Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:193–202
7:193Page 175
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣
And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.
ولَمّا تَبَيَّنَ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُعَجِّبِ مِن حالِهِمْ في ضَلالِهِمْ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ أنَّ مَن أشْرَكُوهُ لَيْسَ فِيهِ نَوْعُ قابِلِيَّةٍ لِما أهَّلُوهُ؛ فَإنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا، ومَن كانَ عاجِزًا نَوْعَ عَجْزٍ كانَ مَرْبُوبًا، وكانَ لِلتَّنْبِيهِ بِالخِطابِ ما لَيْسَ لَهُ بِالغَيْبَةِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِهِ تَعْجِيبًا آخَرَ مِنهم أشَدَّ مِنَ الأوَّلِ، وذَلِكَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمُ الَّتِي أشْرَكُوا بِها كَما أنَّها لا تَفْعَلُ شَيْئًا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِها، لا تَفْعَلُهُ عِنْدَ دُعاءِ الدّاعِي ولا تَهْتَدِي إلَيْهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أيْ: وإنْ تَدْعُوا أيُّها المُشْرِكُونَ أصْنامَكم دُعاءً مُسْتَمِرًّا مُتَجَدِّدًا ﴿إلى الهُدى﴾ أيْ: إلى الَّذِي يَدُلُّ الدّاعِي إلَيْهِ قَطْعًا، عَلى أنَّ المُتَخَلِّفَ عَنْهُ سَيِّئُ المِزاجِ، مُحْتاجٌ إلى العِلاجِ، لِكَوْنِهِ تَخَلَّفَ عَمّا لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مَن لَهُ نَوْعُ صَلاحٍ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ الأشْياءِ، فالمُتَخَلِّفُ عَنْهُ راضٍ لِنَفْسِهِ بِالدُّونِ ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الهُدى الَّذِي دَعَوْتُمُوهم إلَيْهِ ولَوْ بالَغْتُمْ في الِاسْتِتْباعِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إشارَةً إلى أنَّها لا يُتَصَوَّرُ مِنها قَصْدُ التَّبَعِ فَضْلًا عَنْ إيجادِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ عارِضٍ، بَلْ هو مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ (p-١٩٤)ولَمّا كانَ السَّواءُ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ أمْرَيْنِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلَيْهِما فَقالَ: ﴿أدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: وُجِدَ مِنكم ذَلِكَ الدُّعاءُ الَّذِي أُشِيرَ إلى اسْتِمْرارِهِ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِيَّةِ إشارَةً إلى أنَّهم لا يَدْعُونَهم في وقْتِ الشَّدائِدِ، بَلْ يَدْعُونَ اللَّهَ فَقالَ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أيْ: عَنْ ذَلِكَ عَلى الدَّوامِ عَلى عادَتِكم في الإعْراضِ عَنْ دُعائِهِمْ في أوْقاتِ المُلِمّاتِ، فالَّذِينَ يَدْعُونَ مُعْتَقَدِيهِمْ في وقْتِ الضَّرُوراتِ أقْبَحُ حالًا في ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، [ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، فَيَكُونُ نَظْمُها: أدَعَوْتُمُوهم مَرَّةً أوْ أنْتُمْ داعُوهم دائِمًا أمْ صَمَتُّمْ عَنْ دُعائِهِمْ في وقْتٍ ما أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ دائِمًا عَنْ دُعائِهِمْ، حاكِمٌ في كُلِّ هَذِهِ الأجْوِبَةِ سَواءٌ في عَدَمِ الإجابَةِ، لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ، دَلَّ بِالفِعْلِ أوَّلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ ثانِيًا، وبِالِاسْمِ ثانِيًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا].
7:194Page 175
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤
Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allāh are servants [i.e., creations] like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.
ولَمّا كانَ اتِّباعُ مَن يَدَّعِي أنَّهُ أعْقَلُ النّاسِ وأبْعَدُهم عَنِ النَّقائِصِ وأعْرَقُهم في مَعالِي الأخْلاقِ وأرْفَعُهم عَنْ سَفْسافِها لِمَن هَذا سَبِيلُهُ أخْزى الخِزْيِ وأقْبَحُ العارِ، وكانُوا مَعَ العِلْمِ بِهَذا الَّذِي وُصِفَتْ بِهِ - مَعْبُوداتُهم يَفْعَلُونَ في الإشْراكِ بِهِمْ وفي خَوْفِهِمْ ورَجائِهِمْ ما هو عَيْنُ الجَهْلِ؛ كَرَّرَ تَبْكِيتَهم بِاتِّباعِهِمْ في أُسْلُوبٍ آخَرَ أوْضَحَ مِمّا قَبْلَهُ في تَبْيِينِ النَّقائِصِ والتَّنْبِيهِ عَلى المَعايِبِ مُلْجِئٍ إلى الِاعْتِرافِ أوِ التَّصْرِيحِ بِالعِنادِ أوِ الجُنُونِ فَقالَ مُؤَكِّدًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أيْ: أيُّها المُشْرِكُونَ دُعاءَ (p-١٩٥)عِبادَةٍ مُلازِمِينَ لِذَلِكَ، أوْ أنَّهُ أطْلَقَ الدُّعاءَ عَلى العِبادَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تَصِحُّ عِبادَةُ مَن لَيْسَ فِيهِ قابِلِيَّةٌ أنْ يُدْعى، والحاصِلُ أنَّ الدُّعاءَ يُلازِمُ المَعْبُودَ.
ولَمّا كانَ دُعاؤُهم لَهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ الإشْراكِ، قالَ مُشِيرًا إلى سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ بِإثْباتِ الجارِّ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ والعَظَمَةِ والجَلالِ ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أيْ: في العَجْزِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لا سِيَّما عَمّا وقَعَ بِهِ التَّحَدِّي مِن مُعارَضَةِ القُرْآنِ وغَيْرِها، وأنْتُمْ تَزِيدُونَ عَلَيْها بِالحَياةِ والعَقْلِ، والمَعْبُودُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِثْلَ العابِدِ فَكَيْفَ إذا كانَ دُونَهُ؛ ولَمّا كانُوا لا يُسَلِّمُونَ أنَّهم أمْثالُهُمْ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أمْرَهم بِدُعائِهِمْ لِبَيانِ دَعْوى المِثْلِيَّةِ بَلِ الدُّونِيَّةِ فَقالَ: ﴿فادْعُوهُمْ﴾ أيْ: إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
ولَمّا كانَ الإلَهُ الحَقُّ يُجِيبُ ولَيَّهُ عِنْدَ التَّحَدِّي مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالرَّبْطِ بِالفاءِ فَقالَ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: يُوجِدُوا لَكم إجابَةً بَيِّنَةً في الإتْيانِ بِسُورَةٍ تُماثِلُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ وفي شَيْءٍ مِنَ المَنافِعِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ مُحْتاجًا إلى مَزِيدِ تَوْبِيخٍ وإلْهابٍ، قَدَّمَ مِنهُ ما رَأيْتُ، ثُمَّ زادَ في الإلْهابِ فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ: في دَعْوى أنَّهم آلِهَةٌ، فَإنَّ رُتْبَةَ الإلَهِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ”إنْ“ خَفِيفَةً و”عِبادًا أمْثالَكُمْ“ بِنَصْبِ الدّالِ واللّامِ، (p-١٩٦)واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى تَخْرِيجِها عَلى أنَّ ”إنْ“ هي النّافِيَةُ أُعْمِلَتْ عَمَلَ ”ما“ الحِجازِيَّةِ، فَرَفَعَتِ الِاسْمَ ونَصَبَتِ الخَبَرَ، وإعْمالُها هَذا العَمَلَ فِيهِ خِلافٌ، أجازَهُ الكِسائِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيِّينَ، ومِنَ البَصْرِيِّينَ ابْنُ السَّرّاجِ والفارِسِيُّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ومَنَعَ مِنهُ الفَرّاءُ وأكْثَرُ البَصْرِيِّينَ، واخْتُلِفَ النَّقْلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ، والصَّحِيحُ أنَّ إعْمالَها لُغَةٌ ثَبَتَ ذَلِكَ في النَّظْمِ والنَّثْرِ - ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ أبُو حَيّانَ وذَكَرَ أنَّهُ أشْبَعُ الكَلامِ فِيهِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، واعْتُرِضَ عَلى هَذا التَّخْرِيجِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ مُنافاتُها لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وإنَّما يُسَلِّمُ لَهُ ذَلِكَ لَوْ تَوارَدَ النَّفْيُ والإثْباتُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، ولَيْسَ الأمْرُ هُنا كَذَلِكَ، فالإثْباتُ لِمُماثَلَتِها لَهم في مُطْلَقِ العَجْزِ، والنَّفْيُ لِمُساواتِها لَهم فِيهِ لِزِيادَتِهِمْ عَنْها بِالبَطْشِ ونَحْوِهِ، أوْ يَكُونُ الأمْرُ - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - أنَّ الإثْباتَ عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ والنَّفْيِ عَلى الحَقِيقَةِ.
7:195Page 175
أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥
Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muḥammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.
ولَمّا أثْبَتَ عَجْزَهم وأنَّهم أمْثالُهُمْ، دَلَّ عَلَيْهِ وعَلى أنَّهم دُونَهم بِأُسْلُوبِ إنْكارٍ وتَعْجِيبٍ مُفَصِّلًا لِبَعْضِ ما نَفاهُ [عَنْهُمْ] فَقالَ مُقَدِّمًا الأرْجُلَ لِأنَّ أوَّلَ ما يُخْشى مِنَ الشَّيْءِ انْتِقالُهُ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ ولَمّا كانَتْ لَهم جَوارِحُ مَصْنُوعَةٌ، بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ بِها﴾
ولَمّا كانَ المَخْشِيُّ بَعْدَ الِانْتِقالِ مَدَّ اليَدِ، قالَ: ﴿أمْ لَهم أيْدٍ﴾ أيْ: مَوْصُوفَةٌ بِأنَّهم ﴿يَبْطِشُونَ بِها﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ البَطْشِ؛ ولَمّا كانَ المَخُوفُ بَعْدَ البَطْشِ بِاليَدِ البَصَرَ خَوْفًا مِنَ الدَّلالَةِ [قالَ]: ﴿أمْ لَهم أعْيُنٌ﴾ (p-١٩٧)أيْ: مَنعُوتَةٌ بِأنَّهم ﴿يُبْصِرُونَ بِها﴾ أيْ: ضَرْبًا مِنَ الإبْصارِ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما خافَ مِمّا يَقْصِدُ ضُرَّهُ فَتَغِيبُ عَنْهُ فَلا يَصِلُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا بِالسَّمْعِ قالَ خاتِمًا: ﴿أمْ لَهم آذانٌ﴾ أيْ: مَقُولٌ فِيها أنَّهم ﴿يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ السَّمْعِ.
ولَمّا سَوّاها بِهِمْ ونَفى عَنْهم ما تَقَدَّمَ، لَزِمَ نُقْصانُها عَنْهم وأنَّهُ في الحَقِيقَةِ مَسْلُوبٌ عَنْهم لِأنَّهم لَيْسَ لَهم مِن ذَواتِهِمْ إلّا العَدَمُ، والقُدْرَةُ فِيما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ إنَّما هي بِيَدِ الصّانِعِ لَهم أشْرَكَهم مَعَها، وقالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قُلِ﴾ أيْ: لِهَوُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أيْ: هَذِهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ ومَهْما شِئْتُمْ غَيْرَها، واسْتَعِينُوا بِها في عَداوَتِي.
ولَمّا كانَ هَذا تَحَدِّيًا عَظِيمًا يَحِقُّ لِفاعِلِهِ التَّمَدُّحُ بِهِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أيْ: جَمِيعًا أنْتُمْ وهم وأنْتُمْ أكْثَرُ مِن حَصى البَطْحاءِ ورَمْلِ الفَضاءِ وأنا وحْدِي، ولَمّا كانَ المَعْنى: وعَجِّلُوا، عَطَفَ بِفاءِ السَّبَبِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ: تُمْهِلُونِ لَحْظَةً فَما فَوْقَها لِئَلّا تَعْتَلُّوا في الإنْظارِ بِعِلَّةٍ، وعَلَّلَ عَدَمَ المُبالاةِ بِكَيْدِهِمْ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى اتِّصافِ مَعْبُودِهِ بِما نَفاهُ عَنْ شُرَكائِهِمْ مِنَ الإحاطَةِ بِمَنافِعِ الدّارَيْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأدْيانِ والأبْدانِ، وقَدَّمَ الدِّينَ إشارَةً إلى أنَّهُ الأهَمُّ فَقالَ مُؤَكِّدًا في مُقابَلَةِ إنْكارِهِمْ:
7:196Page 176
إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦
Indeed, my protector is Allāh, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.
﴿إنَّ ولِيِّيَ﴾ أيْ: ناصِرِي ومُتَوَلِّي جَمِيعِ أُمُورِي ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِي نَـزَّلَ﴾ أيْ: بِحَسْبِ التَّدْرِيجِ (p-١٩٨)مُتَكَفِّلًا بِفَصْلِ الوَقائِعِ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ: الجامِعَ لِعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وأمْرِ المَعاشِ والمَعادِ وأحْوالِ الدّارَيْنِ وكُلِّ ما فِيهِ صَلاحٌ مِن أحْوالِ القُلُوبِ وغَيْرِها الَّذِي عَجَزْتُمْ بِأجْمَعِكم ومَن ادَّعَيْتُمْ شَرِكَتَهُ عَنْ مُعارَضَةِ شَيْءٍ مِنهُ.
ولَمّا تَكَفَّلَ هَذا التَّنْزِيلُ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ، وهي الحَياةُ التّامَّةُ المُسْتَلْزِمَةُ لِلْإرادَةِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ، وكانَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ لِلْكِتابِ دَلِيلًا شُهُودِيًّا قَوْلِيًّا عَلى كَذِبِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ دَلِيلًا آخَرَ شُهُودِيًّا فِعْلِيًّا فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يَتَوَلّى﴾ أيْ: يَلِي وِلايَةً تامَّةً ﴿الصّالِحِينَ﴾ أيْ: كُلَّهم بِنَصْرِهِمْ عَلى كُلٍّ مُناوٍ وكِفايَتِهِمْ لِكُلِّ مُهِمٍّ وقَدْ عَلِمْتُمْ ما قَدَّمَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن وقائِعِهِ بِمَن كَذَّبَ أنْبِياءَهُ واسْتَهْزَأ بِرُسُلِهِ وأنَّهُ أنْجى كُلَّ مَن والاهُ، وأهْلَكَ جَمِيعَ مَن عاداهُ كَمَن عَدُّوهم آلِهَةً، وهو وما بَعْدَهُ وما قَبْلَهُ مُتَلَفِّتٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ [الأعراف: ٣] بِالشَّرْحِ، وهو دالٌّ عَلى أنَّهُ الَّذِي فَعَلَ ما تَقَدَّمَ لِأجْلِ أوْلِيائِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ أعْجَزَهم عَنْ مُعارَضَةِ شَيْءٍ مِن كِتابِهِ، وعَنِ الوُصُولِ إلى جَمِيعِ ما يُرِيدُونَ مِن أوْلِيائِهِ وأحْبابِهِ.
7:197Page 176
وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧
And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."
ولَمّا صَوَّرَ بِهَذا جَلالَهُ، وقَرَّرَ عَظَمَتَهُ وكَمالَهُ، بِاتِّصافِهِ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ العُلى الَّتِي مِنها القُدْرَةُ الَّتِي تَكُفُّهم عَنْهُ؛ كَرَّرَ التَّنْفِيرَ عَنْ أنْدادِهِمْ في أُسْلُوبٍ آخَرَ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى السّابِقِ بِزِيادَةٍ بالِغَةٍ في العَجْزِ وهو تَصْوِيبُ (p-١٩٩)النَّظَرِ مِن غَيْرِ إبْصارٍ، مَعَ أنَّ الأوَّلَ لِلتَّقْرِيعِ، وهَذا الفَرْقُ بَيْنَ مَن يُعْبَدُ بِحَقٍّ ومَن يُعْبَدُ بِباطِلٍ لِيَرْجِعُوا عَنْ غَيِّهِمْ وعِنادِهِمْ، فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّهم لَيْسُوا في شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ مُصَرِّحًا بِنَفْيِ النُّصْرَةِ الَّتِي أثْبَتَها لَهُ عَنْهم مَعَ المُواجَهَةِ بِالخِطابِ الَّذِي هو أفْظَعُ في الجَوابِ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أيْ: تُدِيمُونَ دُعاءَهم ﴿مِن دُونِهِ﴾ - فَإنَّهم يَدْعُونَهُ سُبْحانَهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ – أوْ تَدْعُونَهم تارِكِينَ لَهُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النُّصْرَةِ بِدَلِيلِ عَجْزِكم عَنِّي وأنا وحْدِي وأنْتُمْ أهْلُ الأرْضِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ بِدَلِيلِ أنَّ الكَلْبَ يَبُولُ عَلَيْهِمْ فَلا يَمْنَعُونَهُ.
7:198Page 176
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨
And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.
ولَمّا كانَ دُعاءُ الجَماعَةِ أقْرَبَ إلى السَّماعِ مِن دُعاءِ الواحِدِ، نَسَّقَ عَلى ما قَبْلَهُ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أيْ: يا مَن هم أضَلُّ مِنهم وأعْجَزُ ﴿إلى الهُدى﴾ أيْ: إلى الَّذِي هو أشْرَفُ الخِلالِ لِيَهْتَدُوا في نَصْرِ أنْفُسِهِمْ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿لا يَسْمَعُوا﴾ أيْ: شَيْئًا مِن ذَلِكَ الدُّعاءِ ولا غَيْرِهِ؛ ولَمّا كانَ حالُهم في البَصَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، قالَ مُفْرِدًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿وتَراهُمْ﴾ أيْ: أيُّها النّاظِرُ إلَيْهِمْ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَنْظُرُونَ لِما صَنَعُوا لَهم مِنَ الأعْيُنِ ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الإبْصارِ، وما أشْبَهَ مَضْمُونَ هَذِهِ الآياتِ بِما في سِفْرِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ في نُبُوَّةِ أشْعِيا: هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ مَلِكُ إسْرائِيلَ ومُخَلِّصُهُ: أنا الأوَّلُ وأنا الآخَرُ، ولَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي. ومَن مِثْلِي يَدَّعِي ويُظْهِرُ قُوَّتَهُ ويُخْبِرُ بِما كانَ (p-٢٠٠)مُنْذُ بَسَطْتُ الدُّنْيا إلى الأبَدِ، والآياتُ القَدِيمَةُ تَظْهَرُ لِلشُّعُوبِ، فَلا يَفْزَعُونَ ولا يَخافُونَ، ألَمْ أُسْمِعْكم مُنْذُ أوَّلِ الدَّهْرِ وأُظْهِرْها لَكم وأُبَيِّنْ لَكُمُ الأُمُورَ وأنْتُمْ شُهَدائِي أنْ لَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي، ولَيْسَ عَزِيزٌ مَنِيعٌ إلّا وأنا أعَزُّ مِنهُ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الصُّنّاعِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الأصْنامَ إنَّما عَمَلُهم باطِلٌ ولَيْسَ في أعْمالِهِمْ مَنفَعَةٌ، وأنَّ الصُّنّاعَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَها هم يَشْهَدُونَ عَلَيْها أنَّها لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ ولا تَعْلَمُ، لِذَلِكَ يُخْزى جَمِيعُ صُنّاعِ الأوْثانِ المَسْبُوكَةِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما صَنَعُوا لا عَقْلَ لَهُ، فَيُجْمَعُونَ كُلُّهم ويُخْزَوْنَ ويَفْتَضِحُونَ لِأنَّ النَّجّارَ نَحَتَ بِحَدِيدِهِ وهَيَّأ صَنَمًا بِمِنقارِهِ وسَدَّدَهُ بِقُوَّةِ ساعِدِهِ وجاعَ وعَطِشَ في عَمَلِهِ. والنَّجّارُ اخْتارَ خَشَبَةً وقَدَّرَها وألْصَقَ بَعْضَها بِبَعْضٍ بِالغِراءِ ورَكَّبَها وعَمِلَها كَشِبْهِ الإنْسانِ، أقامَ مِنَ الخَشَبِ الَّذِي قَطَعَ مِنَ الغَيْضَةِ كَشِبْهِ رَجُلٍ الَّذِي نَبَتَ مِن شُرْبِ المَطَرِ لِيَصِيرَ لِلنّاسِ لِلْوَقُودِ فَعَمِلُوهُ لَهم إلَهًا وعَبَدُوهُ وسَجَدُوا لَهُ، الَّذِي يُنْصِفُهُ خَبَزُوا لَهم خُبْزًا وشَوَوْا لَهم لَحْمًا عَلى جَمْرَةٍ وأكَلُوا وشَرِبُوا واصْطَلَوْا وقالُوا: قَدْ حَمَيْنا لِأنّا قَدْ أوْقَدْنا نارًا واصْطَلَيْنا، والَّذِي بَقِيَ مِنهُ اتَّخَذُوهُ إلَهًا مَنحُوتًا وسَجَدُوا لَهُ وصَلَّوْا وقالُوا: نَجِّنا لِأنَّكَ إلَهُنا.
ولَمْ يَخْطُرْ عَلى بالِهِمْ فِكْرُ أنْ يَقُولُوا: إنّا قَدْ أوْقَدْنا نِصْفَهُ بِالنّارِ، وخَبَزْنا خُبْزَنا وشَوَيْنا عَلى جَمْرِهِ اللَّحْمَ وأكَلْنا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ باقِيَهُ عُمِلَ مِنهُ صَنَمٌ وسَجَدُوا لَهُ؛ لِأنَّ قُلُوبَهم مُتَمَرِّغَةٌ في رَمادِهِ، وضَلَّتْ عُقُولُهم فَلا يَقْدِرُونَ يُنَجُّونَ أنْفُسَهم ولا يَقُولُونَ: إنَّ أيادِيَنا عَمِلَتِ الباطِلَ (p-٢٠١)واتَّخَذَتِ الكَذِبَ، ثُمَّ قالَ: ألَيْسَ أنا الرَّبُّ مُنْذُ أوَّلُ، ولَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي ولا مُخَلِّصَ سِوايَ، ادْنُوا إلَيَّ يا جَمِيعَ الَّذِينَ في أقْطارِ الأرْضِ لِتَنْجُوا لِأنِّي أنا الرَّبُّ ولَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي، حَلَفْتُ بِيَمِينِي وأخْرَجْتُ كَلِمَةَ صِدْقٍ ولَسْتُ أرْجِعُ عَنْها لِأنَّهُ لِي تَنْحَنِيَ كُلُّ رُكْبَةٍ، وبِي يَحْلِفُ كُلُّ إنْسانٍ ويَقُولُ: إنَّما البَرُّ بِالرَّبِّ، وإلَيْهِ تَدْنُو الأعِزّاءُ ويُخْزى جَمِيعُ المُبْغِضِينَ، وبِي يُمْتَدَحُ ويُتَبَرَّرُ، بِمَن شَبَّهْتُمُونِي؟ وإلى مَن نَسَبْتُمُونِي؟ بِالضّالِّينَ الَّذِينَ أخْرَجُوا الذَّهَبَ مِن أكْياسِهِمْ ووَزَنُوا الفِضَّةَ بِالمِيزانِ واكْتَرُوا الصُّنّاعَ حَتّى عَمِلُوا لَهم آلِهَةً يَسْجُدُونَ لَها ويَحْمِلُونَها عَلى أكْتافِهِمْ ويَمْشُونَ بِها ثُمَّ يُصَلُّونَ لَها ويَدْعُونَها لا تُجِيبُهم ولا تُخَلِّصُهم مِن شَدائِدِهِمْ ثُمَّ يَحْمِلُونَها أيْضًا ويَرُدُّونَها إلى مَواضِعِها، اذْكُرُوا هَذِهِ الأشْياءَ واعْقِلُوا أيُّها الأثَمَةُ وأخْطِرُوها عَلى قُلُوبِكم وتَذَكَّرُوا الأيّامَ الَّتِي كانَتْ مِنَ الِابْتِداءِ، إنِّي أنا اللَّهُ الخالِقُ ولَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي ولا مِثْلِي، فَأنا أُظْهِرُ العَتِيداتِ وأُخْبِرُ بِالَّذِي يَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، وأُثَبِّتُ رَأْيِي وأُكْمِلُ إراداتِي وهَوايَ، وأدْعُو مَن في المَشارِقِ فَيَأْتُونَ أسْرَعَ مِنَ الطَّيْرِ، وأتانِي الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ عَمِلَ مَسَرَّتِي مِنَ الأرْضِ البَعِيدَةِ، لِأنِّي أنا إذا تَكَلَّمْتُ بِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ. أنا خَلَقْتُ وأنا أخْلُقُ؛ وفي الزَّبُورِ في المَزْمُورِ الثّالِثَ عَشَرَ بَعْدَ المائِهِ: إلَهَنا في الأرْضِ، كُلَّ ما يَشاءُ يَصْنَعُ، أوْثانُ الأُمَمِ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ عَمَلُ أيْدِي (p-٢٠٢)البَشَرِ، لَها أفْواهٌ ولا تَتَكَلَّمُ، لَها أعْيُنٌ ولا تَنْظُرُ، لَها آذانٌ ولا تَسْمَعُ، وآنافٌ ولا تَشُمُّ، وأيْدٍ ولا تَلْمِسُ، وأرْجُلٌ ولا تَمْشِي، ولا صَوْتَ بِحَناجِرِها ولا رُوحَ في أفْواهِها، فَلْيُكُنْ صانِعُوها مِثْلَها وجَمِيعُ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْها. انْتَهى.
7:199Page 176
خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩
Take what is given freely,1 enjoin what is good, and turn away from the ignorant.
ولَمّا كانَ مُحَصِّلُ أمْرِهِمُ الإعْراضَ عَمّا أتاهم بِالتَّكْذِيبِ والإقْبالِ عَلى ما لَمْ يَأْتِهِمْ بِالطَّلَبِ والتَّعَنُّتِ كالسُّؤالِ عَنِ السّاعَةِ، والأمْرِ بِالمُنْكَرِ مِنَ الشِّرْكِ وما يَلْزَمُ مِنهُ مِن مُساوِي الأخْلاقِ، والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ وما يَتْبَعُهُ مِن مَحاسِنِ الشَّرْعِ، وذَلِكَ هو الجَهْلُ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ أصْلَحَ لَهُ الدِّينَ بِالكِتابِ، والدُّنْيا بِالحِفْظِ مِن كُلِّ ما يَنْتابُ، وكانَ حالُهم رُبَّما كانَ مُوئِسًا مِن فَلاحِهِمْ، مُفَتِّرًا عَنْ دُعائِهِمْ إلى صَلاحِهِمْ، كانَ الدّاعِي لَهم ﷺ كَأنَّهُ قالَ: فَما أصْنَعُ في أمْرِهِمْ؟ فَأجابَهُ بِالتَّحْذِيرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ والأمْرِ بِضِدِّ قالِهِمْ وفِعالِهِمْ والإبْلاغِ في الرِّفْقِ بِهِمْ فَقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ أيْ: ما أتاكَ مِنَ اللَّهِ والنّاسِ بِلا جُهْدٍ ومَشَقَّةٍ، وهَذا المادَّةُ تَدُورُ عَلى السُّهُولَةِ، وتارَةً تَكُونُ مِنَ الكَثْرَةِ وتارَةً مِنَ القِلَّةِ، فَعَفا المالُ، أيْ: كَثُرَ، فَصارَ يَسْهُلُ إخْراجُهُ ويَسْمَحُ بِهِ لِزِيادَتِهِ عَنِ الحاجَةِ، وعَفا المَنزِلُ، أيْ: دَرَسَ، فَسَهُلَ أمْرُهُ حَتّى صارَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
(p-٢٠٣)ولَمّا أمَرَهُ بِذَلِكَ في نَفْسِهِ، أمَرَهُ بِهِ في غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ: بِكُلِّ ما عَرَفَهُ الشَّرْعُ وأجازَهُ، فَإنَّهُ مِنَ العَفْوِ سُهُولَةً وشَرَفًا، وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَأغْنى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ لِأنَّ السِّياقَ لِلْمُساهَلَةِ؛ ولَمّا أمَرَهُ بِالفِعْلِ في نَفْسِهِ وغَيْرِهِ، أتْبَعَهُ التُّرْكَ فَقالَ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: فَلا تُكافِئْهم بِخِفَّتِهِمْ وسَفَهِهِمْ ولا تُمارِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ أسْهَلُ مِن غَيْرِهِ، وذَلِكَ [بَعْدَ فَضِيحَتِهِمْ بِالدُّعاءِ، وذَلِكَ] لِأنَّ مَحَطَّ حالِهِمُ اتِّباعُ الهَوى فَيَدْعُوهم إلى تَكَلُّفِ ضِدِّ هَذِهِ الخِصالِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى النَّهْيِ عَنْ أنْ يُذْهِبَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ مُبالَغَةً في الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعَ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِنها.
7:200Page 176
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠
And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is Hearing and Knowing.
ولَمّا كانَ الشَّيْطانُ بِعَداوَتِهِ لِبَنِي آدَمَ مُجْتَهِدًا في التَّنْفِيرِ مِن هَذِهِ المَحاسِنِ والتَّرْغِيبِ في أضْدادِها، «وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ نُزِعَ مِنهُ حَظُّ الشَّيْطانِ بِطَرْحِ تِلْكَ العَلَقَةِ السَّوْداءِ مِن قَلْبِهِ إذْ شَقَّ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَدْرَهُ وغَسَلَ قَلْبَهُ وقالَ: هَذا حَظُّ الشَّيْطانِ مِنكَ؛» شَرَعَ لِأُمَّتِهِ ما يَعْصِمُهم مِنهُ عِنْدَ نَزْغِهِ مُخاطِبًا لَهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ أدْعى لَهم إلى القَبُولِ وأجْدَرَ بِاشْتِدادِ الخَوْفِ المُقْتَضِي لِلْفِرارِ المُثْمِرِ لِلنَّجاةِ؛ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا (p-٢٠٤)قَصْدَ الشَّيْطانِ لِمَن نُزِعَ مِنهُ حَظُّهُ وعُصِمَ مَن كُلِّ مِحْنَةٍ عَلِمُوا أنَّهُ لَهم أشَدُّ قَصْدًا وأعْظَمُ كَيْدًا وصَدًّا، فَقالَ مُؤَكِّدًا بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ إشارَةً إلى شِدَّةِ قَصْدِ الشَّيْطانِ لِلْفِتْنَةِ وإفْراطِهِ في ذَلِكَ، لِيُبالِغَ في الحَذَرِ مِنهُ وإنْ كانَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ في مَحَلِّ الإنْكارِ لِعِلْمِهِ بِالعِصْمَةِ - لِذَلِكَ عَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى ضَعْفِ كَيْدِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَهُ عَلى قَرِينِهِ فَأسْلَمَ: ﴿وإمّا﴾ أيْ: إنْ، وأُكِّدَتْ بِ ”ما“ إثْباتًا لِلْمَعْنى ونَفْيًا لِضِدِّهِ ﴿يَنْـزَغَنَّكَ﴾ أيْ: يَنْخَسَنَّكَ نَخْسًا عَظِيمًا ﴿مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ﴾ أيْ: نَخْسٌ بِوَسْوَسَتِهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُزْعِجَ فَيَسُوقَ إلى خِلافِ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَحاسِنِ في نَحْوِ غَضَبٍ مِن جَهْلِ الجاهِلِ وسَفَهِ السَّفِيهِ أوْ إفْراطٍ في بَعْضِ أوْجُهٍ كَما تُساقُ الدّابَّةُ بِما تُنْخَسُ بِهِ، فَيُفَسَّرُ ويُجْعَلُ النَّخْسُ ناخِسًا إشارَةً إلى شِدَّتِهِ ﴿فاسْتَعِذْ﴾ أيْ: فَأوْجِدْ أوِ اطْلُبِ العَوْذَ وهو الِاعْتِصامُ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العِزِّ والعَظَمَةِ والقُدْرَةِ والقَهْرِ لِانْقِطاعِكَ عَنِ الإخْوانِ والأنْصارِ إلَيْهِ فَلا ولِيَّ لَكَ ولا ناصِرَ إلّا هُوَ، فَإنَّهُ إذا أرادَ إعاذَتَكَ ذَكَّرَكَ مِن عَزِيزِ نِعَمِهِ وشَدِيدِ نِقَمِهِ ما يُرِيدُ عَنِ الفَسادِ رَغَبًا ورَهَبًا، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى [أوَّلِها]: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]
ولَمّا أبْطَلَ تَعالى أنْ يَكُونَ لِشُرَكائِهِمْ سَمْعٌ أوْ عِلْمٌ، صارَ إثْباتُ ذَلِكَ (p-٢٠٥)لَهُ كافِيًا في اخْتِصاصِهِ بِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الحَصْرِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِهِ عَنْ غَيْرِهِ لِتَقَدُّمِهِ صَرِيحًا بِخِلافِ ما في فُصِّلَتْ، فَقالَ مُعَلِّلًا: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ: بالِغُ السَّمْعِ فَهو يَسْمَعُ اسْتِعاذَتَكَ فَيُجِيبُكَ إنْ شاءَ ﴿عَلِيمٌ﴾ شامِلُ العِلْمِ بِما تُرِيدُ ويُرِيدُ مِنكَ عَدُوُّكَ، فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وخَتَمَ بِصِفَةِ العِلْمِ في المَوْضِعَيْنِ لِأنَّ الوَسْوَسَةَ مِن بابِ ما يُعْلَمُ، وخَتَمَها في سُورَةِ المُؤْمِنِ بِالبَصِيرِ المُشْتَقِّ مِنَ البَصَرِ والبَصِيرَةِ؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ أمْرُ النّاسِ ومِنهُ ما يُبْصَرُ.
7:201Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١
Indeed, those who fear Allāh - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.
ولَمّا كانَ لا يَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إلّا شَيْءٌ خَفِيفٌ جِدًّا كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالنَّزْغِ، وهو لَيْسَ بِمُحَقَّقٍ كَما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ أداةُ الشَّكِّ، وكانَ لا يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ إلّا المُتَّقُونَ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: افْعَلْ ذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ نَزْغِهِ لِتَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ: حَصَلَ لَهم هَذا الوَصْفُ، وحَقَّقَ أذاهُ لَهم بِأداةِ التَّحْقِيقِ - بِخِلافِ ما مَضى عِنْدَ إفْرادِ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ - فَقالَ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ أيْ: طَوافٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ طَيْفٍ كَمَيِّتٍ وهو بِمَعْنى قِراءَةِ طائِفٍ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ كَمَيِّتٍ ومائِتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أيْضًا، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الشَّيْطانَ دائِرٌ حَوْلَهم لا يُفارِقُهُمْ، فَتارَةً يُؤَثِّرُ فِيهِمْ طَوافُهُ فَيَكُونُ قَدْ مَسَّهم مَسًّا هو أكْبَرُ مِنَ النَّزْغِ؛ لِكَوْنِهِ أطافَ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، وتارَةً لا يُؤَثِّرُ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾ أيِ: البَعِيدِ مِنَ الرَّحْمَةِ المُحْتَرِقِ بِاللَّعْنَةِ ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم ذِكْرَ اللَّهِ بِجَمِيعِ ما يَنْفَعُهم في ذَلِكَ إقْدامًا وإحْجامًا.
(p-٢٠٦)ولَمّا كانُوا بِإسْراعِ التَّذَكُّرِ كَأنَّهم لَمْ يَمَسْهم شَيْءٌ مِن أمْرِهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُؤَكِّدًا لِسُرْعَةِ البَصَرِ بِإذا الفُجائِيَّةِ: ﴿فَإذا هُمْ﴾ أيْ: بِنُورِ ضَمائِرِهِمْ ﴿مُبْصِرُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ إبْصارُهم فَلا يُتابِعُونَ الشَّيْطانَ، فَإنَّ المُتَّقِيَ مَن يَشْتَهِي فَيَنْتَهِي، ويُبْصِرُ فَيُقْصِرُ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن تَمادى مَعَ الشَّيْطانِ عَمِيَ لِأنَّهُ ظالِمٌ، والظّالِمُ هو مَن يَكُونُ كَأنَّهُ في الظَّلامِ.
7:202Page 176
وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢
But their brothers1 - they [i.e., the devils] increase them in error; then they do not stop short.
ولَمّا وُصِفَ المُتَّقُونَ الَّذِينَ هُمُ العُلَماءُ مُلَوِّحًا إلى نُصْحِ ولِيِّهِمْ لَهُمْ، وعُرِفَ مِن حالِهِمْ أنَّهم أعْداءُ الشَّيْطانِ، وعُرِفَ أنَّ أضْدادَهم أوْلِياؤُهُ؛ أتْبَعَهُ وصْفَ الجاهِلِينَ وغِشَّ أوْلِيائِهِمْ لَهم والكُلُّ غَيْرُ مُتَقَيَّنٍ، فَقالَ: ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أيْ: وإخْوانُ الجاهِلِينَ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ أيْ: يَمُدُّونَ الجاهِلِينَ، مِنَ المَدِّ وهو الإمْهالُ والإطالَةُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وهو بِمَعْنى قِراءَةِ أهْلِ المَدِينَةِ بِالضَّمِّ مَنِ الإمْدادِ، [وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ هَذا أكْثَرَ ما يَأْتِي فِيما يُحْمَدُ كَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ، فَهو مِنَ اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في ضِدِّهِ نَحْوَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] وكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ الشَّيْطانَ أكْثَرُ ما يَأْتِي الإنْسانَ في صُورَةِ النّاصِحِ الشَّفِيقِ، والأوْجَهُ أنْ يَكُونَ الإخْوانَ الجاهِلِينَ لِأنَّهم في مُقابَلَةِ: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٢٠١] ويَكُونَ الضَّمِيرُ لِلشَّيْطانِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ، أيْ: وإخْوانُ الشَّياطِينِ - وهُمُ الجاهِلُونَ الَّذِينَ لا يَتَّقُونَ - يَمُدُّهم أوْلِياؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ] ﴿فِي الغَيِّ﴾ وهو ضِدُّ (p-٢٠٧)الرَّشادِ، [وأشارَ] إلى مَزِيدِ اعْتِنائِهِمْ بِالإغْواءِ ومُثابَرَتِهِمْ عَلى الإضْلالِ والإغْراءِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ أيْ: لا يَتْرُكُونَ إغْواءَهم ولَوْ لَحْظَةً لِجَهْلِهِمْ وشَرِّهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences