Al-Biqa'iAl‑A'raf · 7:25–33

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:25–33

7:25Page 153

قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥

He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."

ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ لِلْكَوْنِ في الأرْضِ آخِرًا، [وكانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ (p-٣٧٧)التَّناسُخِيَّةِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُقِرُّ بِالوَحْدانِيَّةِ مَن يَقُولُ: إنَّ النُّفُوسَ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الجِسْمِيَّةِ وعَلائِقِها وإنَّهُ إذا هَلَكَ الجَسَدُ اتَّصَلَتْ بِالعُلْوِيّاتِ إمّا بِكَوْكَبٍ أوْ غَيْرِهِ أوْ انْحَطَّتْ في سِلْكِ المَلائِكَةِ وبَطَلَ تَعَلُّقُها بِالبَدَنِ مِن كُلِّ وجْهٍ فَلا تَتَّصِلُ بِهِ لا بِتَدْبِيرٍ ولا غَيْرِهِ ولا بِالبَعْثِ - عِنْدَ مَن قالَ مِنهم بِالبَعْثِ] - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ﴾ [أيْ: اللَّهُ رادًّا عَلَيْهِمْ ما يَعْتَقِدُونَ مِن بُطْلانِ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ مُعَبِّرًا بِالخِطابِ بِالضَّمِيرِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ هَذا الهَيْكَلِ المَخْصُوصِ رُوحًا وجَسَدًا] ﴿فِيها﴾ [أيْ: الأرْضِ لا في غَيْرِها] ﴿تَحْيَوْنَ﴾ أيْ: أوَّلًا وثانِيًا [عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِظَواهِرِكم وبَواطِنِكم أبْدانًا وأرْواحًا] ﴿وفِيها﴾ [ أيْ: كَذَلِكَ، لا في غَيْرِها كَما أنْتُمْ لِذَلِكَ مُشاهِدُونَ] ﴿تَمُوتُونَ﴾ أيْ: مِنَ الحَياةِ الأُولى [بِجُمْلَتِكم، فَيَكُونُ لِلْأرْواحِ تَعَلُّقٌ بِالأبْدانِ بِوَجْهٍ ما حَتّى يَقْعُدَ المَيِّتُ في القَبْرِ ويُجِيبَ سُؤالَ المَلَكَيْنِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وتَلْتَذَّ الأجْسادُ بِلَذَّتِها وتَتَألَّمَ بِتَألُّمِها]، فَأُشِيرَ إلى الحَشْرِ مَعَ تَفْصِيلِ حالِ الكَوْنِ في الأرْضِ، وخُتِمَتْ القِصَّةُ بِما ابْتُدِئَتْ بِهِ مِنَ الإعْلامِ بِالبَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنها﴾ [أيْ: لا مِن غَيْرِها بِإخْبارِ الصّادِقِ] ﴿تُخْرَجُونَ﴾ أيْ: [رُوحًا وبَدَنًا] بَعْدَ مَوْتِكم فِيها وعَوْدِكم إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ أوَّلًا تُرابًا، لِلْجَزاءِ وإظْهارِ ثَمَرَةِ المُلْكِ بِإنْصافِ بَعْضِكم مِن بَعْضٍ والتَّحَلِّي [ بِصِفَةِ] العَدْلِ فَما كانَ بَعْضُكم يَفْعَلُ مَعَ بَعْضٍ مِنَ العَسْفِ والجَوْرِ الَّذِي لا يُرْضِي أقَلَّ رُؤَسائِكم أنْ يُقِرَّ عَلَيْهِ عَبِيدَهُ، وعُلِمَ بِهَذا أنَّ الدِّلالَةَ عَلى الحَشْرِ فَذْلَكَةُ (p-٣٧٨)القِصَّةِ، وهَذا أبْيَنُ [مِن ذِكْرِهِ] فِيما مَضى في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦]

7:26Page 153

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦

O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allāh that perhaps they will remember.

ولَمّا بَيَّنَ فِيما مَضى أنَّ مُوجِبَ الإخْراجِ مِنَ الجَنَّةِ هو ما أوْجَبَ كَشْفَ السَّوْءَةِ مِنَ المُخالَفَةِ وفَرَّغَ مِمّا اسْتَتْبَعَهُ حَتّى أخْبَرَهُ بِأنَّهُ حَكَمَ بِإسْكانِنا هَذِهِ الدّارَ بَعْدَ تِلْكَ الدّارِ، شَرَعَ يُحَذِّرُنا مِن عَدُوِّنا كَما حَذَّرَ أبانا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَدَأ بِقَوْلِهِ بَيانًا لِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْنا فِيها بِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا وإيذانًا بِما في كَشْفِ العَوْرَةِ مِنَ الفَضِيحَةِ والإبْعادِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وإشْعارًا بِأنَّ التَّسَتُّرَ بابٌ عَظِيمٌ مِن أبْوابِ التَّقْوى ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ .

ولَمّا كانَ الكَلامُ في كَشْفِ العَوْرَةِ، وأنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعْوَزَهُ السّاتِرُ حَتّى فَزِعَ إلى الوَرَقِ، كانَ مَوْضِعَ أنْ يُتَوَقَّعَ ما يَكُونُ في ذَلِكَ فَقالَ مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ: ﴿قَدْ أنْـزَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مِن آثارِ بَرَكاتِ السَّماءِ، إمّا ابْتِداءً بِخَلْقِهِ وإمّا بِإنْزالِ أسْبابِهِ لِمَطَرٍ ونَحْوِهِ ﴿لِباسًا﴾ أيْ: لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أبُوكم في الجَنَّةِ ﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ إرْشادًا إلى دَواءِ ذَلِكَ الدّاءِ وإعْلامًا بِأنَّ نَفْسَ الكَشْفِ نَقْصٌ لا يَصْلُحُ لِحَضَراتِ الكَمالِ، وقالَ: ﴿ورِيشًا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ - سُبْحانَهُ - زادَنا عَلى السّاتِرِ ما بِهِ (p-٣٧٩)الزِّينَةُ والجِمالُ اسْتِعارَةً مِن رِيشِ الطّائِرِ، مُحَبِّبًا فِيما يُبْعِدُ مِنَ الذَّنْبِ ويُقَرِّبُ إلى حَضْرَةِ الرَّبِّ.

ولَمّا ذَكَرَ اللِّباسَ الحِسِّيَّ، وقَسَّمَهُ عَلى ساتِرٍ ومُزَيِّنٍ، أتْبَعَهُ المَعْنَوِيَّ فَقالَ مُشِيرًا - بِقَطْعِهِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَمّا قَبِلَهُ - إلى كَمالِ تَعْظِيمِهِ حَثًّا عَلَيْهِ ونَدْبًا إلَيْهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فَعُلِمَ أنَّ ساتِرَ العَوْراتِ حِسِّيٌّ ومَعْنَوِيٌّ، فالحِسِّيُّ لِباسُ الثِّيابِ، والمَعْنَوِيُّ التَّحَلِّي بِما يَبْعَثُ عَلى المَنابِ؛ ثُمَّ زادَ في تَعْظِيمِ المَعْنَوِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أيْ: ولِباسُ التَّقْوى هو خَيْرٌ مِن لِباسِ الثِّيابِ، ولَكِنَّهُ فَصَلَ بِاسْمِ الإشارَةِ المُقْتَرِنِ بِأداةِ البُعْدِ إيماءً إلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِ وحُسْنِ عاقِبَتِهِ لِكَوْنِهِ أهَمَّ اللِّباسَيْنِ لِأنَّ نَزْعَهُ يَكُونُ بِكَشْفِ العَوْرَةِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ، فَلَوْ تَجَمَّلَ الإنْسانُ بِأحْسَنِ المَلابِسِ وهو غَيْرُ مُتَّقٍ كانَ كُلُّهُ سَوْءاتٍ، ولَوْ كانَ مُتَّقِيًا ولَيْسَ عَلَيْهِ إلّا خُرَيْقَةٌ تُوارِي عَوْرَتَهُ كانَ في غايَةِ الجَمالِ والسِّتْرِ والكَمالِ، بَلْ ولَوْ كانَ مَكْشُوفَ العَوْرَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ كَما قالَ ﷺ «( سَتْرُ ما بَيْنَ عَوْراتِكم وأعْيُنِ الجِنِّ أنْ يَقُولَ أحَدُكم إذا دَخَلَ الخَلاءَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ! إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبائِثِ)» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - [والَّذِي يَكادُ يُقْطَعُ بِهِ أنَّ المَعاصِيَ سَبَبُ إحْلالِ السَّوْءَةِ الَّذِي مِنهُ ضَعْفُ البَدَنِ وقِصَرُ العُمْرِ حِسًّا أوْ مَعْنًى بِمَحْقِ البَرَكَةِ مِنهُ لِما يُفْهِمُهُ ما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ في بَدْءِ الخَلْقِ عَنِ التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: كُلْ مِن جَمِيعِ أشْجارِ (p-٣٨٠)الفِرْدَوْسِ، فَأمّا شَجَرَةُ عِلْمِ الخَيْرِ والشَّرِّ فَلا تَأْكُلْ مِنها لِأنَّكَ في اليَوْمِ الَّذِي تَأْكُلُ مِنها تَمُوتُ مَوْتًا تَتَهَيَّأُ لِلْمَوْتِ حِسًّا، ويُقْضى عَلَيْكَ بِالِاشْتِغالِ بِأسْبابِ المَعِيشَةِ فَيَقْصُرُ عُمْرُكَ مَعْنًى بِذَهابِ بَرَكَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ] .

ولَمّا كانَ في شَرْعِ اللِّباسِ تَمْيِيزُ الإنْسانِ عَنْ بَقِيَّةِ الحَيَوانِ وتَهْيِئَةُ أسْبابِهِ الَّتِي لَمْ يَجِدْها آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الجَنَّةِ مِنَ الفَضْلِ والنِّعْمَةِ والدِّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ المُنْعِمِ ورَحْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ ما هو مَعْلُومٌ - قالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: إنْزالُ اللِّباسِ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي حازَ صِفاتِ الكَمالَ الدّالَّةَ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ، ولَعَلَّ الِالتِفاتَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ - لَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ التَّذَكُّرِ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ - لِئَلّا يَقُولَ المُتَعَنِّتُ: إنْ الحَثَّ عَلى التَّذَكُّرِ خاصٌّ بِالمُخاطَبِ ويَدَّعِي أنَّهُ المُسْلِمُونَ فَقَطْ، أيْ: أنْزَلْنا ذَلِكَ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يَتَذَكَّرُ فَيَعْرِفُ أنَّهُ يُسْتَقْبَحُ مِنهُ ما يُسْتَقْبَحُ مِن غَيْرِهِ.

7:27Page 153

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مَن ذِكْرِ القَصَصِ لا سِيَّما قَصَصُ الأنْبِياءِ الِاعْتِبارَ بِها، فَكانَ بَيانُ ما وقَعَ بَيْنَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيْنَ الشَّيْطانِ مِن شَدِيدِ العَداوَةِ مُقْتَضِيًا لِلتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ، وكانَ المَقامُ خَطَرًا والتَّخَلُّصُ عُسْرًا - أشارَ إلى ذَلِكَ بِالتَّأْكِيدِ وبَيانِ ما سُلِّطَ الشَّيْطانُ بِهِ مِنَ المَكايِدِ الخَفِيَّةِ والأسْبابِ الدَّقِيقَةِ لِيَعْلَمَ النّاجِي أنَّهُ إنَّما نَجا بِمَحْضِ التَّوْفِيقِ ومُجَرَّدِ اللُّطْفِ فَيُقْبِلُ عَلى الشُّكْرِ مُتَبَرِّئًا مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، فَقالَ مُنادِيًا لَهم بِما يُفْهِمُ الِاسْتِعْطافَ والتَّراؤُفَ والتَّحَنُّنَ والتَّرَفُّقَ والِاسْتِضْعافَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ (p-٣٨١)أيْ: الَّذِي خَلَقْتُهُ بِيَدِي وأسْكَنْتُهُ جَنَّتِي ثُمَّ أنْزَلْتُهُ إلى دارِ مَحَبَّتِي إرادَةَ الإعْلاءِ لَكم إلى الذِّرْوَةِ مِن عِبادَتِي والإسْفالِ إلى الحَضِيضِ مِن مَعْصِيَتِي ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ أيْ: لا يُخالِطَنَّكم بِما يُمِيلُكم عَنِ الِاعْتِدالِ ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيْ: البَعِيدُ المُحْتَرِقُ بِالذُّنُوبِ، يَصُدُّكم عَمّا يَكُونُ سَبَبًا لِرَدِّكم إلى وطَنِكم بِتَزْيِينِ ما يَنْزِعُ عَنْكم مِن لِباسِ التَّقْوى المُفْضِي إلى هَتْكِ العَوْراتِ المُوجِبِ لِخِزْيِ الدُّنْيا، فَيَمْنَعُكم بِذَلِكَ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ ويُدْخِلُكم النّارَ ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ بِما فَتَنَهُما بِهِ بَعْدَ أنْ كانا سَكَناها وتَمَكَّنا فِيها وتَوَطَّناها، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الدَّفْعَ أسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ فَإيّاكم ثُمَّ إيّاكُمْ! فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الفِتْنَةَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها ثانِيًا، والإخْراجَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوْ نَظِيرِهِ أوَّلًا.

ولَمّا كانَ قَدْ بَذَلَ الجُهْدَ في إخْراجِهِما، فَسَّرَ الإخْراجَ - مُشِيرًا إلى ذَلِكَ - بِإطالَةِ الوَسْواسِ وإدامَةِ المَكْرِ والخَدِيعَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ، فَقالَ [فِي مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (الشَّيْطانِ) ]: ﴿يَنْـزِعُ عَنْهُما﴾ أيْ: [بِالتَّسْبِيبِ] بِإدامَةِ التَّزْيِينِ والأخْذِ مِنَ المَأْمَنِ ﴿لِباسَهُما﴾ [أيْ: الَّذِي كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ سَتَرَهُما بِهِ ما داما حافِظَيْنِ لِأنْفُسِهِما مِن مُواقَعَةِ ما نُهِيا عَنْهُ، ودَلَّ عَلى مُنافاةِ الكَشْفِ لِلْجَنَّةِ بِالتَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ ] فَإنَّ ذَلِكَ مَبْدَأُ تَرْكِ الحَياةِ و(الحَياءُ والإيمانُ في قَرْنٍ) - كَما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - و«( الحَياءُ لا يَأْتِي (p-٣٨٢)إلّا بِخَيْرٍ)» - كَما رَواهُ الشَّيْخانِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - .

ولَمّا كانَ نَهْيُ الشَّيْطانِ عَنْ فِتْنَتِنا إنَّما هو في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَنا عَنِ الِافْتِتانِ بِهِ، فَهو في قُوَّةٍ لِيَشْتَدَّ حَذَرُكم مِن فِتْنَتِهِ فَإنَّهُ دَقِيقُ الكَيْدِ بَعِيدُ الغَوْرِ بَدِيعُ المُخاتَلَةِ - عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَراكُمْ﴾ أيْ: الشَّيْطانَ ﴿هُوَ وقَبِيلُهُ﴾ أيْ: جُنُودُهُ ﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: إنَّ عَدُوًّا يَراكَ ولا تَراهُ لَشَدِيدُ المُؤْنَةِ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ سُلِّطُوا عَلَيْنا هَذا التَّسْلِيطَ العَظِيمَ الَّذِي لا يَكادُ يَسْلَمُ مَعَهُ أحَدٌ، قالَ مُخَفِّفًا لِأمْرِهِمْ مُوهِيًا في الحَقِيقَةِ لِكَيْدِهِمْ: ﴿إنّا﴾ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِأنّا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿جَعَلْنا الشَّياطِينَ﴾ أيْ: المُحْتَرِقِينَ بِالغَضَبِ البَعِيدِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴿أوْلِياءَ﴾ أيْ: قُرَباءَ وقُرَناءَ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإيمانَ؛ لِأنَّ بَيْنَهم تَناسُبًا في الطِّباعِ يُوجِبُ الِاتِّباعَ، وأمّا أوْلِياؤُنا الَّذِينَ مَنَعْناهم بِقُوَّتِنا مِنهُ أوْ فَتَنّاهم يَسِيرًا بِهِمْ، ثُمَّ خَلَّصْناهم بِلُطْفِنا مِنهم فَلَيْسُوا لَهم بِأوْلِياءَ، بَلْ هم لَهم أعْداءٌ وآيَتُهم أنَّهم يُؤْمِنُونَ، والمَعْنى أنّا مَكَّنّاهم مِن مُخاتَلَتِكم بِسَتْرِهِمْ عَنْكم وإظْهارِكم لَهم، فَسَلَّطْناهم بِذَلِكَ عَلى مَن حَكَمْنا بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِتَزْيِينِهِمْ لَهم وتَسْوِيلِهِمْ واسْتِخْفافِهِمْ بِأنْ يَنْصُرُوهم في بَعْضِ المُواطِنِ ويُوصِلُوهم إلى شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ، فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الرَّجُلُ الكامِلُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ الدَّرَجاتِ العُلى ويَتَرَدَّدُ إلَيْهِ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ والجَنى - مِن غَيْرِهِ فَخُذُوا حِذْرَكم فَإنَّ الأمْرَ (p-٣٨٣)خَطَرٌ والخَلاصَ عُسْرٌ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إنّا سَلَكْناكم طَرِيقًا وجَعَلْنا بِجَنَبَتَيْها أعْداءً يَرَوْنَكم ولا تَرَوْنَهم، وأقْدَرْناهم عَلى بَعْضِكم، فَمَن سَلَكَ سَواءَ السَّبِيلِ نَجا ومَن شَذَّ أسَرَهُ العَدُوُّ، ومَن دَنا مِنَ الحافاتِ بِمُرافَقَةِ الشُّبَهاتِ قارَبَ العَدُوَّ ومَن قارَبَهُ اسْتَغْواهُ، فَكُلَّما دَنا مِنهُ تَمَكَّنَ مِن أسْرِهِ، وكُلُّ مَن تَمَكَّنَ مِن أسْرِهِ بَعْدَ الخَلاصِ فاحْذَرُوا، وعَدَمُ رُؤْيَتِنا لَهم في الجُمْلَةِ لا يَقْتَضِي امْتِناعَ رُؤْيَتِهِمْ عَلى أنَّهُ قَدْ صَحَّ تَصَوُّرُهم في الأجْسامِ الكَثِيفَةِ ورُؤْيَةُ بَنِي آدَمَ لَهم في تِلْكَ الأجْسامِ كالشَّيْطانِ الَّذِي رَآهُ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ الصَّدَقَةِ، وكَذا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وحَدِيثُ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في شَيْطانِ العُزّى مَعْرُوفٌ في السِّيَرِ، وكَذا حَدِيثُ سَوادِ بْنِ قارِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في إرْشادِ رِئْيِهِ مِنَ الجِنِّ لَهُ، وكَذا خُطَرُ ابْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في مِثْلِ ذَلِكَ وغَيْرِهِما، وفي شَرْحِي لِنَظْمِي لِلسِّيرَةِ كَثِيرٌ مِن ذَلِكَ، وكَذا حَدِيثُ العِفْرِيتِ الَّذِي تَفَلَّتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشُعْلَةٍ مِن نارٍ لِيَقْطَعَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ فَأخْزاهُ اللَّهُ وأمْكَنَ مِنهُ رَسُولَ اللَّهِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ

«(لَوْلا دَعْوَةُ أخِي سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَأصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسارِيَةِ المَسْجِدِ يَتَلَعَّبُ بِهِ وِلْدانُ أهْلِ (p-٣٨٤)المَدِينَةِ )» قالَ أبُو حَيّانَ: إلّا أنَّ رُؤْيَتَهم في الصُّوَرِ نادِرَةٌ كَما أنَّ المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - تَبْدُو في صُوَرٍ كَحَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

7:28Page 153

وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allāh has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allāh does not order immorality. Do you say about Allāh that which you do not know?"

ولَمّا جَعَلَ أمارَتَهم في وِلايَةِ الشَّيْطانِ عَدَمَ الإيمانِ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ أمارَةً أُخْرى، فَقالَ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أيْ: أمْرًا بالِغًا في القُبْحِ كالشِّرْكِ وكَشْفِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ ﴿قالُوا﴾ مُعَلِّلِينَ لِارْتِكابِهِمْ إيّاها ﴿وجَدْنا عَلَيْها﴾ أيْ: الفاحِشَةِ ﴿آباءَنا﴾ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ العِلَّةُ ظاهِرًا عارُها بَيِّنًا عَوارُها، ضَمُّوا إلَيْها - افْتِراءً - ما يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ، فَقالُوا مُعَبِّرِينَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ غَيْرَ مُحْتَشِمِينَ مِن جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ: ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾

ولَمّا كانَتْ العِلَّةُ الأُولى مُلْغاةً، وكانَ العِلْمُ بِبُطْلانِها بَدِيهِيًّا؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لَوْ وجَدُوهم عَلى سَفَهٍ في تَحْصِيلِ المالِ ما تابَعُوهُمْ؛ أعْرَضَ عَنْها إشارَةً إلى ذَلِكَ، وأمَرَ بِالجَوابِ عَنِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي افْتِراءٌ عَلى المَلِكِ الأعْلى مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أبْعَدُ النّاسِ عَنْ مُطْلَقِ الكَذِبِ وأشَدُّهم تَحَرِّيًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: بِشَيْءٍ مِن هَذا الجِنْسِ.

ولَمّا كانَ الكَذِبُ قَبِيحًا في نَفْسِهِ وهو عِنْدَهم أقْبَحُ القَبِيحِ مُطْلَقًا، فَكَيْفَ بِهِ عَلى كَبِيرٍ مِنهم فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى أعْظَمِ العُظَماءِ! - قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهم مُهَدِّدًا: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّكم لَمْ تَسْمَعُوا ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ بِلا واسِطَةٍ ولا نَقْلٍ إلَيْكم بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - وفِيهِ (p-٣٨٥)تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ عَلى الجَهْلِ والقَوْلِ عَلى اللَّهِ بِالظَّنِّ.

7:29Page 153

قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ٢٩

Say, [O Muḥammad], "My Lord has ordered justice and that you direct yourselves [to the Qiblah] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -

ولَمّا كانَ تَعْلِيلُهم بِأمْرِ اللَّهِ مُقْتَضِيًا لِأنَّهُ إذا أمَرَ بِشَيْءٍ أتْبَعَ أمْرَهُ أنْ يُبَلِّغَهم أمْرَهُ الَّذِي جاءَ بِهِ دَلِيلُ العَقْلِ مُؤَيَّدًا بِجازِمِ النَّقْلِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ نابَذُوا الشَّرْعَ والعُرْفَ ﴿أمَرَ رَبِّي﴾ المُحْسِنُ إلَيَّ بِالتَّكْلِيفِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ، الَّتِي تَدْعُو إلَيْها الهِمَمُ العَوالِ ﴿بِالقِسْطِ﴾ وهو الأمْرُ الوَسَطُ بَيْنَ ما فَحُشَ في الإفْراطِ صاعِدًا عَنِ الحَدِّ، وفي التَّفْرِيطِ [هابِطًا مِنهُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأقْسِطُوا اتِّباعًا لِما أمَرَ بِهِ، أوْ كانَ القِسْطُ] مَصْدَرًا يَنْحَلُّ إلى: أنْ أقْسِطُوا، عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ مُخْلِصِينَ غَيْرَ مُرْتَكِبِينَ لِشَيْءٍ مِنَ الجَوْرِ ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أيْ: مَكانٍ ووَقْتٍ وحالٍ يَصْلُحُ السُّجُودُ فِيهِ، ولا يَتَقَيَّدَنَّ أحَدٌ بِمَكانٍ ولا زَمانٍ بِأنْ يَقُولَ - وقَدْ أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ -: أذْهَبُ فَأُصَلِّي في مَسْجِدِي ﴿وادْعُوهُ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ دُعاءَ عِبادَةٍ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.

ولَمّا كانَ المَعْنى: فَإنَّ مَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَذَّبَهُ بَعْدَ إعادَتِهِ لَهُ بَعْدَ المَوْتِ، تَرْجَمَهُ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُعَلِّلًا: ﴿كَما بَدَأكُمْ﴾ أيْ: في النَّشْأةِ الأُولى فَأنْتُمْ تُبْتَدَئُونَ نُعِيدُكم بَعْدَ المَوْتِ فَأنْتُمْ ﴿تَعُودُونَ﴾ حالَ كَوْنِكم فَرِيقَيْنِ:

7:30Page 153

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠

A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they [i.e., the latter] had taken the devils as allies instead of Allāh while they thought that they were guided.

﴿فَرِيقًا هَدى﴾ أيْ: خَلَقَ الهِدايَةَ في قُلُوبِهِمْ فَحَقَّ لَهم ثَوابُ الهِدايَةِ ﴿وفَرِيقًا﴾ أضَلَّ، ثُمَّ فَسَّرَ أضَلَّ - لِأنَّهُ واجِبُ التَّقْدِيرِ بِالنَّصْبِ - بِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّ﴾ أيْ: ثَبَتَ ووَجَبَ ﴿عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ أضَلَّهم فَيُحْشَرُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الأدْيانِ، والأبْدانِ، وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ هَهُنا (p-٣٨٦)احْتِباكَيْنِ: أثْبَتَ في أوَّلِهِما بَدَأ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ يُعِيدُ وذَكَرَ تَعُودُونَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ تُبْتَدَئُونَ، وأثْبَتَ في الثّانِي هَدى دَلِيلًا عَلى حَذْفِ أضَلَّ وذَكَرَ حُقُوقَ الضَّلالَةِ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ حُقُوقِ الهُدى.

ولَمّا كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ذِكْرَ البَعْثِ كَما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ في تَقْرِيرِ ما يُنْكِرُهُ المُخاطَبُ تَأْنِيسًا لَهُ بِهِ وكَسْرًا لِشَوْكَتِهِ وإيهانًا لِقُوَّتِهِ وقَمْعًا لِسُورَتِهِ إلى أنْ خَتَمَ بِما هو أدَلُّ عَلَيْهِ مِمّا قَبْلُ مِن قَوْلِهِ ومِنها تُخْرَجُونَ ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] عَلَّلَ ما خَتَمَ بِهِ هَذا الدَّلِيلَ مِن حُقُوقِ الضَّلالَةِ أيْ: وُجُوبِها أيْ: وُجُوبِ وبالِها عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم ضِدَّ ما دَعَتْهم إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى بِأنْ أخَذُوا ﴿الشَّياطِينَ أوْلِياءَ﴾ أيْ: أقْرِباءَ وأنْصارًا ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ بِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ ﴿أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ فَأشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّهم اسْتَحَقُّوا النَّكالَ لِأنَّهم قَنِعُوا في الأُصُولِ - الَّتِي يَجِبُ فِيها الِابْتِهالُ إلى القَطْعِ - بِالظُّنُونِ.

7:31Page 154

۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١

O children of Adam, take your adornment [i.e., wear your clothing] at every masjid,1 and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.

ولَمّا أمَرَ – سُبْحانَهُ - بِالقِسْطِ وبِإقامَةِ الوَجْهِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ - أمَرَهم بِما يَنْبَغِي عِنْدَ تِلْكَ الإقامَةِ مِن سَتْرِ العَوْرَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ الحَثُّ عَلَيْهِ وبَيانُ فُحْشِ الهَتْكِ وسُوءِ أثَرِهِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِلَفْظِ الزِّينَةِ تَرْغِيبًا فِيهِ وإذْنًا في الزِّينَةِ وبَيانًا لِأنَّها لَيْسَ مِمّا يُتَوَرَّعُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إذا بَسَطَ عَلى عَبْدٍ رِزْقَهُ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ)» رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ (p-٣٨٧)وابْنُ مَنِيعٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأتْبَعَ ذَلِكَ أعْظَمَ ما يَنْبَغِي لِابْنِ آدَمَ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ القِسْطُ مِنَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ فَقالَ مُكَرِّرًا النِّداءَ اسْتِعْطافًا وإظْهارًا لِعَظِيمِ الإشْفاقِ وتَذْكِيرًا بِقِصَّةِ أبِيهِمْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّتِي أخْرَجَتْهُ مِنَ الجَنَّةِ مَعَ كَوْنِهِ صَفِيَّ اللَّهِ لِيَشْتَدَّ الحَذَرُ: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ أيْ: الَّذِي زَيَّنّاهُ فَغَرَّهُ الشَّيْطانُ ثُمَّ وقَيْناهُ شَرَّهُ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِهِ مِن حُسْنِ التَّوْبَةِ وعَظِيمِ الرَّغْبَةِ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أيْ: الَّتِي تَقَدَّمَ التَّعْبِيرُ عَنْها بِالرِّيشِ لِسَتْرِ العَوْرَةِ والتَّجَمُّلِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ لِلْعِبادَةِ ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وأكَّدَ ذَلِكَ كَوْنُهم كانُوا قَدْ شَرَعُوا أنَّ غَيْرَ الحُمْسِ يَطُوفُونَ عُراةً.

ولَمًّا أمَرَ بِكُسْوَةِ الظّاهِرِ بِالثِّيابِ لَأنَّ صِحَّةَ الصَّلاةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْها - أمَرَ بِكُسْوَةِ الباطِنِ بِالطَّعامِ والشَّرابِ لِتَوَقُّفِ القُدْرَةِ عادَةً عَلَيْها، فَقالَ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يَتَدَيَّنُ في الحَجِّ بِالتَّضْيِيقِ في ذَلِكَ.

ولَمّا أمَرَ بِالمَلْبَسِ والمَطْعَمِ - نَهى عَنِ الِاعْتِداءِ فِيهِما، فَقالَ: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ بِوَضْعِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فِيما لا يَكُونُ أحَقَّ مَواضِعِهِ ولَوْ بِالزِّيادَةِ عَلى المِعاءِ، [ومِن ذَلِكَ أنْ يَتَّبِعَ السُّنَّةَ في الشُّرْبِ، فَيَسِيرٌ؛ لِأنَّ العَكْرَ يَرْسُبُ في الإناءِ فَرُبَّما أُذِيَ مِن شُرْبِهِ، ولِذَلِكَ نَهى عَنِ النَّفَسِ في الإناءِ لِأنَّهُ رُبَّما أنْتَنَ فَعافَتْهُ النَّفْسُ، وأمّا الطَّعامُ فَلْيُحْسِنْ إناءَهُ والأصابِعَ لِنِيلِ البَرَكَةِ وهو أنْظَفُ]، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ (p-٣٨٨)أيْ: لا يُكْرِمُهُمْ، ولا شَكَّ أنَّ مَن لا يُحِبُّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ فَيُحِيطُ بِهِ كُلُّ شَرٍّ، ومِن جُمْلَةِ السَّرَفِ الأكْلُ في جَمِيعِ البَطْنِ، والِاقْتِصادُ الِاقْتِصارُ عَلى الثُّلْثِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ

: «(حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْماتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإنْ كانَ لا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعامِ وثُلُثٌ لِلشَّرابِ وثُلُثٌ لِلنَّفَسِ)» و«(وما مَلَأ ابْنُ آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِن بَطْنٍ)» و«(الكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ والمُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى واحِدٍ)» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ الأطِبّاءُ، الأمْعاءُ سَبْعَةٌ، فالمَعْنى حِينَئِذٍ أنَّ الكافِرَ يَأْكُلُ شَبَعًا فَيَمْلَأُ الأمْعاءَ السَّبْعَةَ، والمُؤْمِنَ يَأْكُلُ تَقَوُّتًا فَيَأْكُلُ في مِعًى واحِدٍ، وذَلِكَ سُبْعُ بَطْنِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِلُقَيْماتٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي مِعاءَيْنِ وشَيْءٍ وهو الثُّلُثُ - واللَّهُ أعْلَمُ - وسَبَبُ الآيَةِ أنَّهم كانُوا يَطْرَحُونَ ثِيابَهم إذا أرادُوا الطَّوافَ، يَقُولُونَ: لا نَطُوفُ في ثِيابٍ إذْ بِتْنا فِيها، ونَتَعَرّى مِنها لِنَتَعَرّى مِنَ الذُّنُوبِ إلّا الحُمْسُ وهم قُرَيْشٌ ومَن ولَدَهُ، وكانُوا لا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! فَنَحْنُ أحَقُّ أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ - فَأُنْزِلَتْ.

7:32Page 154

قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢

Say, "Who has forbidden the adornment of [i.e., from] Allāh which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believed during the life of this world, exclusively [for them] on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ما كانُوا ألِفُوهُ واتَّخَذُوهُ دِينًا يَسْتَعْظِمُونَ تَرْكَهُ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ لَهم بِأنَّهُ تَوَسُّعُ [الدُّنْيا، والتَّوَسُّعُ] (p-٣٨٩)فِيها مِمّا يَنْبَغِي الزُّهْدُ فِيهِ كَما دَعا إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ - أكَّدَ سُبْحانَهُ الإذْنَ في ذَلِكَ بِالإنْكارِ عَلى مَن حَرَّمَهُ، فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ إعْلامًا بِأنَّ الزُّهْدَ المَمْدُوحَ ما كانَ مَعَ صِحَّةِ الِاعْتِقادِ في الحَلالِ والحَرامِ، وأمّا ما كانَ مَعَ تَبْدِيلِ شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ بِتَحْلِيلِ حَرامٍ أوْ عَكْسِهِ فَهو مَذْمُومٌ: ﴿قُلْ﴾ مُنْكِرًا مُوَبِّخًا ﴿مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ أيْ: لِيَتَمَتَّعُوا بِها مِنَ الثِّيابِ والمَعادِنِ وغَيْرِها.

ولَمّا ذَكَرَ المَلابِسَ الَّتِي هي شَرْطٌ في صِحَّةِ العِبادَةِ عَلى وجْهٍ عَمَّ غَيْرَها مِنَ المَراكِبِ وغَيْرِها، أتْبَعَها المَآكِلَ والمَشارِبَ، فَقالَ: ﴿والطَّيِّباتِ﴾ أيْ: مِنَ الحَلالِ المُسْتَلَذِّ ﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِها. ولَمّا كانَ مَعْنى الإنْكارِ: لَمْ يُحَرِّمْها مَن يُعْتَبَرُ تَحْرِيمُهُ بَلْ أحَلَّها، وكانَ رُبَّما غَلا في الدِّينِ غالٍ تَمَسُّكًا بِالآياتِ المُنَفِّرَةِ عَنِ الدُّنْيا المُهَوِّنَةِ لِشَأْنِها مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ زِينَةِ وطَيِّباتِ الرِّزْقِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا لِجَوابِ مَن يَقُولُ: لِمَن؟: ﴿قُلْ هِيَ﴾ أيْ: الزِّينَةُ والطَّيِّباتُ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعَبَّرَ بِهَذِهِ العِبارَةِ ولَمْ يَقُلْ: ولِغَيْرِهِمْ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّها لَهم بِالأصالَةِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وأمّا الكُفّارُ فَهم تابِعُونَ لَهم في التَّمَتُّعِ بِها وإنْ كانَتْ لَهم أكْثَرَ، فَهي غَيْرُ خالِصَةٍ لَهم وهي لِلَّذِينِ آمَنُوا ﴿خالِصَةً﴾ أيْ: لا يُشارِكُهم فِيها أحَدٌ، هَذا عَلى قِراءَةِ نافِعٍ بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ: حالَ كَوْنِها خالِصَةً ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وفي هَذا تَأْكِيدٌ لِما مَضى مِن إحْلالِها بَعْدَ تَأْكِيدِ ومَحْوِ الشُّكُوكِ، وداعِيَةٌ لِلتَّأمُّلِ في الفَصْلِ بَيْنَ المَقامَيْنِ لِبَيانِ أنَّ الزُّهْدَ المَأْمُورَ بِهِ (p-٣٩٠)إنَّما هو بِالقَلْبِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَكُونُ لِلدُّنْيا عِنْدَهُ قَدْرٌ ولا لَهُ إلَيْها التِفاتٌ ولا هي أكْبَرُ هَمِّهِ، وأمّا كَوْنُها يُنْتَفَعُ بِها فِيما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ وهي مَحْقُورَةٌ غَيْرُ مُهْتَمٍّ بِها فَذَلِكَ مِنَ المَحاسِنِ.

ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى مِن دَقائِقَ المَعانِي ونَفائِسِ المَبانِي أتْبَعَهُ - تَعالى - قَوْلَهُ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: إنَّ هَذا التَّفْصِيلَ فائِقٌ، فَهَلْ يُفَصَّلُ غَيْرُهُ هَكَذا؟ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: نُبَيِّنُ أحْكامَها ونُمَيِّزُ بَعْضَ المُشْتَبِهاتِ مِن بَعْضٍ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَهم مَلَكَةٌ وقابِلِيَّةٌ لِلْعِلْمِ لِيَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ والعَمَلِ الصّالِحِ.

7:33Page 154

قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣

Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin,1 and oppression without right, and that you associate with Allāh that for which He has not sent down authority, and that you say about Allāh that which you do not know."

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ ما حَرَّمُوهُ لَيْسَ بِحَرامٍ فَتَقَرَّرَ ذَلِكَ تَقَرُّرًا نَزَعَ مِنَ النُّفُوسِ ما كانَتْ ألِفَتْهُ مِن خِلافِهِ، ومَحا مِنَ القُلُوبِ ما كانَتْ أُشْرِبَتْهُ مِن ضِدِّهِ - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا حَرَّمَ اللَّهُ الَّذِي لَيْسَ التَّحْرِيمُ إلّا إلَيْهِ؟ فَأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُجِيبَهم عَنْ ذَلِكَ ويَزِيدَهم بِأنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ غَيْرَهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيَّ بِجَعْلِ دِينِي أحْسَنَ الأدْيانِ ﴿الفَواحِشَ﴾ أيْ: كُلَّ فَرْدٍ مِنها وهي ما زادَ قُبْحُهُ. ولَمّا كانَتْ الفاحِشَةُ ما يَتَزايَدُ قُبْحُهُ فَكانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ الإسْرارَ بِها غَيْرُ مُرادٍ بِالنَّهْيِ قالَ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ بَيْنَ النّاسِ ﴿وما بَطَنَ﴾

ولَمّا كانَ هَذا خاصًّا بِما عَظُمَتْ شَناعَتُهُ قالَ: ﴿والإثْمَ﴾ أيْ (p-٣٩١)مُطْلَقَ الذَّنْبِ الَّذِي يُوجِبُ الجَزاءَ، فَإنَّ الإثْمَ الذَّنْبَ والجَزاءَ. ولَمّا كانَ البَغْيُ زائِدَ القُبْحِ مَخْصُوصًا بِأنَّهُ مِن أسْرَعِ الذُّنُوبِ عُقُوبَةً، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿والبَغْيَ﴾ وهو الِاسْتِعْلاءُ عَلى الغَيْرِ ظُلْمًا، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الطَّلَبِ - حَقَّقَ مَعْناهُ العُرْفِيُّ الشَّرْعِيُّ فَقالَ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: الكامِلِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ باطِلٍ، فَمَتى كانَ فِيهِ شائِبَةُ باطِلٍ كانَ بَغْيًا، ولَعَلَّهُ يُخْرِجُ العُلُوَّ بِالحَقِّ بِالِانْتِصارِ مِنَ الباغِي فَإنَّهُ حَقٌّ كامِلُ الحَقِّيَّةِ، وتَكُونُ تَسْمِيَتُهُ بَغْيًا عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ تَنْفِيرًا - بِإدْخالِهِ تَحْتَ اسْمِ البَغْيِ - مِن تَعاطِيهِ ونَدْبًا إلى العَفْوِ كَما تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَقْيِيدُهُ تَأْكِيدًا لِمَنعِهِ بِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا مَوْصُوفًا بِأنَّهُ بِغَيْرِ الحَقِّ كَما قالَ تَخْصِيصًا وتَنْصِيصًا تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الشَّناعَةِ: ﴿وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي اخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ ما يُسَمِّيهِ أحَدٌ شَرِيكًا إلّا وهو مِمّا لَمْ يَنْزِلُ بِهِ اللَّهُ سُلْطانًا بَلْ ولا حُجَّةَ بِهِ في الواقِعِ ولا بُرْهانٌ، ولَعَلَّهُ إنَّما قَيَّدَهُ بِذَلِكَ إرْشادًا إلى أنَّ أُصُولَ الدِّينِ لا يَجُوزُ اعْتِمادُها إلّا بِقاطِعٍ فَكَيْفَ بِأعْظَمِها وهو التَّوْحِيدُ! ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ﴾ أيْ: وحَرَّمَ أنْ ﴿تَقُولُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ولا كُفُؤَ لَهُ و﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ بِخُصُوصِهِ ولا هو مُسْتَنِدٌ إلى عِلْمٍ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مِنَ الأُصُولِ أوْ لا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском