Al-Biqa'iAl‑Ma'arij · 70:40–44

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'arij 70:40–44

70:40Page 570

فَلَآ أُقۡسِمُ بِرَبِّ ٱلۡمَشَٰرِقِ وَٱلۡمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ ٤٠

So I swear by the Lord of [all] risings and settings1 that indeed We are able

ولَمّا كانَ في [ ذِكْرِ -] هَذا الخَلْقِ مَعَ ما تُقَدِّمُ إشارَةً عَظِيمَةً إلى ما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ مِنَ الحَشْرِ والجَنَّةِ لِنَكُونُنَّ آثَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنكم ولِنُدْخِلُنَّها كَما نَحْنُ الآنَ آثَرَ مِنكم [ عِنْدَهُ -] بِما لَنا مِنَ الأمْوالِ، والبَسْطَةُ في الدُّنْيا والوَجاهَةُ والإقْبالُ، وتَنْبِيهٌ عَلى [ أنَّ -] الكُلَّ مُتَساوُونَ في أنَّهم مِن نُطْفَةٍ فَما فَضْلُهم في هَذِهِ (p-٤١٦)الدُّنْيا بِهَذِهِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ إلّا هو سُبْحانَهُ، وقَدْ فَضَّلَ المُؤْمِنِينَ بِالنِّعَمِ الباطِنَةِ الَّتِي زادَتْهم في التَّمَكُّنِ فِيها التَّزْكِيَةُ بِهَذِهِ الأوْصافِ العَمَلِيَّةِ النّاشِئَةِ عَنِ الصِّفَةِ العِلْمِيَّةِ، وهو قادِرٌ عَلى أنْ يَضُمَّ إلى النِّعَمِ الباطِنَةِ النِّعَمَ الظّاهِرَةَ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: وأكَّدَ بِنَفْيِ القَسَمِ المُشِيرِ إلى عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِكَثْرَةِ الأدِلَّةِ المُغْنِيَةِ عَنْهُ لِما لِذَلِكَ المَقْسِمِ عَلَيْهِ مِنَ الغَرابَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِكَثْرَةِ الكُفّارِ وقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ: ﴿فَلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ خُلُقِنا لَهم مِن ذَلِكَ المُنَبِّهِ عَلى أنّا نَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ نُرِيدُهُ وأنَّهُ لا يُعْجِزُنا شَيْءٌ أيْ لا ﴿أُقْسِمُ﴾ فَلَفَتَ القَوْلَ إلى أفْرادِ الضَّمِيرِ مُعَرًّى عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِئَلّا يَتَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ في أمْرِ الوَحْدانِيَّةِ ﴿بِرَبِّ﴾ أيْ مُرَبِّي وسَيِّدٌ ومُبْدِعٌ ومُدَبِّرٌ ﴿المَشارِقِ﴾ الَّتِي تُشْرِقُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ السَّيّارَةَ كُلَّ يَوْمٍ في مَوْضِعٍ مِنها عَلى المِنهاجِ الَّذِي دَبَّرَهُ، والقانُونِ القَوِيمِ الَّذِي أتْقَنَهُ وسَخَّرَهُ، سِتَّةَ أشْهُرٍ صاعِدَةٍ وسِتَّةَ أشْهُرٍ هابِطَةٍ ﴿والمَغارِبِ﴾ كَذَلِكَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ المُحْكَمِ الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ اخْتِلالٌ، وهي الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها اللَّيْلُ والنَّهارُ والفُصُولُ الأرْبَعَةُ، فَكانَ [ بِها -] صَلاحُ العالَمِ بِمَعْرِفَةِ الحِسابِ وإصْلاحِ المَآكِلِ والمَشارِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَآرِبِ، فَيُوجَدُ كُلٌّ مِنَ المَلَوَيْنِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ والنَّباتُ مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ كَذَلِكَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ قادِرٌ (p-٤١٧)عَلى الإيجادِ والإعْدامِ لِكُلِّ ما يُرِيدُهُ كَما يُرِيدُهُ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ما.

ولَمّا كانَ المَعْنى: لا أُقْسِمُ بِذَلِكَ وإنْ كانَ عَظِيمًا لِأنَّ الأمْرَ في وُضُوحِهِ لا يَحْتاجُ إلى قَسَمٍ، كَما لَوْ قالَ خَصْمٌ لِخَصْمِهِ: احْلِفْ، فَيَقُولُ لَهُ: الأمْرُ غَنِيٌّ عَنْ حَلِفِي إذْ يَحْتاجُ إلى اليَمِينِ مِن لا بَيِّنَةَ لَهُ، ثُمَّ يَأْتِي مِنَ البَيِّناتِ بِما لا يَكُونُ مَعَهُ شُبْهَةٌ، وكانُوا في تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ - مَعَ الِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِالقُدْرَةِ - كالمُنْكِرِينَ لِلْقُدْرَةِ عَلى قَلْبِ الأمْرِ، أكَّدَ قَوْلَهُ عائِدًا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ [ بَعْدَ دَفْعِ اللَّبْسِ بِما هو في وُضُوحِهِ أجْلى مِنَ الشَّمْسِ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَقادِرُونَ﴾ بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ بِالأداةِ والإسْمِيَّةِ والِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ -] في كُلٍّ مِنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، فَكانَ في إخْبارِهِ بَعْدَ الإقْسامِ مَعَ التَّأْكِيدِ إشارَةٌ إلى أعْلى مَراتِبِ التَّأْكِيدِ

70:41Page 570

عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٤١

To replace them with better than them; and We are not to be outdone.

﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ [ أيْ -] تَبْدِيلًا عَظِيمًا بِما لَنا مِنَ الجَلالَةِ عِوَضًا عَنْهم ﴿خَيْرًا مِنهُمْ﴾ أيْ بِالخَلْقِ أوْ تَحْوِيلُ الوَصْفِ فَيَكُونُوا أشَدَّ بَسْطَةً في الدُّنْيا وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا وأعْلى قَدْرًا وأكْثَرَ حَشَمًا ووَجاهَةً وحَزْمًا وخَدَمًا، فَيَكُونُوا عِنْدَكَ خَلْقًا عَلى قَلْبٍ واحِدٍ في سَماعِ قَوْلِكَ وتَوْقِيرِكَ وتَعْظِيمِكَ والسَّعْيِ في كُلِّ (p-٤١٨)ما يَشْرَحُ صَدْرَكَ بَدَلٌ ما يَعْمَلُ هَؤُلاءِ مِنَ الهَزْءِ والتَّصْفِيقِ والصَّفِيرِ وكُلِّ ما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُكَ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ بِالسِّعَةِ في الرِّزْقِ بِأخْذِ أمْوالِ الجَبّارِينَ مِن كِسْرى وقَيْصَرَ، والتَّمَكُّنِ في الأرْضِ حَتّى كانُوا مُلُوكَ الدُّنْيا مَعَ العَمَلِ بِما يُوجِبُ لَهم [ مِلْكَ -] الآخِرَةِ، فَرَجَوُا الكَرْبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَذَلُوا في مَرْضاتِهِ الأنْفُسَ والأمْوالَ.

ولَمّا كانَ [ الإنْسانُ -] قَدْ يَفْعَلُ شَيْئًا ثُمَّ يَنْقَضُّ عَلَيْهِ، أخْبَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وما﴾ وأكَدَّ الأمْرَ بِالِاسْمِيَّةِ الكائِنَةِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ مِن سابِقِ ما يَغْلِبُ عَلى شَيْءٍ لَمْ نُرِدْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولِذَلِكَ أتى بِاسْمِ المَفْعُولِ.

70:42Page 570

فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٤٢

So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised -

ولَمّا ثَبَتَ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ العَظَمَةَ البالِغَةَ الباهِرَةَ مِن شُمُولِ العِلْمِ وتَمامِ القُدْرَةِ، فَأُنْتِجُ اعْتِمادُ أهْلِ حِزْبِهِ عَلَيْهِ وإعْراضِهِمْ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَهْدِيدًا لِلْمُخالِفِينَ وتَسْلِيَةً لِلْمُؤالِفِينَ: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم [ ولَوْ -] عَلى أسْوَأِ أحْوالِهِمْ ﴿يَخُوضُوا﴾ أيْ يَفْعَلُوا في مَقالِهِمْ وفِعالِهِمُ الَّذِي لا شَيْءَ مِنهُ عَلى إتْقانٍ بَلْ هو كَفِعْلِ الحائِضِ في الماءِ الَّذِي لا يَضَعُ رِجْلَهُ في مَوْضِعٍ يَعْلَمُ أنَّهُ يُرْضِيهِ، فَهو بِصَدَدِ أنَّ (p-٤١٩)يَقَعَ أوْ يَغْرَقَ ﴿ويَلْعَبُوا﴾ أيْ يَفْعَلُ فِعْلَ اللّاعِبِ الَّذِي لا فائِدَةَ لِفِعْلِهِ إلّا ضَياعُ الزَّمانِ والتَّعَطُّلُ عَمّا يُهِمُّ مِن عَظِيمِ الشَّأْنِ.

ولَمّا كانَ ما تَوَعَّدَ اللَّهُ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ كانَ كَأنَّهُ قادِمٌ عَلى الإنْسانِ والإنْسانُ ساعٍ بِجُهْدِهِ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالمُفاعَلَةِ فَقالَ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ ولَمّا كانَ ما يَقَعُ لِلْكُفّارِ مِنهُ أعْظَمُ، كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ كَأنَّهُ خاصٌّ بِهِمْ فَقالَ: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي﴾ ولَمّا كانَ الوَعِيدُ - وهو ما كانَ مِنَ الخَبَرِ تَخْوِيفًا لِلْمُتَوَعِّدِ - صادِعًا لِلْقُلُوبِ إذا كانَ مِنَ القادِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ذِكْرِ المُتَوَعِّدِ، بُنِي المَفْعُولُ قَوْلُهُ: ﴿يُوعَدُونَ﴾ وهو يَوْمُ كَشْفِ الغِطاءِ الَّذِي أوَّلَ تَجْلِيَتُهُ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ ونِهايَتُهُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ إلى دُخُولِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في دارِهِ ومَحَلِّ اسْتِقْرارِهِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

70:43Page 570

يَوۡمَ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ ٤٣

The Day they will emerge from the graves rapidly as if they were, toward an erected idol, hastening.1

ولَمّا كانَ ما بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ أعْظَمَهُ وأهْوَلَهُ، أبْدَلَ مِنهُ [ قَوْلَهُ-]: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ عَنْهُ سُؤالَ اسْتِهْزاءِ ويَسْتَبْعِدُونَهُ، وقِراءَةُ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِمّا هو في غايَةِ السُّهُولَةِ ﴿مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ القُبُورِ الَّتِي صارُوا بِتَغَيُّبِهِمْ فِيها تَحْتَ وقْعِ (p-٤٢٠)الحافِرِ والخُفِّ، فَهم بِحَيْثُ لا يَدْفَعُونَ شَيْئًا يُفْعَلُ بِهِمْ بَلْ هم كَلَحْمٍ في فَمٍ ماضِغٍ، فَإنَّ الجَدَثَ القَبْرُ والجَدَثَةُ صَوْتُ الحافِرِ والخُفِّ ومَضْغُ اللَّحْمِ ﴿سِراعًا﴾ أيْ نَحْوَ صَوْتِ الدّاعِي.

ولَمّا كانَتْ عادَةُ الإنْسانِ الإسْراعُ إلى ما يَقْصِدُهُ مِنَ الأعْلامِ المَنصُوبَةِ، وعادَتُهم - هم بِالخُصُوصِ - المُبادَرَةُ إلى الأنْصابِ الَّتِي يُبْعِدُونَها ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَساسَةِ خِفَّةً مِنهم في العُلُومِ وطَيْشًا في الحُلُومِ قالَ: ﴿كَأنَّهم إلى نُصُبٍ﴾ أيْ عَلَمٍ مَنصُوبٍ مُصَدَّرٍ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما تَقُولُ: هَذا نُصْبُ عَيْنِي وضَرَبَ الأمِيرَ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالفَتْحِ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ بِالضَّمِّ: إلى عِلْمٍ أوْ شَيْءٍ يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى ما فِيهِ مِنَ الدّاءِ القاتِلِ والبَلاءِ، أوْ حَجَرٍ يَذْبَحُونَ عَلَيْهِ، قالَ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: النَّصْبُ والنُّصْبُ والنُّصُبُ: الدّاءُ والبَلاءُ: والنُّصُبُ كُلُّ ما نُصِبَ فَجَعَلَ عَلَمًا، والنَّصْبُ والنَّصَبُ: العَلَمُ المَنصُوبُ، والنُّصْبُ والنُّصُبُ: كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجَمْعُ أنْصابٌ، والأنْصابُ حِجارَةٌ كانَتْ حَوْلَ الكَعْبَةِ تُنْصَبُ فَيُهَلُّ عَلَيْها ويُذْبَحُ عَلَيْها لِغَيْرِ اللَّهِ، وأنْصابُ الحَرَمِ: حُدُودُهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: والنَّصْبُ ما نُصِبَ (p-٤٢١)لِلْإنْسانِ فَهو يَقْصِدُهُ مُسْرِعًا إلَيْهِ مِن عِلْمٍ أوْ بِناءٍ أوْ صَنَمٍ، وغَلَبَ في الأصْنامِ حَتّى قِيلَ: الأنْصابُ ﴿يُوفِضُونَ﴾ أيْ يَعَجِّلُونَ عَجَلَةَ مَن هو ذاهِبٌ إلى ما يُسِرُّهُ حَتّى كَأنَّهُ يَطَّرِدُ إلَيْهِ كَما كانُوا يُسْرِعُونَ إلى أنْصابِهِمْ.

70:44Page 570

خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۚ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ٤٤

Their eyes humbled, humiliation will cover them. That is the Day which they had been promised.

ولَمّا كانَ إيفاضُهم إلى الأنْصابِ عَلى حالِ السُّرُورِ، أخْبَرَ أنَّ هَذا عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وأنَّ ذِكْرَ النَّصْبِ وتَصْوِيرَ حالَةِ الإتْيانُ إلَيْهِ ما كانَ إلّا تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿خاشِعَةً﴾ أيْ مُنْكَسِرَةً مُتَواضِعَةً لِما حَلَّ بِها مِنَ الذُّلِّ والصِّغارِ، وألْحَقَها عَلامَةَ التَّأْنِيثِ زِيادَةً في هَذا المَعْنى ومُبالَغَةً فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أبْصارُهُمْ﴾

ولَمّا كانَ خُشُوعُها دائِمًا فَعَبَّرَ بِالِاسْمِ، وكانَ ذُلُّهم يَتَزايَدُ في كُلِّ لَحْظَةٍ، عَبَّرَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ فَقالَ: ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ أيْ تَغْشاهم فَتَعُمُّهُمْ، وتَحْمِلُ عَلَيْهِمْ فَتُكَلِّفُهم كُلَّ عُسْرٍ وضِيقٍ عَلى وجْهِ الإسْراعِ إلَيْهِمْ ﴿ذِلَّةٌ﴾ ضِدَّ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا لِأنَّ مَن تَعَزَّزَ في الدُّنْيا عَلى الحَقِّ ذُلٌّ في الآخِرَةِ، ومَن ذَلَّ لِلْحَقِّ في الدُّنْيا عَزَّ في الآخِرَةِ.

(p-٤٢٢)ولَمّا صَوَّرَهُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ أشارَ إلى أنَّ هَذا ما تُدْرِكُهُ العُقُولُ مِن وصْفِهِ وأنَّهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرَ الَّذِي هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ في العَظَمَةِ ﴿اليَوْمُ الَّذِي كانُوا﴾ أيْ في حالِ الدُّنْيا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المُكْنَةِ في الوَعِيدِ.

ولَمّا كانَ الوَعِيدُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ مِنَ القادِرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مُخِيفًا مُوجِعًا مِن غَيْرِ ذِكْرِ مَن صَدَرَ عَنْهُ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿يُوعَدُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُ لَهُمُ الإيعادَ بِهِ في الدُّنْيا في كُلِّ وقْتٍ لَعَلَّهم يَتَّعِظُونَ فَتَرِقُّ قُلُوبُهم فَيَرْجِعُونَ عَماهم فِيهِ مِنَ الجَبَرُوتِ، وهَذا هو زَمانُ العَذابِ الَّذِي سَألُوا عَنْهُ أوَّلَ السُّورَةِ، فَقَدْ رَجَعَ كَما تَرى آخِرُها عَلى أوَّلِها أيَّ رُجُوعٍ، وانْضَمَّ مَفْصِلُها إلى مُوصِلِها انْضِمامَ المُفْرَدِ إلى المَجْمُوعِ - واللَّهُ الهادِي إلى الصَّوابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском