Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Nuh 71:27–28
71:27Page 571
إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا ٢٧
Indeed, if You leave them, they will mislead Your servants and not beget except [every] wicked one and [confirmed] disbeliever.
ولَمّا كانَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَقُولُونَ ولا يَفْعَلُونَ إلّا ما فِيهِ مَصْلَحَةُ الدِّينِ، عَلَّلَ دُعاءَهُ بِقَوْلِهِ وأكَّدَهُ إظْهارًا لِجَزْمِهِ بِاعْتِقادِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وإنْ كانَ ذَلِكَ خارِجًا عَنِ العادَةِ: ﴿إنَّكَ﴾ أيْ يا رَبِّ ﴿إنْ تَذَرْهُمْ﴾ أيْ تَتْرُكُهم عَلى أيِّ حالَةٍ كانَتْ في إبْقائِهِمْ سالِمِينَ عَلى وجْهِ الأرْضِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ والإضْلالِ ولَوْ كانَتْ حالَةً دَنِيَّةً ﴿يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِي والَّذِينَ يُولَدُونَ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
(p-٤٥٨)ولَمّا كانَ رُبَّما كانَ الإنْسانُ ضارًّا ووُجِدَ لَهُ ولَدٌ نافِعٌ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَلِدُوا﴾ أيْ إنْ قَدَّرْتَ بَقاءَهم في الدُّنْيا ﴿إلا فاجِرًا﴾ أيْ مارِقًا مَن كُلِّ ما يَنْبَغِي الِاعْتِصامُ بِهِ، واكْتَفى فِيهِ بِأصْلِ الفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّ مَن جاوَزَ الحَدَّ أوْ شَرَعَ في شَيْءٍ بَعْدَهُ مِنَ التَّمادِي في الغَيِّ صارَ ذَلِكَ لَهُ دَيْدَنًا فَبالَغَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿كَفّارًا﴾ أيْ بَلِيغَ السَّتْرِ لِما يَجِبُ إظْهارُهُ مِن آياتِ اللَّهِ لِأنَّ قَوْلَكَ يا رَبِّ لا يَتَخَلَّفُ أصْلًا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَقُولُهُ إلّا عَنْ وحْيٍ كَما في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَيَكُونُ عَلى هَذا حَتّى صِغارُهم مُعَذَّبِينَ بِما يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهم لَوْ بَلَغُوا لا بِما عَمِلُوهُ [ كَما -] قالَ ﷺ في أوْلادِ الكُفّارِ «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» .
71:28Page 571
رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا ٢٨
My Lord, forgive me and my parents and whoever enters my house a believer and the believing men and believing women. And do not increase the wrongdoers except in destruction."
ولَمّا دَلَّ هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّهُ دَعا عَلى أعْداءِ اللَّهِ، دَعا أيْضًا لِأوْلِيائِهِ وبَدَأ بِنَفْسِهِ لِأنَّهُ رَأْسُ تِلْكَ الأُمَّةِ، فَقالَ مُسْقِطًا عَلى عادَةِ أهْلِ الخُصُوصِ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِاتِّباعِ مَنِ اتَّبَعَنِي وتَجَنُّبِ مَن تَجَنَّبَنِي، فَإنَّ مَن كانَتْ طَبِيعَتُهُ طُبِعَتْ عَلى شَيْءٍ لا تُحَوُّلُ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ المَقامُ الأعْلى أجْلَّ مِن أنْ يُقَدِّرَهُ أحَدٌ حَقَّ قَدْرِهِ قالَ: ﴿اغْفِرْ لِي﴾ أيْ فَإنَّهُ لا يَسَعُنِي وإنْ كُنْتُ مَعْصُومًا إلّا حُلْمُكَ وعَفْوُكَ (p-٤٥٩)ورَحْمَتُكَ. ولَمّا أظْهَرَ بِتَواضُعِهِ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى رَتَّبَ المَدْعُوَّ لَهم [ عَلى -] الأحَقِّ فالأحَقِّ [ فَقالَ-]: ﴿ولِوالِدَيَّ﴾ وكانا مُؤْمِنَيْنِ وهُما لَمْكُ بْنُ مِتْوَشَلَخْ وشَمْخاءُ بِنْتُ أنْوَشَ، قالَ أبُو حَيّانَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَكْفُرْ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أبٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وأعادَ الجارَّ [ إظْهارًا -] لِلِاهْتِمامِ فَقالَ: ﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ لِأنَّ المُتَحَرِّمَ بِالإنْسانِ لَهُ حَقُّ أكِيدُ لا سِيَّما إنْ كانَ مُخْلِصًا في حُبِّهِ، ولِذا قالَ: ﴿مُؤْمِنًا﴾ ولَمّا خَصَّ عَمَّ وأعادَ الجارَّ أيْضًا اهْتِمامًا فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ في [ كُلِّ -] أُمَّةٍ إلى آخِرِ الدَّهْرِ [ و-] لا تَزِدْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا مَفازًا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ الِاحْتِباكُ: ولا تُكْرِمِ المارِقِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا تَبارًا﴾ أيْ إلّا هَلاكًا مُدَمِّرًا مُفَتِّتًا لِصُوَرِهِمْ قاطِعًا لِأعْقابِهِمْ مُخَرِّبًا لِدِيارِهِمْ وكَما اسْتَجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ في أهْلِ الإيمانِ والكُفْرانِ مِن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ فَكَذَلِكَ يَسْتَجِيبُ لَهُ في أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الخُسْرانِ بِالسَّعادَةِ والتَّبارُ في جَمِيعِ الأعْصارِ (p-٤٦٠)إلى أنْ يَقِفُوا بَيْنَ يَدَيِ العَزِيزِ الجَبّارِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ الدُّعاءِ المُقْتَضِي لِأصِلِ إكْرامِ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا مُرْشِدٌ إلى حَذْفِ الدُّعاءِ المُفْهِمِ لِأصِلِ إهانَةِ الكافِرِينَ ثانِيًا، وإثْباتِ الدُّعاءِ بِزِيادَةِ التَّبارِ [ ثانِيًا مُفْهِمٌ لِحَذْفِ الدُّعاءِ المُوجِبِ لِزِيادَةِ المَفازِ أوَّلًا، وهَذا الآخَرُ المُفْصِحُ بِالتَّبارِ -] هو ما أرْشَدَ إلَيْهِ الِابْتِداءُ بِالإنْذارِ، فَقَدِ انْطَبَقَ الآخَرُ عَلى الأوَّلِ عَلى أصْرَحِ وجْهٍ وأكْمَلَ، وأحْسَنِ حالٍ وأجْمَلِ مَنالٍ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ حالٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences