Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:49–57
7:49Page 156
أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩
[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."
ثُمَّ زادُوا في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ وتَحْزِينِهِمْ وتَأْسِيفِهِمْ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ مُشِيرِينَ إلى ناسٍ كانُوا يَسْتَضْعِفُونَهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ ويُحَقِّرُونَهم: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ وكَأنَّهُ يَكْشِفُ لَهم عَنْهم حَتّى يَرَوْهم زِيادَةً في عَذابِهِمْ ﴿الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿لا يَنالُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ فَكَيْفَ بِكَمالِ الرَّحْمَةِ.
ولَمّا كانَ التَّصْرِيحُ بِأمْرِهِمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ إنْكاءً لِأهْلِ النّارِ لِأنَّهُ أنْفى (p-٤٠٨)لِما أقْسَمُوا عَلَيْهِ، قالُوا: ﴿ادْخُلُوا﴾ أيْ: قالَ اللَّهُ لَهم أوْ قائِلٌ مِن قِبَلِهِ: ادْخُلُوا ﴿الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِن شَيْءٍ يُمْكِنُ تَوَقُّعُ أذاهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَكم حُزْنٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ عَلى شَيْءٍ فاتَ لِما عِنْدَكم مِنَ الخَيْراتِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ.
7:50Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠
And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers
ولَمّا تَقَدَّمَ نِداءُ أصْحابِ الجَنَّةِ عِنْدَما حَصَلَ لَهم السُّرُورُ بِدُخُولِها لِأصْحابِ النّارِ بِما يُؤْلِمُ ويُنْكِي، وخَتَمَ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُطْمِعُ المَحْرُومَ فِيما يَسُرُّ ويُزْكِي -أخْبَرَ أنَّ أصْحابَ النّارِ يُنادُونَ أصْحابَ الجَنَّةِ عِنْدَما حَصَلَ لَهم مِنَ الغَمِّ بِدُخُولِها، لَكِنْ بِما شَأْنُهُ أنْ يُرَقِّقَ ويُبْكِيَ، فَقالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم كُلُّ ما نُفِيَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ في خِتامِ الآيَةِ السّالِفَةِ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ: بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ بَعْدَ أنْ عَرَّفَهم إيّاهم وأمَرَ الجَنَّةَ فَتَزَخْرَفَتْ فَكانَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِهِمْ. ثُمَّ فَسَّرَ المُنادى بِهِ فَقالَ: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ أيْ: لِأنَّكم أعْلى مِنّا، فَإذا أفَضْتُمُوهُ وصَلَ إلَيْنا، وهَذا مِن فَرْطِ ما هم فِيهِ مِنَ البَلاءِ، فَإنَّ بَيْنَ النّارِ والجَنَّةِ أهْوِيَةٌ لا قَرارَ لَها ولا يُمْكِنُ وُصُولُ شَيْءٍ مِنَ الدّارَيْنِ إلى الأُخْرى مَعَها.
ولَمّا كانَتْ الإفاضَةُ تَتَضَمَّنُ الإنْزالَ قالُوا: ﴿أوْ﴾ أيْ: أوْ أنْزِلُوا عَلَيْنا ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ، مِن أيِّ شَيْءٍ هانَ عَلَيْكم إنْزالُهُ ﴿قالُوا﴾ أيْ: أصْحابُ الجَنَّةِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي حازَ (p-٤٠٩)جَمِيعَ العَظَمَةِ ﴿حَرَّمَهُما﴾ أيْ: مَنَعَهُما بِتِلْكَ الأهْوِيَةِ وغَيْرِها مِنَ المَوانِعِ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: السّاتِرِينَ لِما دَلَّهم عَلَيْهِ قَوِيمُ العَقْلِ وصَرِيحُ النَّقْلِ
7:51Page 156
ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١
Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ أيْ: تَكَلَّفُوا غَيْرَ ما دَلَّهم عَلَيْهِ العَقْلُ الفِطْرِيُّ حِينَ نَبَّهَ بِالعَقْلِ الشَّرْعِيِّ بِأنْ أخَذُوا ﴿دِينَهُمْ﴾ بَعْدَ ما مَحَقُوا صُورَتَهُ وحَقِيقَتَهُ كَما يُمْحَقُ الطِّينُ إذا اتَّخَذْتَهُ خَزَفًا فَصارَ الدِّينُ ﴿لَهْوًا﴾ أيْ: اشْتِغالًا بِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُغْفِلَ ويُنْسِيَ عَنْ كُلِّ ما يَنْفَعُ مِنَ الأُمُورِ المُعْجِبَةِ لِلنَّفْسِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ في عاقِبَةٍ، فَجُوزُوا مِن جِنْسِ عَمَلِهِمْ بِأنْ لَمْ يُنْظَرْ لَهم في إصْلاحِ العاقِبَةِ.
ولَمّا قَدَّمَ ما هو أدْعى إلى الِاجْتِماعِ عَلى الباطِلِ الَّذِي هو ضِدُّ مَقْصُودِ السُّورَةِ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى الجِدِّ وأدْعى إلى الغَفْلَةِ، وكانَ مِن شَأْنِ الغَفْلَةِ عَنِ الخَيْرِ أنْ تَجُرَّ إلى اسْتِجْلابِ الأفْراحِ والِانْهِماكِ في الهَوى - حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَعِبًا﴾ أيْ: إقْبالًا عَلى ما يَجْلِبُ السُّرُورَ ويَقْطَعُ الوَقْتَ الحاضِرَ بِالغُرُورِ؛ ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وغَرَّتْهُمُ﴾ أيْ: في فِعْلِ ذَلِكَ ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِما فِيها مِنَ الأعْراضِ الزّائِلَةِ مِن تَأْمِيلِ طُولِ العُمْرِ والبَسْطِ في الرِّزْقِ ورَغَدِ العَيْشِ حَتّى صارُوا بِذَلِكَ مَحْجُوبِينَ عَنْ نَظَرِ مَعانِيها وعَمّا دَعا إلَيْهِ تَعالى مِنَ الإعْراضِ عَنْها فَلَمْ يَحْسِبُوا حِسابَ ما وراءَها. ولَمّا كانَ تَرْكُهم مِن رَحْمَتِهِ - سُبْحانَهُ - مُؤَبَّدًا، أسْقَطَ الجارَّ ﴿فاليَوْمَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّ في هَذا اليَوْمِ ﴿نَنْساهُمْ﴾ (p-٤١٠)أيْ: نَتْرُكُهم تَرْكَ المَنسِيِّ ﴿كَما﴾ فَعَلُوا هم بِأنْفُسِهِمْ بِأنْ ﴿نَسُوا﴾ أيْ: تَرَكُوا ﴿لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ فَلَمْ يُعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ ﴿وما﴾ أيْ: وكَما ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِنِسْبَتِها إلَيْنا ﴿يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: يُنْكِرُونَ وهم يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَها لِأنَّها في غايَةِ الظُّهُورِ.
7:52Page 157
وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.
ولَمّا ذَكَرَ نِسْيانَهم وجُحُودَهم ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ والحالُ أنّا - وعِزَّتِنا - قَدْ ﴿جِئْناهُمْ﴾ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا بِإتْيانِ رَسُولِنا إلَيْهِمْ عَنّا ﴿بِكِتابٍ﴾ لَيْسَ هو مَوْضِعًا لِلْجَحْدِ أصْلًا. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ في سِياقٍ مُرَغِّبٍ لِلْمُؤالِفِ مُرَهِّبٍ لِلْمُخالِفِ فَقالَ: ﴿فَصَّلْناهُ﴾ أيْ: بَيَّنّا مَعانِيَهُ لَمْ نَدَعْ فِيها لَبْسًا، وجَعَلْنا لِآياتِهِ فَواصِلَ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ، فَجاءَ مُعْجِزًا في نَظْمِهِ ومَعْناهُ وسائِرِ عِلْمِهِ ومَغْزاهُ، وحالَ كَوْنِهِ ﴿هُدًى﴾ أيْ: بَيانًا ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ: إكْرامًا، ثُمَّ خَصَّ المُنْتَفِعِينَ بِهِ لِأنَّ مَن لا يَنْتَفِعُ بِالشَّيْءِ فَهو كالمَعْدُومِ في حَقِّهِ فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: فِيهِمْ قابِلِيَّةُ ذَلِكَ، وفِيهِ رُجُوعٌ إلى وصْفِ الكِتابِ [الَّذِي هو أحَدُ مَقاصِدِ السُّورَةِ عَلى أبْدَعِ وجْهٍ في أحْسَنِ أُسْلُوبٍ.
7:53Page 157
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣
Do they await except its result?1 The Day its result comes, those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than what we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.
ولَمّا وصَفَ الكِتابَ] وذَكَرَ المُنْتَفِعَ بِهِ، تَشَوَّفَتْ النَّفْسُ إلى السُّؤالِ عَنْ حالِ مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ وهم الجاحِدُونَ - فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ حالَهم في وُقُوفِهِمْ عَنِ المُتابَعَةِ بَعْدَ العِلْمِ بِصِدْقِهِ بِعَجْزِهِمْ عَنْهُ كَحالِ مَن (p-٤١١)يَنْتَظِرُ أنْ يَأْتِيَ مَضْمُونُ وعِيدِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ، ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم قَصْدٌ في ذَلِكَ بِغَيْرِ ما يُفْهِمُهُ الحالُ - جَرَّدَ الفِعْلَ ولِإفادَةِ أنَّهُ بِتَحْقِيقِ إتْيانِهِ في غايَةِ القُرْبِ حَتّى كَأنَّهُ مُشاهَدٌ لَهم ﴿إلا تَأْوِيلَهُ﴾ أيْ: تَصْيِيرَ ما فِيهِ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ إلى مَقارِّهِ وعَواقِبِ أمْرِهِ الَّتِي أخْبَرَ أنَّهُ يَصِيرُ إلَيْها.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ قالَ: التَّحَسُّرُ والإذْعانُ حَيْثُ لا يَنْفَعُ، والتَّصْدِيقُ والإيمانُ حِينَ لا يُقْبَلُ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أيْ: بُلُوغُ وعِيدِهِ إلى مَبْلَغِهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ولَمّا قَدَّمَ اليَوْمَ اهْتِمامًا بِهِ أتْبَعَهُ العامِلَ فِيهِ فَقالَ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ أيْ: تَرَكُوهُ تَرْكَ المَنسِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَّ ذَلِكَ نِسْيانًا لِأنَّهُ رَكَزَ في الطِّباعِ أنَّ كُلَّ مَلِكٍ لا بُدَّ لَهُ مَن عَرْضِ جُنْدِهِ ومُحاسَبَتِهِمْ، فَلَمّا أعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ فِيما هو مِن جانِبِ اللَّهِ عَدَّهُ نِسْيانًا مِنهم لِما رَكَزَ في طِباعِهِمْ.
ولَمّا كانَ نِسْيانُهم في بَعْضِ الزَّمانِ السّابِقِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلِ كَشْفِ الغِطاءِ مُحَقِّقِينَ لِلتَّصْدِيقِ ﴿قَدْ جاءَتْ﴾ أيْ: فِيما سَبَقَ مِنَ الدُّنْيا ﴿رُسُلُ رَبِّنا﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْنا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: المُطابِقِ لِهَذا الواقِعِ الَّذِي نَراهُ مِمّا كانُوا يَتَوَعَّدُونَنا بِهِ، فَما صَدَقُوا حَتّى رَأوْا (p-٤١٢)فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالغَيْبِ ولا أوْقَعُوا الإيمانَ في دارِ العَمَلِ فَلِذا لَمْ يَنْفَعْهم.
ولَمّا وصَفُوهُ - سُبْحانَهُ - بِالإحْسانِ لِما كَشَفَ الحالُ عَنْهُ مِن حِلْمِهِ وطُولِ أناتِهِ، سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهم: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ أيْ: في هَذا اليَوْمِ، وكَأنَّهم جَمَعُوا الشُّفَعاءَ لِدُخُولِهِمْ في جُمْلَةِ النّاسِ في الشَّفاعَةِ العُظْمى لِفَصْلِ القَضاءِ. ثُمَّ سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِهِمْ لَهم أيْ: بِالخُصُوصِ فَقالُوا ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ أيْ: سَواءٌ كانُوا مِن شُرَكائِنا الَّذِينَ كُنّا نَتَوَهَّمُ فِيهِمْ النَّفْعَ أوْ مِن غَيْرِهِمْ لِيَغْفِرَ لَنا ما قَدَّمْنا مِنَ الجَرائِمِ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَغْفِرْ لَنا إلى الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ العَمَلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا سَبِيلَ لَنا إلى الخَلاصِ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ. ثُمَّ سَبَّبُوا عَنْ جَوابِ هَذا الِاسْتِفْهامِ الثّانِي قَوْلَهم: ﴿فَنَعْمَلَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا﴾ أيْ: بِجِبِلّاتِنا مِن غَيْرِ نَظَرٍ عَقْلِيٍّ ﴿نَعْمَلُ﴾
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ عِنْدَ مَن صَدَّقَ القُرْآنَ وعَلِمَ مَواقِعَ ما فِيهِ مِنَ الأخْبارِ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ - كانَتْ نَتِيجَتُهُ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: فَلا أحَدَ أخْسَرُ مِنهم ﴿وضَلَّ﴾ أيْ: غابَ وبَطَلَ ﴿عَنْهم ما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا، لا يُمْكِنُهم الرُّجُوعُ عَنْهُ إلّا عِنْدَ رُؤْيَةِ البَأْسِ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ في الدُّنْيا مِنَ الكَذِبِ (p-٤١٣)فِي أمْرِهِ لِقَصْدِ العِنادِ لِلرُّسُلِ مِن ادِّعاءِ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم ومِن غَيْرِ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِهِمْ.
7:54Page 157
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤
Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allāh, Lord of the worlds.
ولَمّا كانَ مَدارُ القُرْآنِ عَلى تَقْرِيرِ الأُصُولِ الأرْبَعِ: التَّوْحِيدُ والنُّبُوَّةُ والمَعادُ والعِلْمُ، وطالَ الكَلامُ في إخْبارِهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأفْعالِهِ بِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ الدّالَّةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ والعِلْمِ، وخَتَمَ بِأنَّ شُرَكاءَهم تُغْنِي عَنْهم - عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ الرَّبُّ لا غَيْرُهُ، في سِياقٍ دالٍّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي أعْظَمُ مَقاصِدِ السُّورَةِ، كَفِيلٌ بِإظْهارِ الحُجَجِ عَلَيْها، وعَلى المَقْصِدِ الثّانِي - وهو الإعادَةُ الَّتِي فَرَغَ مِن تَقْرِيرِ أحْوالِها بِالإبْداءِ الَّذِي تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّهُ أشَدُّ مِنَ الإعادَةِ - بِأدِلَّةٍ مُتَكَلَّفَةٍ بِتَمامِ القُدْرَةِ والعِلْمِ، فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكم بِالإيجادِ مِنَ العَدَمِ وتَدْبِيرِ المَصالِحِ هو ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ وحْدَهُ لا صَنَمَ ولا غَيْرَهُ. ثُمَّ وصَفَهُ بِما حَقَّقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ: عَلى اتِّساعِهِما وعَظَمَتِهِما.
ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ الكُفّارُ: ما لَهُ إذا كانَ قادِرًا وأنْتَ مُحِقٌّ في رِسالَتِكَ لا يُعَجِّلُ لَنا الإتْيانَ بِتَأْوِيلِهِ - بَيَّنَ أنَّ عادَتَهُ الأناةُ وإنْ كانَ أمْرُهُ وأخْذُهُ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ إذا أرادَهُ، فَقالَ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في مِقْدارِها. ولَمّا كانَ تَدْبِيرُ هَذا الخَلْقِ أمْرًا باهِرًا لا تَسَعُهُ العُقُولُ، ولِهَذا كانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ: كَيْفَ يَسَعُ الخَلْقَ إلَهٌ واحِدٌ! أشارَ إلى (p-٤١٤)عَظَمَتِهِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ بِأداةِ البُعْدِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ أيْ: أخَذَ في التَّدْبِيرِ لِما أوْجَدَهُ وأحْدَثَ خَلْقَهُ أخْذًا مُسْتَوْفًى مُسْتَقْصًى مُسْتَقِلًّا بِهِ لِأنَّ هَذا شَأْنُ مَن يَمْلِكُ مُلْكًا ويَأْخُذُ في تَدْبِيرِهِ وإظْهارِ أنَّهُ لا مُنازِعَ لَهُ في شَيْءٍ مِنهُ ولِيَكُونَ خِطابُ النّاسِ عَلى ما ألِفُوهُ مِن مُلُوكِهِمْ لِتَسْتَقِرَّ في عُقُولِهِمْ عَظَمَتُهُ - سُبْحانَهُ - ورَكَزَ في فِطَرِهِمْ الأُولى مِن نَفْيِ التَّشْبِيهِ مِنهُ، ويُقالُ: فُلانٌ جَلَسَ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ سَرِيرٌ ولا جُلُوسٌ، وكَما يُقالُ في ضِدِّ ذَلِكَ: فُلانٌ ثُلَّ عَرْشُهُ، أيْ: ذَهَبَ عِزُّهُ وانْتَقَضَ مُلْكُهُ وفَسَدَ أمْرُهُ، فَيَكُونُ هَذا كِنايَةً لا يُلْتَفَتُ فِيهِ إلى إجْراءِ التَّرْكِيبِ، والألْفاظِ عَلى ظَواهِرِها كَقَوْلِهِمْ لِلطَّوِيلِ: طَوِيلُ النِّجادِ، ولِلْكَرِيمِ: عَظِيمُ الرَّمادِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ - ابْتَدَأ مِنَ التَّدْبِيرِ بِما هو آيَةُ ذَلِكَ بِمُشاهَدَتِهِ في تَغْطِيَةِ الأرْضِ بِظَلامِهِ في آنٍ واحِدٍ، فَقالَ دالًّا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُرادِ بِالِاسْتِواءِ بِأمْرٍ يُشاهَدُ كُلَّ يَوْمٍ عَلى كَثْرَةِ مَنافِعِهِ الَّتِي جَعَلَ - سُبْحانَهُ - بِها انْتِظامٌ هَذا الوُجُودِ: ﴿يُغْشِي﴾ أيْ: اسْتَوى حالُ كَوْنِهِ يُغْشِي ﴿اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: يَغْشى اللَّيْلُ - بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الغَيْنِ وفَتْحِ الشِّينِ وضَمِّ اللّامِ، كَذا قالَ عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ، وقالَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ عَنْ حُمَيْدٍ بِنَصْبِ اللَّيْلِ ورَفْعِ (p-٤١٥)النَّهارِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأبُو الفَتْحِ أثْبَتُ، وهَذا الَّذِي قالَهُ - مِن أنَّ أبا الفَتْحِ أثْبَتَ - كَلامٌ لا يَصِحُّ، إذْ رُتْبَةُ أبِي عَمْرٍو الدّانِيُّ في القِراءَةِ ومَعْرِفَتِها وضَبْطِ رِواياتِها واخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ بِالمَكانِ الَّذِي لا يُدانِيهِ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ القِراءَةِ فَضْلًا عَنِ النُّحاةِ الَّذِينَ لَيْسُوا مُقْرِئِينَ ولا رَوَوْا القِراءَةَ عَنْ أحَدٍ ولا رَوى عَنْهم القِراءَةَ أحَدٌ، هَذا مَعَ الدِّيانَةِ الزّائِدَةِ والتَّثَبُّتِ في النَّقْلِ وعَدَمِ التَّجاسُرِ ووُفُورِ الحَظِّ مِنَ العَرَبِيَّةِ، فَقَدْ رَأيْتُ لَهُ كِتابًا في (كَلّا) وكِتابًا في إدْغامِ أبِي عَمْرٍو الكَبِيرِ - دَلّا عَلى اطِّلاعِهِ عَلى ما لا يَكادُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أئِمَّةُ النُّحاةِ ولا المُقْرِئِينَ إلى سائِرِ تَصانِيفِهِ، والَّذِي نَقَلَهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ أمْكَنُ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُوافِقٌ لِقِراءَةِ الجَماعَةِ إذْ ”الليّل“ في قِراءَتِهِمْ - وإنْ كانَ مَنصُوبًا - هو الفاعِلُ مِن حَيْثُ المَعْنى إذْ هَمْزَةُ النَّقْلِ أوْ التَّضْعِيفِ صَيَّرَهُ مَفْعُولًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ المَنصُوبَيْنِ تَعَدّى إلَيْهِما الفِعْلُ وأحَدُهُما فاعِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ مِنهُما كَما لَزِمَ ذَلِكَ في: مَلَّكْتُ زَيْدًا عَمْرًا، إذْ رُتْبَةُ التَّقْدِيمِ هي المُوضِحَةُ أنَّهُ الفاعِلُ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما لَزِمَ ذَلِكَ في ضَرَبَ مُوسى عِيسى. انْتَهى. (p-٤١٦)ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ اللَّيْلَ يُغَطِّي النَّهارَ، دَلَّ عَلى أنَّ النَّهارَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا لِحالِ اللَّيْلِ ﴿يَطْلُبُهُ﴾ أيْ: اللَّيْلُ يَجُرُّ ويَطْلُبُ النَّهارَ دائِمًا طَلَبًا ﴿حَثِيثًا﴾ أيْ: سَرِيعًا جِدًّا لِتَغْطِيَةِ اللَّيْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ مَطْلُوبًا إلّا بَعْدَ وُجُودِهِ، وإذا وُجِدَ النَّهارُ كانَ مُغَطِّيًا لِلَّيْلِ، لِأنَّهُما ضِدّانِ، وُجُودُ أحَدِهِما ماحٍ لِوُجُودِ الآخَرِ، وابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِذِكْرِ اللَّيْلِ لِأنَّ إغْشاءَهُ أوَّلُ كائِنٍ بَعْدَ تَكَمُّلِ الخَلْقَ، وحَرَكَتُهُما بِواسِطَةِ حَرَكَةِ العَرْشِ، ولِذا رَبَطَهُما بِهِ، وهي أشَدُّ الحَرَكاتِ سُرْعَةً وأكْمَلُها شِدَّةً، ولِلشَّمْسِ نَوْعانِ مِنَ الحَرَكَةِ: أحَدُهُما بِحَسَبِ ذاتِها تَتِمُّ بِقَطْعِ الدَّرَجِ كُلِّها في جَمِيعِ الفَلَكِ، وبِسَبَبِهِ تَحْصُلُ السَّنَةُ، والثّانِي بِحَسَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ تَتِمُّ في اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، واللَّيْلُ والنَّهارُ إنَّما يَحْصُلانِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ السَّماءِ الأقْصى الَّذِي يُقالُ لَهُ العَرْشُ لا بِسَبَبِ حَرَكَةِ النَّيِّرَيْنِ، وأجازَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنْ يَكُونَ ﴿يَطْلُبُهُ﴾ حالًا مِنَ النَّهارِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ وإنْ كانَ مَفْعُولًا، أيْ: حالَ كَوْنِ النَّهارِ يَطْلُبُ اللَّيْلَ حَثِيثًا لِيُغَطِّيَهُ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما مَعًا لِأنَّ كُلًّا مِنهُما طالِبٌ لِلْآخَرِ، وبِهَذا يَنْتَظِمُ ما قالَهُ في قِراءَةِ حُمَيْدٍ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ غاشِيًا لِلْآخَرِ، قالَ في كِتابِهِ: (المُحْتَسَبِ في القِراءاتِ الشَّواذِّ): ووَجْهُ صِحَّةِ القِراءَتَيْنِ (p-٤١٧)والتِقاءِ مَعْنَيَيْهِما أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ يَتَعاقَبانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما وإنْ أزالَ صاحِبَهُ فَإنَّ صاحِبَهُ أيْضًا مُزِيلٌ لَهُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما - عَلى هَذا - فاعِلٌ وإنْ كانَ مَفْعُولًا، ومَفْعُولٌ وإنْ كانَ فاعِلًا، عَلى أنَّ الظّاهِرَ في الِاسْتِحْثاثِ هُنا إنَّما هو النَّهارُ لِأنَّهُ بِسُفُورِهِ وشُرُوقِهِ أظْهَرُ أثَرًا في الِاسْتِحْثاثِ مِنَ اللَّيْلِ.
ولَمّا ذَكَرَ المَلَوَيْنِ، أتْبَعَهُما آيَةَ كُلٍّ فَقالَ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ﴾ أيْ: خَلَقَها، أوْ يَغْشى كُلُّ قَبِيلٍ مِنهُما ما الآخَرُ آيَتُهُ حالَ كَوْنِ الكُلِّ ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ أيْ: لِلسَّيْرِ وغَيْرِهِ ﴿بِأمْرِهِ﴾ وهو: إرادَتُهُ وكَلامُهُ، تَقُودُها المَلائِكَةُ كَما رُوِيَ أنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يُجْرُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ.
ولَمّا صَحَّ أنَّ جَمِيعَ ما نَراهُ مِنَ الذَّواتِ خَلْقُهُ، وما نَعْلَمُهُ مِنَ المَعانِي أمْرُهُ، - أنْتَجَ - قَطْعًا - قَوْلَهُ ﴿ألا لَهُ﴾ أيْ: وحْدِهِ، وقَدَّمَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ تَرْقِيَةً - كَما هو مُقْتَضى الحُكْمِ - مِنَ المَحْسُوسِ إلى المَعْقُولِ فَقالَ: ﴿الخَلْقُ﴾ وهو ما كانَ مِنَ الإيجادِ بِتَسْبِيبٍ وتَنْمِيَةٍ وتَطْوِيرٍ قالَ الرّازِيُّ: فَكُلُّ ما كانَ جِسْمًا أوْ جُسْمانِيًّا كانَ مَخْصُوصًا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ فَكانَ مِن عالَمِ الخَلْقِ، فَعالَمُ الخَلْقِ بِتَسْخِيرِهِ، وعالَمُ الأمْرِ بِتَدْبِيرِهِ، واسْتِيلاءِ الرُّوحانِيّاتِ عَلى الجُسْمانِيّاتِ بِتَقْدِيرِهِ ﴿والأمْرُ﴾ وهو ما كانَ مِن ذَلِكَ إخْراجًا مِنَ العَدَمِ مِن غَيْرِ تَسَبُّبٍ كالرُّوحِ، وما كانَ حِفْظًا وتَدْبِيرًا بِالكَلامِ (p-٤١٨)كالأدْيانِ وكُلِّ ما يُلاحِظُ القَيُّومِيَّةَ. وقالَ الرّازِيُّ: كُلُّ ما كانَ بَرِيئًا مِنَ الحَجْمِ والمِقْدارِ كانَ مِن عالَمِ الأمْرِ، وعَدَّ المَلائِكَةَ مِن عالَمِ الأمْرِ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا قَوْلَهُ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ الَّذِي يَنْقَطِعُ دُونَهُ الأعْناقُ ويَتَقاصَرُ دُونَ عَلْيائِهِ ذُرى الآفاقِ: ﴿تَبارَكَ﴾ أيْ: ثَبَتَ ثُبُوتًا لا ثُبُوتَ في الحَقِيقَةِ غَيْرَهُ مَعَ اليُمْنِ والبَرَكَةِ وكَثْرَةِ الآثارِ الفاضِلَةِ والنَّتائِجِ الشَّرِيفَةِ ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ.
ولَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ هَذا الثَّناءَ لِذاتِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ لِصِفاتِهِ، فَقالَ: ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مُبْدِعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ومُرَبِّيهِ خَلْقًا وتَصْرِيفًا بِأمْرِهِ، وفي الجُزْءِ السّادِسِ مِن (فَوائِدِ المُخَلِّصِ) عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: ما يَقُولُ هَذِهِ الدُّوَيْبَةِ - يَعْنِي: بِشْرًا المَرِيسِيَّ؟ قالُوا: يا أبا مُحَمَّدٍ! يَزْعُمُ أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ، فَقالَ: كَذَبَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ فالخَلْقُ خَلْقُ اللَّهِ، والأمْرُ القُرْآنُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي فَسَّرَ بِهِ مِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ بِأنْ يَكُونَ الأمْرُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ وهو الإرادَةُ والكَلامُ مَعَ احْتِمالِ ما قَدَّمَتْهُ.
7:55Page 157
ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥
Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.1
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - تَفَرُّدَهُ بِالخَلْقِ والأمْرِ المُقْتَضِي لِتَفَرُّدِهِ بِالعِبادَةِ لِلتَّوْجِيهِ إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ النَّفْسانِيَّةِ والعُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ - أمَرَ بِهَذا المُقْتَضى اللّائِقِ بِتِلْكَ المَعارِفِ، وهو الدُّعاءُ الَّذِي هو مُخُّ العِبادَةِ فَقالَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ: الدّائِمَ الإحْسانِ إلَيْكم دُعاءَ عِبادَةٍ وخُضُوعٍ ﴿تَضَرُّعًا﴾ أيْ: تَذَلُّلًا (p-٤١٩)ظاهِرًا ﴿وخُفْيَةً﴾ أيْ: وتَذَلُّلًا باطِنًا، وقَدْ أثْنى عَلى عَبْدِهِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] أيْ: اجْمَعُوا إلى خُضُوعِ الظّاهِرِ خُضُوعَ الباطِنِ، أيْ: أخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ، إنَّهُ يُحِبُّ المُخْلِصِينَ لِأنَّ تَفَرُّدَهُ بِأنْ يُدْعى هو اللّائِقُ بِمَقامِ عِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، والتَّذَلُّلُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ هو اللّائِقُ بِمَقامِ ذُلِّ العُبُودِيَّةِ، وهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ لا تَحْوِيلُ العِلْمِ الأزَلِيِّ، وهو المَقْصُودُ مِن جَمِيعِ العِباداتِ، فَإنَّ العَبْدَ لا يَدْعُو إلّا وقَدْ اسْتَحْضَرَ مِن نَفْسِهِ الذُّلَّ والضَّعْفَ والحاجَةَ، ومِن رَبِّهِ العِلْمَ والقُدْرَةَ والكِفايَةَ، وهَذا هو المَقْصُودُ مِن جَمِيعِ العِباداتِ؛ فَلِهَذا كانَ الدُّعاءُ مُخَّ العِبادَةِ، وقَدْ جَمَعَ هَذا الكَلامُ - عَلى وجازَتِهِ - كُلَّ ما يُرادُ تَحْقِيقُهُ وتَحْصِيلُهُ مِن شَرائِطَ الدُّعاءِ بِحَيْثُ إنَّهُ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ومَن فَعَلَ خِلافَ ذَلِكَ فَقَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ، وإلى ذَلِكَ أوْمَأ بِتَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ أيْ: المُجاوِزِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ في الدُّعاءِ وغَيْرِهِ، قالُوا فالمَعْنى أنَّ مَن تَرَكَ هَذا لا يُحِبُّهُ اللَّهُ، أيْ: لا يُثِيبُهُ البَتَّةَ ولا يُحْسِنُ إلَيْهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ آخِرُها يَدُلُّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ مِن صَدْرِها، وصَدْرُها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حُذِفَ قَبْلُ الآخِرِ: ولا تَتْرُكُوا الإخْلاصَ تَكُونُوا مُعْتَدِينَ.
7:56Page 157
وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦
And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allāh is near to the doers of good.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِنَ الوَفاءِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ والقِيامِ بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ مُقْتَضِيًا لِلصَّلاحِ أمَرَ بِإدامَتِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُفْسِدُوا﴾ أيْ: لا تَدْفَعُوا فَسادًا ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ والظُّلْمِ، فَهو مَنعٌ مِن (p-٤٢٠)إيقاعِ ماهِيَّةِ الإفْسادِ في الوُجُودِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المَنعَ مِن جَمِيعِ أنْواعِهِ فَيَتَناوَلُ الكُلِّيّاتِ الخَمْسَ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْها المِلَلُ، وهي الأدْيانُ والأبْدانُ والعُقُولُ والأنْسابُ والأمْوالُ ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ والظّاهِرُ أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى اللّامِ وهي إضافَةٌ في المَفْعُولِ، أيْ: لا تُدَنِّسُوها بِفَسادٍ بَعْدَ أنْ أصْلَحَها لَكم خَلْقًا بِما سَوّى فِيها مِنَ المَنافِعِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] الدّالِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ الدّاعِي إلى الحَقِّ إقامَةً لِلْأبْدانِ، وأمَرَ بِما أنْزَلَ مِن كُتُبِهِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إقامَةً لِلْأدْيانِ فَجَمَعَ إلى الإيجادِ الأوَّلِ الإبْقاءَ الأوَّلَ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما اقْتَضى الِاقْتِصارَ بِكَمالِ التَّذَلُّلِ عَلى مَقامِ الخَوْفِ - نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا﴾ أيْ: مِن عَدْلِهِ؛ ولَمّا كانَ لا سَبَبَ لِلْعِبادِ مِن أنْفُسِهِمْ في الوُصُولِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - عَبَّرَ بِالطَّمَعِ فَقالَ: ﴿وطَمَعًا﴾ أيْ: في فَضْلِهِ، فَإنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ كانَ في مَقامِ الإحْسانِ وكَأنَّهُ مَشاهِدٌ لِلرَّحْمَنِ، ما زَجَرَهُ زاجِرُ الجَلالِ بِسِياطِ سَطْوَتِهِ إلّا دَعاهُ داعِي الجَمالِ إلى بِساطِ رَأْفَتِهِ، ومَن حازَ مَقامَ الإحْسانِ كانَ أهْلًا لِلرَّحْمَةِ ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ: إكْرامَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ لِمَن يَدْعُوهُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وفَخَّمَها بِالتَّذْكِيرِ لِإضافَتِها إلى غَيْرِ مُؤَنَّثٍ فِيما قالَ سِيبَوَيْهِ، فَقالَ: ﴿قَرِيبٌ﴾ وكانَ الأصْلُ مِنكم، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾
7:57Page 157
وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.
(p-٤٢١)ولَمّا كانَ دَوامُ الصَّلاحِ لا يَكُونُ إلّا بِالغَيْثِ - وهو مِن أجَلِّ أنْواعِ الرَّحْمَةِ - وهو لا يَكُونُ إلّا بِالسَّحابِ، وهو لا يَكُونُ إلّا بِالرِّيحِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] تَنْبِيهًا بَعْدَ تَحْقِيقِ المَبْدَإ عَلى تَحْقِيقِ المَعادِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي يُرْسِلُ﴾ أيْ: بِالتَّحْرِيكِ ﴿الرِّياحَ﴾ هَذا في قِراءَةِ الجَماعَةِ، وأنْواعُها خَمْسٌ: جَنُوبٌ وشَمالٌ وصَبًا ودَبُورٌ ونَكْباءُ، وهي كُلُّ رِيحٍ انْحَرَفَتْ فَوَقَعَتْ بَيْنَ رِيحَيْنِ، ووَحَّدَ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ ﴿بُشْرًا﴾ بِضَمَّتَيْنِ في قِراءَةِ أهْلِ الحِجازِ والبَصْرَةِ، أيْ: مُنْتَشِرَةً جَمْعُ نُشُورٍ مِنَ النَّشْرِ، وهو بَسْطُ ما كانَ مَطْوِيًّا [وتَفْرِيقُهُ في كُلِّ وجْهٍ لا لِذاتِ الرِّيحِ وإلّا لَدامَ ذَلِكَ مِنها ولا بِقُوَّةِ فَلَكٍ أوْ نَجْمٍ لِأنَّ نِسْبَتَهُما إلى الهَواءِ واحِدَةٌ] ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ أيْ: قِبَلَ ﴿رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: المَطَرِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ فِيهِ بِاليَدَيْنِ: اليُمْنى واليُسْرى، لِدِلالَتِهِ - مَعَ ما فِيهِ مِنَ الفَخامَةِ - عَلى أنَّهُ تارَةً يَكُونُ رَحْمَةً وتارَةً يَكُونُ عَذابًا كَما كانَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ كانَتْ الرَّحْمَةُ فِيهِ أغْلَبَ وهي ذاتُ اليَمِينِ، وتارَةً تَكُونُ الرِّياحُ جامِعَةً لَها لِحِفْظِ الماءِ، وتارَةً مُفَرِّقَةً مُبْطِلَةً لَها، وتارَةً تَكُونُ مُقَوِّمَةً لِلزُّرُوعِ والأشْجارِ مُكَمِّلَةً لَها وهي اللَّواقِحُ، وتارَةً تَكُونُ مُنَمِّيَةً لَها أوْ مُهْلِكَةً كَما يَكُونُ في الخَرِيفِ، وتارَةً تَكُونُ طَيِّبَةً وتارَةً مُهْلِكَةً إمّا بِشِدَّةِ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ. ثُمَّ غَيّى الإرْسالَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا﴾ أيْ: حَمَلَتْها (p-٤٢٢)لِقِلَّتِها عِنْدَها لِخِفَّتِها عَلَيْها ﴿ثِقالا﴾ أيْ: بِالماءِ؛ ولَمّا دَلَّ عَلى العَظَمَةِ بِالجَمْعِ وحَقَّقَ الأمْرَ بِالوَصْفِ - أفْرَدَ اللَّفْظَ دِلالَةً عَلى غايَةِ العَظَمَةِ بِسَوْقِهِ مُجْتَمِعًا كَأنَّهُ قِطْعَةٌ واحِدَةٌ، لا يَفْتَرِقُ جُزْءٌ مِنهُ عَنْ سائِرِهِ إذْ لَوْ تَفَرَّقَ لاخْتَلَّ أمْرُهُ، فَقالَ: ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ﴾ أيْ: لِأجْلِهِ وإلَيْهِ ﴿مَيِّتٍ﴾ أيْ: بِعَدَمِ النَّباتِ ﴿فَأنْـزَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِهِ﴾ أيْ: البَلَدِ، أوْ بِسَبَبِ ذَلِكَ السَّحابِ ﴿الماءَ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسَ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ الإنْباتِ بِالنُّونِ، فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ أيْ: بِالماءِ ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ: الحَقِيقِيَّةِ عَلى الأشْجارِ، والمَجازِيَّةِ مِنَ النَّباتِ وحُبُوبِهِ، ولَمّا كانَ هَذا - مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِتَوْحِيدِهِ بِالدَّعْوَةِ - دَلِيلًا ثانِيًا في غايَةِ الدِّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ - قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ما أخْرَجْنا هَذا النَّباتَ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ ﴿نُخْرِجُ المَوْتى﴾ أيْ: مِنَ الأرْضِ بَعْدَ أنْ صارُوا تُرابًا ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: قُلْنا هَذا لِتَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى تَذَكُّرُ هَذِهِ الآيَةِ المُشاهَدَةِ القَرِيبَةِ المَأْخَذِ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ التَّذَكُّرِ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - كَما قَدَرَ عَلى إعادَةِ النَّباتِ بِجَمْعِ الماءِ لَهُ مِن جَوْفِ الأرْضِ بَعْدَ أنْ كانَ تَغَيَّبَ في الأرْضِ وصارَ تُرابًا، وأحْيا الشَّجَرَةَ بَعْدَ أنْ كانَتْ لا رُوحَ لَها بِإيداعِ الثَّمَرَةِ الَّتِي هي رُوحُها - فَهو (p-٤٢٣)قادِرٌ عَلى إعادَةِ الأشْباحِ وإيداعِها الأرْواحَ كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الإخْراجَيْنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences