيْثُ خَرَجْتُمْ مِن أرْضِ مِصْرَ، ولِأنَّهُمُ اكْتَرُوا بِلْعامَ بْنَ بَعُورَ مِن فَتُورامَ مِن بَيْنِ النَّهْرَيْنِ - وهي حَرّانُ - لِيَلْعَنَكُمْ، ولَمْ يُحِبَّ الرَّبُّ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ بِلْعامَ بْنِ بَعُورَ، وقَلَبَ اللَّهُ لَعْنَهُ إلى الدُّعاءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ رَبَّكم أحَبَّكُمْ، فَلا تُرِيدُوا لَهُمُ الخَيْرَ أيّامَ حَياتِكُمْ، لا تَدْفَعُوا الأدْوَمِي عَنْكم لِأنَّهُ أخُوكُمْ، ولا تُبْعِدُوا المِصْرِيَّ أيْضًا لِأنَّكم كُنْتُمْ سُكّانًا بِأرْضِ مِصْرَ، وإنْ كانَ في مُعَسْكَرِكم رَجُلٌ أصابَتْهُ جَنابَةٌ، يَخْرُجُ خارِجَ العَسْكَرِ، ولا يَجْلِسُ بَيْنَ أصْحابِهِ في العَسْكَرِ، وإذا كانَ العَشِيُّ فَلْيَسْتَحِمَّ بِالماءِ، وإذا غابَتِ الشَّمْسُ وأمْسى يَدْخُلُ العَسْكَرَ، ولْيَكُنْ لَكم مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ خارِجَ العَسْكَرِ تَخْرُجُونَ إلَيْهِ إلى الخَلاءِ، ويَكُونُ عَلى سِلاحِكم وتَدٌ مِن حَدِيدٍ، فَإذا جَلَسْتُمْ لِلْخَلاءِ احْفِرُوا مَوْضِعًا لِلْخَلاءِ وغَطَّوْا رَجِيعَكُمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ رَبَّكم مَعَكم في العَسْكَرِ لِيُنْقِذَكم ويَدْفَعَ عَنْكم أعْداءَكُمْ، فَلْيُكُنْ عَسْكَرُكم مُطَهَّرًا (p-١٢٦)مُزَكَّيًا لِئَلّا يَرى فِيكم أمْرًا قَبِيحًا، فَيَرْتَفِعَ عَنْكم ولا يَصْحَبَكُمْ؛ ثُمَّ قالَ: وإنْ سَكَنَ أخَوانِ جَمِيعًا وماتَ أحَدُهُما ولَمْ يُخْلِفْ ولَدًا، لا تَتَزَوَّجُ امْرَأتُهُ مِن رَجُلٍ غَرِيبٍ، ولَكِنْ يَتَزَوَّجُ بِها وارِثُهُ ويُقِيمُ زَرْعًا، وأوَّلُ ولَدٍ تَلِدُ يُنْسَبُ إلى أخِيهِ الَّذِي ماتَ، ويُقالُ إنَّهُ ابْنُ ذَلِكَ الَّذِي ماتَ ولَمْ يُخْلِفْ ولَدًا؛ لِئَلّا يَبِيدَ اسْمُهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ لَمْ يُعْجِبِ الرَّجُلَ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةَ أخِيهِ، تَرْتَفِعُ امْرَأةُ أخِيهِ إلى المَشْيَخَةِ فَيَدْعُونَهُ، فَإنْ ثَبَتَ عَلى قَوْلِهِ تَتَقَدَّمُ إلَيْهِ المَرْأةُ بَيْنَ يَدَيِ المَشْيَخَةِ وتَخْلَعُ خُفَّيْهِ مِن قَدَمَيْهِ وتَبْصُقُ في وجْهِهِ وتَقُولُ: كَذَلِكَ يُصْنَعُ بِالرَّجُلِ الَّذِي لا يُحِبُّ أنْ يَبْنِيَ بَيْتًا لِأخِيهِ، ويُدْعى اسْمُهُ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ: صاحِبَ خَلْعِ الخُفَّيْنِ، وإنْ شاجَرَ الرَّجُلُ صاحِبَهُ فَدَنَتِ امْرَأةُ أحَدِهِما لِتُخَلِّصَ زَوْجَها مِنَ الَّذِي يُقاتِلُهُ، فَتَمُدُّ يَدَها إلى مَذاكِيرِ الرَّجُلِ، يَقْطَعُ يَدَها ولا يُشْفِقُ عَلَيْها ولا يَتَرَحَّمُ. انْتَهى. وكُلُّ هَذِهِ الآصارِ عَلى النَّصارى أيْضًا ما لَمْ يَرِدْ في الإنْجِيلِ نَسْخُها.

7:158Page 170

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨

Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.

ولَمّا تَمَّ ما نَظَمَهُ تَعالى في أثْناءِ هَذِهِ القِصَصِ مِن جَواهِرِ أوْصافِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ حَثًّا عَلى الإيمانِ [بِهِ] وإيجابًا لَهُ عَلى وجْهٍ عُلِمَ مِنهُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى كُلِّ مُكَلَّفٍ تَقَدَّمَ زَمانُهُ أوْ تَأخَّرَ؛ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ (p-١٢٧)يُصَرِّحَ بِما تَقَدَّمَ التَّلْوِيحُ إلَيْهِ، ويُصَرِّحَ بِما أخَذَ مِيثاقَ الرُّسُلِ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِعُمُومِ رِسالَتِهِ وشُمُولِ دَعْوَتِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ وأتى بِأداةِ البُعْدِ لِأنَّهُ مَحَلُّها ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ وقَدْ مَضى في الأنْعامِ أنَّ اشْتِقاقَهم مِنَ النَّوْسِ، وأنَّ الإمامَ السُّبْكِيَّ قالَ: إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ الجِنِّ والمَلائِكَةِ فِيهِمْ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] في هَذِهِ السُّورَةِ ما يَنْفَعُ هُنا ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ المُلْكِ ﴿إلَيْكم جَمِيعًا﴾ أيْ: لا فَرْقَ بَيْنَ مَن أدْرَكَنِي ومَن تَأخَّرَ عَنِّي أوْ تَقَدَّمَ عَلَيَّ في أنَّ الكُلَّ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِي والِاتِّباعُ لِي؛ وهَذا المُرادُ بِقَوْلِهِ ﷺ فِيما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ رُفِعَ إلَيْهِ الذِّراعُ فَنَهَشَ مِنها فَقالَ: ”أنا سَيِّدُ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ“» ولِلدِّارَمِيِّ في أوائِلِ مُسْنَدِهِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ [قالَ]: «أنا قائِدُ المُرْسَلِينَ ولا فَخْرَ، وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ شافِعٍ و[أوَّلُ] مُشَفَّعٍ ولا فَخْرَ» ولِلتِّرْمِذِيِّ في المَناقِبِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ؛ «أنا أوَّلُ النّاسِ خُرُوجًا إذا بُعِثُوا، وأنا قائِدُهم إذا وفَدُوا، وأنا خَطِيبُهم إذا أنْصَتُوا، وأنا مُسْتَشْفَعُهم إذا حُبِسُوا، وأنا مُبَشِّرُهم إذا أيِسُوا، لِواءُ الحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وأنا أكْرَمُ ولَدِ آدَمَ عَلى رَبِّي ولا فَخْرَ» وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، ولَهُ في المَناقِبِ أيْضًا عَنْ أُبَيِّ (p-١٢٨)بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ كُنْتُ إمامَ النَّبِيِّينَ وخَطِيبَهم وصاحِبَ شَفاعَتِهِمْ غَيْرَ فَخْرٍ» وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ؛ ولِلتِّرْمِذِيِّ والدّارِمِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ألا! وأنا حَبِيبُ اللَّهِ ولا فَخْرَ، وأنا حامِلُ لِواءِ الحَمْدِ يَوْمَ القِيامِهِ تَحْتَهُ آدَمُ فَمَن دُونَهُ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ شافِعٍ وأوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ، وأنا أكْرَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ولا فَخْرَ» ولِلتِّرْمِذِيِّ وقالَ: حَسَنٌ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ، وبِيَدِي لِواءُ الحَمْدِ ولا فَخْرَ، وما مِن نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَن سِواهُ إلّا تَحْتَ لِوائِي» الفَخْرُ: ادِّعاءُ العَظَمَةِ والكِبْرِ والشَّرَفِ، أيْ: لا أقُولُهُ تَبَجُّحًا، ولَكِنْ شُكْرًا وتَحْدِيثًا بِالنِّعْمَةِ؛ وما اجْتَمَعَ بِهِمْ في مَجْمَعٍ إلّا كانَ إمامَهم قَبْلَ مَوْتِهِ وبَعْدَهُ، اجْتَمَعَ بِهِمْ لَيْلَةَ الإسْراءِ في بَيْتِ المَقْدِسِ فَصَلّى بِهِمْ إمامًا، ثُمَّ اجْتَمَعَ بِهِمْ في السَّماءِ فَصَلّى بِجَمِيعِ أهْلِ السَّماءِ إمامًا، وأمّا يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ والكَرْبِ الأعْظَمِ فَيُحِيلُ الكُلُّ عَلَيْهِ ويُؤْمِنُونَ بِالرِّسالَةِ، وما أحالَ بَعْضُ الكابِرِ عَلى بَعْضٍ إلّا عِلْمًا مِنهم بِأنَّ الخِتامَ يَكُونُ بِهِ.

لِيَكُونَ أظْهَرَ لِلِاعْتِرافِ بِأمانَتِهِ والِانْقِيادِ لِطاعَتِهِ؛ لِأنَّ المُحِيلَ عَلى المُحِيلِ (p-١٢٩)عَلى الشَّيْءِ مُحِيلٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، ولَوْ أحالَ أحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِطُرُقِهِ احْتِمالٌ، والحاصِلُ أنَّهُ ﷺ يُظْهِرُ في ذَلِكَ المَوْقِفِ رِسالَتَهُ بِالفِعْلِ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَيَظْهَرُ سِرُّ هَذِهِ الآيَةِ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] واللَّهُ المُوَفِّقُ.

ولَمّا دَلَّ بِالإضافَةِ إلى اسْمِ الذّاتِ الدّالِّ عَلى جَمِيعِ الصِّفاتِ عَلى عُمُومِ دَعَوْتِهِ وشُمُولِ رِسالَتِهِ حَتّى لِلْجِنِّ والمَلائِكَةِ، أيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي لَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: فَلا بِدَعَ أنْ يُرْسِلَهُ إلى جَمِيعِ مَن فِيهِما، بَلْ وما فِيهِما.

ولَمّا كانَ مِمّا بالَغَهُ في الدُّنْيا أنَّهُ رُبَّما في مَمْلَكَةِ المَلِكِ مَن يُناظِرُهُ أوْ يَقْرُبُ مِنهُ مِن ولِيِّ عَهْدٍ أوْ نَحْوِهِ، فَرُبَّما رَدَّ بَعْضَ أمْرِهِ في صُورَةِ نُصْحٍ أوْ غَيْرِهِ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا تَمامَ مُلْكِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: فالكُلُّ مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ خاضِعُونَ لَهُ؛ لِأنَّهُ لا مَوْجُودَ بِالفِعْلِ ولا بِالإمْكانِ مَن يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ سِواهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: لَهُ هاتانِ الصِّفَتانِ مُخْتَصًّا بِهِما، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مُنْفَرِدًا بِما ذُكِرَ، وإذا راجَعْتَ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ الفُرْقانِ مَعَ ما مَضى في أوائِلِ الأنْعامِ، لَمْ يَبْقَ عِنْدَكَ شَكٌّ في دُخُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في عُمُومِ الدَّعْوَةِ.

ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ لا مُنازِعَ لَهُ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَوْجِيهُ الأمْرِ بِالِانْقِيادِ (p-١٣٠)لِرَسُولِهِ فَقالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: لِما ثَبَتَ لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ وبِكُلِّ شَيْءٍ؛ فَإنَّ الإيمانَ بِهِ أساسٌ لا يَنْبَنِي شَيْءٌ مِنَ الدِّينَ إلّا عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ أقْرَبُ الفُرُوعِ الأصْلِيَّةِ إلَيْهِ الرِّسالَةَ قالَ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيْ: لِأنَّهُ رَسُولُهُ؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِما دَلَّ عَلى قُرْبِهِ فَقالَ: ﴿النَّبِيِّ﴾ أيِ: الَّذِي يُخْبِرُهُ بِما يُرِيدُ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ غَيْبًا وشَهادَةً، ويُعْلِيهِ عَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ بِإخْبارِهِ بِإرْسالِهِ؛ ولَمّا كانَ عُلُوُّهُ عَلى كُلِّ عالِمٍ - مَعَ أنَّهُ ثُمَّ يَتَعَلَّمُ مِن آدَمِيٍّ - أدَلَّ شَيْءٍ عَلى صِدْقِهِ قالَ: ﴿الأُمِّيِّ﴾ أيِ: الَّذِي هو - مَعَ كَوْنِهِ لا يُحْسِنُ كِتابَةً ولا قِراءَةً، بَلْ هو عَلى الفِطْرَةِ الأُولى السَّلِيمَةِ الَّتِي لَمْ يُخالِطْها هَوًى، ولا دَنَّسَها حَظٌّ ولا شَهْوَةٌ - بِحَيْثُ يُؤَمُّ ويُقْصَدُ لِلِاقْتِداءِ بِهِ، لِما حَوى مِن عُلُومِ الدُّنْيا والآخِرَةِ والتَّخَلُّقِ بِأوْصافِ الكَمالِ.

ولَمّا أشارَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلى أنَّ سَبَبَ الإيمانِ الخَلاصُ مِنَ الهَوى بِالكَوْنِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى، قالَ مُنَبِّهًا عَلى وُجُوبِ الإيمانِ بِهِ، لِكَوْنِهِ أوَّلَ فاعِلٍ لِما يَدْعُو إلَيْهِ: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أيْ: لِأجْلِ ما يَقْتَضِيهِ ذاتُهُ سُبْحانَهُ مِنَ التَّعَبُّدِ لَهُ لِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ، فَكُلَّما تَجَدَّدَ لَهُ عِلْمٌ مِن عُلُومِ الذّاتِ بِحَسْبِ تَرَقِّيهِ في رُتَبِ الكَمالِ مِن رُتْبَةٍ كامِلَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، جَدَّدَ لَهُ إيمانًا بِحَسْبِهِ، لا تَعْتَرِيهِ غَفْلَةٌ ولا يُخالِطُهُ سَهْوٌ (p-١٣١)ولا شائِبَةُ فُتُورٍ ﴿وكَلِماتِهِ﴾ كَذَلِكَ أيْضًا، كُلَّما تَجَدَّدَ لَهُ عِلْمٌ بِصِفَةٍ مِنها جَدَّدَ لَها إيمانًا، ومِنها المُعْجِزاتُ الَّتِي جَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنها كَلِمَةٌ؛ لِأنَّ ظُهُورَهُ بِالكَلِمَةِ، كَما سَمّى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلِمَةً لِذَلِكَ.

ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ امْتَثَلَ ما أُمِرَ بِهِ، فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ رِسالَتُهُ، اسْتَحَقَّ أنْ يَكُونَ قُدْوَةً فَقالَ: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ أيْ: في كُلِّ ما يَقُولُ ويَفْعَلُ مِمّا يَنْهى عَنْهُ أوْ يَأْمُرُ بِهِ أوْ يَأْذَنُ فِيهِ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى لَهُ حُصُولُ ما سَألَ في الفاتِحَةِ مِنَ الِاهْتِداءِ، أيْ: خَلْقَ الهِدايَةِ في القَلْبِ مَعَ دَوامِهِ.

7:159Page 170

وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩

And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.

ولَمّا كَثُرَ عَدُّ مَثالِبِ إسْرائِيلَ، وخَتَمَ بِتَخْصِيصِ المُتَّبِعِ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ بِالهِدايَةِ والرَّحْمَةِ المُسَبَّبَةِ عَنْها، وكانَ فِيهِمُ المُسْتَقِيمُ عَلى ما شَرَعَهُ لَهُ رَبُّهُ، المُتَمَسِّكُ بِما لَزِمَهُ أهْلُ طاعَتِهِ وحِزْبِهِ، سَواءٌ كانَ مِن صِفاتِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ غَيْرِها، مَعَ الإذْعانِ لِذَلِكَ كُلِّهِ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ عائِدًا إلى تَتْمِيمِ أخْبارِهِمْ، ثُمَّ ما وقَعَ في أيّامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْدَها مِن شِرارِهِمْ، تَعْزِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ وتَسْلِيَةً، وتَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ وتَأْسِيَةً، وهو مَعَ ما بَعْدَهُ مِن أدِلَّةٍ ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾ [الأعراف: ١٤٨] ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ أيْ: قَوْمٌ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُؤَمُّوا؛ لِأنَّهم لا يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، بَلْ (p-١٣٢)﴿يَهْدُونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ الهِدايَةَ وهي البَيانُ ﴿بِالحَقِّ وبِهِ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَجْعَلُونَ القَضايا المُخْتَلِفَةَ المُتَنازَعَ فِيها مُعادَلَةً لِيَقَعَ الرِّضى بِها، لا يَقَعُ مِنهم جَوْرٌ في شَيْءٍ مِنها، ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ ﷺ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

7:160Page 171

وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠

And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

ولَمّا مَدَحَهُمْ، شَرَعَ يُذَكِّرُهم شَيْئًا مِمّا أسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ لِأجْلِ هَؤُلاءِ المُهْتَدِينَ مِنَ التَّكْثِيرِ بَعْدَ القِلَّةِ والإعْزازِ بَعْدَ الذِّلَّةِ بِجَعْلِهِمْ مِمَّنْ يُؤَمُّ اسْتِعْطافًا لِغَيْرِهِمْ، ويَذْكُرُ بَعْضَ عُقُوباتِهِمْ تَرْهِيبًا فَقالَ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ أيْ: فَرَّقْنا بَيْنَهم بِالأشْخاصِ بَعْدَ أنْ كانُوا ماءً واحِدًا مِن شَخْصٍ واحِدٍ، وهو إسْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وصَرَّحَ بِالكَثْرَةِ بَعْدَ أنْ لَوَّحَ بِها بِالتَّقْطِيعِ بِقَوْلِهِ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ ومَيَّزَهُ - مَوْضِعَ المُفْرَدِ الَّذِي هو مُمَيَّزُ العَشَرَةِ - بِالجَمْعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ سِبْطٍ يَشْتَمِلُ لِكَثْرَتِهِ عَلى عِدَّةِ قَبائِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْباطًا﴾ والسِّبْطُ - بِالكَسْرِ: ولَدُ الوَلَدِ، والقَبِيلَةُ مِنَ اليَهُودِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَدُورُ عَلى الكَثْرَةِ والبَسْطِ؛ وبَيَّنَ عَظَمَتَهم وكَثْرَةَ انْتِشارِهِمْ وتَشَعُّبِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُمَمًا﴾ أيْ: هم أهْلٌ لِأنْ يَقْصِدَهُمُ النّاسُ لِما لَهم مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ والدِّينِ، أوْ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ مِنهم تُؤَمُّ خِلافَ ما تَؤُمُّهُ الأُخْرى مِن غَيْرِهِمْ دِينًا.

(p-١٣٣)ولَمّا وصَفَهم بِهَذِهِ الكَثْرَةِ، وكانَ ذَلِكَ مَجْرًى لِذِكْرِ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِالكِفايَةِ في الأكْلِ والشُّرْبِ، ذَكَرَ نِعْمَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ في الماءِ، وبَدَأ بِهِ لِأنَّهُ الأصْلُ في الحَياةِ، وهي مِن نَوْعِ تَقْسِيمِهِمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ مُشِيرَةً إلى ظُلْمِهِمْ وإسْراعِهِمْ في المُرُوقِ فَقالَ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ﴾ أيْ: حِينَ ﴿اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ: طَلَبُوا مِنهُ في بَرِّيَّةٍ لا ماءَ بِها أنْ يَسْقِيَهُمْ، وذَلِكَ في التِّيهِ، والتَّعْبِيرُ بِالقَوْمِ إشارَةٌ إلى تَبْكِيتِهِمْ بِكَوْنِهِمْ أهْلَ قُوَّةٍ ولَمْ يَتَأسَّوْا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الصَّبْرِ إلى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ الَّذِي أمَرَهم بِهَذا المَسِيرِ بِالفَرَجِ، بَلْ طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ في البَقَرَةِ مِن إظْهارِ القَلَقِ والدَّمْدَمَةِ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ﴾ أيِ: الَّتِي جَعَلْناها لَكَ آيَةً وضَرَبْتَ بِها البَحْرَ فانْفَلَقَ ﴿الحَجَرَ﴾ أيْ: أيَّ حَجَرٍ أرَدْتَهُ مِن هَذا الجِنْسِ؛ وبَيَّنَ سُبْحانَهُ سُرْعَةَ امْتِثالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسُرْعَةَ التَّأْثِيرِ عَنْ ضَرْبِهِ بِحَذْفِ: فَضَرَبَهُ، وقَوْلِهِ مُشِيرًا إلَيْهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أيْ: فانْشَقَّتْ وظَهَرَتْ ونَبَعَتْ، [وذَلِكَ كافٍ في تَعْنِيفِهِمْ وذَمِّهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ بَعْدَ المَنِّ بِهِ، وهَذا السِّياقُ الَّذِي هو لِبَيانِ إسْراعِهِمْ في المُرُوقِ هو لا يُنافِي أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الِانْفِجارِ، ويَكُونُ التَّعْنِيفُ حِينَئِذٍ أشَدَّ] ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ عَلى عَدَدِ الأسْباطِ، وأشارَ إلى شِدَّةِ تَمايُزِها بِقَوْلِهِ؛ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ أيْ: مِنَ الأسْباطِ ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ ولَمّا لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْأكْلِ ذِكْرٌ ولا كانَ هَذا سِياقَ الِامْتِنانِ، لَمْ يَذْكُرْ ما أتَمَّ هَذِهِ الآيَةَ بِهِ في البَقَرَةِ.

(p-١٣٤)ولَمّا ذَكَرَ تَبْرِيدَ الأكْبادِ بِالماءِ، أتْبَعَهُ تَبْرِيدَها بِالظِّلِّ فَقالَ: ﴿وظَلَّلْنا﴾ أيْ: في التِّيهِ ﴿عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ: لِئَلّا يَتَأذَّوْا بِالشَّمْسِ؛ ولَمّا أتَمَّ تَبْرِيدَ الأكْبادِ، أتْبَعَهُ غِذاءَ الأجْسادِ فَقالَ: ﴿وأنْـزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ﴾ أيْ: خُبْزًا ﴿والسَّلْوى﴾ أيْ: إدامًا؛ وقالَ السَّمَوْألُ بْنُ يَحْيى: وهو طائِرٌ صَغِيرٌ يُشْبِهُ السُّمانى، وخاصِّيَّتُهُ أنَّ أكْلَ لَحْمِهِ يُلَيِّنُ القُلُوبَ القاسِيَةَ، يَمُوتُ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ كَما أنَّ الخُطّافَ يَقْتُلُهُ البَرْدُ، فَيُلْهِمُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَسْكُنَ جَزائِرَ البَحْرِ الَّتِي لا يَكُونُ بِها مَطَرٌ ولا رَعْدٌ إلى انْفِصالِ أوانِ المَطَرِ والرَّعْدِ، فَيَخْرُجُ مِنَ الجَزائِرِ ويَنْتَشِرُ في الأرْضِ.

ولَمّا ذَكَرَ عَظَمَتَهُ في ذَلِكَ، ذَكَرَ نَتِيجَتَهُ فَقالَ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: بِصِفَةِ العَظَمَةِ القاهِرَةِ لِما نُرِيدُ مِمّا لَمْ تُعالِجُوهُ نَوْعَ مُعالَجَةٍ، ودَلَّ عَلى أنَّهم قابَلُوا هَذا الإحْسانَ بِالطُّغْيانِ والظُّلْمِ والعُدْوانِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَعَدَلُوا عَنِ الطِّبِّيّاتِ المَأْذُونِ فِيها، وأكَلُوا الخَبائِثَ الَّتِي حَرَّمْناها عَلَيْهِمْ بِالِاصْطِيادِ يَوْمَ السَّبْتِ - كَما يَأْتِي - وفَعَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ، فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ: ﴿وما ظَلَمُونا﴾ أيْ: بِشَيْءٍ مِمّا قابَلُوا فِيهِ الإحْسانَ بِالكُفْرانِ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾ أيْ: دائِمًا جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿يَظْلِمُونَ﴾ وهو - مَعَ كَوْنِهِ مِن أدِلَّةِ ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] الآيَةَ. - دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وصْفِ هَذا الرَّسُولِ بِالنَّبِيِّ؛ فَإنَّ مَن عَلِمَ هَذِهِ الدَّقائِقَ مِن أخْبارِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا ولَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِن أحْبارِهِمْ، (p-١٣٥)كانَ صادِقًا عَنْ عَلّامِ الغُيُوبِ مِن غَيْرِ مُؤَيِّدٍ وكَذا ما بَعْدَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском