Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'arij 70:22–39
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو يُسارِعُ في آثارِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الجَزَعِ مِمّا لا يَجُوزُ في الشَّرْعِ ومِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى المَنعِ مِن ذَلِكَ أيْضًا فَيَكُونُ مِن أهْلِ النّارِ، وكانَ مِنَ القُدْرَةِ البالِغَةِ أنْ يَحْفَظَ سُبْحانَهُ مَن أرادَ مِنَ الخِزْيِ مَعَ جِبِلَّتِهِ ويَحْمِلُهُ عَلى كَسْرِ نَفْسِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حَتّى يَتَلاشى ما عِنْدَهُ مِن جِبِلَّةِ الشَّرِّ وتَبْقى الرُّوحُ عَلى حالِها عِنْدَ الفِطْرَةِ الأُولى، فَلا تَزالُ تَحُثُّهُ عَلى المُبادَرَةِ إلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وحَفْظَ حُدُودِهِ، فَكانَ لا كَرامَةَ أعْظَمُ مِن حِفْظِ المُكَلَّفِ لِحُدُودِ الشَّرْعِ مَعَ المُنافاةِ لِطَبْعِهِ، فَيَكُونُ جامِعًا لِلْإيمانِ بِنِصْفَيْهِ: الصَّبْرُ والشُّكْرُ، لِما جَمَعَ مِن هَذِهِ الأوْصافِ الثَّمانِ المُعادَةِ لِأبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِ، فَكانَ أسْبابًا لَها، اسْتَثْنى [ مِن -] هَذا النَّوْعِ الهَلُوعُ ولِذَلِكَ جَمَعَ فَقالَ: (p-٤٠٢)﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ أيِ المُحافِظِينَ عَلى الصَّلاةِ الَّتِي هي مَواطِنُ الِافْتِقارِ، العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ، فَإنَّهُ لا يَشْتَدُّ هَلَعُهم فَلا يَشْتَدُّ جَزَعُهم ولا مَنعُهُمْ، فَيَكُونُوا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ مُعْتَدِلِينَ مُسارِعِينَ فِيما يُرْضِي الرَّبَّ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَنَ بِما جَبَلَهم عَلَيْهِ مِنَ الهَلَعِ مِن طَهارَةِ الجَسَدِ لِطَهارَةِ طِينَتِهِ وزُكاءِ رُوحِهِ ما هَيَّأهُ لِتَهْذِيبِ نَفْسِهِ مِمّا يُسِرُّهُ لَهُ مِن أصْدِقاءِ الخَيْرِ وأوْلِياءِ المَعْرُوفِ وسَماعِ المَواعِظِ الحِسانِ والإبْعادِ عَنْ مَعادِنِ الدَّنَسِ مِنَ البِقاعِ والأقْرانِ والكَلامِ والأفْعالِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ الأحْوالِ، والمُلابَسَةِ بِكُلِّ ما يَحْمِلُ عَلى المَعالِي مِن صالِحِ الخِلالِ حَتّى كانُوا مِن أهْلِ الكَمالِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما يُبَيِّنُ عَراقَتَهم في الوَصْفِ لَها فَقالَ:
﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِكُلِّيَّةِ ضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ ﴿عَلى صَلاتِهِمْ﴾ أيِ الَّتِي هي مُعْظَمُ دِينِهِمْ وهي النّافِعَةُ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ - بِما أفادَتْهُ الإضافَةُ، والمُرادُ الجِنْسُ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأنْواعِ إلّا أنَّ مُعْظَمَ المَقْصُودِ الفَرْضُ، [ و-] لِذَلِكَ عَبَّرَ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى الثَّباتِ في قَوْلِهِ: ﴿دائِمُونَ﴾ أيْ لا فُتُورَ لَهم عَنْها ولا انْفِكاكَ لَهم مِنها بَلْ يُلازِمُونَها مُلازَمَةً يَحْكُمُ بِسَبَبِها أنَّها في حالِ الفَراغِ مِنهُ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ بِدَوامِ الذِّكْرِ لَها والتَّهَيُّؤِ لِأدائِها لِأنَّها صِلَتُهم بِمَعْبُودِهِمُ الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهم إلّا مِنهُ، فَلَمْ (p-٤٠٣)يَكُونُوا ناسِينَ لِمَساوِئِهِمْ ولا آسِينَ بِمَحاسِنِهِمْ، وكَفى بِالصَّلاةِ بَرَكَةً في دَلالَتِها عَلى النَّجاةِ مِن هَذا الوَصْفِ المُوجِبِ لِأسْبابِ النّارِ، وهي عِبادَةٌ ذاتُ شُرُوطٍ وأرْكانٍ وأبْعاضٍ وهَيْئاتٍ [ وسُنَنٍ -] وآدابٍ مُفْتَتَحَةٍ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتِمَةٍ بِالتَّسْلِيمِ، وهي مُنْقَسِمَةٌ إلى ذاتِ رُكُوعٍ وسُجُودٍ، وإلى ذاتِ سُجُودٍ بِلا رُكُوعٍ كَسَجْدَةِ الشُّكْرِ والتِّلاوَةِ، وإلى ما لا رُكُوعَ فِيها ولا سُجُودَ كَصَلاةِ الجِنازَةِ.
70:24Page 569
وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ٢٤
And those within whose wealth is a known right1
ولَمّا ذَكَرَ زَكاةَ الرُّوحِ، أتْبَعَهُ زَكاةَ عَدِيلِها المالُ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلرُّسُوخِ في الوَصْفِ بِالعَطْفِ بِالواوِ: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ﴾ أيِ الَّتِي مَنَّ سُبْحانَهُ بِها عَلَيْهِمْ ﴿حَقٌّ﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِأعَمِّ مِنَ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا في الذّارِياتِ اقْتَصَرَ عَلى الفَرْضِ فَقالَ: ﴿مَعْلُومٌ﴾ أيْ مِنَ الزِّكْواتِ وجَمِيعِ النَّفَقاتِ [ الواجِبَةِ-] .
ولَمّا كانَ في السُّؤالِ مِن بَذْلِ الوَجْهِ وكَسْرِ النَّفْسِ ما يُوجِبُ الرِّقَّةَ مَعَ وِقايَةِ النَّفْسِ مَعَ المَذَمَّةِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ أيِ المُتَكَلِّفِ لِسُؤالِ الإنْفاقِ المُتَكَفِّفِ. ولَمّا كانَ في النّاسِ مَن شَرُفَتْ هَمَّتُهُ وعَلَتْ رُتْبَتُهُ عَلى مُهاوِي الِابْتِذالِ بِذُلِّ السُّؤالِ مِنَ الإقْلالِ بِذَبِّ المُقْبِلِ عَلى اللَّهِ لِلتَّفَطُّنِ والتَّوَسُّمِ لِأُولَئِكَ [ فَقالَ-]: ﴿والمَحْرُومِ﴾ أيِ المُتَعَفِّفِ (p-٤٠٤)الَّذِي لا يَسْألُ فَيَظُنُّ غَنِيًّا ولا مالَ لَهُ يُغْنِيهِ فَهو يَتَلَظّى بِنارِهِ في لَيْلِهِ ونَهارِهِ، ولا مَفْزِعَ لَهُ بَعْدَ رَبِّهِ المالِكِ لِعَلانِيَتِهِ وإسْرارِهِ إلّا إلى إفاضَةِ مَدامِعِهِ بِذُلِّهِ وانْكِسارِهِ، وهَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى حَثٌّ عَلى تَفَقُّدِ أرْبابِ الضَّرُوراتِ مِمَّنْ لا كَسْبَ لَهُ ومَنِ افْتَقَرَ بَعْدَ الغِنى، وقَدْ كانَ لِلسَّلَفِ الصّالِحِ في هَذا وأشْباهِهِ قَصَبُ السَّبْقِ، حُكِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ أنَّهُ لَمّا ماتَ وُجِدَ في ظَهْرِهِ آثارٌ سُودٍ عِنْدَ غَسْلِهِ كَأنَّها السُّيُورُ، فَعَجِبُوا مِنها، فَلَمّا كانَ بَعْدَ أيّامٍ قالَ نِسْوَةٌ أرامِلُ: كانَ شَخْصٌ يَأْتِي إلَيْنا لَيْلًا بِقُرْبِ الماءِ وأجْرِبَةِ الدَّقِيقِ عَلى ظَهْرِهِ فَفَقَدْناهُ [ واحْتَجْنا-]، فَعَلِمُوا أنَّهُ هو وأنَّ تِلْكَ السُّيُورَ مِن ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ شَخْصًا رَآهُ ماشِيًا في زَمَنِ خِلافَتِهِ في اللَّيْلِ فَتَبِعَهُ حَتّى يَعْلَمَ إلى أيْنَ يَقْصِدُ، فَلَمْ يَزَلْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتّى جاءَ إلى بَيْتِ [ نِسْوَةِ -] أرامِلَ فَقالَ: أعِنْدَكُنَّ ماءٌ وإلّا أمْلَأُ لَكِنْ، فَأعْطَيْنَهُ جَرَّةً فَأخَذَها وذَهَبَ فَمَلَأها عَلى كَتِفِهِ وأتى بِها إلَيْهِنَّ، والحِكاياتُ عَنْهم في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ جِدًّا.
70:26Page 569
وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٢٦
And those who believe in the Day of Recompense
ولَمّا كانَ المالُ قَدْ يُصْرَفُ لِإصْلاحِ الدُّنْيا، بَيَّنَ أنَّ النّافِعَ (p-٤٠٥)مِنهُ إنَّما هو المُصَدِّقُ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ التَّصْدِيقَ لِمَن يُخْبِرُهم ويُجَدِّدُونَهُ كُلَّ وقْتٍ ﴿بِيَوْمِ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الحَثَّ عَلى العَمَلِ لِأجْلِ العَرْضِ عَلى المَلِكِ الأعْلى عَبْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿الدِّينِ﴾ أيِ الجَزاءِ الَّذِي ما مِثْلُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي يَقَعُ الحِسابُ فِيهِ والدَّيْنُونَةُ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ والتَّصْدِيقُ بِهِ حَقُّ التَّصْدِيقِ الِاسْتِعْدادُ لَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فالَّذِينَ يَعْمَلُونَ لِذَلِكَ اليَوْمِ هُمُ العُمّالُ، وأمّا المُصَدِّقُونَ بِمُجَرَّدِ الأقْوالِ فَلَهُمُ الوَبالُ وإنْ أنْفَقُوا أمْثالَ الجِبالِ.
70:27Page 569
وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٢٧
And those who are fearful of the punishment of their Lord -
ولَمّا كانَ الدِّينُ مَعْناهُ الجَزاءَ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وكانَ رُبَّما صَرَفَهُ صارِفٌ إلى الثَّوابِ فَقَطْ لِلْعِلْمِ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ رَحْمَتَهُ غَلَبَتْ غَضَبَهُ، صَرَّحَ بِالعِقابِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِجَمِيعِ ضَمائِرِهِمْ ﴿مِن عَذابِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ، لا مِن عَذابِ غَيْرِهِ، فَإنَّ المُحْسِنَ أوْلى بِأنْ يُخْشى ولَوْ مِن قَطْعِ إحْسانِهِ، وإذا خِيفَ مَعَ تَجَلِّيهِ في مَقامِ الإحْسانِ كانَ الخَوْفُ أوْلى عِنْدَ اعْتِلائِهِ في نُعُوتِ الجَلالِ مِنَ الكِبَرِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أيْ خائِفُونَ في هَذِهِ الدّارِ خَوْفًا عَظِيمًا هو في غايَةِ الثَّباتِ مِن أنْ يُعَذِّبَهم في الآخِرَةِ أوِ الدُّنْيا أوْ فِيهِما، فَهم لِذَلِكَ لا يَغْفُلُونَ ولا يَفْعَلُونَ إلّا ما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ.
70:28Page 569
إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُونٖ ٢٨
Indeed, the punishment of their Lord is not that from which one is safe -
(p-٤٠٦)ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْهِيبِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ الرَّجاءِ [ عَلى -] فِعْلِ الطّاعاتِ بِالدِّينِ، فَصارَ العَذابُ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ تَلْوِيحًا وتَصْرِيحًا، زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ اعْتِراضًا مُؤَكَّدًا لِما لَهم مِن إنْكارِهِ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاهم وهم مَغْمُورُونَ بِإحْسانِهِ وهم عارِفُونَ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الِانْتِقامِ ولَوْ بِقَطْعِ الإحْسانِ ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَأْمَنَهُ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَحِلَّ بِهِ وإنْ بالَغَ في الطّاعَةِ لِأنَّ المَلِكَ مالِكٌ وهو تامُّ المِلْكِ، لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ - ومِن جَوَّزَ وُقُوعَ العَذابِ أُبْعِدَ عَنْ مُوجِباتِهِ غايَةَ الإبْعادِ ولَمْ يَزَلْ مُتَرَجِّحًا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ.
ولَمّا ذَكَرَ التَّحَلِّي بِتَطْهِيرِ النَّفْسِ بِالصَّلاةِ وتَزْكِيَةِ المالِ بِالصَّدَقَةِ، نَدَبَ إلى التَّخَلِّي عَنْ أمْرٍ جامِعٍ بَيْنَ تَدْنِيسِ المالِ والنَّفْسِ وهو الزِّنا الحامِلُ عَلَيْهِ شَهْوَةُ الفَرْجِ الَّتِي هي أعْظَمُ الشَّهَواتِ حَمْلًا لِلنَّفْسِ عَلى المُهْلِكاتِ، فَقالَ بَعْدَ ذِكْرِ التَّخْوِيفِ بِالعَذابِ إعْلامًا بِأنَّهُ أسْرَعُ إلى صاحِبِ هَذِهِ القادُورَةِ وُقُوعًا مِنَ الذُّبابِ في أحْلى الشَّرابِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِبَواطِنِهِمُ الغالِبَةِ عَلى ظَواهِرِهِمْ ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾ أيْ سَواءٍ كانُوا ذُكُورًا أوْ إناثًا ﴿حافِظُونَ﴾ أيْ حِفْظًا ثابِتًا دائِمًا عَنْ كُلِّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ.
70:30Page 569
إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٣٠
Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they are not to be blamed -
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الحِفْظَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ذَكَرَ ما أذِنَ فِيهِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِثْناءِ إشْعارًا بِأنَّهُ كَأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فَيَخْرُجُ إلّا بَعْدَ تَقْرِيرِ عُمُومِ (p-٤٠٧)الحِفْظِ لا أنَّهُ مَقْصُودُ ابْتِداءٍ بِقَصْدِ الصِّفَةِ فَقالَ: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ بِعَقْدِ النِّكاحِ.
ولَمّا قَدَّمَهُنَّ لِشَرَفِهِنَّ وشَرَفِ الوَلَدِ بِهِنَّ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿أوْ ما﴾ عَبَّرَ بِما هو الأغْلَبُ لِغَيْرِ العُقَلاءِ نَدْبًا إلى إيساعِ البَطانِ في احْتِمالِهِنَّ ﴿مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ مِنَ السَّرارِي اللّاتِي هُنَّ مَحَلُّ الحَرْثِ والنَّسْلِ اللّاتِي هُنَّ أقَلُّ عَقْلًا مِنَ الرِّجالِ.
ولَمّا كانَ النّاكِحُ عِبادَةً نادِرًا جِدًّا، وكانَ الأصْلُ في العِبادَةِ الخُرُوجَ عَنِ العادَةِ، وإنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ لِلْعِبادَةِ كُنْ مَلُومًا، اكْتَفى في مَدْحِهِ بِنَفْيِ اللَّوْمِ عَنْهُ، وأكَّدَهُ لِأنَّ الأصْلَ كانَ اسْتِحْقاقُهُ لِلْمَلامِ لِإقْبالِهِ عَلى تَحْصِيلِ ما لَهُ مِنَ المَرامِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنِ المُسْتَثْنى: ﴿فَإنَّهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ بِالفُرُوجِ عَلَيْهِنَّ وإزالَةِ الحِجابِ مِن أجْلِ ذَلِكَ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أيْ في الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ مِن لائِمٍ ما - كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ - فَهم يَصْحَبُونَهُنَّ قَصْدًا لِلتَّعَفُّفِ وصَوْنَ النَّفْسِ وابْتِغاءَ الوَلَدِ لِلتَّعاوُنِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ.
70:31Page 569
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٣١
But whoever seeks beyond that, then they are the transgressors -
ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ تَحْرِيمُ غَيْرِ المُسْتَثْنى ووَجَبَ الحِفْظَ لِلْفُرُوجِ عَنْهُ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ المُقَدِّماتِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى﴾ أيْ طَلَبَ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا عَنْ إقْبالٍ عَظِيمٍ مِنَ (p-٤٠٨)النَّفْسِ واجْتِهادٍ في الطَّلَبِ ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ أيْ شَيْئًا مِن هَذا خارِجًا عَنْ هَذا الأمْرِ الَّذِي أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى، والَّذِي هو [ أعْلى -] المَراتِبِ في أمْرِ النِّكاحِ وقَضاءُ اللَّذَّةِ أحْسَنُها وأجْمَلُها. ولَمّا كانَ الوُصُولُ إلى ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِتَسَبُّبٍ مِنَ الفاعِلِ رَبَطَ بِالفاءِ قَوْلَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ [ أيِ -] الَّذِينَ هم في الحَضِيضِ مِنَ الدَّناءَةِ وغايَةِ البُعْدِ عَنْ مُواطِنِ الرَّحْمَةِ ﴿هُمُ﴾ أيْ بِضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ ﴿العادُونَ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالخُرُوجِ عَنِ الحَدِّ المَأْذُونِ فِيهِ.
70:32Page 569
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٣٢
And those who are to their trusts and promises attentive
ولَمّا ذَكَرَ العادِيَّ أتْبَعَهُ الواقِفُ عِنْدَ الحُدُودِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِبَذْلِ الجُهْدِ مِن تَوْجِيهِ الضَّمائِرِ ﴿لأماناتِهِمْ﴾ أيْ [ كُلُّ -] ما ائْتَمَنَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن حَقِّهِ وحَقِّ غَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِ عَهْدٍ، قالَ مُخَصِّصًا: ﴿وعَهْدِهِمْ﴾ أيْ ما كانَ [ مِنَ -] الأماناتِ بِرَبْطٍ بِالكَلامِ وتَوْثِيقٍ ﴿راعُونَ﴾ أيْ حافِظُونَ لَها مُعْتَرِفُونَ [ بِها -] عَلى وجْهٍ نافِعٍ غَيْرِ ضارٍّ.
70:33Page 569
وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدَٰتِهِمۡ قَآئِمُونَ ٣٣
And those who are in their testimonies upright
ولَمّا كانَ أجَلُ العُهُودِ والأماناتِ ما كانَ بِإشْهادٍ قالَ مُبَيِّنًا لِفَضْلِ الشَّهادَةِ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِغايَةِ ما يَكُونُ مِن تَوْجِيهِ القُلُوبِ ﴿بِشَهاداتِهِمْ﴾ الَّتِي شَهِدُوا بِها أوْ يَسْتَشْهِدُونَ بِها لِطَلَبٍ أوْ غَيْرِهِ، وتَقْدِيمِ المَعْمُولِ إشارَةٌ إلى أنَّهم في فَرْطِ قِيامِهِمْ بِها ومُراعاتِهِمْ لَها كَأنَّهم (p-٤٠٩)لا شاغِلَ لَهم سِواها ﴿قائِمُونَ﴾ أيْ يَتَحَمَّلُونَها ويُؤَدُّونَها عَلى غايَةِ التَّمامِ والحُسْنِ أداءَ مَن هو مُتَهِيِّئٌ لَها واقِفٌ في انْتِظارِها.
70:34Page 569
وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٣٤
And those who [carefully] maintain their prayer:
ولَمّا كانَتْ أضْدادُ هَذِهِ المَذْكُوراتِ نَقائِصَ مُهْلِكاتٍ، وكانَتِ الأنْفُسُ - لِما لَها مِنَ النَّقْصِ - نَزّاعَةً إلى النَّقائِصِ مَيّالَةً إلى الدَّسائِسِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ بِالدَّواءِ المُبَرِّئِ مِن كُلِّ داءٍ، فَقالَ مُشِيرًا إلى حِفْظِ أحْوالِ الصَّلاةِ وأوْصافِها بَعْدَ [ ذِكْرِ -] الحِفْظِ لِذَواتِها وأعْيانِها تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِها: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ ولَمّا وسَّطَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى الإقْبالِ بِجَمِيعِ القَلْبِ قَدَّمَ الصِّلَةَ كَما فَعَلَ بِما قِيلَ تَأْكِيدًا وإبْلاغًا في المُرادِ إلى أقْصى ما يُمْكِنُ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي ذَوْقٍ فَقالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ﴾ مِنَ الفَرْضِ والنَّقْلِ ﴿يُحافِظُونَ﴾ أيْ يُبالِغُونَ في حِفْظِها ويُجَدِّدُونَهُ حَتّى كَأنَّهم يُبادِرُونَها الحِفْظَ ويُسابِقُونَها فِيهِ فَيَحْفَظُونَها لِتَحَفُّظِهِمْ أوْ يُسابِقُونَ غَيْرَهم في حِفْظِها لِأوْقاتِها وشُرُوطِها وأرْكانِها ومُتَمِّماتِها في ظَواهِرِها وبَواطِنِها مِنَ الخُضُوعِ والمُراقَبَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خِلالِ الإحْسانِ الَّتِي إذا فَعَلُوها كانَتْ ولا بُدَّ ناهِيَةً لِفاعِلِها ”أنَّ الصَّلاةَ“ الكامِلَةَ ”تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ“ فَتَحْمِلُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأوامِرِ وتَبْعُدُ عَنْ [ أضْدادِها-]، ولِكَوْنِ السِّياقِ هَذا لِلتَّخَلِّي عَنِ الأوْصافِ الجارَّةِ إلى الكُفْرِ وحَدِّ الصَّلاةِ إشارَةً (p-٤١٠)إلى أنَّهُ يَكْفِي في ذَلِكَ الفَرائِضَ وإنْ كانَ الجاسُّ يَشْمَلُ، وفِيَّ المُؤْمِنُونَ السِّياقُ لِأهْلِ الرُّسُوخِ في المَحاسِنِ، فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ: الإفْرادُ في الأوَّلِ لِيَنْصَبَّ بادِئَ بِدْئٍ إلى الفَرائِضِ، والجَمْعُ في بَعْضِ القِراءاتِ لِيَفْهَمَ مَعَ ذَلِكَ النَّوافِلَ بِأنْواعِها، وفي فَتْحِ الأوْصافِ بِالصَّلاةِ وخَتْمِها بِها مِن بَيانِ جَلالَتِها وعَظَمَتِها أمْرٌ باهِرٌ.
ولَمّا ذَكَرَ حُلاهم أتْبَعُهُ ما أعْطاهم فَقالَ مُسْتَأْنِفًا ومُسْتَنْتِجًا مِن غَيْرِ فاءِ إشارَةٍ إلى [ أنَّ -] رَحِمَتَهُ هي الَّتِي أوْصَلَتْهم إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنهم في الحَقِيقَةِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ العُلُوِّ لِما لَهم مِن هَذِهِ الأوْصافِ العالِيَةِ، وعَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَجَّلَ جَزاءَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الآخِرَةِ فَواضِحٌ، وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم [ لِما -] جاهَدُوا فِيهِ بِإتْعابِ أنْفُسِهِمْ في هَذِهِ الأوْصافِ حَتّى تَخَلَّقُوا بِها أعْطاهم بِمُباشَرَتِها لَذاذاتٍ مِن أُنْسِ القُرْبِ وحَلاوَةِ المُناجاةِ لا يُساوِيها شَيْءٌ أصْلًا، والجَنَّةُ مَحَلٌّ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ الرّاحاتِ والمُسْتَلَذّاتِ [ والسُّرُورِ-]، وانْتَفى عَنْهُ [ جَمِيعَ -] المَكْرُوهاتِ والشُّرُورِ، وضِدُّها النّارُ، وزادَهم عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ مُعَبِّرًا باسِمِ المَفْعُولِ إشارَةً إلى عُمُومِ الإكْرامِ مِنَ الخالِقِ والخَلْقِ النّاطِقِ وغَيْرِهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَضى بِأنْ يَعْلُوَ مِقْدارَهم حَتّى يَكُونُوا أعْظَمَ مُشَخِّصٍ لَهم في الغَيْبِ مُبالَغًا في إكْرامِهِمْ عِنْدَ المُواجَهَةِ لِيَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِن خَلْقِ نَبِيِّهِمْ صَلّى اللَّهُ (p-٤١١)عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَقِيَهُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكانَ قَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِمْ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما عَلَيْكَ ألّا تَدْنُوَ مِن هَؤُلاءِ الأخابِثَ؟ فَقالَ: ولِمَ، لَعَلَّكَ سَمِعْتَ بِي مِنهم أذًى، لَوْ قَدْ دَنَوْتَ مِنهم لَمْ يَقُولُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ دَنا مِنهم فَقالَ: هَلْ أخْزاكُمُ اللَّهُ يا إخْوانَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، فَقالُوا: مَهْ يا أبا القاسِمِ ما كُنْتَ جَهُولًا" وكَلَّمُوهُ بِأحْسَنِ ما يُمْكِنُهُمْ، وكَذا كانَتْ مَعَهُ قُرَيْشٌ قَبْلَ الهِجْرَةِ في أكْثَرِ أحْوالِهِمْ، هَذا في الدُّنْيا وأمّا في الآخِرَةِ فَيَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالبُشْرى حِينَ المَوْتِ وفي قُبُورِهِمْ ومِن حِينِ قِيامِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ إلى حِينِ دُخُولِهِمْ إلى قُصُورِهِمْ.
70:36Page 569
فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهۡطِعِينَ ٣٦
So what is [the matter] with those who disbelieve, hastening [from] before you, [O Muḥammad],
ولَمّا تَحَرَّرَ بِهَذا الكَلامِ الإلَهِيِّ الَّذِي يَشُكُّ عاقِلٌ في أنَّ مَخْلُوقًا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ الواحِدُ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ، العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، أنَّهُ لا يَتَقَصّى عَنْ نَقائِصِ الإنْسانِ حَتّى يَتَخَلَّصَ مِن ظُلُماتِ النُّقْصانِ إلى نُورِ الإحْسانِ إلّا مَن لازَمَ هَذِهِ الأوْصافَ وزَكّى نَفْسَهُ [ بِها -] لِيَصِيرَ [ كامِلًا -] مَعَ العِلْمِ القَطْعِيِّ عِنْدَ المُسْلِمِ والكافِرِ أنَّ الكَمالَ سَبَبُ السَّعادَةِ، وأنَّ الإنْسانَ مَطْبُوعٌ عَلى [ ما -] صَدَرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ النَّقائِصِ، عَلِمَ أنَّ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالسَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ، وكانَ الكُفّارُ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَجْلِسُونَ حَوْلَهُ بِالقُرْبِ مِنهُ لِيَسْمَعُوا كَلامَهُ ويُكَذِّبُوهُ ويَهْزَؤُوا بِهِ، وكانَ العاقِلُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَأْتِيَ شَيْئًا لا سِيَّما إنْ كانَ إتْيانُهُ إلَيْهِ عَلى (p-٤١٢)هَيْئَةِ الإسْراعِ إلّا لِتَحْصِيلِ السَّعادَةِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُعَبِّرًا عَنْ عَظَمَةِ القُرْآنِ بِما حاصِلُهُ أنَّهم حِينَ يَسْمَعُونَهُ يَصِيرُونَ لِشِدَّةِ ما يُفْزِعُهم أمْرُهُ لا يَتَمالَكُونَ فَيَفْعَلُونَ أفْعالَ مَن لا وعْيَ لَهُ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ مِنَ السَّعادَةِ لِلَّذِينِ سَتَرُوا مَرائِيَ عُقُولِهِمْ عَنِ الإقْرارِ بِمَضْمُونِ هَذا الكَلامِ الَّذِي هو أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، حال كَوْنِهِمْ ﴿قِبَلَكَ﴾ أيْ نَحْوِكَ أيُّها الرَّسُولُ الكَرِيمُ وفِيما أقْبَلَ عَلَيْكَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ مَعَ [ مَدِّ -] الأعْناقِ وإدامَةِ النَّظَرِ إلَيْكَ في غايَةِ العُجْبِ مِن مَقالِكَ هَيْبَةَ مَن يَسْعى إلى أمْرٍ لا حَياةَ لَهُ بِدُونِهِ.
70:37Page 569
عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ ٣٧
[To sit] on [your] right and [your] left in separate groups?1
ولَمّا كانَ الَّذِي يَتَطَيَّرُ فَيُراعِي الأيامِنَ والأشائِمَ عَلى ما تَقَدَّمَ في الصّافّاتِ، لا يَتْرُكُ ذَلِكَ إلّا في أمْرٍ أدْهَشَ عَقْلَهُ وأطارَ لُبَّهُ، فَلَمْ يَدَعْهُ يَتَأمَّلُ، قالَ مُشِيرًا إلى شِدَّةِ اعْتِنائِهِمْ بِهَذا الإهْطاعِ مَعَ عَدَمِ التَّحَفُّظِ مِن شَيْءٍ: ﴿عَنِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ إلَيْكَ كُلَّ مَكانٍ كانَ [ عَنْ جِهَةِ -] ﴿اليَمِينِ﴾ أيْ مِنكَ حَيْثُ يَتَمَنَّوْنَ بِهِ ﴿وعَنِ الشِّمالِ﴾ أيْ مِنكَ وإنْ كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِهِ ﴿عِزِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ جَماعاتٍ جَماعاتٍ وخَلْقًا خَلْقًا مُتَفَرِّقِينَ فِرَقًا شَتّى أفْواجًا يَتَمَهَّلُونَ لِيَأْتُوا جَمِيعًا جَمْعَ عِزَةٍ، وأصْلُها عِزْوَةٌ لِأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ ما تَعْتَزِي (p-٤١٣)إلَيْهِ الأُخْرى، جُمِعَ [ جَمْعَ -] سَلامَةٍ شُذُوذًا.
70:38Page 569
أَيَطۡمَعُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُدۡخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٖ ٣٨
Does every person among them aspire to enter a garden of pleasure?
ولَمّا كانَ هَذا الإسْراعُ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ [ إلّا -] فِيما يَتَحَقَّقُ أنَّهُ مُسْعِدٌ، ومَعَ تَحَقُّقٍ أنَّهُ مُسْعِدٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا فِيما تَحْصُلُ بِهِ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ؛ قالَ مُنَبِهًا عَلى ذَلِكَ مُنْكِرًا أنْ يَكُونَ لَهم ما كانَ يَنْبَغِي ألّا يَكُونَ فِعْلُهم ذَلِكَ إلّا لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ مِن جُمْلَةِ اسْتِهْزائِهِمْ إذا تُحَلِّقُوا لِسَماعِ ما يَقْرَأُ أنْ يَقُولُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ حَقًّا مِن أمْرِ البَعْثِ والجَنَّةِ لَنَكُونُنَّ أسْعَدَ بِها مِنهم [ كَما أنا أسْعَدُ مِنهم -] في هَذِهِ الدّارِ كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] وذَلِكَ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَأْتِي الغَلَطُ مِن [ أنَّ -] الإنْسانَ يَكُونُ في خَيْرٍ في الدُّنْيا فَيَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ مانِعٌ لَهُ مِنَ النّارِ لِأنَّهُ خَيْرٌ في نَفْسِ الأمْرِ، أوْ يَظُنُّ أنَّ إمْهالَهُ وهو عَلى الباطِلِ رَضِيَ بِهِ، ولا يَدْرِي [ أنَّهُ -] لا يَضَّجِرُ ويَقْلَقُ ويَعْجَلُ إلّا مَن يَخافُ الفَوْتَ، أوْ يَكُونُ شَيْءٌ بِغَيْرِ إرادَتِهِ: ﴿أيَطْمَعُ﴾ أيْ بِهَذا الإتْيانِ، وعَبَّرَ بِالطَّمَعِ إشارَةً إلى (p-٤١٤)أنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ في السَّفَهِ لِكَوْنِهِمْ طَلَبُوا أعَزَّ الأشْياءِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ تَعاطَوْهُ لَهُ.
ولَمّا كانَ إتْيانُهم عَلى هَيْئَةِ التَّفَرُّقِ مِن غَيْرِ انْتِظارِ جَماعَةٍ لِجَماعَةٍ قالَ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ عَلى انْفِرادِهِ، ولَمّا كانَ المَحْبُوبُ دُخُولَ الجَنَّةِ لا كَوْنُهُ مِن مَدْخَلٍ مُعَيَّنٍ، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿أنْ يُدْخَلَ﴾ أيْ بِالإهْطاعِ وهو كافِرٌ مِن غَيْرِ إيمانٍ يُزَكِّيهِ كَما يُدْخَلُ المُسْلِمُ فَيَسْتَوِي المُسِيءُ والمُحْسِنُ ﴿جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ أيْ لا شَيْءَ فِيها غَيْرَ النَّعِيمِ في كُلِّ ما فِيها عَلى تَقْدِيرِ ضَبْطِهِ.
70:39Page 569
كـَلَّآۖ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّمَّا يَعۡلَمُونَ ٣٩
No! Indeed, We have created them from that which they know.1
ولَمّا [ كانَ -] مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُفِيدِ لِلنَّفْيِ: لا يَدْخُلُ، أكَّدَ ذَلِكَ مَعَ إفْهامِ الضَّجَرِ والِاسْتِصْغارِ بِالإتْيانِ بِأُمِّ الزَّواجِرِ والرَّوادِعِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَكُونُ ما طَمِعُوا فِيهِ أصْلًا لِأنَّ ذَلِكَ تَمَنٍّ فارِغٍ لا سَبَبَ لَهُ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالطَّمَعِ دُونَ الرَّجاءِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا أكْثَرَ مِن شَيْءٍ وجَعَلَهُ دَيْدَنَهُ فَساغَ عِنْدَهم أنْ يُقالَ: فُلانٌ خُلِقَ مِن كَذا، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا، عَدا لَهم مُنْكِرِينَ لِأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِنُقْصانِهِمْ يَدَّعُونَ الكَمالَ: ﴿إنّا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿خَلَقْناهُمْ﴾ بِالعَظْمَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقاوِيَها فَيَصْرِفُ شَيْئًا مِن إرادَتِهِ عَنْ تِلْكَ الوُجْهَةِ الَّتِي وُجْهَتِهِ إلَيْها إلى غَيْرِها (p-٤١٥)﴿مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ مِمّا يَسْتَحِي مِن ذِكْرِهِ ذاتًا ومَعْنًى، أمّا الذّاتُ فَهو نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ أُخْرِجَتْ مِن مَخْرَجِ البَوْلِ وغَذَّيْناها بِدَمِ الحَيْضِ، فَهي يَتَحَلَّبُ مِنها البَوْلَ والعَذْرَةَ، وأمّا المَعْنى فالهَلَعُ والجَزَعُ والمَنعُ اللّاتِي هم مُوافِقُونَ عَلى عَدِّها نَقائِصَ، فَلا يَصْلُحُونَ لِدارِ الكَمالِ إلّا بِتَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ الخِلالِ الَّتِي حَضَّ عَلَيْها المَلِكُ المُتَعالِّ، رَوى البَغْوِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ بِشْرِ بْنِ جِحاشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”وبَصَقَ يَوْمًا في كَفِّهِ ووَضَعَ عَلَيْها أُصْبُعَهُ فَقالَ:“ يَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: ابْنُ آدَمَ! أنّى تُعْجِزُنِي وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَّلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ والأرْضُ مِنكَ وئِيدٌ وجَمَعَتْ ومَنَعَتْ حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِي قُلْتُ: أتَصَدَّقُ، وأنّى أوانُ الصَّدَقَةِ» - انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences