Al-Biqa'iAl‑A'raf · 7:80–88

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:80–88

7:80Page 160

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠

And [We had sent] Lot when he said to his people, "Do you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds [i.e., peoples]?

ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ - ما وفّى بِمَقْصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ في هَذا السِّياقِ مِن قِصَّتِهِمْ، أتْبَعَهُ مَن بَعْدَهُ مِمَّنْ تَعْرِفُهُ العَرَبُ - كَما فَعَلَ فِيما قَبْلُ - فَقالَ: (p-٤٥٢)﴿ولُوطًا إذْ قالَ﴾ ولَمّا كانَتْ رِسالَتُهُ إلى مُدُنٍ شَتّى، وكَأنَّهم كانُوا قَبائِلَ شَتّى، قِيلَ: كانُوا خَمْسَةً وهي المُؤْتَفِكاتُ، وقِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، قالَ: ﴿لِقَوْمِهِ﴾ وقَدْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ ”أرْسَلْنا“ و”اذْكُرْ“ ولا يَلْزَمُ مِن تَقْدِيرِ ”أرْسَلْنا“ أنْ يَكُونَ إرْسالُهُ في وقْتِ تَفَوُّهِهِ لَهم بِهَذا القَوْلِ غَيْرَ سابِقٍ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ كَما أنَّ ذَلِكَ الزَّمَنَ - المُنْطَبِقَ عَلى أوَّلِ قَوْلِهِ وآخِرِهِ - وقْتٌ لَهُ فَكَذَلِكَ اليَوْمُ - الَّذِي وقَعَ فِيهِ هَذا القَوْلُ - وقْتٌ لَهُ، بَلْ وذَلِكَ الشَّهْرُ وتِلْكَ السَّنَةُ وذَلِكَ القَرْنُ، فَإنَّ مِن شَأْنِ العَرَبِ تَسْمِيَةَ الأيّامِ المُشْتَرِكَةِ في الفِعْلِ الواحِدِ يَوْمًا، قالُوا: يَوْمُ القادِسِيَّةِ، وهو أرْبَعَةُ أيّامٍ إنْ اعْتَبَرْنا مُدَّةَ القِتالِ فَقَطْ، وعِدَّةُ شُهُورٍ إنْ اعْتَبَرْنا بِالِاجْتِماعِ لَهُ، وكَذا يَوْمُ صِفِّينَ، وقالَ تَعالى في قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] إلى أنْ قالَ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] إلى أنْ قالَ: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنفال: ١١] ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ﴾ [الأنفال: ١٢] وكُلُّها إبْدالٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] ولا رَيْبَ في أنَّ زَمانَ الكُلِّ لَمْ يَكُنْ مُتَّحِدًا إلّا بِتَأْوِيلِ جَمِيعِ الأيّامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالوَقْعَةِ مِن سَيْرٍ وقِتالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ، وعَبَّرَ في قِصَّةِ نُوحٍ [عَلَيْهِ السَّلامُ] بِـ ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] ثُمَّ نَسَّقَ مَن بَعْدَهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] وعَدَلَ عَنْ هَذا الأُسْلُوبِ في قِصَّةِ لُوطٍ [فَلَمْ يَقُلْ: (p-٤٥٣)وإلى أهْلِ أدُوما أخاهم لُوطًا]، أوْ إلى أهْلِ سَدُومَ لُوطًا أوْ وأرْسَلْنا لُوطًا إلى قَوْمِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي في قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ بِسِياقِ هَذِهِ القِصَصِ تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ في مُخالَفَةِ قَوْمِهِ لَهُ وعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ وشِدَّةِ أذاهم وإنْذارِ قَوْمِهِ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهَذِهِ الأُمَمِ مِنَ العَذابِ، وقِصَصُ مَن عَدا قَوْمَ لُوطٍ مُشابَهَةٌ لِقِصَّةِ قُرَيْشٍ في الشِّرْكِ بِاللَّهِ والأذى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وأمّا قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ فَزائِدَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِأمْرٍ فَظِيعٍ عَظِيمِ الشَّناعَةِ شَدِيدِ العارِ والفُحْشِ فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ النَّسَقِ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَبْشِيعًا لَهُ، لِيَكُونَ في التَّسْلِيَةِ أشَدَّ، وفي اسْتِدْعاءِ الحَمْدِ والشُّكْرِ أتَمَّ، وحِينَئِذٍ يَتَرَجَّحُ أنْ يَكُونَ العامِلُ ”اذْكُرْ“ لا ”أرْسَلَنا“ أيْ: واذْكُرْ لُوطًا وما حَصَلَ عَلَيْهِ مِن قَوْمِهِ زِيادَةً عَلى شِرْكِهِمْ مِن رُؤْيَتِهِ فِيهِمْ هَذا الأمْرَ الَّذِي لَمْ يُبْقِ لِلشَّناعَةِ مَوْضِعًا، فالقِصَّةُ في الحَقِيقَةِ تَسْلِيَةٌ وتَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ مُعافاةِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا الحالِ وإنْذارٌ لَهم سُوءَ المَآلِ مَعَ ما شارَكَتْ فِيهِ أخَواتَها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى سُوءِ جِبِلَّةِ هَؤُلاءِ القَوْمِ وشَرارَةِ جَوْهَرِهِمْ المُقْتَضِي لِتَفَرُّدِهِمْ عَنْ أهْلِ الأرْضِ بِذَلِكَ الأمْرِ الفاحِشِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ أشْنَعُ الشَّنَعِ بَعْدَ الشِّرْكِ - مَعَ ما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ طَبْعٍ سَلِيمٍ مِنَ النُّفْرَةِ عَنْهُ - اخْتِصاصُهُ بِمُشارَكَتِهِ لِلشِّرْكِ في أنَّهُ لَمْ يَحِلَّ في مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ولا مَعَ (p-٤٥٤)وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، وبَقِيَّةُ المُحَرَّماتِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَأمّا قَتْلُ النُّفُوسِ فَقَدْ حَلَّ في القِصاصِ والجِهادِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والوَطْءُ في القُبُلِ لَمْ يُحَرَّمْ إلّا بِقَيْدِ كَوْنِهِ زِنًى، ولَوْلا الوَصْفُ لَحَلَّ، وأكْلُ المالِ الأصْلُ فِيهِ الحِلُّ، وما حُرِّمَ إلّا بِقَيْدِ كَوْنِهِ بِالباطِلِ - وكَذا غَيْرُ ذَلِكَ. قالَ أبُو حَيّانَ: ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ مَعْهُودًا قُبْحُهُ ومَرْكُوزًا في العُقُولِ فُحْشُهُ، أتى مُعَرَّفًا - أيْ: في قَوْلِهِ بَعْدَ إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ وتَقْرِيعِهِ وتَوْبِيخِهِ لَهم: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيْ: أتَفْعَلُونَ السَّيِّئَةَ المُتَمادِيَةَ في القُبْحِ وإنْ كانَ بَيْنَكم وبَيْنَها مَسافَةٌ بَعِيدَةٌ - أوْ تَكُونُ (الـ) فِيهِ لِلْجِنْسِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، كَأنَّهُ لِشِدَّةِ قُبْحِهِ جُعِلَ جَمِيعَ الفَواحِشِ ولِبُعْدِ العَرَبِ عَنْ ذَلِكَ البُعْدَ التّامَّ، وذَلِكَ بِخِلافِ الزِّنى فَإنَّهُ قالَ فِيهِ

﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]

ولَمّا كانَ غَيْرَ مُسْتَبْعَدٍ عَلى صَفاقَةِ وُجُوهِهِمْ ووَقاحَتِهِمْ أنْ يَقُولُوا: لِمَ تَكُونُ فِعْلَتُنا مُنْكَرًا مُوَبَّخًا عَلَيْها؟ قالَ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أحَدٍ﴾ وعَظَّمَ ذَلِكَ بِتَعْمِيمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ العالَمِينَ﴾ فَقَدْ اخْتَرَعْتُمْ شَيْئًا لا يَكُونُ مِثْلُ فُحْشِهِ لِتُذْكَرُوا بِهِ أسْوَأ ذِكْرٍ، كَما (p-٤٥٥)أنَّ ذَوِي الهِمَمِ العَوالِ والفَضْلِ والكَمالِ يَسْتَنْبِطُونَ مِنَ المَحاسِنِ والمَنافِعِ ما يَبْقى لَهم ذِكْرُهُ ويَنْفَعُهم أجْرُهُ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ إشارَةً إلى تَقْبِيحِ البِدَعِ والتَّشْنِيعِ عَلى فاعِلِيها؛ لِأنَّ العُقُولَ لا تَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَةِ المَحاسِنِ.

7:81Page 160

إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ٨١

Indeed, you approach men with desire, instead of women. Rather, you are a transgressing people."

ولَمّا أبْهَمَ الفاحِشَةَ لِيَحْصُلَ التَّشَوُّفُ إلى مَعْرِفَتِها، عَيَّنَها في اسْتِفْهامٍ آخَرَ كالأوَّلِ في إنْكارِهِ وتَوْبِيخِهِ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى تَناهِي الزَّجْرِ عَنْها، فَقالَ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أيْ: تَغْشَوْنَهم غَشَيانَ النِّساءِ. ولَمّا أبْقى لِلتَّشَوُّفِ مَجالًا، عَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْوَةً﴾ أيْ: مُشْتَهِينَ، أوْ لِأجْلِ الشَّهْوَةِ، لا حامِلَ لَكم عَلى ذَلِكَ إلّا الشَّهْوَةُ كالبَهائِمِ الَّتِي لا داعِيَ لَها مِن جِهَةِ العَقْلِ وصَرَّحَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ فَلَمّا لَمْ يَدَعْ لَبْسًا، وكانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ إقامَةَ عُذْرٍ لَهم في عَدَمِ وِجْدانِ النِّساءِ أوْ عَدَمِ كِفايَتِهِنَّ لَهم - أضْرَبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ﴾

ولَمّا كانَ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ الإنْذارَ كانَ الألْيَقُ بِهِ الإسْرافَ الَّذِي هو غايَةُ الجَهْلِ المَذْكُورِ في سُورَةِ النَّمْلِ، فَقالَ: ﴿مُسْرِفُونَ﴾ أيْ: لَمْ يَحْمِلْكم عَلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ لِشَهْوَةٍ تَدَّعُونَها، بَلْ اعْتِيادُ المُجاوَزَةِ لِلْحُدُودِ، ولَمْ يُسَمِّ قَوْمَ لُوطٍ في سُورَةٍ مِنَ السُّورِ كَما سُمِّيَتْ عادٌ وثَمُودُ وغَيْرُهم صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمْ، وأمّا قَوْمُ نُوحٍ فَإنَّما لَمْ يُسَمَّوْا لِعَدَمِ تَفَرُّقِ القَبائِلِ إذْ ذاكَ، فَكانُوا لِذَلِكَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ ولِذا عَمَّهم الغَرَقُ - واللَّهُ أعْلَمُ.

7:82Page 161

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢

But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا التَّقْرِيعُ يُوجِبُ غايَةَ الِاسْتِحْياءِ، بَلْ إنَّهُ (p-٤٥٦)يُذْهِبُ كُلَّ مَن سَمِعَهُ مِنهم إلى مَكانٍ لا يَعْرِفُ فِيهِ سِتْرًا لِحالِهِ، فَيا لَيْتَ شِعْرِي ما كانَ حالُهم عِنْدَهُ! فَقِيلَ: كانَ كَأنَّهم أجابُوهُ بِوَقاحَةٍ عَظِيمَةٍ وفُجُورٍ زائِدٍ عَلى الحَدِّ، فَما كانَ جَوابُهم إلّا أذى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآلِهِ بِما اسْتَحَقُّوا مِنهم بِهِ شَدِيدَ الإنْذارِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أيْ: الَّذِينَ هم أهْلُ قُوَّةٍ شَدِيدَةٍ وعَزْمٍ عَظِيمٍ وقُدْرَةٍ عَلى القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بَيانَ أنَّهم أسْرَعُوا إجابَتَهُ بِما يُنْكِيهِ أضْمَرَ ما لا يُشْكِلُ بِالإضْمارِ، [أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ السِّياقُ لِبَيانِ الخَبِيثِ بَيَّنَ أنَّهُ لا أخْبَثَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَلَغَ مِن رَذالَتِهِمْ أنَّهم عَدُّوا الطّاهِرِينِ المُتَطَهِّرِينِ مِمّا يُصانُ اللِّسانُ عَنْ ذِكْرِهِ] فَقالَ تَعالى مُشِيرًا إلى ذَلِكَ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ: المُحَدَّثَ عَنْهم، وهم لُوطٌ ومَن انْضَمَّ إلَيْهِ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ والمُرادُ بِبَيانِ الإسْراعِ في هَذا تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ مِن رَدِّ قَوْمِهِ لِكَلامِهِ لِئَلّا يَكُونَ في صَدْرِهِ حَرَجٌ مِن إنْذارِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلُوا إخْراجَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهم أُناسٌ﴾ أيْ: ضُعَفاءُ ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ وكَأنَّهم قَصَدُوا بِالتَّفَعُّلِ نِسْبَتَهم إلى مَحَبَّةِ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ، وأنَّ تَرْكَهم لَهُ إنَّما هو تَصَنُّعٌ وتَكْلِيفٌ لِنُفُوسِهِمْ بِرَدِّها عَمّا هي مائِلَةٌ إلَيْهِ، وإقْبالٌ عَلى الطُّهْرِ مِن غَيْرِ وِجْهَةٍ وإظْهارٌ لَهُ رِياءً بِما أشارَ إلَيْهِ إظْهارُ تاءِ (p-٤٥٧)التَّفْعِيلِ، وفِيهِ - مَعَ ذَلِكَ - حَرْفٌ مِنَ السُّخْرِيَةِ، وحَصْرُ جَوابِهِمْ في هَذا المَعْنى المُؤَدِّي بِهَذا اللَّفْظِ لا يُنافِي آيَةَ (العَنْكَبُوتِ) القائِلَةَ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩]؛ لِأنَّ إطْلاقَ الجَوابِ عَلى هَذا يَجُوزُ، والمَعْنى: فَما كانَ قَوْلُهم - في جَوابِهِ - إلّا إتْيانَهم بِما لا يَصْلُحُ جَوابًا، وذَلِكَ مَضْمُونُ هَذا القَوْلِ وغَيْرِهِ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِالجَوابِ، أوْ أنَّ هَذا الجَوابَ لَمّا كانَ - لِما فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والإيذانِ بِالإصْرارِ والإغْلاظِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْزِمًا لِلْعَذابِ، كانُوا كَأنَّهم نَطَقُوا بِهِ فَقالُوا ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] جَعَلَ نُطْقَهم بِالسَّبَبِ نُطْقًا بِالمُسَبَّبِ، أوْ أنَّهم اسْتَعْمَلُوا لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ المَعْنى لَمّا اتَّحَدَ هُنا وفي النَّمْلِ حَصْرُ الجَوابِ في هَذا، أيْ: فَما كانَ جَوابُهم لِهَذا القَوْلِ إلّا هَذا؛ ولَمّا زادَهم في (العَنْكَبُوتِ) في التَّقْرِيعِ فَقالَ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أتَوْهُ بِأبْلَغَ مِن هَذا تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً؛ فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] - الآيَةُ.

7:83Page 161

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٨٣

So We saved him and his family, except for his wife; she was of those who remained [with the evildoers].

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ عِنادِهِمْ إهْلاكُهم وإنْجاؤُهُ، وكانَ الإعْلامُ بِإنْجائِهِ - مَعَ كَوْنِهِ يَفْهَمُ إهْلاكَهم - أهَمَّ - قالَ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ أيْ: مَن أطاعَهُ ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَها ؟ قالَ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: الباقِينَ الَّذِينَ لَحِقَتْهم بِالعَذابِ العِبْرَةُ والتَّذْكِيرُ إشارَةً إلى أنَّها أصابَها مِثْلُ عَذابِ الرِّجالِ سَواءً، لَمْ تَنْقُصْ عَنْهم؛ لِأنَّها كانَتْ كافِرَةً مِثْلَهم.

7:84Page 161

وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٨٤

And We rained upon them a rain [of stones]. Then see how was the end of the criminals.

(p-٤٥٨)ولَمّا أفْهَمَ هَذا إهْلاكَهم، بَيَّنَهُ دالًّا عَلى نَوْعِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأمْطَرْنا﴾ أيْ: حِجارَةَ الكِبْرِيتِ بَعْدَ أنْ قَلَعَتْ مَدائِنَهم ورَفَعَتْ وقَلَبَتْ حَتّى رُجِمَ بِها مُسافِرُوهم وشُذّابُهم لِأنَّهُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ عَمَّنْ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وأوْضَحَهُ بِقَصْرِهِ الفِعْلَ وتَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وأكَّدَ كَوْنَهُ مِنَ السَّماءِ لا مِن سَطْحٍ أوْ جَبَلٍ ونَحْوِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَطَرًا﴾ وأشارَ إلى عِظَمِهِ مُزِيلًا لِلَّبْسِ أصْلًا بِما سَبَّبَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ ﴿المُجْرِمِينَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِوَصْفِ القَطْعِ لِما حَقُّهُ الوَصْلُ بِوَصْلِ ما حَقُّهُ القَطْعُ مِن فاحِشِ المَعْصِيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الرَّجْمَ جَزاءُ مَن فَعَلَ هَذا الفِعْلَ بِشَرْطِهِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يَدُورُ مَعَ العِلَّةِ، وسَيَأْتِي في سُورَةِ: ( هُودٍ ) - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِياقُ قِصَّتِهِمْ مِنَ التَّوْراةِ بَعْدَ أنْ مَضى في البَقَرَةِ عِنْدَ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١] أوائِلُ أمْرِهِمْ، وهَذا كَما سُوِّمَتْ الحِجارَةُ لِقُرَيْشٍ - لَمّا أجْمَعُوا أنْ يَرْجِعُوا بَعْدَ تَوَجُّهِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنَ الطَّرِيقِ - لِيَفْزَعُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ عَلى زَعْمِهِمْ، كَما قالَ ﷺ: «(والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَقَدْ سُوِّمَتْ لَهم الحِجارَةُ، ولَوْ رَجَعُوا لَكانُوا كَأمْسِ الذّاهِبِ)» ولَكِنَّهُ ﷺ لَمّا كانَ رَسُولَ رَحْمَةٍ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ بِرُجُوعِهِمْ فَمَضَوْا حَتّى أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنهم، وكَما أمْطَرَ اللَّهُ الحِجارَةَ عَلى أصْحابِ الفِيلِ سَنَةَ مَوْلِدِهِ ﷺ حِمايَةً لِبَلَدِهِ بِبَرَكَتِهِ.

7:85Page 161

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥

And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.

(p-٤٥٩)ولَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ القِصَّةُ العَجِيبَةُ في القَصَصِ، أعادَ النَّسَقَ الأوَّلَ فَقالَ ﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ أيْ: أرْسَلْنا، وهي بَلَدٌ، وقِيلَ قَبِيلَةٌ مِن أوْلادِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿أخاهُمْ﴾ أيْ: مِنَ النَّسَبِ، وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿شُعَيْبًا﴾ وهو مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ خَطِيبُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - لِحُسْنِ مُراجَعَةِ قَوْمِهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ عَلى ذَلِكَ النَّسَقِ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ دالًّا عَلى النَّصِيحَةِ والشَّفَقَةِ بِالتَّذْكِيرِ بِالقَرابَةِ، وبَدَأ بِالأصْلِ المُعْتَبَرِ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ المَأْثُورَةِ عَنِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِهِ بِما لَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى.

ولَمّا كانَ المُرادُ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ لِأنَّهُ لا يَقْبَلُ الشِّرْكَ لِأنَّهُ غَنِيٌّ - عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ التَّذْكِيرَ بِما دَلَّ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ في نَفْسِها وصِدْقِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ﴾ أيْ: عَلى يَدَيَّ ﴿بَيِّنَةٌ﴾ ولَمّا كُنّا عالِمِينَ مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «(ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ)» أنَّ هَذِهِ البَيِّنَةَ مُعْجِزَةٌ، مِثْلُها كافٍ في صِحَّةِ الدَّعْوى ولَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلى ذِكْرِها لَنا، لَمْ تُعْنَ. ثُمَّ زادَهم تَرْغِيبًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: الَّذِي لَمْ تَرَوْا إحْسانًا إلّا مِنهُ.

ولَمّا كانَ إتْيانُهُ بِالبَيِّناتِ سَبَبًا لِوُجُوبِ امْتِثالِ أمْرِهِ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ: والمِكْيالَ والوَزْنَ ﴿والمِيزانَ﴾ أيْ: ابْذُلُوا ما (p-٤٦٠)تُعْطُونَ بِهِما وافِيًا، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، وكانَ المَحْكِيُّ عَنْهُ هُنا مِن أوائِلِ قَوْلِهِ لَهم فَتَرَكَ التَّأْكِيدَ الرّافِعَ لِمَجازِ المُقارَبَةِ بِذِكْرِ القِسْطِ.

ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالوَفاءِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنِ البَخْسِ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ، فَقالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ أيْ: تَنْقُصُوا وتُفْسِدُوا كَما أفْسَدَ البَخَسَةُ ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ البَخْسِ في كَيْلٍ ولا وزْنٍ ولا غَيْرِهِما، والنّاسُ - قالَ في القامُوسِ - يَكُونُ مِنَ الإنْسِ ومِنَ الجِنِّ جَمْعُ إنْسٍ أصْلُهُ أُناسٌ جَمْعٌ عَزِيزٌ أُدْخِلَ عَلَيْهِ (الـ)، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: النّاسُ أصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أُناسٌ، ثُمَّ أدْخَلُوا الألِفَ واللّامَ عَلى ذَلِكَ وحَذَفُوا الهَمْزَةَ وبَقِيَ النّاسُ، وكانَ أصْلُهُ فُعالٌ مِن: أنِسْتُ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُناسٌ - يَعْنِي: عَلى القَلْبِ، قالَ: لِأنَّهُ يُؤْنَسُ إلَيْهِمْ. انْتَهى. إذا عُلِمَ هَذا عُلِمَ أنَّ نَهْيَهُ ﷺ عَنْ بَخْسِ الجَمْعِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُدافَعَةِ نَهْيٌ عَنْ بَخْسِ الواحِدِ مِن بابِ الأُخْرى لِأنَّ الشَّرائِعَ إنَّما جاءَتْ بِتَقْوِيَةِ الضَّعِيفِ عَلى حَقِّهِ.

ولَمّا نَهى عَنِ الفَسادِ بِالبَخْسِ، عَمَّ كُلَّ فَسادٍ فَقالَ: ﴿ولا تُفْسِدُوا﴾ أيْ: تُوقِعُوا الفَسادَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ بِوَضْعِ شَيْءٍ مِن حَقِّ الحَقِّ أوْ الخَلْقِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذِهِ الرَّذائِلِ ذَكَّرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ بِما في ذَلِكَ مِنَ التَّخْوِيفِ وحَثًّا عَلى التَّخَلُّقِ بِوَصْفِ السَّيِّدِ، فَقالَ: ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ أيْ: إصْلاحِ اللَّهِ لَها بِنِعْمَةِ الإيجادِ الأوَّلِ بِخَلْقِها وخَلْقِ مَنافِعِها وما فِيها عَلى هَذا النِّظامِ البَدِيعِ المُحْكَمِ ثُمَّ بِنِعْمَةِ الإبْقاءِ الأوَّلِ (p-٤٦١)بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ ونَصْبِ الشَّرائِعِ الَّتِي بِها يَحْصُلُ النَّفْعُ وتَتِمُّ النِّعْمَةُ بِإصْلاحِ أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ بِتَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ويَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ التَّنَزُّهُ عَنِ الإساءَةِ.

ولَمّا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ أشارَ إلى عَظَمَةِ ما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ حَثًّا لَهم عَلى امْتِثالِهِ، فَقالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ العالِي الرُّتْبَةِ مِمّا ذُكِرَ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ الكافِرُ ناقِصَ المَدارِكِ كامِلَ المَهالِكِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فَلا تُفْسِدُوا أوْ فَأنْتُمْ تَعْرِفُونَ صِحَّةَ ما قُلْتُهُ، وإذْ عَرَفْتُمْ صِحَّتَهُ عَمِلْتُمْ بِهِ، وإذا عَمِلْتُمْ بِهِ أفْلَحْتُمْ كُلَّ الفَلاحِ، ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَهو خَيْرٌ لَكم؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ يُثابُ عَلى فِعْلِهِ لِبِنائِهِ لَهُ عَلى أساسِ الإيمانِ، والكافِرُ أعْمالُهُ فاسِدَةٌ فَلا يَكُونُ فِعْلُهُ لِهَذِهِ الأشْياءِ خَيْرًا لَهُ مِن جِهَةِ إسْعادِهِ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ لا ثَوابَ لَهُ.

7:86Page 161

وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨٦

And do not sit on every path, threatening and averting from the way of Allāh those who believe in Him, seeking to make it [seem] deviant. And remember when you were few and He increased you. And see how was the end of the corrupters.

ولَمّا كانَ لِلتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ والتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ مِنَ المَوْقِعِ في النُّفُوسِ ما لا يَخْفى، وكانَ النَّهْيُ عَنِ الإفْسادِ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هو المَقْصُودَ بِالذّاتِ لِأنَّهُ يَنْهى عَنْ كُلِّ فَسادٍ - خَصَّهُ بِالذِّكْرِ إشارَةً إلى أنَّهُ زُبْدَةُ المُرادِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، فَقالَ: ﴿ولا تَقْعُدُوا﴾ أيْ: تَفْعَلُوا فِعْلَ المُتَرَصِّدِ المُقْبِلِ بِكُلِّيَّتِهِ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ مِن طُرُقِ الدُّنْيا والدِّينِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ والأوامِرِ والنَّواهِي والمُحْكَمِ والمُتَشابِهِ والأمْثالِ (p-٤٦٢)﴿تُوعِدُونَ﴾ أيْ: تَتَهَدَّدُونَ مَن يَسْلُكُهُ بِكُلِّ شَرٍّ إنْ لَمْ يُوافِقْكم عَلى ما تُرِيدُونَ.

ولَمّا كانَ طَرِيقُ الدِّينِ أهَمَّ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وتَصُدُّونَ﴾ أيْ: تُوقِعُونَ الصَّدَّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ. ولَمّا ذَكَرَ الصُّدُودَ عَنْهُ، ذَكَرَ المَصْدُودَ فَقالَ: ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ أيْ: بِاللَّهِ، فَسَلَكَ سَبِيلَهُ الَّتِي لا أقْوَمَ مِنها؛ ولَمّا كانُوا لا يَقْنَعُونَ بِمُطْلَقِ الصَّدِّ بِالتَّهْدِيدِ ونَحْوِهِ، بَلْ يُبْدُونَ لِلْمَصْدُودِ شُبَهًا تُوهِمُهُ أنَّهُ عَلى ضَلالٍ، قالَ عاطِفًا: ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ: وتَطْلُبُونَ السَّبِيلَ حالَ كَوْنِها ذاتَ عِوَجٍ، أيْ: تَطْلُبُونَ اعْوِجاجَها بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ والشُّكُوكِ كَما تَقُولُ: أُرِيدُ فُلانًا مَلِكًا، أيْ: أُرِيدُ مُلْكَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في: (آلِ عِمْرانَ) أنَّ نَصْبَهُ عَلى الحالِ أرْجَحُ، وأنَّ قَوْلَهُ ﷺ في الصَّحِيحِ: «(ابْغِنِي أحْجارًا أسْتَنْفِضُ بِها)» يُرَجِّحُ نَصْبَهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ - واللَّهُ اعْلَمْ.

ولَمّا كانَتْ أفْعالُهم نَقْصَ النّاسِ إمّا في الأمْوالِ بِالبَخْسِ وإمّا في الإيمانِ والنُّصْرَةِ بِالصَّدِّ، ذَكَّرَهم أنَّ اللَّهَ تَعالى فَعَلَ مَعَهم ضِدَّ ذَلِكَ مِنَ التَّكْثِيرِ بَعْدَ القِلَّةِ في سِياقٍ مُنْذِرٍ بِاجْتِثاثِهِمْ عَنْ وجْهِ الأرْضِ وخَصَّهم فَضْلًا عَنْ تَقْلِيلِهِمْ ونَقْصِهِمْ، فَقالَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: ٨٥] وما بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي: ﴿واذْكُرُوا إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿كُنْتُمْ قَلِيلا﴾ أيْ: في العَدَدِ والمَدَدِ ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ أيْ: كَثَّرَ عَدَدَكم وأمْوالَكم وكُلَّ شَيْءٍ يُنْسَبُ إلَيْكم، فَلا تُقابِلُوا النِّعْمَةَ بِضِدِّها، فَإنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ مُرَغِّبٌ في الشُّكْرِ.

(p-٤٦٣)ولَمّا رَغَّبَهم بِالتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ، حَذَّرَهم بِالتَّذْكِيرِ بِأهْلِ النِّقْمَةِ فَقالَ: ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ ﴿المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: في عُمُومِ الإهْلاكِ بِأنْواعِ العَذابِ لِتَحْذَرُوا مِن أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم كَما صَرَّحَ بِهِ في سُورَةِ: ( هُودٍ ) لِكَوْنِ الحالِ هُناكَ مُقْتَضِيًا لِلْبَسْطِ كَما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى- .

7:87Page 161

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧

And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allāh judges between us. And He is the best of judges."

ولَمّا حَذَّرَهم وخامَةَ الفَسادِ الَّذِي نَهاهم عَنْهُ، وعَلَّقَ انْتِهاءَهم عَنْهُ بِوَصْفِ الإيمانِ، رَجَعَ إلى قِسْمِ ما شَرَطَ بِهِ الِانْتِهاءَ عَنِ الإفْسادِ، فَقالَ: ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: جَماعَةٌ فِيهِمْ كَثْرَةٌ بِحَيْثُ يَتَحَلَّقُونَ بِمَن يُرِيدُونَ ﴿آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ بِما تَقَدَّمَ مِنَ السِّياقِ، وأنَّهُ صارَ بِحَيْثُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ لِما نُصِبَ مِنَ الدِّلالاتِ ﴿وطائِفَةٌ﴾ أيْ: مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أيْ: بِالَّذِي أرْسَلَنِي بِهِ مَن أيَّدَنِي بِما عَلِمْتُمْ مِنَ البَيِّناتِ، وحَذَّرَهم سَطْوَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرُوا﴾ أيْ: أيُّها الفَرِيقانِ ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿بَيْنَنا﴾ أيْ: بَيْنَ فَرِيقِنا بِإعْزازِ المُصْلِحِ وإهْلاكِ المُفْسِدِ كَما أجْرى بِذَلِكَ عادَتَهُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: الحالُ أنَّهُ ﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّهُ يَفْصِلُ النِّزاعَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأحْكَمِهِ.

7:88Page 162

۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shuʿayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?

(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ولَمّا انْتَهى كَلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذا الوَجْهِ البَدِيعِ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِما أفْهَمَ أنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَجِدُوا عَنْهُ جَوابًا أصْلًا؛ لِأنَّهُمُ انْتَقَلُوا إلى الدِّفاعِ بِالفِعْلِ، وهو أمارَةُ الِانْقِطاعِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ المَلأُ﴾، أيِ: الأشْرافُ،

﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا الكِبْرَ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لَهُ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ، وخَصَّهم لِيَحْصُلَ تَمامُ التَّسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ﴾ وبَيَّنَ غِلْظَتَهم وجَفاءَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿يا شُعَيْبُ﴾ مِن غَيْرِ اسْتِعْطافٍ ولا إجْلالٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿مَعَكَ﴾ بِ ”آمَنُوا“، وبِ ”نُخْرِجُ“،

﴿مِن قَرْيَتِنا﴾ أيْ: مِنَ المَكانِ الجامِعِ لَنا لِمُفارَقَتِكم إيّانا،

﴿أوْ لَتَعُودُنَّ﴾ أيْ: إلّا أنْ تَعُودُوا، أيْ: لِيَكُونَنَّ آخِرُ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ وإمّا العَوْدُ،

﴿فِي مِلَّتِنا﴾ أيْ: بِالسُّكُوتِ عَنّا كَما كُنْتُمْ، ولَمْ يُرِيدُوا مِنهُ العَوْدَ إلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ ﷺ كانَ مَحْفُوظًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَإخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بَلْ كانُوا يَعُدُّونَ سُكُوتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ مِن دُعائِهِمْ وسَبِّ آلِهَتِهِمْ وعَيْبِ دِينِهِمْ - كَوْنًا في مِلَّتِهِمْ، ومُرادُهُمُ الآنَ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى تِلْكَ الحالَةِ (p-٢)والقَناعَةِ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ مُرادُهم بِالعُودِ حَقِيقَةً في الجَمِيعِ.

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الإخْراجِ والرَّدِّ مُسْتَعْظَمًا، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أنْكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ﴾ أيْ: أتُخْرِجُونَنا أوْ تُعِيدُونَنا لَوْ كُنّا راضِينَ لِلْإخْراجِ والعَوْدِ ولَوْ ﴿كُنّا كارِهِينَ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском