Al-Biqa'iAl‑A'raf · 7:11–24

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:11–24

7:11Page 151

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ١١

And We have certainly created you, [O mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He was not of those who prostrated.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما مَنَحَهم بِهِ مِنَ التَّمْكِينِ، ذَكَّرَهم ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ هَذِهِ المُكْنَةِ مِنَ العَدَمِ تَذْكِيرًا بِالنِّعَمِ في سِياقٍ دالٍّ عَلى البَعْثِ الَّذِي فَرَغَ مِن تَقْرِيرِهِ، وعَلى ما خَصَّ بِهِ أباهم آدَمَ [- عَلَيْهِ السَّلامُ - ] مِنَ التَّمْكِينِ في الجَنَّةِ بِالخَلْقِ والتَّصْوِيرِ وإفاضَةِ رُوحِ الحَياةِ ورُوحِ العِلْمِ وأمْرِ أهْلِ سَماواتِهِ بِالسُّجُودِ لَهُ والغَضَبِ عَلى مَن عاداهُ وطَرَدَهُ عَنْ مَحَلِّ كَرامَتِهِ ومَعْدِنِ سَعادَتِهِ وإسْكانِهِ هو بِذَلِكَ المَحَلِّ الأعْلى والمَوْطِنِ الأسْنى مَأْذُونًا لَهُ في كُلِّ ما فِيهِ إلّا شَجَرَةً واحِدَةً، فَلَمّا خالَفَ الأمْرَ أزالَهُ عَنْهُ وأخْرَجَهُ مِنهُ. وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ لِأهْلِ المُكْنَةِ مِن إزالَةِ المِنَّةِ في اسْتِدْرارِ النِّعْمَةِ وإحْلالِ النِّقْمَةِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِن صِفاتِ العَظَمَةِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أيْ: قَدَّرْنا خَلْقَكم ثُمَّ تَصْوِيرَكم بِأنْ جَعَلْنا فِيكم قابِلِيَّةً قَرِيبَةً مِن ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ المادَّةِ بِمِقْدارِهِ المُعَيَّنِ بِتَخْمِيرِ طِينَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حالَةٍ تَقْبَلُ ذَلِكَ كَما يُهَيَّأُ التُّرابُ بِتَخْمِيرِهِ بِإنْزالِ المَطَرِ لِأنْ يَكُونَ مِنهُ شَجَرَةٌ، وقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الشَّجَرَةُ مُهَيَّأةً لِقَبُولِ صُورَةِ الثَّمَرَةِ وقَدْ لا تَكُونُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ (p-٣٦٣)عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]

وقالَ النَّبِيُّ ﷺ كَما في الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «(إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ)» وعَنْهُ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ مُسْلِمٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(إذا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إلَيْها مَلَكًا فَصَوَّرَها وخَلَقَ سَمْعَها وبَصَرَها وجِلْدَها ولَحْمَها وعِظامَها، ثُمَّ قالَ: يا رَبِّ! أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ ما شاءَ ويَكْتُبُ المَلَكُ...» ) الحَدِيثُ. فَظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ مُخالِفٌ لِلَّفْظِ الَّذِي قَبْلَهُ ولِلْآيَةِ، فَيُحْمَلُ عَلى أنَّ مَعْنى صَوَّرَها: هَيَّأها في مُدَّةِ الأرْبَعِينَ الثّانِيَةِ لِقَبُولِ الصُّورَةِ تَهْيِئَةً قَرِيبَةً مِنَ الفِعْلِ، وسَهَّلَ أوَّلَها بِالتَّخْمِيرِ عَلى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِخِلافِ ما قَبْلَ ذَلِكَ، فَإنَّها كانَتْ نُطْفَةً فَكانَتْ بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ الصُّورَةِ؛ ولِذَلِكَ اخْتَلَفُوا في احْتِرامِها وهَلْ يُباحُ إفْسادُها والتَّسَبُّبُ في إخْراجِها، ومَعْنى (خَلَقَ): قَدَّرَ أيْ: جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَدًّا لا يَتَجاوَزُهُ في الجُمْلَةِ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا المَجازِ شَكُّهُ في كَوْنِها ذَكَرًا أوْ أُنْثى، ولَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ لَما حَصَلَ شَكٌّ في كَوْنِها ذَكَرًا أوْ أُنْثى إذْ آلَةُ الذَّكَرِ والأُنْثى (p-٣٦٤)مِن جُمْلَةِ الصُّورَةِ، وبِهَذا تَلْتَئِمُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فَهَذا خَلْقٌ بِالفِعْلِ، والَّذِي في هَذِهِ السُّورَةِ بِإيداعِهِ القُوَّةَ المُقَرِّبَةَ مِنهُ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ اسْتِعْطافًا إلى المُؤالَفَةِ وتَفْظِيعًا بِحالِ المُخالَفَةِ، أيْ: خَسِرُوا أنْفُسَهم والحالُ أنّا أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ التَّمْكِينِ بَعْدَ أنْ أنْشَأْناهم عَلى الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ أنْ كانُوا عَدَمًا وأسْجَدْنا مَلائِكَتَنا لِأبِيهِمْ وطَرَدْنا مَن تَكَبَّرَ عَلَيْهِ طَرْدًا لا طَرْدَ مِثْلَهُ، وأبْعَدْناهُ عَنْ مَحَلٍّ قُدْسِنا بُعْدًا لا قُرْبَ مَعَهُ، وأسْكَنّا أباهم الجَنَّةَ دارَ رَحْمَتِنا وقُرْبِنا، فَقالَ تَعالى مُتَرْجِمًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ قُلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ الِاخْتِصاصِ بِالعَظَمَةِ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ أيْ: المَوْجُودِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كُلِّهِمْ، بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ (ال) سَواءٌ قُلْنا: إنَّها لِلِاسْتِغْراقِ أوْ الجِنْسِ ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ أيْ: بَعْدَ كَوْنِهِ رَجُلًا قائِمًا سَوِيًّا ذا رُوحٍ كَما هو مَعْرُوفٌ مِنَ التَّسْمِيَةِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا الأمْرِ قَوْلَهُ: ﴿فَسَجَدُوا﴾ أيْ: كُلُّهم بِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ لِإخْراجِهِ مِمَّنْ سَجَدَ أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ - صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ أيْ: لِآدَمَ.

7:12Page 152

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ١٢

[Allāh] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay [i.e., earth]."

ولَمّا كانَ مُخالِفَ المَلِكِ في مَحَلِّ العِقابِ - تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى خَبَرِهِ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: لِإبْلِيسَ إنْكارًا عَلَيْهِ وتَوْبِيخًا لَهُ واسْتِخْراجًا لِكُفْرِهِ الَّذِي كانَ يُخْفِيهِ بِما يُبْدِي مِن جَوابِهِ لِيَعْلَمَ الخَلْقُ سَبَبَ طَرْدِهِ (p-٣٦٥)﴿ما مَنَعَكَ﴾ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ قَدْ صَرَّحَتْ بِعَدَمِ سُجُودِهِ، فَكانَ المَعْنى لا يُلْبَسُ بِإدْخال (لا) في قَوْلِهِ: ﴿ألا تَسْجُدَ﴾ أتى بِها لِتُفِيدَ التَّأْكِيدَ بِالدِّلالَةِ عَلى اللَّوْمِ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الفِعْلِ والإقْدامِ عَلى التَّرْكِ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ وحَمَلَكَ عَلى تَرْكِهِ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿أمَرْتُكَ﴾ أيْ: حِينِ حَضَرَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أداءُ المَأْمُورِ بِهِ ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْلِيسُ ناسِبًا رَبَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى الجَوْرِ أوْ عَدَمِ العِلْمِ بِالحَقِّ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ أيْ: فَلا يَلِيقُ لِي السُّجُودُ لِمَن هو دُونِي ولا أمْرِي بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ وجْهَ الخَيْرِيَّةِ الَّتِي تَصَوَّرَها بِسُوءِ فَهْمِهِ أوْ بِما قادَهُ إلَيْهِ سُوءُ طَبْعِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ أيْ: فَهي أغْلَبُ أجْزائِي وهي مُشْرِفَةٌ مُضِيئَةٌ عالِيَةٌ غالِبَةٌ ﴿وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ أيْ: هو أغْلَبُ أجْزائِهِ، وهو كَدَرٌ مُظْلِمٌ سافِلٌ مَغْلُوبٌ، وقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فاحِشًا فَإنَّ الإيجادَ خَيْرٌ مِنَ الإعْدامِ بِلا نِزاعٍ، والنّارُ سَبَبُ الإعْدامِ والمَحْقِ لِما خالَطَتْهُ، والطِّينُ سَبَبُ النَّماءِ والتَّرْبِيَةِ لِما خالَطَهُ، هَذا لَوْ كانَ الأمْرُ في الفَضْلِ بِاعْتِبارِ العَناصِرِ والمَبادِئِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو بِاعْتِبارِ الغاياتِ.

7:13Page 152

قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ١٣

[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise], for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased."

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا ظاهِرًا، وكانَ مُجَرَّدُ التَّكَبُّرِ عَلى اللَّهِ كُفْرًا عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، أعْرَضَ عَنْ جَوابِهِ بِغَيْرِ الطَّرْدِ [الَّذِي مَعْناهُ نُزُولُهُ المَنزِلَةَ الَّذِي مَوْضِعُ ما طَلَبَ مِن عُلُوِّها] فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ ﴿قالَ﴾ مُسَبِّبًا عَنْ إبائِهِ قَوْلَهُ: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ مُضْمِرًا لِلدّارِ الَّتِي كانَ فِيها وهي (p-٣٦٦)الجَنَّةُ. فَإنَّها لا تَقْبَلُ عاصِيًا، وعَبَّرَ بِالهُبُوطِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ سُقُوطُ المَنزِلَةِ دُونَ الخُرُوجِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَ هَذِهِ السُّورَةِ الإنْذارُ وهو أدَلُّ عَلَيْهِ، وسَبَبٌ عَنْ أمْرِهِ بِالهُبُوطِ [الَّذِي مَعْناهُ النُّزُولُ والحُدُورُ والِانْحِطاطُ والنُّقْصانُ والوُقُوعُ في شَيْءٍ مِنهُ] قَوْلُهُ: ﴿فَما يَكُونُ﴾ أيْ: يَصِحُّ ويَتَوَجَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ﴾ أيْ: تَتَعَمَّدَ الكِبَرَ [وهُوَ الرِّفْعَةُ في الشَّرَفِ والعَظَمَةِ والتَّجَبُّرِ]، ولا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: ﴿لَكَ﴾ ولا لِقَوْلِهِ ﴿فِيها﴾ لِوُجُودِ الصَّرائِحِ بِالمَنعِ مِنَ الكِبَرِ مُطْلَقًا ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر: ٣٥] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها﴾ [غافر: ٤٨] وإنَّما قُيِّدَ بِذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنْبَغِي التَّكَبُّرُ إلّا لَنا، وكُلَّما قَرُبَ الشَّخْصُ مِن مَحَلِّ القُدْسِ الَّذِي هو مَكانُ المُطِيعِينَ المُتَواضِعِينَ جَلَّ تَحْرِيمُ الكِبْرِ عَلَيْهِ «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ كِبْرٍ» رَواهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وسَبَّبَ عَنْ كَوْنِها لا تَقْبَلُ الكِبْرَ قَوْلَهُ: ﴿فاخْرُجْ﴾ أيْ: مِنَ الجَنَّةِ دارِ الرِّضْوانِ، [فانْتَقى أنْ يَكُونَ الهُبُوطُ مِن مَوْضِعٍ عالٍ مِنَ الجَنَّةِ إلى مَوْضِعٍ مِنها أحَطَّ مِنهُ]، ثُمَّ عَلَّلَ أمْرَهُ بِالهُبُوطِ والخُرُوجِ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا إلى أنَّ كُلَّ مَن أظْهَرَ الِاسْتِكْبارَ أُلْبِسَ الصَّغارَ: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلطَّرْدِ والبُعْدِ والحَقارَةِ والهَوانِ.

7:14Page 152

قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

(p-٣٦٧)ولَمّا عَلِمَ أنَّ الحَسَدَ قَدْ أبْعَدَهُ ونَزَلَ بِهِ عَنْ ساحَةِ الرِّضى وأقْعَدَهُ - تَمادى فِيهِ فَسَألَ ما يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى إنْزالِ المَحْسُودِينَ عَنْ دَرَجاتِهِمْ العالِيَةِ إلى دَرَكَتِهِ السّافِلَةِ، ولَمْ يَسْألْ بِشَقاوَتِهِ فِيما يُعْلِيهِ مِن دَرَكَتِهِ السّافِلَةِ إلى دَرَجاتِهِمْ العالِيَةِ، وذَلِكَ بِأنْ ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْلِيسُ، وهو اسْتِئْنافٌ [ولَمّا كانَ السِّياقُ – ولا سِيَّما الحُكْمُ بِالصَّغارِ العارِي عَنْ تَقْيِيدٍ - يَأْبى لِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِسُؤالِهِ الِانْتِظارَ، ذَكَّرَهُ بِصِيغَةِ الإحْسانِ فَقالَ]: ﴿أنْظِرْنِي﴾ أيْ: بِالإمْهالِ، أيْ: اجْعَلْنِي مَوْجُودًا بِحَيْثُ أنْظُرُ وأتَصَرَّفُ في زَمَنٍ مُمْتَدٍّ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: مِنَ القُبُورِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وكانَ اللَّعِينُ طَلَبَ بِهَذا أنَّهُ لا يَمُوتُ، فَإنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ لَيْسَ وقْتًا لِلْمَوْتِ، إنَّما هو وقْتُ إفاضَةِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ في شَقاوَةٍ أوْ سَعادَةٍ،

7:15Page 152

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ١٥

[Allāh] said, "Indeed, you are of those reprieved."

فَأعْلَمُ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِالِانْتِظارِ، لَكِنْ لا عَلى ما أرادَهُ [ولا عَلى أنَّهُ إجابَةٌ لَهُ، ولَكِنْ هَكَذا سَبَقَ في الأزَلِ في حُكْمِهِ في قَدِيمِ عِلْمِهِ، وإلَيْهِ يُرْشِدُ التَّعْبِيرُ] بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيْ: في الجُمْلَةِ، ومَنَعَهُ مِنَ الحِمايَةِ عَنِ المَوْتِ بِقَوْلِهِ كَما ذَكَرَهُ في سُورَتَيْنِ: (الحِجْرُ) و: (ص) ”إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ“، وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى الَّتِي يَمُوتُ فِيها الأحْياءُ فَيَمُوتُ هو مَعَهم، وكانَ تَرْكُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لِلْإنْذارِ، وإبْهامُ الأمْرِ أشَدُّ في ذَلِكَ، وأجابَهُ إلى الإنْظارِ وهو يُرِيدُ بِهِ الفَسادَ؛ لِأنَّهُ لا يَعْدُو أمْرَهُ فِيهِ وتَقْدِيرَهُ بِهِ، ولِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، ولِتَظْهَرَ حِكْمَتُهُ تَعالى في الثَّوابِ والعِقابِ.

7:16Page 152

قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them [i.e., mankind] on Your straight path.

(p-٣٦٨)ولَمّا كانَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالشَّقاءِ قابَلَ نِعْمَةَ الإمْهالِ وإطالَةِ العُمْرِ بِالتَّمادِي في الكُفْرِ وأخْبَرَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ بِأنْ ﴿قالَ﴾ مُسَبِّبًا عَنْ إيقاعِهِ في المَعْصِيَةِ بِسَبَبِ نَوْعِ الآدَمِيِّينَ ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ: فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ لِي، وهو إيجادُ الغَيِّ واعْتِقادُ الباطِلِ في قَلْبِي مِن أجْلِهِمْ واللَّهِ ﴿لأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: أفْعَلُ في قَطْعِهِمْ عَنِ الخَيْرِ فِعْلَ المُتَمَكِّنِ المُقْبِلِ بِكُلِّيَّتِهِ [المُتَأنِّي الَّذِي لا شُغْلَ لَهُ غَيْرَ ما أقْبَلَ عَلَيْهِ] في مُدَّةِ إمْهالِكَ لِي بِقَطْعِهِمْ عَنْكَ بِمَنعِهِمْ مِن فِعْلِ ما أمَرْتَهم بِهِ، وحَمْلِهِمْ عَلى فِعْلِ ما نَهَيْتَهم عَنْهُ، كَما يَقْعُدُ قاطِعُ الطَّرِيقِ عَلى السّابِلَةِ لِلْخَطْفِ ﴿صِراطَكَ﴾ أيْ: في جَمِيعِ صِراطِكَ، بِما دَلَّ عَلَيْهِ نَزْعُ الخافِضِ ﴿المُسْتَقِيمَ﴾ وهو الإسْلامُ بِجَمِيعِ شُعَبِهِ، ومَن أسْنَدَ الإغْواءَ إلى غَيْرِ اللَّهِ - بِسَبَبِ اعْتِقادِهِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَدْ وقَعَ في شَرٍّ مِمّا فَرَّ مِنهُ، وهو أنَّهُ جَعَلَ في الوُجُودِ فاعِلَيْنِ يُخالِفُ اخْتِيارُ أحَدِهِما اخْتِيارَ الآخَرِ.

7:17Page 152

ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

ولَمّا كانَ قَدْ أقامَ نَفْسَهُ في ذَلِكَ بِغايَةِ الجِدِّ، فَهو يَفْعَلُ فِيهِ بِالوَسْوَسَةِ - بِنَفْسِهِ ومَن أطاعَهُ مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ - ما يَفُوتُ الحَدَّ ويُعْجِزُ القُوى - أشارَ إلَيْهِ بِحَرْفِ التَّراخِي، فَقالَ مُؤَكِّدًا: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ﴾ أيْ: إتْيانًا لا بُدَّ لِي مِنهُ كائِنًا ابْتِداؤُهُ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مُواجَهَةً، فَأحْمِلُهم عَلى أنْ يَفْعَلُوا ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ خَطَأٌ ”و“ كائِنًا ”مِن خَلْفِهِمْ“ أيْ: مُغافَلَةً، فَيَعْمَلُونَ ما هو فاسِدٌ في غايَةِ الفَسادِ ولا شُعُورَ لَهم بِشَيْءٍ (p-٣٦٩)مِن فَسادِهِ حِينَ تَعاطِيهِ فَأدُلُّهم بِذَلِكَ عَلى تَعاطِي مِثْلِهِ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴿وعَنْ﴾ أيْ: ومُجاوِزًا لِلْجِهَةِ الَّتِي عَنْ ﴿أيْمانِهِمْ﴾ إلَيْهِمْ ﴿وعَنْ﴾ أيْ: ومُجاوِزًا لِما عَنْ ﴿شَمائِلِهِمْ﴾ أيْ: مُخايَلَةً، فَيَفْعَلُونَهُ وهو مُشْتَبَهٌ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ هي الجِهاتُ الَّتِي يُمْكِنُ الإتْيانُ مِنها، ولَعَلَّ فائِدَةَ (عَنْ) المُفْهِمَةِ لِلْمُجاوَزَةِ وصْلُ خُطى القُدّامِ والخَلْفِ لِيَكُونَ إتْيانُهُ مُسْتَوْعِبًا لِجَمِيعِ الجِهَةِ المُحِيطَةِ، [وأفْهَمَتْ الجِهاتُ الأرْبَعُ قَدْحَهُ وتَلْبِيسَهُ فِيما يَعْلَمُونَهُ حَقَّ عِلْمِهِ وما يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنهُ وما هو مُشْتَبِهٌ عَلَيْهِمْ اشْتِباهًا قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، وهم مَن تُرِكَ ذِكْرُهُ الأعْلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإتْيانِ مِنهُ لِئَلّا يَلْتَبِسَ أمْرُهُ بِالمَلائِكَةِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ في بَعْضِ الآثارِ كَما ذَكَرَهُ في تَرْجَمَةِ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ] .

ولَمّا عَزَمَ اللَّعِينُ عَلى هَذا عَزْمًا صادِقًا ورَأى أسْبابَهُ مُيَسَّرَةً مِنَ الإنْظارِ ونَحْوِهِ - ظَنَّ أنَّهُ بِما رَأى لَهم مِنَ الشَّهَواتِ والحُظُوظِ يَظْفَرُ بِأكْثَرِ حاجَتِهِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى تَقْدِيرِهِ: فَلَأُغْوِيَنَّهم ولَيَتْبَعُنَّنِي: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهُمْ﴾ كَما هي عادَةُ الأكْثَرِ في الخُبْثِ ﴿شاكِرِينَ﴾ فَأُرِيدَ بِهِ الشَّقاءُ فَأغْرَقَ في الحَسَدِ، ولَوْ أُرِيدُ بِالشَّقِيِّ الخَيْرُ لاسْتَبْدَلَ بِالحَسَدِ الغِبْطَةَ (p-٣٧٠)[فَطَلَبَ] أنْ يَرْتَقِيَ هو إلى دَرَجاتِهِمْ العالِيَةِ بِالبُكاءِ والنَّدَمِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وبَذْلِ النَّصِيحَةِ خُضُوعًا لِمَقامِ الرُّبُوبِيَّةِ وذُلًّا لِعَظِيمِ شَأْنِهِ.

7:18Page 152

قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨

[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُ ؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾ في جَوابِ ما ذَكَرَ لِنَفْسِهِ في هَذا السِّياقِ مِنَ القُوَّةِ والِاقْتِدارِ وأبانَ عَنْهُ مِنَ الكِبْرِ والِافْتِخارِ ما دَلَّ عَلى أنَّهُ مِن أهْلِ الصَّغارِ، لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ إلّا بِإقْرارِ العَزِيزِ الجَبّارِ، [مُصَرِّحًا بِما أُرِيدَ مِنَ الهُبُوطِ الَّذِي رُبَّما حَمَلَ عَلى النُّزُولِ مِن مَوْضِعٍ مِنَ الجَنَّةِ عالٍ إلى مَكانٍ مِنها أحَطُّ مِنهُ] ﴿اخْرُجْ مِنها﴾ أيْ: الجَنَّةِ ﴿مَذْءُومًا﴾ أيْ: مَحْقُورًا مَخْزِيًّا بِما تَفْعَلُ، قالَ القَطّاعُ: ذَأمْتُ الرَّجُلَ: خَزَيْتُهُ، وقالَ ابْنُ فارِسٍ: ذَأمْتُهُ، أيْ: حَقَّرْتُهُ ﴿مَدْحُورًا﴾ أيْ: مُبْعَدًا مَطْرُودًا عَنْ كُلِّ ما لا أُرِيدُهُ.

ولَمّا عَلِمَ بَعْضَ حالِهِ، تَشَوَّفَتْ النَّفْسُ إلى حالِ مَن تَبِعَهُ، فَقالَ مُقْسِمًا مُؤَكِّدًا بِما يَحِقُّ لَهُ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعَظَمَةِ الكامِلَةِ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ أيْ: بَنِي آدَمَ، وأجابَ القَسَمَ بِما أغْنى عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ فَقالَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنكَ ومِن قَبِيلِكَ ومِنهم ﴿أجْمَعِينَ﴾ أيْ: لا يَفُوتُنِي مِنكم أحَدٌ، فَلَمْ يَزَلْ مَن فَعَلَ ذَلِكَ مِنكم عَلى أذى نَفْسِهِ ولا أُبالِي أنا بِشَيْءٍ.

7:19Page 152

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

ولَمّا أوْجَبَ لَهُ ما ذَكَرَ مِنَ الشَّقاوَةِ - تَمادِيهِ في الحَسَدِ وكَثْرَةِ كَلامِهِ (p-٣٧١)فِي مَحْسُودِهِ - التَفَتَ إلى مَحْسُودِهِ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ كَلِمَةً واحِدَةً، بَلْ اشْتَغَلَ بِنَفْسِهِ في البُكاءِ عَلى ذَنْبِهِ، واكْتَفى بِفِعْلِ رَبِّهِ بِما يُنْجِيهِ مِن حَبائِلِ مَكْرِهِ الَّتِي نَصَبَها بِما ذَكَرَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ سَعادَتِهِ، فَقالَ عَطْفًا عَلى ﴿اخْرُجْ مِنها﴾ [الأعراف: ١٨] ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ بِهَذا الأمْرِ هو نَفْسُهُ لا التَّجَوُّزُ بِهِ عَنْ بَعْضِ مَن يُلابِسُهُ، أكَّدَ ضَمِيرَهُ لِتَصْحِيحِ العَطْفِ ورَفْعِ التَّجَوُّزِ، فَقِيلَ: ﴿أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾

ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِلتَّعَرُّفِ بِأنَّهُ مَكَّنَ لِأبِينا في الجَنَّةِ أعْظَمَ مِن تَمْكِينِهِ لَنا في الأرْضِ بِأنْ حَباهُ فِيها رَغَدَ العَيْشِ مُقارِنًا لِوُجُودِهِ؛ ثُمَّ حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿فَكُلا﴾ العَطْفُ بِالفاءِ الدّالِّ عَلى أنَّ المَأْكُولَ كانَ مَعَ الإسْكانِ، لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْهُ، ولا مُنافاةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّعْبِيرِ بِالواوِ في البَقَرَةِ؛ لِأنَّ مَفْهُومَ الفاءِ نَوْعٌ داخِلٌ تَحْتَ مَفْهُومِ الواوِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ النَّوْعِ والجِنْسِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ شِئْتُما﴾ بِمَعْنى رَغَدًا أيْ: واسِعًا، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى إباحَةِ الأكْلِ مِن كُلِّ شَيْءٍ فِيها غَيْرَ المَنهِيِّ عَنْهُ، وأمّا آيَةُ البَقَرَةِ فَتَدُلُّ عَلى إباحَةِ الأكْلِ مِنها في أيِّ مَكانٍ كانَ، وهَذا السِّياقُ إلى آخِرِهِ مُشِيرٌ إلى أنَّ مَن خالَفَ أمْرَهُ تَعالى ثُلَّ عَرْشُهُ وهُدِمَ عِزُّهُ وإنْ كانَ في غايَةِ المُكْنَةِ ونِهايَةِ القُوَّةِ كَما أخْرَجَ مَن أعْظَمَ لَهُ المُكْنَةَ بِإسْجادِ مَلائِكَتِهِ وإسْكانِ جَنَّتِهِ وإباحَةِ كُلِّ ما فِيها غَيْرَ شَجَرَةٍ واحِدَةٍ - أكَّدَ تَحْرِيمَها بِالنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِها دُونَ الِاكْتِفاءِ بِالنَّهْيِ عَنْ غَشَيانِها فَقالَ: (p-٣٧٢)﴿ولا تَقْرَبا﴾ أيْ: فَضْلًا عَنْ أنَّ تَتَناوَلا ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ مُشِيرًا إلى شَجَرَةٍ بِعَيْنِها أوْ نَوْعِها. ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ القُرْبانِ العِصْيانَ، فَإنَّ مَن حامَ حَوْلَ الحِمى أوْشَكَ أنْ يُواقِعَهُ، فَقالَ: ﴿فَتَكُونا﴾ أيْ: بِسَبَبِ قُرْبِها ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِالأكْلِ مِنها الَّذِي هو مَقْصُودُ النَّهْيِ فَتَكُونا بِذَلِكَ فاعِلَيْنِ فِعْلَ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛

7:20Page 152

فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ ٢٠

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بَيانَ حالِ الحاسِدِ مَعَ المَحْسُودِينَ فِيما سَألَ الإنْظارَ بِسَبَبِهِ، وأنَّهُ وقَعَ عَلى كَثِيرٍ مِن مُرادِهِ واسْتَغْوى مِنهُ أُمَمًا تَجاوَزُوا الحَدَّ وقَصُرَ عَنْهم مَدى العَدِّ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ أقَلُّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ فِعْلٌ، وأنَّ الكُلَّ بِيَدِهِ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي جَعَلَهُ آلَةً لِمُرادِهِ مِنهُ ومِنهم، وأنَّ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي، ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هم الخاسِرُونَ، فَقالَ: ﴿فَوَسْوَسَ﴾ أيْ: ألْقى في خَفاءٍ وتَزْيِينٍ وتَكْرِيرٍ واشْتِهاءٍ ﴿لَهُما الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِما مَكَّنَهُ اللَّهُ مِنهُ مِن أنَّهُ يَجْرِي مِنَ الإنْسانِ مَجْرى الدَّمِ ويُلْقِي لَهُ في خَفاءٍ ما يَمِيلُ بِهِ قَلْبُهُ إلى ما يُرِيدُ. ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ الوَسْوَسَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُبْدِيَ﴾ أيْ: يُظْهِرَ ﴿لَهُما ما وُورِيَ﴾ أيْ: سُتِرَ وغُطِّيَ بِأنْ جُعِلَ كَأنَّهُ وراءَهُما لا يَلْتَفِتانِ إلَيْهِ ﴿عَنْهُما﴾ والبِناءُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّ السَّتْرَ بِشَيْءٍ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِما فِيهِ كَما يَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿يَنْـزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ [الأعراف: ٢٧] و﴿مِن سَوْآتِهِما﴾ أيْ: المَواضِعِ الَّتِي يَسُوؤُهُما انْكِشافُها، وفي ذَلِكَ أنَّ إظْهارَ السَّوْءَةِ مُوجِبٌ لِلْبُعْدِ مِنَ الجَنَّةِ وأنَّ بَيْنَهُما مَنفِيَّةُ الجَمْعِ وكَمالُ التَّبايُنِ.

ولَمّا أخْبَرَ بِالوَسْوَسَةِ وطَوى مَضْمُونَها مُفْهِمًا أنَّهُ أمْرٌ كَبِيرٌ وخِداعٌ (p-٣٧٣)طَوِيلٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ﴾ أيْ: في وسْوَسَتِهِ أيْضًا، أيْ: زَيَّنَ لَهُما ما حَدَثَ بِسَبَبِهِ في خَواطِرِهِما هَذا القَوْلُ: ﴿ما نَهاكُما﴾ وذَكَّرَهُما بِوَصْفِ الإحْسانِ تَذْكِيرًا بِإكْرامِهِ لَهُما تَجْزِئَةً لَهُما عَلى ما يُرِيدُ مِنهُما، فَقالَ: ﴿رَبُّكُما﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكُما بِما تَعْرِفانِهِ مِن أنْواعِ إحْسانِهِ ﴿عَنْ﴾ أيْ: ما جَعَلَ نِهايَتَكُما في الإباحَةِ لِلْجَنَّةِ مُتَجاوِزَةً عَنْ ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ جَمَعَ بَيْنَ الإشارَةِ والِاسْمِ زِيادَةً في الِاعْتِناءِ بِالتَّنْصِيصِ ﴿إلا أنْ﴾ أيْ: كَراهِيَةَ أنْ ﴿تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ أيْ: في عَدَمِ الشَّهْوَةِ وفي القُدْرَةِ عَلى الطَّيَرانِ والتَّشَكُّلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خَواصِّهِمْ ﴿أوْ تَكُونا﴾ أيْ: بِما يَصِيرُ لَكُما مِنَ الجِبِلَّةِ ﴿مِنَ الخالِدِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ مِنَ الجَنَّةِ أصْلًا.

7:21Page 152

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١

And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

ولَمّا أوْصَلَ إلَيْهِما هَذا المَعْنى أخْبَرَ أنَّهُ أكَّدَهُ تَأْكِيدًا عَظِيمًا كَما يُؤَكِّدُ الحالِفُ ما يَحْلِفُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿وقاسَمَهُما﴾ أيْ: أقْسَمَ لَهُما، لَكِنْ ذَكَرَ المُفاعَلَةَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ حَصَلَتْ بَيْنَهُما في ذَلِكَ مُراوَغاتٌ ومُحاوَلاتٌ بَذَلَ فِيها الجُهْدَ، وأكَّدَ - لِمَعْرِفَتِهِ أنَّهُما طُبِعا عَلى النُّفْرَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ - ما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنْواعًا مِنَ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكُما﴾ فَأفادَ تَقْدِيمَ الجارِّ المُفْهِمَ لِلِاخْتِصاصِ أنَّهُ يَقُولُ: إنِّي خَصَصْتُكُما بِجَمِيعِ نَصِيحَتِي ﴿لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى الِاحْتِرازِ مِنَ الحالِفِ، وأنَّ الأغْلَبَ أنَّ كُلَّ حَلّافٍ كَذّابٌ، فَإنَّهُ لا يَحْلِفُ إلّا عِنْدَ ظَنِّهِ أنَّ سامِعَهُ لا يُصَدِّقُهُ، ولا يَظُنُّ ذَلِكَ إلّا هو مُعْتادٌ لِلْكَذِبِ.

7:22Page 152

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

(p-٣٧٤)ولَمّا أخْبَرَ بِبَعْضِ وسْوَسَتِهِ لَهُما سَبَّبَ عَنْها تَرْجَمَتَها بِأنَّها إهْباطٌ مِن أوْجِ شَرَفٍ إلى حَضِيضِ أذًى وسَرَفٍ، فَقالَ: ﴿فَدَلاهُما﴾ أيْ: أنْزَلَهُما عَمّا كانا فِيهِ مِن عُلُوِّ الطّاعَةِ [مِثْلَ ما فَعَلَ بِنَفْسِهِ بِالمَعْصِيَةِ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُ الهُبُوطَ مِن دارِ الكَرامَةِ] ﴿بِغُرُورٍ﴾ أيْ: بِخِداعٍ وحِيلَةٍ حَتّى نَسِيَ آدَمُ عَهْدَ رَبِّهِ، وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا ذاقا﴾ مُشِيرٌ إلى الإسْراعِ في الجَزاءِ بِالفاءِ، والذَّوْقُ الَّذِي هو مَبْدَأُ الأكْلِ ﴿الشَّجَرَةَ﴾ أيْ: وجَدا طَعْمَها ﴿بَدَتْ﴾ أيْ: ظَهَرَتْ ﴿لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ: عَوْراتُهُما اللّاتِي يَسُوؤُهُما ظُهُورُها، وتَهافَتَ عَنْهُما لِباسُهُما فَأبْصَرَ كُلُّ واحِدٍ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْهُ مِن عَوْرَةِ الآخَرِ، وذَلِكَ قَصْدُ الحَسُودِ فاسْتَحْيَيا عِنْدَ ذَلِكَ ﴿وطَفِقا﴾ أيْ: شَرَعا وأقْبَلا ﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما﴾ أيْ: يَصِلانِ بِالخِياطَةِ ﴿مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ ورَقَةً الى أُخْرى ﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْهِما بِأمْرِهِما ونَهْيِهِما، ولَمْ يَفْعَلا شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا بِمَرْأًى مِنهُ، فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِما ما فَعَلا ومُعاتِبًا: يا عَبْدَيَّ ﴿ألَمْ أنْهَكُما﴾ أيْ: أجْعَلْ لَكُما نِهايَةً فِيما أُذِنَ لَكُما فِيهِ مُتَجاوِزَةً ﴿عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ أيْ: الَّتِي كانَ حَقُّها البُعْدُ مِنها، المُوجِبَةُ لِلْقُرْبَةِ مِن هَذا المَوْضِعِ الشَّرِيفِ إحْسانًا إلَيْكُما ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: الَّذِي تَكَبَّرَ عَنِ السُّجُودِ حَسَدًا لَكَ يا آدَمُ ونَفاسَهً عَلَيْكَ، فاحْتَرَقَ (p-٣٧٥)بِغَضَبِي فَطُرِدَ وأُبْعِدَ عَنْ رَحْمَتِي ﴿لَكُما﴾ أيْ: لَك ولِزَوْجِكَ ولِكُلِّ مَن تَفَرَّعَ مِنكُما ونُسِبَ إلَيْكُما ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ يَأْتِيكم مِن كُلِّ مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ الإتْيانُ مِنهُ مُجاهَرَةً ومُساتَرَةً ومُماكَرَةً فَهو مَعَ ظُهُورِ عَداوَتِهِ دَقِيقُ المَكْرِ بِما أقْدَرْتُهُ عَلَيْهِ مِن إقامَةِ الأسْبابِ، فَإنِّي أعْطَيْتُهُ قُوَّةً عَلى [الكَيْدِ، وأعْطَيْتُكم قُوَّةً عَلى الكَيْدِ وأعْطَيْتُكم قُوَّةً عَلى] الخَلاصِ وقُلْتُ لَكم: تَغالَبُوا فَإنْ غَلَبْتُمُوهُ فَأنْتُمْ مِن حِزْبِي، وإنْ غَلَبَكم فَأنْتُمْ مِن حِزْبِهِ مَعَ ما لَهُ إلَيْكم مِنَ العَداوَةِ، فالآيَهُ مُنَبَّهَةٌ عَلى أنَّ مَن غَوى فَإنَّما هو تابِعٌ لَأعْدى أعْدائِهِ تارِكٌ لِأوْلى أوْلِيائِهِ.

7:23Page 153

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."

ولَمّا كانَ هَذا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِهِما، فَأُجِيبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالا﴾ أيْ: آدَمُ وحَوّاءُ - عَلَيْهِما السَّلامُ وأزْكى التَّحِيَّةُ والإكْرامُ [قَوْلَ الخَواصِّ بِإسْراعِهِما في التَّوْبَةِ] ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا والمُنْعِمُ عَلَيْنا ﴿ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ أيْ: ضَرَرْناها بِأنْ أخْرَجْناها مِن نُورِ الطّاعَةِ إلى ظَلامِ المَعْصِيَةِ، فَإنْ لَمْ تَرْجِعْ بِنا وتَتُبْ عَلَيْنا لَنَسْتَمِرَّ عاصِيَيْنِ ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ أيْ: تَمْحُو ما عَمِلْناهُ عَيْنًا وأثَرًا ﴿وتَرْحَمْنا﴾ فَتُعْلِي دَرَجاتِنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ فَأعْرَبَتْ الآيَةُ عَنْ أنَّهُما فَزِعا إلى الِانْتِصابِ بِالِاعْتِرافِ، وسَمَّيا ذَنْبَهُما - وإنْ كانَ إنَّما هو خِلافُ (p-٣٧٦)الأوْلى؛ لِأنَّهُ بِطَرِيقِ النِّسْيانِ كَما في (طَهَ) - ظُلْمًا كَما هي عادَةُ الأكابِرِ في اسْتِعْظامِ الصَّغِيرِ مِنهم، ولَمْ يُجادِلا كَما فَعَلَ إبْلِيسُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ المُبادَرَةَ إلى الإقْرارِ بِالذَّنْبِ مِن فِعالِ الأشْرافِ لِكَوْنِهِ مِن مَعالِي الأخْلاقِ، وأنَّهُ لا مَثِيلَ لَهُ في اقْتِضاءِ العَفْوِ وإزالَةِ الكَدَرِ وأنَّ الجِدالَ مِن فِعالِ الأرْذالِ ومِن مَساوِي الأخْلاقِ ومُوجِباتِ الغَضَبِ المُقْتَضِي لِلطَّرْدِ.

7:24Page 153

قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤

[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."

ولَمّا تَشَوَّفَتْ النَّفْسُ إلى جَوابِ العَلِيِّ الكَبِيرِ - سُبْحانَهُ - أُجِيبَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ أيْ: إلى دارِ المُجاهَدَةِ والمُقارَعَةِ والمُناكَدَةِ حالَ كَوْنِكم ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ أيْ: أنْتُما ومَن ولَدْتُماهُ أعْداءُ إبْلِيسَ ومَن وُلِدَ، وبَعْضُ أوْلادِكم أعْداءٌ لِبَعْضٍ، ولا خَلاصَ إلّا بِاتِّباعٍ ما مَنَحْتُكم مِن هُدى العَقْلِ وما أنْزَلْتُ إلَيْكم مِن تَأْيِيدِهِ بِالنَّقْلِ، وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ صادِعٌ لِمَن لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ بِالإشارَةِ إلى قُبْحِ مَغَبَّةِ المُخالَفَةِ ولَوْ مَعَ التَّوْبَةِ، وحَثَّ عَلى دَوامِ المُراقَبَةِ خَوْفًا مِن سُوءِ المُعاقَبَةِ ﴿ولَكم في الأرْضِ﴾ أيْ: جِنْسِها ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ: مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ كالسُّهُولِ وما شابَهَها ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أيْ: انْقِضاءِ آجالِكم ثُمَّ انْقِضاءِ أجَلِ الدُّنْيا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском