Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:203–206
7:203Page 176
وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٠٣
And when you, [O Muḥammad], do not bring them a sign [i.e., miracle], they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur’ān] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."
ولَمّا تَقَرَّرَ ما شَرَعَهُ مِنَ التَّعَفُّفِ وعَدَمِ التَّنَطُّعِ والتَّكَلُّفِ، وكانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ مِن عَمَهِهِمْ تَكَلُّفُهُمُ السُّؤالَ عَنِ السّاعَةِ، والشَّياطِينُ لا يَفْتُرُونَ عَنْ إغْوائِهِمْ، أخْبَرَهُ عَنْ مُطْلَقِ تَكَلُّفِهِمْ تَعَجُّبًا مِنهم وإشْهادًا لِتَمادِيهِمْ مَعَ إغْواءِ شَياطِينِهِمْ، وأمَرَهُ ﷺ بِما يُجِيبُهم بِهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أيْ: عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ ﴿قالُوا لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿اجْتَبَيْتَها﴾ والجَبْيُ: الجَمْعُ، والإجْباءُ تَرْكُهُ، والِاجْتِباءُ: الجِدُّ في الجَمْعِ، ويَلْزَمُ مِنهُ الِاصْطِفاءُ والِاخْتِيارُ، فَمَعْنى اجْتَبَيْتَها اجْتَلَبْتَها، أيْ: تَكَلَّفْتَ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ الإتْيانَ بِها مُخْتارَةً.
ولَمّا كانَ المَقامُ داعِيًا إلى السُّؤالِ في تَعْلِيمِ الجَوابِ، أُسْعِفُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: إذا قالُوا ذَلِكَ ﴿إنَّما أتَّبِعُ﴾ أيْ: أتَعَمَّدُ وأتَكَلَّفُ اتِّباعَ ﴿ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: يَأْتِينِي بِهِ المَلَكُ ﴿مِن رَبِّي﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيَّ بِتَعْلِيمِي ما يَنْفَعُنِي، لا أنِّي آتِي بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِي ولا أقْتَرِحُ عَلى رَبِّي.
ولَمّا حَصَرَ حالَهُ في اتِّباعِ الوَحْيِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هَذا الَّذِي (p-٢٠٨)يُوحى إلَيْكَ؟ فَقالَ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِاتِّباعِهِ لِأنَّهُ كافٍ في إثْباتِ نُبُوَّتِهِ مُغْنٍ عَنِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ قاهِرٌ في وُجُوبِ اتِّباعِهِ -: ﴿هَذا﴾ مُشِيرًا إلى ما يُوحى إلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضَرًا في سائِرِ الأذْهانِ، حاضِرًا بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إنْسانٍ﴿بَصائِرُ﴾ أيْ: أشْياءُ هي - عَلى حَسَبِ ما طَلَبْتُمْ - مُجْتَباةٌ، بَلْ هي خِيارُ الخِيارِ، يَكُونُ بِها نُورُ القَلْبِ فَيَصِيرُ لِلْعُيُونِ أيْضًا بَصَرٌ يُقَرِّبُهُ مِمّا يَحُثُّ الكِتابُ عَلى نَظَرِهِ مِنَ الآياتِ المَرْئِيّاتِ إلى عُلُومٍ لَمْ تَكُنْ لَها قَبْلَ ذَلِكَ، وهي حُجَجٌ بَيِّنَةٌ قاهِرَةٌ عَلى تَصْدِيقِي وقَبُولِ كُلِّ ما جِئْتُ بِهِ، وسَمّاهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِبَصَرِ العُقُولِ بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وجَمِيعِ الشَّرِيعَةِ أُصُولًا وفُرُوعًا، فَهو تَسْمِيَةٌ لِلسَّبَبِ بِاسْمِ المُسَبَّبِ، وعَلَيَّ مَدْحُها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي لَمْ يَقْطَعْ إحْسانَهُ عَنْكم أصْلًا، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يُتَلَقّى ما أتى مِنهُ بِكُلِّ جَمِيلٍ.
ولَمّا كانَتِ البَصائِرُ جَمْعًا، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مُفْرِداتِ الجَمْعِ تَكُونُ مُتَفاوِتَةً، أكَّدَها بِما يُشِيرُ إلى أنَّها خارِقَةٌ لِلْعادَةِ في أنَّها عَلى حَدٍّ سَواءٍ في أعْلى طَبَقاتِ الهِدايَةِ فَقالَ: ﴿وهُدًى﴾ أيْ: بَيانٌ؛ ولَمّا كانَ البَيانُ قَدْ لا يَكُونُ عَلى وجْهِ الإكْرامِ، قالَ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: إكْرامٌ. (p-٢٠٩)ولَمّا كانَ مَن لا يَنْتَفِعُ بِالشَّيْءِ يَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ عَنِ الشَّيْءِ النّافِعِ النَّفْعَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ ويَسْتَمِرُّونَ عَلى تَجْدِيدِها في كُلِّ وقْتٍ، وأمّا غَيْرُهم فَقَدْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ عَذابًا.
7:204Page 176
وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٢٠٤
So when the Qur’ān is recited, then listen to it and pay attention that you may receive mercy.
ولَمّا عَظَّمَ اللَّهُ شَأْنَ القُرْآنِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَآمِنُوا بِهِ تُفْلِحُوا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ أيْ: وهو هَذا الَّذِي يُوحى إلَيَّ، فَتَأدَّبُوا وتَواضَعُوا لِأنَّهُ صِفَةُ رَبِّكم ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أيْ: ألْقُوا إلَيْهِ أسْماعَكم مُجْتَهِدِينَ في عَدَمِ شاغِلٍ يَشْغَلُكم عَنِ السَّمْعِ.
ولَمّا كانَ بَعْضُ الفُهَماءِ يَسْمَعُ وهو يَتَكَلَّمُ، أشارَ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ أعْلى قَدْرًا مِن أنْ يَنالَهُ مَن يَشْتَغِلُ عَنْهُ بِأدْنى شُغْلٍ فَقالَ: ﴿وأنْصِتُوا﴾ أيْ: لِلتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ لِتَنْجَلِيَ قُلُوبُكم فَتَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ فَتَعْلَمُوا بِما فِيهِ ولا يَكُونُ في صُدُورِكم حَرَجٌ مِنهُ؛ ولَمّا كانَ ظاهِرُ الآيَةِ وُجُوبَ الإنْصاتِ لِكُلِّ قارِئٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ، رَغَّبَ فِيهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يُكْرِمَكم رَبُّكم ويَفْعَلَ بِكم كُلَّ ما يَفْعَلُهُ الرّاحِمُ مَعَ المَرْحُومِ.
7:205Page 176
وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٢٠٥
And remember your Lord within yourself in humility and in fear without being apparent in speech - in the mornings and the evenings. And do not be among the heedless.
ولَمّا تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ نَزْغِ الشَّيْطانِ، ومَرَّ إلى أنْ أمَرَ بِالِاسْتِماعِ لِأعْظَمِ الذِّكْرِ، وكانَ التّالِي رُبَّما بالَغَ في الجَهْرِ لِيَكْثُرَ سامِعُهُ، ورُبَّما أسَرَّ لِئَلّا يُوجِبَ عَلى غَيْرِهِ الإصْغاءَ، عَلَّمَهم أدَبَ القِراءَةِ، (p-٢١٠)وأطْلَقَ ذَلِكَ في كُلِّ حالٍ؛ لِأنَّهُ رُبَّما فَهِمَ فاهِمٌ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرٍ في حالَةِ النَّزْغِ، ورَقِيَ الخِطابُ مِنهم إلى إمامِهِمْ لِيَكُونَ أدْعى لِقَبُولِهِمْ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَكادُ يَقُومُ بِهَذا الأمْرِ حَقَّ قِيامِهِ غَيْرُهُ ﷺ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ﴾ أيْ: بِكُلِّ ذِكْرٍ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ - ﴿رَبَّكَ﴾ أيِ: الَّذِي بَلَغَ الغايَةَ في الإحْسانِ إلَيْكَ ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أيْ: ذِكْرًا يَكُونُ راسِخًا فِيكَ مَظْرُوفًا لَكَ لِفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ وتَخَلُّقِكَ بِما فِيهِ، ولْيَكُنْ سِرًّا لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى الإخْلاصِ وأعْوَنُ عَلى التَّفَكُّرِ، وكَوْنُهُ سِرًّا دالٌّ عَلى أشْرَفِ الأحْوالِ، وهو المُراقَبَةُ مَعَ تَحَقُّقِ القُرْبِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ أثْمَرَ قَوْلُهُ: ﴿تَضَرُّعًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِكَ ذا تَضَرُّعٍ بِالظّاهِرِ ﴿وخِيفَةً﴾ أيْ: لِتَدْعُوَ المَخافَةُ إلى تَذَلُّلِ قَبْلِكَ لِتَجْمَعَ بَيْنَ تَضَرُّعِ السِّرِّ والعَلَنِ، وبِهَذا يَكْمُلُ ذُلُّ العُبُودِيَّةِ لِعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ.
ولَمّا أمَرَ بِالسِّرِّ، قالَ مُقابِلًا لَهُ: ﴿ودُونَ الجَهْرِ﴾ أيْ: لِأنَّهُ أدْخَلُ في الإخْلاصِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ فَوْقَ السِّرِّ، وإلّا لَمْ تُفِدِ الجُمْلَةُ شَيْئًا، ولَمّا كانَ الجَهْرُ قَدْ يَكُونُ في الأفْعالِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: فَإنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِالتَّذَلُّلِ والخُضُوعِ مِن غَيْرِ صِياحٍ كَما يُناجى المُلُوكُ ويُسْتَجْلَبُ مِنهُمُ الرَّغائِبُ، وكَما «قالَ ﷺ لِلصَّحابَةِ وقَدْ جَهَرُوا بِالدُّعاءِ فَوْقَ المِقْدارِ: ”إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا“» فَإنَّ (p-٢١١)المَقْصُودَ حُصُولُ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ لِيُعِينَ الذِّكْرَ القَلْبِيَّ، والمَقْصُودُ حاصِلٌ بِإسْماعِ النَّفْسِ؛ فَإنَّهُ يَتَأثَّرُ الخَيالُ فَيَتَقَوّى الذِّكْرُ القَلْبِيُّ، ولا تَزالُ الأنْوارُ تَتَزايَدُ فَيَنْعَكِسُ تَراجُعُ بَعْضِها إلى بَعْضٍ حَتّى يَزْدادَ التَّرَقِّي مِن ظُلُماتِ عالَمِ الأجْسامِ إلى أنْوارِ مُدْبِرِ النُّورِ والظَّلامِ.
ولَمّا أمَرَ بِالذِّكْرِ مُكَيَّفًا بِكَيْفِيَّتِهِ اللّائِقَةِ بِهِ، أمَرَهُ ﷺ بِالمُداوَمَةِ عَلَيْهِ ذاكِرًا أحْسَنَ الأوْقاتِ لَهُ وأحَقَّها بِهِ، لِكَوْنِها لِما فِيها مِنَ الشُّغْلِ - أدَلَّ عَلى إيثارِهِ لِمَزِيدِ المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿بِالغُدُوِّ﴾ أيْ: أوْقاتِ البِكْرِ، ولَعَلَّهُ أفْرَدَهُ عَلى جَعْلِهِ مَصْدَرَ غَدا؛ لِأنَّهُ ما ثَمَّ إلّا صَلاةُ الصُّبْحِ، وجَمَعَ ما بَعْدَهُ لِلْعَصْرَيْنِ والمَغْرِبِ فَقالَ: ﴿والآصالِ﴾ أيْ: أوْقاتِ العِشاءِ، وقِيلَ: الغُدُوُّ جَمْعُ غُدْوَةٍ، فَيُرادُ حِينَئِذٍ مَعَ الصُّبْحِ الضُّحى، وآخِرُ كُلِّ نَهارٍ مُتَّصِلٌ بِأوَّلِ لَيْلَةِ اليَوْمِ الثّانِي فَسُمِّيَ آخِرُ اليَوْمِ أصِيلًا لِأنَّهُ يَتَّصِلُ بِما هو أصْلُ اليَوْمِ الثّانِي، وخَصَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وإنْ كانَ المُرادُ الدَّوامَ بِتَسْمِيَةِ كُلٍّ مِنَ اليَوْمِ واللَّيْلِ بِاسْمِ جُزْئِهِ، لِيَذْكُرَ بِالغُدُوِّ الِانْتِشارَ مِنَ المَوْتِ، وبِالأصِيلِ السُّكُونَ بِالمَوْتِ والرُّجُوعَ إلى حالِ العَدَمِ فَيَسْتَحْضِرُ بِذَلِكَ جَلالَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ ذَلِكَ حاوِيًا عَلى تَعْظِيمِهِ حَقَّ تَعْظِيمِهِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما أوْهَمَ هَذا الخُصُوصُ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وإنْ ظاهِرًا في (p-٢١٢)الدَّوامِ، قالَ مُصَرِّحًا: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ: في وقْتٍ غَيْرِهِما، بَلْ كُنْ ذاكِرَهُ في كُلِّ وقْتٍ عَلى كُلِّ حالٍ؛
7:206Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢٠٦
Indeed, those who are near your Lord [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, and they exalt Him, and to Him they prostrate.
ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالمُراقَبَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ الخُضُوعِ بِأنَّها وظِيفَةُ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ وزادَ تَرْغِيبًا في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِتَقْرِيبِكَ مِن جَنابِهِ وجَعْلِكَ أكْرَمَ أحْبابِهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ الكِرامُ أُولُو العِصْمَةِ والقُرْبِ دُنُوِّ مَكانَةٍ لا مَكانٍ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: لا يُوجِدُونَ ولا يَطْلُبُونَ الكِبْرَ ﴿عَنْ عِبادَتِهِ﴾ أيِ: الخُضُوعِ لَهُ والتَّلَبُّسِ بِأنْحاءِ التَّذَلُّلِ مَعَ مَزِيدِ قُرْبِهِمْ وغايَةِ طِهارَتِهِمْ وحُبِّهِمْ ﴿ويُسَبِّحُونَهُ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ مَعَ خُلُوصِهِمْ عَنْ دَواعِي الشَّهَواتِ والحُظُوظِ.
ولَمّا كانَ هَذا يَرْجِعُ إلى المَعارِفِ، وقَدَّمَهُ دَلالَةً عَلى أنَّهُ الأصْلُ في العِبادَةِ أعْمالُ القُلُوبِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يَسْجُدُونَ﴾ أيْ: يَخْضَعُونَ بِإثْباتِهِمْ لَهُ كُلَّ كَمالٍ، وبِالمُباشَرَةِ لِمَحاسِنِ الأعْمالِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإخْبارَ عَنِ المَلائِكَةِ الأبْرارِ بِثَلاثَةِ أخْبارٍ: عَدَمُ الِاسْتِكْبارِ الَّذِي هو أجَلُّ أنْواعِ العِبادَةِ؛ إذْ هو الحامِلُ عَلى الطّاعَةِ كَما أنَّ ضِدَّهُ حامِلٌ عَلى المَعْصِيَةِ، والتَّسْبِيحُ الَّذِي هو التَّنْزِيهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ، وتَخْصِيصُهُ بِالسُّجُودِ، ولَمّا كانَتِ العِبادَةُ ناشِئَةً عَنِ انْتِفاءِ الِاسْتِكْبارِ، وكانَتْ عَلى قِسْمَيْنِ: قَلْبِيَّةٍ وجُسْمانِيَّةٍ، أشارَ إلى القَلْبِيَّةِ بِالتَّنْزِيهِ، وإلى الجُسْمانِيَّةِ بِالسُّجُودِ، وهو الحالُ الَّذِي يَكُونُ العَبْدُ بِهِ عِنْدَ رَبِّهِ كالمَلائِكَةِ قُرْبًا وزُلْفى (p-٢١٣)«أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ» نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّ العِبادَتَيْنِ مَرْجِعُهُما القَلْبُ، وإحْداهُما مَدْلُولٌ عَلَيْها بِالقَوْلِ والأُخْرى بِالفِعْلِ، وقَدْ رَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ في الأمْرِ بِاتِّباعِ القُرْآنِ إلى أوَّلِها أحْسَنَ رُجُوعٍ، ولِوَصْفِ المُقَرَّبِينَ بِعَدَمِ الِاسْتِكْبارِ والمُواظَبَةِ عَلى وظائِفِ الخُضُوعِ إلى وصْفِ إبْلِيسَ بِعِصْيانِ أمْرِ اللَّهِ في السُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِكْبارِ أيَّ التِفاتٍ، بَلْ شَرَعَ في رَدِّ المَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ حِينَ أتَمَّ قِصَصَ الأنْبِياءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ [الأعراف: ١٧٩] هو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] يَتَّضِحُ لَكَ ذَلِكَ إذا راجَعْتَ ما قَدَّمْتُهُ في المُرادِ مِنها ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] هُوَ-: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] و﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٨١] - هُوَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٢] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ [الأعراف: ٣٦] ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥] هُوَ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] و﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] هُوَ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] و﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] و: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣] - إلى آخِرِها بَعْدَ التَّنْفِيرِ مِنَ الأنْدادِ - هُوَ: ﴿كِتابٌ أُنْـزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ٢] - إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] فَسُبْحانَ مَن هَذا كَلامُهُ، وتَعالى حِجابُهُ وعَزَّ مَرامُهُ، وعَلى مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ صَلاتُهُ وسَلامُهُ، وتَحِيَّتُهُ وإكْرامُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences