Al-Biqa'iAl‑A'raf · 7:34–48

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:34–48

7:34Page 154

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤

And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

(p-٣٩٢)ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ النّاسَ فَرِيقانِ: مُهْتَدٍ وضالٌّ، وتَكَرَّرَ ذَمُّ الضّالِّ بِاجْتِرائِهِ عَلى اللَّهِ بِفِعْلِ ما مَنَعَهُ مِنهُ وتَرْكِ ما أمَرَهُ بِهِ، وكانَتْ العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ لِلْمُلُوكِ أنَّهم لا يُمْهِلُونَ مَن تَتَكَرَّرُ مُخالَفَتُهُ لَهم - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلِمَ يُهْلِكُ مَن يُخالِفُهُ؟ فَقِيلَ - وعْظًا وتَحْذِيرًا -: إنَّهم لا يَضُرُّونَ بِذَلِكَ إلّا أنْفُسَهم، ولا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِنهُ إلّا بِإرادَتِهِ، فَسَواءٌ عِنْدَهم بَقاؤُهم وهَلاكُهم، إنَّما يَسْتَعْجِلُ مَن يَخافُ الفَوْتَ أوْ يَخْشى الضَّرَرَ، ولَهم أجَلٌ لا بُدَّ مِن اسْتِيفائِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ خاصًّا بِهِمْ بَلْ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾

ولَمّا كانَ نَظَرُهم إلى الفُسْحَةِ في الأجَلِ، وكانَ قَطْعُ رَجائِهِمْ مِن جُمْلَةِ عَذابِهِمْ - قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أيْ: عَنِ الأجَلِ ﴿ساعَةً﴾ عَبَّرَ بِها والمُرادُ أقَلُّ ما يُمْكِنُ لِأنَّها أقَلُّ الأوْقاتِ في الِاسْتِعْمالِ في العُرْفِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِكَمالِها لا عَلى جَزائِها قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أيْ: عَلى الأجَلِ المَحْتُومِ؛ لِأنَّ الَّذِي ضَرَبَهُ لَهم ما ضَرَبَهُ إلّا وهو عالِمٌ بِكُلِّ ما يَكُونُ مِن أمْرِهِمْ، لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ عِلْمٌ، لَمْ يَكُنْ يَتَجَدَّدُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] وتَكُونُ الآيَةُ مُعْلِمَةً بِأنَّهم سَيَتَناسَلُونَ فَيَكْثُرُونَ حَتّى يَكُونُوا أُمَمًا، ولا يَتَعَرَّضُونَ جُمْلَةً بَلْ يَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ وقْتٌ.

7:35Page 154

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥

O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

(p-٣٩٣)ولَمّا كانَ اسْتِشْرافُ النَّفْسِ إلى السُّؤالِ عَمّا يَكُونُ بَعْدَ حِينِ المُسْتَقَرِّ والمَتاعِ أشَدَّ مِن اسْتِشْرافِها إلى هَذا لِكَوْنِهِ أخْفى مِنهُ، فَهو أبْعَدُ مِن خُطُورِهِ في البالِ - قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ [الأعراف: ٢٥] ولَمّا كانَ ذِكْرُ الدَّواءِ لِداءِ هَتْكِ السَّوْءَةِ أهَمَّ قَدَّمَ ﴿أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ [الأعراف: ٢٦] ثُمَّ ما بَعْدَهُ حَتّى كانَ الأنْسَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ هَذا المَوْضِعُ فَنُظِمَتْ فِيهِ.

ولَمّا تَقَدَّمَتْ الإشارَةُ إلى الحَثِّ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ بِآياتِ المَقْصِدِ الأوَّلِ مِن مَقاصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] و﴿لِتُنْذِرَ﴾ [الأعراف: ٢] و﴿اتَّبِعُوا ما أُنْـزِلَ إلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] وقَوْلِهِ ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩] ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّياطِينِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ [الأعراف: ٣] وبِقَوْلِهِ ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] وغَيْرِهِ - فَتَحَرَّرَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى النَّجاةِ إلّا بِالرُّسُلِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالأجَلِ حَثًّا عَلى العَمَلِ في أيّامِ المُهْلَةِ -أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ حاثًّا عَلى التَّعَلُّقِ بِأسْبابِ النَّجاةِ بِاتِّباعِ الدُّعاةِ الهُداةِ قَبْلَ الفَوْتِ بِحادِثِ المَوْتِ بِبَيانِ الجَزاءِ لِمَن أحْسَنَ الِاتِّباعَ في الدّارَيْنِ ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ .

ولَمّا كانَ لَهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُعَذِّبَ مَن خالَفَ داعِيَ العَقْلِ مِن غَيْرِ إرْسالِ رَسُولٍ، وكانَ إرْسالُ الرُّسُلِ جائِزًا لَهُ وفَضْلًا مِنهُ - سُبْحانَهُ - إذْ (p-٣٩٤)لا يُوجَبُ عَلَيْهِ - أشارَ إلى ذَلِكَ بِحَرْفِ الشَّكِّ فَقالَ: ﴿إمّا﴾ هي إنْ، الشَّرْطِيَّةُ وُصِلَتْ بِها ما تَأْكِيدًا ﴿يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ﴾ ولَمّا كانَتْ زِيادَةُ الخِبْرَةِ بِالرَّسُولِ أقْطَعُ لِلْعُذْرِ وأقْوى في الحُجَّةِ قالَ: ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن نَوْعِكم مِن عِنْدِ رَبِّكم.

[ولَمّا كانَ الأغْلَبُ عَلى مَقْصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ العِلْمُ كَما تَقَدَّمَ في ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] ويَأْتِي في: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٥٢] وغَيْرِها، كانَ التَّعْبِيرُ بِالقَصِّ - الَّذِي هو تَتَبُّعُ الأثَرِ كَما تَقَدَّمَ في الأنْعامِ - ألْيَقَ فَقالَ]: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ أيْ: يُتابِعُونَ ذِكْرَها لَكم عَلى وجْهٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، ويَتَّبِعُ بَعْضُهم بِها أثَرَ بَعْضٍ لا يَتَخالَفُونَ في أصْلٍ واحِدٍ مِنَ الأُصُولِ.

ولَمّا كانَ لِقاءُ الرُّسُلِ حَتْمًا والهِجْرَةُ إلَيْهِمْ واجِبَةً لِأنَّ العَمَلَ لا يُقْبَلُ إلّا بِالِاسْتِنادِ إلَيْهِمْ مَهْما وُجِدَ إلى ذَلِكَ سَبِيلٌ - رَبَطَ الجَزاءَ بِالفاءِ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ أيْ: خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِي بِسَبَبِ التَّصَدُّقِ بِالرُّسُلِ والتَّلَقِّي عَنْهم ﴿وأصْلَحَ﴾ أيْ: عَمِلَ صالِحًا بِاقْتِفاءِ آثارِهِمْ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ أيْ: غالِبٌ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ مِن شَيْءٍ يَتَوَقَّعُونَهُ ﴿ولا هُمْ﴾ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ ﴿يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم في وقْتٍ ما حُزْنٌ عَلى شَيْءٍ فاتَهم؛ لِأنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِمْ ما يُقِرُّ بِهِ أعْيُنَهم، وكَأنَّهُ غايَةٌ في التَّعْبِيرِ لِأنَّ إجْلالَهم لِلَّهِ تَعالى وهَيْبَتَهم لَهُ يُمْكِنُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِما خَوْفٌ.

7:36Page 154

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦

But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

(p-٣٩٥)ولَمّا ذَكَرَ المُصَدِّقَ أتْبَعَهُ المُكَذِّبَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِها إلَيْنا. ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ قَدْ يَكُونُ عَنْ شُبْهَةٍ أوْ نَوْعٍ مِنَ العُذْرِ - نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ أيْ: أوْجَدُوا الكِبْرَ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لَهُ عَظِيمُ الرَّغْبَةِ فِيهِ، مُتَجاوِزِينَ عَنْها إلى أضْدادِ ما دَعَتْ إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ لَيْسَ سَبَبًا حَقِيقِيًّا لِلتَّعْذِيبِ، وإنَّما هو كاشِفٌ عَمَّنْ ذَرَأهُ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ - أُعْرِيَ عَنِ الفاءِ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ولَمّا كانَ صاحِبُ الشَّيْءِ هو المُلازِمَ لَهُ المَعْرُوفَ بِهِ، قالَ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ: ﴿هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةٌ لِيُخْرِجَ العاصِيَ مِن غَيْرِ تَكْذِيبٍ ولا اسْتِكْبارٍ ﴿فِيها﴾ أيْ: النّارِ خاصَّةً، وهي تَصْدُقُ بِكُلِّ طَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِها ﴿خالِدُونَ﴾ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ إثْباتَ الفاءِ أوَّلًا لِلتَّرْغِيبِ في الِاتِّباعِ، وتَرْكَها ثانِيًا لِلتَّرْهِيبِ مِن شَكاسَةِ الطِّباعِ، فالمَقامُ في المَوْضِعَيْنِ خَطَرٌ، ولَعَلَّ مِن فَوائِدِهِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ إذا بُعِثَ رَسُولٌ وجَبَ عَلى كُلٍّ مَن سَمِعَ بِهِ أنْ يَقْصِدَهُ لِتَحْرِيرِ أمْرِهِ، فَإذا بانَ لَهُ صِدْقُهُ تَبِعَهُ، وإنْ تَخَلَّفَ عَنْ ذَلِكَ كانَ مُكَذِّبًا - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

7:37Page 154

فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧

And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.

ولَمّا كانَ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ تارَةً يَكُونُ بِشَرْعِ شَيْءٍ لَمْ يُشَرِّعُوهُ، (p-٣٩٦)وتارَةً بِرَدِّ ما شَرَّعُوهُ قَوْلًا وفِعْلًا، وأخْبَرَ أنَّ المُكَذِّبِينَ أهْلُ النّارِ - عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ أيْ: أشْنَعُ ظُلْمًا ﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى ﴿كَذِبًا﴾ أيْ: كَمَن شَرَّعَ في المَطاعِمِ والمَلابِسِ غَيْرَ ما شَرَّعَ، أوْ ادَّعى أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ فَحَكَمَ بِوُجُودِ ما لَمْ يُوجَدْ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أيْ: بِرَدِّ ما أخْبَرَ بِهِ الرُّسُلُ فَحَكَمَ بِإنْكارِ ما وُجِدَ.

ولَمّا كانَ الجَوابُ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِن هَذا، بَلْ هو أظْلَمُ النّاسِ، وكانَ مِمّا عُلِمَ أنَّ الظّالِمَ مُسْتَحَقٌّ لِلْعُقُوبَةِ فَكَيْفَ بِالأظْلَمِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: البُعَداءُ مِنَ الحَضَراتِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: الَّذِي كُتِبَ حِينَ نَفْخِ الرُّوحِ أوْ مِنَ الآجالِ الَّتِي ضَرَبَها - سُبْحانَهُ - لَهم والأرْزاقِ الَّتِي قَسَّمَها، تَأْكِيدًا لِرَدِّ اعْتِراضِ مَن قالَ: إنْ كُنّا خالَفْنا فَما لَهُ لا يُهْلِكُنا؟ ثُمَّ غَيّى نَيْلَ النَّصِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ أيْ: الَّذِينَ قَسَمْنا لَهم مِن عَظَمَتِنا ما شِئْنا حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أيْ: يَقْبِضُونَ أرْواحَهم كامِلَةً مِن جَمِيعِ أبْدانِهِمْ ﴿قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ عِنادًا كَمَن هو في جِبِلَّتِهِ ﴿تَدْعُونَ﴾ أيْ: دُعاءَ عِبادَةٍ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: تَزْعُمُونَ أنَّهم واسِطَةٌ لَكم عِنْدَ المَلِكِ الأعْظَمِ وتَدْعُونَهم حالَ كَوْنِكم مُعْرِضِينَ عَنِ اللَّهِ، ادْعُوهم الآنَ لِيَمْنَعُوكم مِن عَذابِ الهَوانِ الَّذِي نُذِيقُكم ﴿قالُوا ضَلُّوا﴾ أيْ: غابُوا ﴿عَنّا﴾ فَلا ناصِرَ لَنا. (p-٣٩٧)ولَمّا كانَ الإلَهُ لا يَغِيبُ فَعَلِمُوا ضَلالَهم بِغَيْبَتِهِمْ عَنْهم - قالَ مُتَرْجِمًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بالَغُوا في الِاعْتِرافِ ﴿أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ أيْ: ساتِرِينَ عِنادًا لِما كَشَفَ لَهم عَنْهُ نُورُ العَقْلِ فَلا مانِعَ مِنهُ إلّا حُظُوظُ النُّفُوسِ ولُزُومُ البُؤْسِ.

7:38Page 155

قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨

[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ اعْتَرَفُوا، والِاعْتِرافُ - كَما قِيلَ - إنْصافٌ، فَهَلْ يَنْفَعُهُمْ؟ قِيلَ: هَيْهاتَ! فاتَ مَحَلُّهُ بِفَواتِ دارِ العَمَلِ لا جَرَمَ! ﴿قالَ﴾ أيْ: الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ إلَيْهِ أمْرَهم ﴿ادْخُلُوا﴾ كائِنِينَ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ أيْ: في جُمْلَةِ جَماعاتٍ وفِرَقٍ أمَّ بَعْضُها بَعْضًا؛ ثُمَّ وصَفَهم دالًّا بِتاءِ التَّأْنِيثِ عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ فَقالَ: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ ولَمّا كانَ في الزَّمَنِ الماضِي مَن آمَنَ، أدْخَلَ الجارَّ، فَقالَ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ ولَمّا كانَ الجِنُّ الأصْلَ في الإغْواءِ قَدَّمَهم فَقالَ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مَحَلَّ الدُّخُولِ فَقالَ: ﴿فِي النّارِ﴾

ولَمّا جَرَتْ عادَةُ الرِّفاقِ بِأنَّهم يَتَكالَمُونَ وحِينَ الِاجْتِماعِ يَتَسالَمُونَ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى حالِهِمْ في ذَلِكَ فَقالَ مُجِيبًا لَهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ أيْ: مِنهم في النّارِ ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ أيْ: القَرِيبَةَ مِنها في الدِّينِ والمِلَّةِ الَّتِي قُضِيَتْ آثارُها واتَّبَعَتْ مَنارَها، يَلْعَنُ اليَهُودُ اليَهُودَ والنَّصارى النَّصارى - وهَكَذا، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِنهم ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا﴾ أيْ: تَدارَكُوا وتَلاحَقُوا، يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ ﴿فِيها جَمِيعًا﴾ لَمْ يَبْقَ مِنهم أُمَّةٌ ولا واحِدٌ مِن أُمَّةٍ ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾ أيْ: في الزَّمَنِ (p-٣٩٨)والمَنزِلَةِ، وهم الأتْباعُ والسُّفَّلُ ﴿لأُولاهُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ مُخاطِبِينَ لِلَّهِ خِطابَ المُخْلِصِينَ ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: الَّذِي ما قَطَعَ إحْسانَهُ في الدُّنْيا عَنّا عَلى ما كانَ مِنّا مِن مُقابَلَةِ إحْسانِهِ بِالإساءَةِ ﴿هَؤُلاءِ﴾ أيْ: الأوَّلُونَ ﴿أضَلُّونا﴾ أيْ: لِكَوْنِهِمْ أوَّلَ مَن سَنَّ الضَّلالَ ﴿فَآتِهِمْ﴾ أيْ: أذِقْهم بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ: يَكُونُ بِقَدْرِ عَذابِ غَيْرِهِمْ مَرَّتَيْنِ لِأنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا لِأنَّهم سَنُّوا الضَّلالَ. «(ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كانَ عَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ)» ومِنهُ «(لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها)» لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ، ثُمَّ أكَّدُوا شِدَّةَ العَذابِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مِنَ النّارِ﴾

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ قالُوا ما لَهُ وجْهٌ، فَبِمَ أُجِيبُوا؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ: جَوابًا لَهم ﴿لِكُلٍّ﴾ أيْ: مِنَ السّابِقِ واللّاحِقِ والمَتْبُوعِ والتّابِعِ ﴿ضِعْفٌ﴾ وإنْ لَمْ يَكُنْ الضِّعْفانِ مُتَساوِيَيْنِ لِأنَّ المَتْبُوعَ وإنْ كانَ سَبَبًا لِضَلالِ التّابِعِ فالتّابِعُ أيْضًا كانَ سَبَبًا لِتَمادِي المَتْبُوعِ في ضَلالِهِ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ فِيهِ بِتَقْوِيَتِهِ بِالِاتِّباعِ وتَأْيِيدِهِ بِالمُناضَلَةِ عَنْهُ والدِّفاعِ. ولَمّا كانُوا جاهِلِينَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ الضَّعْفَ لِسَبَبِ هَذِهِ الدَّقِيقَةِ قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِذَلِكَ.

7:39Page 155

وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩

And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."

ولَمّا ذَكَرَ مَلامَ الآخَرِينَ عَلى الأوَّلِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ جَوابَ الأوَّلِينَ، فَقالَ: ﴿وقالَتْ أُولاهُمْ﴾ أيْ: أُولى الفِرَقِ والأُمَمِ ﴿لأُخْراهُمْ﴾ مُسَبَّبِينَ (p-٣٩٩)عَنْ تَأْسِيسِهِمْ لَهم الضَّلالَ ودُعائِهِمْ إلَيْهِ ﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا﴾ أيْ: بِسَبَبِ انْقِيادِكم لَنا واتِّباعِكم في الضَّلالِ ﴿مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: لِنَحْمِلَ عَنْكم بِسَبَبِهِ شَيْئًا مِنَ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَعُدْ عَلَيْنا مِن ضَلالِكم نَفْعٌ وقَدْ شارَكْتُمُونا في الكُفْرِ ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿العَذابَ﴾ في سِجِّينٍ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ لا بِسَبَبِ اتِّباعِكم لَنا في الكُفْرِ.

7:40Page 155

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠

Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.

ولَمّا جَرَتْ العادَةُ بِأنَّ أهْلَ الشَّدائِدِ يَتَوَقَّعُونَ الخَلاصَ، أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، لِأنَّهم أنْجاسٌ فَلَيْسُوا أهْلًا لِمَواطِنَ الأقْداسِ - فَقالَ مُسْتَأْنِفًا لِجَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: أما لِهَؤُلاءِ خَلاصٌ؟ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: وهي المَعْرُوفَةُ بِالعَظَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا ﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ أيْ: وأوْجَدُوا الكِبْرَ مُتَجاوِزِينَ عَنْ اتِّباعِها ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ﴾ أيْ: لِصُعُودِ أعْمالِهِمْ ولا دُعائِهِمْ ولا أرْواحِهِمْ ولا لِنُزُولِ البَرَكاتِ عَلَيْهِمْ ﴿أبْوابُ السَّماءِ﴾ لِأنَّها طاهِرَةٌ عَنِ الأرْجاسِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ فَإذا صَعِدَتْ أرْواحُهم الخَبِيثَةُ بَعْدَ المَوْتِ مَعَ مَلائِكَةِ العَذابِ أُغْلِقَتْ الأبْوابُ دُونَها ثُمَّ أُلْقِيَتْ مِن هُناكَ إلى سِجِّينٍ ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ أيْ: الَّتِي هي أطْهَرُ المَنازِلِ وأشْرَفُها ﴿حَتّى﴾ يَكُونَ ما لا يَكُونُ بِأنْ ﴿يَلِجَ﴾ أيْ: يَدْخُلَ ويَجُوزَ ﴿الجَمَلُ﴾ عَلى كِبَرِهِ ﴿فِي سَمِّ﴾ أيْ: في خَرْقِ ﴿الخِياطِ﴾ أيْ: (p-٤٠٠)الإبْرَةِ أيْ: حَتّى يَكُونَ ما لا يَكُونُ، إذًا فَهو تَعْلِيقٌ عَلى مُحالٍ، فَإنَّ الجَمَلَ مَثَلٌ في عِظَمِ الجِرْمِ عِنْدَ العَرَبِ، وسَمُّ الإبْرَةِ مَثَلٌ في ضِيقِ المَسْلَكِ، يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْقِ الإبْرَةِ، ومِنهُ الماهِرُ الخِرِّيتُ لِلدَّلِيلِ الَّذِي يَهْتَدِي في المَضايِقِ المُشَبَّهَةِ بِأخْراقِ الإبَرِ. وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ: زَوْجُ النّاقَةِ - اسْتِجْهالًا لِلسّائِلِ وإشارَةً إلى طَلَبِ مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ هَذا الظّاهِرِ تَكَلُّفٌ.

ولَمّا كانَ هَذا لِلْمُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ - أخْبَرَ أنَّهُ لِمُطْلَقِ القاطِعِينَ أيْضًا فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ بِهَذا العَذابِ وهو أنَّ دُخُولَهم الجَنَّةَ مُحالٌ عادَةً ﴿نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: القاطِعِينَ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ وإنْ كانُوا أذْنابًا مُقَلِّدِينَ لِلْمُسْتَكْبِرِينَ المُكَذِّبِينَ؛

7:41Page 155

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١

They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.

ثُمَّ فَسَّرَ جَزاءَ الكُلِّ فَقالَ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ أيْ: فَرْشٌ مِن تَحْتِهِمْ، جَمْعُ مِهْدٍ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ لِأنَّ المِهادَ كالصَّرِيخِ فِيهِ ﴿ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ أيْ: أغْطِيَةٌ - جَمْعُ غاشِيَةٍ - تُغْشِيهِمْ مِن جَهَنَّمَ. وصَرَّحَ في هَذا بِالفَوْقِيَّةِ لِأنَّ الغاشِيَةَ رُبَّما كانَتْ عَنْ يَمِينٍ أوْ شِمالٍ، أوْ كانَتْ بِمَعْنى مُجَرَّدِ الوُصُولِ والإدْراكِ، ولَعَلَّهُ إنَّما حَذَفَ الأوَّلَ لِأنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ، فَذَكَرَ جَهَنَّمَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى إرادَتِها ثانِيًا، وذَكَرَ الفَوْقَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى إرادَةِ التَّحْتِ أوَّلًا. (p-٤٠١)ولَمّا كانَ بَعْضُهم رُبَّما لا تَكُونُ لَهُ أهْلِيَّةُ قَطْعٍ ولا وصْلٍ، قالَ عامًّا لِجَمِيعِ أنْواعِ الضَّلالِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ لِيُعْرَفَ أنَّ المَدارَ عَلى الوَصْفِ، والمُجْرِمُ: المُذْنِبُ ومادَّتُهُ تَرْجِعُ إلى القَطْعِ، والظّالِمُ: الواضِعُ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَفِعْلِ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِتَغايُرِ الأوْصافِ عَلى تَلازُمِها، فَمَن كانَ ظالِمًا لَزِمَهُ الإجْرامُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِكْبارُ وبِالعَكْسِ.

7:42Page 155

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢

But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ أحْوالِهِمْ تَرْهِيبًا، أتْبَعَهُ الإخْبارَ عَنْ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ تَرْغِيبًا فَقالَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مُقابَلَةِ ”الَّذِينَ كَذَّبُوا“ .

ولَمّا قالَ: ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ في مُقابَلَةِ ”الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا“ ﴿الصّالِحاتِ﴾ وكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةٌ لِتَوَهُّمِ أنَّ عَمَلَ جَمِيعِ الصّالِحاتِ - لِأنَّهُ جَمْعٌ مُحَلًّى بِالألِفِ واللّامِ - شَرْطٌ في دُخُولِ الجَنَّةِ. خَلَّلَ ذَلِكَ بِجُمْلَةٍ اعْتِراضِيَّةٍ تَدُلُّ عَلى التَّخْفِيفِ فَقالَ: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ وتَرْغِيبًا في اكْتِسابِ ما لا يُوصَفُ مِنَ النَّعِيمِ بِما هو في الوُسْعِ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ولَمّا كانَتْ الصُّحْبَةُ تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾

7:43Page 155

وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣

And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."

(p-٤٠٢)ولَمّا كانَتْ الدّارُ لا تَطِيبُ إلّا بِحُسْنِ الجِوارِ قالَ: ﴿ونَـزَعْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُعْجِزُها شَيْءٌ ﴿ما﴾ كانَ في الدُّنْيا ﴿فِي صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ أيْ: ضَغِينَةٍ وحِقْدٍ وغِشٍّ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ يُغِلُّ، أيْ: يَدْخُلُ بِلُطْفٍ إلى صَمِيمِ القَلْبِ، ومِنَ الغُلُولِ، وهو الوُصُولُ بِالحِيلَةِ إلى الذُّنُوبِ الدَّقِيقَةِ، ويُقالُ: غَلَّ في الشَّيْءِ وتَغَلْغَلَ فِيهِ - إذا دَخَلَ فِيهِ بِلَطافَةٍ كالحُبِّ يَدْخُلُ في صَمِيمِ الفُؤادِ، حَتّى إنَّ صاحِبَ الدَّرَجَةِ [السّافِلَةِ لا يَحْسُدُ صاحِبَ] العالِيَةِ.

ولَمّا كانَ حُسْنُ الجِوارِ لا يُلَذُّ إلّا بِطِيبِ القَرارِ بِإحْكامِ الدّارِ، وكانَ الماءُ سَبَبَ العِمارَةِ وطِيبِ المَنازِلِ، وكانَ الجارِي مِنهُ أعَمَّ نَفْعًا وأشَدَّ اسْتِجْلابًا لِلسُّرُورِ قالَ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن﴾ وأشارَ إلى عُلُوِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ فَلَمّا تَمَّتْ لَهم النِّعْمَةُ بِالماءِ الَّذِي بِهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ فَعُرِفَ أنَّهُ يَكُونُ عَنْهُ الرِّياضُ والأشْجارُ وكُلُّ ما بِهِ حُسْنُ الدّارِ - أخْبَرَ عَنْ تَعاطِيهِمْ الشُّكْرَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ المُسْتَجْلِبِ لِلزِّيادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ﴾ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً لِذاتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ. ثُمَّ وصَفُوهُ بِما يَقْتَضِي ذَلِكَ لَهُ لِأوْصافِهِ أيْضًا، فَقالُوا مُعَلِّمِينَ أنَّهُ لا سَبَبَ لَهم في الوُصُولِ إلى النَّعِيمِ غَيْرُ فَضْلِهِ في الأُولى (p-٤٠٣)والأُخْرى: ﴿الَّذِي هَدانا﴾ أيْ: بِالبَيانِ والتَّوْفِيقِ، وأوْقَعُوا الهِدايَةَ عَلى ما وصَلُوا إلَيْهِ إطْلاقًا لِلْمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ ﴿لِهَذا﴾ أيْ: لِلْعَمَلِ الَّذِي أوْصَلَنا إلَيْهِ ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنّا ما ﴿كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ أصْلًا لِبِناءِ جِبِلّاتِنا عَلى خِلافِ ذَلِكَ ﴿لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُوَضِّحَةٌ لِما قَبْلَها، والقِراءَتانِ دامِغَتانِ لِلْقَدَرِيَّةِ.

ولَمّا كانَ تَصْدِيقُهم لِلرُّسُلِ في الدُّنْيا إيمانًا بِالغَيْبِ مِن بابِ عِلْمِ اليَقِينِ، أُخْبِرُوا في الآخِرَةِ بِما وصَلُوا إلَيْهِ مِن عَيْنِ اليَقِينِ سُرُورًا وُتَبَجُّجًا لا تَعَبُّدًا، وثَناءً عَلى الرُّسُلِ ومَن أرْسَلَهم بِقَوْلِهِمْ - مُفْتَتِحِينَ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِأنَّهُ مَحَلُّهُ -: ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْنا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: الثّابِتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ الَّذِي لا زَوالَ لَهُ.

ولَمّا غَبَطُوا أنْفُسَهم وحَقَّرُوها وأثْبَتُوا الفَضْلَ لِأهْلِهِ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِمْ قَوْلَهُ مانًّا عَلَيْهِمْ بِقَبُولِ أعْمالِهِمْ، ولَمّا كانَ السّارُّ الإخْبارَ عَنِ الإيراثِ لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ونُودُوا﴾ أيْ: إتْمامًا لِنَعِيمِهِمْ ﴿أنْ﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ أوْ هي المُفَسِّرَةُ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ العالِيَةُ ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ أيْ: صارَتْ إلَيْكم مِن غَيْرِ تَعَبٍ ولا مُنازِعٍ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - جَعَلَهُ سَبَبًا (p-٤٠٤)ظاهِرِيًّا بِكَرَمِهِ، والسَّبَبُ الحَقِيقِيُّ هو ما ذَكَرُوهُ هم مِن تَوْفِيقِهِ.

7:44Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers

ولَمّا اسْتَقَرَّتْ بِهِمْ الدّارُ، ونُودُوا بِدَوامِ الِاسْتِقْرارِ، أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهم أقْبَلُوا مُتَبَجِّحِينَ عَلى أهْلِ النّارِ شامِتِينَ بِهِمْ في إحْلالِهِمْ دارَ البَوارِ تَلْذِيذًا لِأنْفُسِهِمْ بِالنَّعِيمِ وتَكْدِيرًا عَلى الأشْقِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: بَعْدَ دُخُولِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى دارِهِ ﴿أصْحابَ النّارِ﴾ يُخْبِرُونَهم بِما أسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، ويُقَرِّرُونَهم بِما كانُوا يَتَوَعَّدُونَهم بِهِ مِن حُلُولِ النِّقَمِ. ثُمَّ فَسَّرَ ما وقَعَ لَهُ النِّداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ﴾ أوْ هي مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وذَكَرَ حَرْفَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّهُ فَقالَ: ﴿قَدْ وجَدْنا﴾ أيْ: بِالعِيانِ كَما كُنّا واجِدِينَ لَهُ بِالإيمانِ ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْنا في الدّارَيْنِ مِنَ الثَّوابِ ﴿حَقًّا﴾ أيْ: وجَدْنا جَمِيعَ ما وعَدَنا رَبُّنا لَنا ولِغَيْرِنا حَقًّا كَما كُنّا نَعْتَقِدُ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ﴾ أيْ: كَذَلِكَ ﴿ما وعَدَ﴾ وأثْبَتَ المَفْعُولَ الأوَّلَ تَلْذِيذًا، وحَذَفَهُ هُنا احْتِقارًا لِلْمُخاطَبِينَ، ولِيَشْمَلَ ما لِلْفَرِيقَيْنِ فَيَكُونُ وجَدَ بِمَعْنى العِلْمِ وبِمَعْنى اللَّقْيِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالوَعْدِ دُونَ الوَعِيدِ مَعَ ذَلِكَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيْ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكم فَقابَلْتُمْ إحْسانَهُ بِالكُفْرانِ مِنَ العِقابِ ﴿حَقًّا﴾ لِكَوْنِكم وجَدْتُمْ ما تَوَعَّدَكم بِهِ رَبُّكم حَقًّا ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ أيْ: قَدْ وجَدْنا ذَلِكَ (p-٤٠٥)كُلَّهُ حَقًّا. قالَ سِيبَوَيْهِ: نَعَمْ عِدَةٌ، أيْ: في جَوابِ: أتُعْطِينِي كَذا، وتَصْدِيقٌ في مِثْلِ قَدْ كانَ كَذا، [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ المَفْعُولَ الثّانِيَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ ثانِيًا، وحَذَفَهُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى إثْباتِ مِثْلِهِ أوَّلًا، واللَّهُ أعْلَمُ] .

ولَمّا حُبُوا مِنَ النِّعَمِ بِما تَقَدَّمَ، وكانَ مِنهُ الجارُ الحَسَنُ، وكانَ العَيْشُ مَعَ ذَلِكَ لا يَهْنَأُ إلّا بِإبْعادِ جارِ السُّوءِ - أُخْبِرُوا بِبُعْدِهِ وزِيدُوا سُرُورًا بِإهانَتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذَّنَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما أقَرَّ بِهِ أهْلُ النّارِ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴿مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ ﴿أنْ﴾ مُخَفَّفَهٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ في قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، وشَدَّدَها الباقُونَ ونَصَبُوا ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرْدُ المَلِكِ الأعْظَمِ وإبْعادُهُ عَلى وجْهِ الغَضَبِ ﴿عَلى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ كانُوا مَعَ البَيانِ الواضِحِ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها كَحالِ مَن لَمْ يَرَ نُورًا أصْلًا

7:45Page 156

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥

Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ: لَهم فِعْلُ الصَّدِّ لِمَن أرادَ الإيمانَ ولِمَن آمَنَ ولِغَيْرِهِما بِالإضْلالِ بِالإرْغابِ والإرْهابِ والمَكْرِ والخِداعِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ دِينِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ الواضِحِ الواسِعِ ﴿ويَبْغُونَها﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ لَها ﴿عِوَجًا﴾ بِإلْقاءِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ أيْ: ساتِرُونَ ما ظَهَرَ لِعُقُولِهِمْ مِن دَلائِلِها؛ فَمَتى وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الأرْبَعُ حَقَّتْ اللَّعْنَةُ

7:46Page 156

وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦

And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.

﴿وبَيْنَهُما﴾ أيْ: وحالُ الفَرِيقَيْنِ عِنْدَ هَذِهِ المُناداةِ أنَّهُ بَيْنَهُما أوْ بَيْنَ الدّارِينَ ﴿حِجابٌ﴾ أيْ: سُورٌ لِئَلّا يَجِدَ أهْلُ (p-٤٠٦)النَّعِيمِ في دارِهِمْ ما يُكَدِّرُ نَعِيمَها ﴿وعَلى الأعْرافِ﴾ جَمْعُ عُرْفٍ وهو كُلُّ عالٍ مُرْتَفِعٍ لِأنَّهُ يَكُونُ أعْرَفَ مِمّا انْخَفَضَ، وهي المُشْرِفاتُ مِن ذَلِكَ الحِجابِ ﴿رِجالٌ﴾ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم فَوُفِقُوا هُنالِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِمْ ثُمَّ يُدْخِلُهم الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ كَما جاءَ مُفَسَّرًا في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿يَعْرِفُونَ كُلا﴾ أيْ: مِن أصْحابِ الجَنَّةِ وأصْحابِ النّارِ قَبْلَ دُخُولِ كُلٍّ مِنهم دارَهُ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: عَلامَتِهِمْ ﴿ونادَوْا﴾ أيْ: أصْحابُ الأعْرافِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ أيْ: بَعْدَ دُخُولِهِمْ إلَيْها واسْتِقْرارِهِمْ فِيها ﴿أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: سَلامَةٌ وأمْنٌ مِن كُلِّ ضارٍّ.

ولَمّا كانَ هَذا السَّلامُ رُبَّما أشْعَرَ أنَّهُ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِ الأعْرافِ الجَنَّةَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أكانَ نِداؤُهم بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ الأعْرافَ ودُخُولِها؟ فَقِيلَ لا،

﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ أيْ: الجَنَّةَ بَعْدُ ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿يَطْمَعُونَ﴾ في دُخُولِها، وعَبَّرَ بِالطَّمَعِ لِأنَّهُ لا سَبَبَ لِلْعِبادِ إلى اللَّهِ مِن أنْفُسِهِمْ وإنْ كانَتْ لَهم أعْمالٌ فَضْلًا عَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا أعْمالَ لَهم.

7:47Page 156

۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."

ولَمّا دَلَّ ما تَقَدَّمَ عَلى أنَّهم مُقْبِلُونَ عَلى الجَنَّةِ وأهْلِها، قالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿وإذا صُرِفَتْ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُخِيفَ لَهم الصَّرْفُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿أبْصارُهُمْ﴾ أيْ: صَرَفَها صارِفٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِغَيْرِ اخْتِيارٍ مِنهم ﴿تِلْقاءَ﴾ أيْ: وِجاهَ ﴿أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: بَعْدَ اسْتِقْرارِهِمْ فِيها فَرَأوْا ما فِيها مِنَ العَذابِ ﴿قالُوا﴾ أيْ: أصْحابُ الأعْرافِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَدْخُلُوها (p-٤٠٧)وهم يَخافُونَ مُسْتَعِيذِينَ مِنها ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا في الدُّنْيا بِكُلِّ إحْسانٍ وفي الآخِرَةِ بِكَوْنِكَ لَمْ تُدْخِلْنا إلى هَذا الوَقْتِ إلى النّارِ ﴿لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بِأنْ تُدْخِلَنا مُدْخَلَهم.

7:48Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨

And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."

ولَمّا تَقَدَّمَ كَلامُهم لِأهْلِ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ - أخْبَرَ أنَّهم يُكَلِّمُونَ أهْلَ النّارِ بِالتَّوْبِيخِ والمَلامِ، فَقالَ: ﴿ونادى﴾ وأظْهَرَ الفاعِلَ لِئَلّا يُلْبَسَ بِأهْلِ الجَنَّةِ، فَقالَ ﴿أصْحابُ الأعْرافِ﴾ أيْ: الحالُ صَرْفُ وُجُوهِهِمْ إلى جِهَةِ أهْلِ النّارِ ﴿رِجالا﴾ أيْ: مِن أهْلِ النّارِ ﴿يَعْرِفُونَهُمْ﴾ أيْ: بِأعْيانِهِمْ، وأمّا مَعْرِفَتُهم إجْمالًا فَتَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هُنا: ﴿بِسِيماهُمْ﴾ لِأنَّ النّارَ قَدْ أكَلَتْهم وغَيَّرَتْ مَعالِمَهم مَعَ تَغَيُّرِهِمْ بِالسِّمَنِ وسَوادِ الوُجُوهِ وعِظَمِ الجُثَثِ ونَحْوِهِ ﴿قالُوا﴾ نَفْيًا أوْ اسْتِفْهامًا تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ أيْ: لِلْمالِ والرِّجالِ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: تُجَدِّدُونَ بِهِما هَذِهِ الصِّفَةَ وتُوجِدُونَها دائِمًا في الدُّنْيا زاعِمِينَ أنَّهُ لا غالِبَ لَكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском