Al-Biqa'iAl‑Muzzammil · 73:11–19

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Muzzammil 73:11–19

73:11Page 574

وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا ١١

And leave Me with [the matter of] the deniers, those of ease [in life], and allow them respite a little.

ولَمّا كانَ في أمْرِهِ هَذا بِما يَفْعَلُ ما يَشُقُّ جِدًّا بِما فِيهِ مِنَ احْتِمالِ عُلُوِّهِمْ، أعْلَمَ بِقُرْبِ فَرَجِهِ بِتَهْدِيدِهِمْ بِأخْذِهِمْ سَرِيعًا فَقالَ: ﴿وذَرْنِي﴾ أيِ اتْرُكْنِي عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ مِنِّي في مُعامَلَتِهِمْ، وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ وتَعْمِيمًا فَقالَ: ﴿والمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ فَإنِّي قادِرٌ عَلى رَحْمَتِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ. (p-١٩)ولَمّا ذَكَرَ وصْفَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ العَذابَ، ذَكَرَ الحامِلَ عَلَيْهِ تَزْهِيدًا فِيهِ وصَرْفًا عَنْ مُعاشَرَةِ أهْلِهِ لِئَلّا تَكُونَ المُعاشَرَةُ فِتْنَةً فَتَكُونُ حامِلَةً عَلى الِاتِّصافِ بِهِ وجارَّةً إلى حُبِّ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ أصْحابِ التَّنَعُّمِ بِغَضارَةِ العَيْشِ والبَهْجَةِ الَّتِي أفادْتُهموها النِّعْمَةُ - بِالكَسْرِ وهي الإنْعامُ وما يَنْعَمُ بِهِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ، والجاهِ الَّذِي أفادَتْهُ النُّعْمَةُ - بِالضَّمِّ وهي المَسَرَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي الشُّكْرَ وهم أكابِرُ قُرَيْشٍ وأغْنِياؤُهم.

ولَمّا كانَ العَلِيمُ القَدِيرُ إذا قالَ مِثْلَ هَذا لِوَلِيٍّ مِن أوْلِيائِهِ عاجَلَ عَدُوَّهُ، قالَ مُحَقِّقًا لِلْمُرادِ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ مِن هَذا في النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِأنَّ زَمَنَها قَصِيرٌ: ﴿ومَهِّلْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم بِرِفْقٍ وتَأنٍّ وتَدْرِيجٍ ولا تَهْتَمَّ بِشَأْنِهِمْ.

ولَمّا سَرَّهُ بِوَعِيدِهِمُ الشَّدِيدِ بِهَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي مَضْمُونُها أنْ أخَذَهم بِيَدِهِ ﷺ وهو سُبْحانُهُ يَسْألُ في تَأْخِيرِهِ لَهُمْ، زادَ في البِشارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَلِيلا﴾ أيْ مِنَ الزَّمانِ والإمْهالِ إلى مَوْتِهِمْ أوِ الإيقاعِ بِهِمْ قَبْلَهُ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ وقْعَةِ بَدْرٍ يَسِيرُ - قالَهُ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وفِيهِ بِشارَةٌ لَهُ ﷺ بِالبَقاءِ بَعْدَ أخْذِهِمْ كَما كانَ، وأنَّهُ لَيْسَ مُحْتاجًا في أمْرِهِمْ إلى غَيْرِ وكْلِهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإلْقائِهِمْ عَنْ بالِهِ صَلّى اللَّهُ (p-٢٠)عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَفْرِيغِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ لِما هو مَأْمُورٌ بِهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الإقْبالِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَفي الآيَةِ أنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِعَدُوِّهِ وكَّلَهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ، فَكانَ ذَلِكَ كالمانِعِ مِن أخْذِ اللَّهِ [لَهُ-]، فَإذا تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فَقَدْ أزالَ [ذَلِكَ المانِعَ -].

73:12Page 574

إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا ١٢

Indeed, with Us [for them] are shackles and burning fire

ولَمّا كانَ هَذا مُنادِيًا بِعَذابِهِمْ، وكانَ وصْفُهم بِالنِّعْمَةِ مُفْهِمًا لِأنَّهم مُعْتادُونَ بِالمَآكِلِ الطَّيِّبَةِ، وكانَ مَنعُ اللَّذِيذِ مِنَ المَآكِلِ لِمَنِ اعْتادَهُ لا يَبْلُغُ في نِكايَةِ النَّفْسِ بِحَدِّ نِكايَةِ البَدَنِ إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِ إهانَةٍ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ بَيانًا لِنَوْعِ ما أفْهَمَهُ التَّهْدِيدُ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، وأكَّدَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنَّ﴾ وأشارَ إلى شَدَّةِ غَرابَتِهِ وجَلالَتِهِ وعَظْمَتِهِ وخُصُوصِيَّتِهِ وتَحَقَّقَ حُضُورُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَدَيْنا﴾ دُونَ ”عِنْدَنا“ ولَمّا كانَ أشُدَّ ما عَلى الإنْسانِ مَنعُهُ مِمّا يُرِيدُ مِنَ الِانْبِساطِ بِهِ بِالحَرَكاتِ، قالَ ذاكِرًا ما يُضادُّ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ والعِزِّ: ﴿أنْكالا﴾ جَمْعُ نِكْلٍ بِالكَسْرِ وهو القَيْدُ الثَّقِيلُ الَّذِي لا يُفَكُّ أبَدًا إهانَةً لَهم لا خَوْفًا مِن فِرارِهِمْ، جَزاءً عَلى تَقْيِيدِهِمْ [أنْفُسَهم -] بِالشَّهَواتِ عَنِ اتِّباعِ الدّاعِي وإيساعِهِمْ في المَشْيِ في فَضاءِ الأهْوِيَةِ. ولَمّا كانَ [ذَلِكَ -] مُحَرِّقًا لِلْباطِنِ أتْبَعَهُ حَرِيقَ الظّاهِرِ فَقالَ: ﴿وجَحِيمًا﴾ أيْ نارًا حامِيَةً جِدًّا شَدِيدَةَ الِاتِّقادِ بِما كانُوا (p-٢١)يَتَقَيَّدُونَ [بِهِ -] مِن تَبْرِيدِ الشَّرابِ، والتَّنَعُّمِ بِرَقِيقِ اللِّباسِ والثِّيابِ، وتَكَلُّفِ أنْواعِ الرّاحَةِ.

73:13Page 574

وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا ١٣

And food that chokes and a painful punishment -

ولَمّا أتَمَّ ما يُقابِلُ تَكْذِيبَهُمْ، أتْبَعُهُ ما يُقابِلُ النِّعْمَةَ فَقالَ: ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ أيْ صاحِبَ انْتِشابٍ في الحَلْقِ كالضَّرِيعِ والزَّقُّومِ يَشْتَبِكُ فِيهِ فَلا يُسَوِّغُ: لا يَنْزِلُ ولا يَخْرُجُ بِما كانُوا يُعانُونَهُ مِن تَصْفِيَةِ المَآكِلِ والمَشارِبِ، وإفْراغِ الجُهْدِ في الظَّفَرِ بِجَمِيعِ المَآرِبِ. ولِما خَصَّ عَمَّ فَقالَ: ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ [مُؤْلِمًا -] شَدِيدَ الإيلامِ لا يَدَعُ لَهم عُذُوبَةً بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا بِما كانُوا يَصِفُونَ بِهِ أوْقاتَهم ويُكَدِّرُونَ عَلى مَن يَدْعُوهم إلى ما يَنْفَعُهم بِالخَلاصِ مِن قُيُودِ المُشاهَداتِ والعُرُوجِ مِن حَضِيضِ الشَّهَواتِ إلى أوْجِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ.

73:14Page 574

يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا ١٤

On the Day the earth and the mountains will convulse and the mountains will become a heap of sand pouring down.

ولَمّا ذَكَرَ هَذا العَذابَ ذَكَرَ ظَرْفَهُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ أيْ تَضْطَرِبُ وتَتَزَلْزَلُ زِلْزالًا شَدِيدًا ﴿الأرْضُ﴾ أيْ كُلُّها ﴿والجِبالُ﴾ الَّتِي هي أشَدُّها. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَتِ الأرْضُ قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكانَتِ الجِبالُ﴾ أيِ الَّتِي هي مَراسِي الأرْضِ وأوْتادُها، وعَبَّرَ عَنْ شِدَّةِ الِاخْتِلاطِ والتَّلاشِي بِالتَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ رَمْلًا مُجْتَمِعًا، فَعِيلٌ بِمَعْنى (p-٢٢)مَفْعُولٍ، مِن كَثْبِهِ - إذا جَمَعَهُ، ومادَّةُ كَثَبَ [بِتَرْكِيبِها كَثَبَ - ] وكَبَثَ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ مَعَ القُرْبِ، وتَلْزَمُهُ القِلَّةُ، فَإنَّ حَقِيقَةَ القُرْبِ قِلَّةُ المَسافَةِ زَمانًا أوْ مَكانًا، والنُّعُومَةُ، مَن كَثَبْتُ التُّرابَ: دَرَسْتُهُ، وكَثَبَ عَلَيْهِ - بِمَعْنى حَمَلَ أوْ كَرَّ، مَعْناهُ قارَبَ أنْ يُخالِطَهُ، وكَثِيبُ الرَّمْلِ: قِطْعَةٌ تَنْقادُ مُحْدَوْدِبَةً - ناظِرٌ إلى القِلَّةِ مِن مَعْنى قِطْعَةٍ، وكُلُّ ما انْصَبَّ كَذَلِكَ أيْضًا لِأنَّ الِانْصِبابَ عادَةً يَكُونُ لِما قَلَّ وأمّا نَعَمْ كِثابٌ بِتَقْدِيمِ الثّاءِ وبِتَأْخِيرِها أيْضًا أيْ كَثِيرٌ فَجاءَتْهُ الكَثْرَةُ مِنَ الصِّيغَةِ، والكاثِبَةِ مِنَ الفَرَسِ هو أضْيَقُ مَوْضِعٍ في عَرْضِها، والكُثْبَةُ مِنَ الأرْضِ: المُطَمَئِنَّةُ بَيْنَ الجِبالِ - لِأنَّها تَكُونُ صَغِيرَةً غالِبًا، والكَباثُ كَسَحابٍ: النَّضِيجُ مِن ثَمَرِ الأراكِ، وقِيلَ: ما لَمْ يَنْضَجْ، وقِيلَ: حَمْلُهُ إذا كانَ مُتَفَرِّقًا، فَإنْ أُرِيدَ النَّضِيجُ مِنهُ فَتَسْمِيَتُهُ بِهِ لِأنَّهُ مُجْتَمَعٌ، وإنْ أُرِيدَ ما لَمْ يَنْضَجْ فَهو مِن مُقارَبَةِ النُّضْجِ، وإنْ أُرِيدَ المُتَفَرِّقُ فَلِقُرْبِ بَعْضِهِ (p-٢٣)مِن بَعْضٍ لِأنَّ الأراكَ نَفْسَهُ صَغِيرُ الشَّجَرِ، وكَبَثَ اللَّحْمَ - كَفَرِحَ: باتَ مَغْمُومًا فَتَغَيَّرَ أوْ أرْوَحَ أيْ جَمَعَ عَلى إنائِهِ الَّذِي هو فِيهِ إناءٌ آخَرُ، أوْ جَمْعُ ما هو فِيهِ حَتّى تَضايَقَ فَهو مِنَ الجَمْعِ لِهَذا، وأمّا الكُنْبُثُ كَقُنْفُذِ والثّاءُ مُؤَخَّرَةٌ: الصُّلْبُ الشَّدِيدُ، فَهو في الغالِبِ مِن تَجَمُّعِ أجْزائِهِ وتَداخُلِ بَعْضِها في بَعْضٍ، وتَكْبِيثُ السَّفِينَةِ أنْ تَجْنَحَ إلى الأرْضِ، هو مِنَ الجَمْعِ والقُرْبِ مَعًا، وأمّا كَثَبْتُ كِنانَتَهُ - بِمَعْنى نَكَثَها، فَكانَ فِعْلٌ اسْتُعْمِلَ هُنا لِلْإزالَةِ، أيْ أزالَ اجْتِماعَها أوْ بِمَعْنى أنَّهُ قَرَّبَها مِن رَمْيِهِ بِتَسْيِيرِها لِسُرْعَةِ التَّناوُلِ.

ولَمّا كانَ الكَثِيبُ رُبَّما أُطْلِقَ مَجازًا عَلى ما ارْتَفَعَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ناعِمًا قالَ: ﴿مَهِيلا﴾ أيْ رَمْلًا سائِلًا رِخْوًا لَيِّنًا مَنثُورًا، مَن هالَهُ - إذا نَثَرَهُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الَّذِي إذا أخَذْتَ مِنهُ شَيْئًا تَبِعَكَ ما بَعْدَهُ،

73:15Page 574

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا ١٥

Indeed, We have sent to you a Messenger as a witness upon you just as We sent to Pharaoh a messenger.

ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ ووَقَتَهُ وقَدَّمَهُما لِيَكُونَ السّامِعُ أقْبَلَ لِما يُطْلَبُ مِنهُ، أتْبَعَهُما السَّبَبَ فِيهِ مُشِيرًا إلى ما بِهِ إصْلاحُ أمْرِ الآخِرَةِ الَّتِي فِيها المَعادُ وإلَيْها المُنْتَهى والمَآبُ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنّا أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلَيْكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ شَرَفًا لَكم خاصَّةً، وإلى كُلِّ مَن بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ عامَّةً ﴿رَسُولا﴾ [أيْ-] (p-٢٤)جِدًّا [و - ] هو مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ النَّبِيِّينَ وإمامِهِمْ ﷺ ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِما تَصْنَعُونَ لِيُؤَدِّيَ الشَّهادَةَ عِنْدَ طَلَبِها مِنهُ بِما هو الحَقُّ يَوْمَ نَنْزِعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَن أوَّلِ ما نَزَلَ والدِّينُ ضَعِيفٌ وأهْلُهُ في غايَةِ القِلَّةِ والذِّلَّةِ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ مَن آلَ بِهِ أمْرُهُ إلى أنْ كانَ في زَمانٍ صارَ فِيهِ الدِّينُ غَرِيبًا كَغُرْبَتِهِ إذْ ذاكَ، وكانَ فِرْعَوْنُ أعْتى النّاسِ في زَمانِهِ وأجْبَرَهُمْ، وأشُدَّهم خِداعًا وأمْكَرَهم [و - ] كانَ بَنُو إسْرائِيلَ في غايَةِ الذُّلِّ لَهُ والطَّواعِيَةِ لِأمْرِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي ذَبَحَ فِرْعَوْنُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ في جُمْلَةٍ مَن ذَبَحَهُ لِأنَّهُ قِيلَ لَهُ أنَّهُ يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُ القِبْطِ عَلى يَدِهِ أظْهَرَهُ بِهِ وأهْلَكَهُ عَلى قُوَّتِهِ وأنْجى مِنهُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ضَعْفِهِمْ، قالَ [تَعالى -] تَنْبِيهًا لِقُرَيْشٍ والعَرَبِ وغَيْرِهِمْ عَلى أنَّ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقاوِيَ ولَوْ أنَّهُ أضْعَفُ الخَلْقِ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى الِاعْتِبارِ بِحالِ هَذا الطّاغِيَةِ الَّذِي يَزِيدُ عَلَيْهِمْ بِالمُلْكِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ والأمْوالِ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ (p-٢٥)العَظْمَةِ ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ أيْ مَلِكِ مِصْرَ ﴿رَسُولا﴾ ولَعَلَّهُ نَكَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَلا مانِعَ لَهُ مِنهُ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ مَن كانَتْ لَهُ قَبِيلَةٌ تُحامِي عَنْهُ أوْلى بِالنُّصْرَةِ.

73:16Page 574

فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا ١٦

But Pharaoh disobeyed the messenger, so We seized him with a ruinous seizure.

ولَمّا كانَ الإرْسالُ سَبَبًا لِلْقَبُولِ أوِ الرَّدِّ قالَ: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن تَعَوُّجِ الطِّباعِ ﴿الرَّسُولَ﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنّا أرْسَلْناهُ إلَيْهِ فَصارَ مَعْهُودًا لَكم بَعْدَ ما أراهُ مِنَ المُعْجِزاتِ البَيِّناتِ والآياتِ الدّامِغاتِ - بِما أشارَ إلَيْهِ مَظْهَرُ العَظَمَةِ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ عِصْيانِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ أخَذَ وقَهَرَ وغَضِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخْذًا وبِيلا﴾ أيْ ثَقِيلًا شَدِيدًا مُتْعَبًا مُضِيقًا رَدِيءَ العاقِبَةِ مِن قَوْلِهِمْ: طَعامٌ وبِيلٌ - إذا كانَ وخِمًا لا يُسْتَمْرَأُ أيْ لا يَنْزِلْ في المَرِّيءِ ولا يَخَفْ عَلَيْهِ، وذَلِكَ بِأنْ أهْلَكْناهُ ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ لَمْ نَدَعْ مِنهم أحَدًا - وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في ”ألَمْ نَشْرَحْ“ قاعِدَةُ إعادَةِ النَّكِرَةِ والمَعْرِفَةِ.

73:17Page 574

فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا ١٧

Then how can you fear, if you disbelieve, a Day that will make the children white-haired?1

ولَمّا عَلِمَ بِهَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ شَدِيدَ الأخْذِ، وأنَّهُ لا يُغْنِي ذا الجِدِّ مِنهُ الجِدُّ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُحَذِّرًا لَهُمُ الِاقْتِداءَ بِفِرْعَوْنَ: (p-٢٦)﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أيْ تُوجِدُونَ الوِقايَةَ الَّتِي تَقِي أنْفُسَكُمْ، و[لَمّا -] كانَ التَّنْفِيرُ مِن سَبَبِ التَّهْدِيدِ أهَمَّ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى رَحْمَةِ المُحَذِّرِ وأبْعَثُ عَلى اجْتِنابِهِ، قالَ مُشِيرًا بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ كَفْرَهم بِاللَّهِ مَعَ ما نَصَبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ المُؤَيِّدَةِ بِالنَّقْلِيَّةِ يَنْبَغِي أنْ لا يُوجَدُ بِوَجْهٍ، وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: ﴿إنْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أوْقَعْتُمُ السِّتْرَ لِما غُرِسَ في فِطَرِكم مِن أنْوارِ الدَّلائِلِ القائِدَةِ إلى الإيمانِ فَبَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم - عَلى أنَّ العِبارَةَ مُشِيرَةٌ إلى أنَّهُ عَفا عَنْهُمُ الكُفْرَ الماضِي فَلا يَعُدُّهُ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً مِنهُ وكَرَمًا ولا يُعَدُّ عَلَيْهِمْ إلّا ما أوْقَعُوهُ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿يَوْمًا﴾ [أيْ -] هو مَثَلٌ في الشِّدَّةِ بِحَيْثُ [إنَّهُ -] يُقالُ فِيهِ ﴿يَجْعَلُ﴾ لِشِدَّةِ أهْوالِهِ وزِلْزالِهِ وأوْجالِهِ ﴿الوِلْدانَ﴾ أيْ عِنْدَ الوِلادَةِ أوْ بِالقُرْبِ مِنها ﴿شِيبًا﴾ جَمْعُ أشْيَبَ وهو مِنِ ابْيَضَّ شَعْرُهُ، وذَلِكَ كِنايَةٌ أنَّ عَنْ كَثْرَةِ الهُمُومِ فِيهِ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّها إذا تَفاقَمَتْ أسْرَعَتْ بِالشَّيْبِ، والمَعْنى إنْكارُ أنْ يَقْدِرُوا عَلى أنْ يَجْعَلُوا لَهم وِقايَةً بِغايَةِ جُهْدِهِمْ تَقِيهِمْ عَذابَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْصُوفِ بِهَذا الهَوْلِ الأعْظَمِ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: «يا آدَمُ قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٍ وتِسْعِينَ» وأسْنَدَ الجَعْلَ إلى اليَوْمِ لِكَوْنِهِ واقِعًا فِيهِ كَما جَعَلَهُ المُتَّقِي، وإنَّما المُتَّقِي العَذابُ الواقِعُ فِيهِ.

73:18Page 574

ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَفۡعُولًا ١٨

The heaven will break apart therefrom;1 ever is His promise fulfilled.

(p-٢٧)ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا عَظِيمًا، صَوَّرَ بَعْضَ أهْوالِهِ زِيادَةً في عِظَمِهِ فَقالَ: ﴿السَّماءُ﴾ أيْ عَلى عِظَمِها وعُلُوِّها وشِدَّةِ إحْكامِها. ولَمّا كانَ المُرادُ الجِنْسَ الشّامِلَ لِلْكُلِّ ذَكَرَ فَقالَ: ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ أيْ مُنْشَقٌّ مُتَزايِلٌ مِن هَيْبَةِ الرَّبِّ تَزايُلَ المُتَفَرِّطِ مِنَ السِّلْكِ، ولَوْ أنَّثَ لَكانَ ظاهِرًا في واحِدَةٍ مِنَ السَّماواتِ، وفي اخْتِيارِ التَّذْكِيرِ أيْضًا لَطِيفَةٌ أُخْرى، وهي إفْهامُ الشِّدَّةِ الزّائِدَةِ في الهَوْلِ المُؤَدِّي إلى انْفِطارِهِ ما هو في غايَةِ الشِّدَّةِ لِأنَّ الذَّكَرَ في كُلِّ شَيْءٍ أشَدُّ مِنَ الأُنْثى، وذَلِكَ كُلُّهُ تَهْوِيلًا لِلْيَوْمِ المَذْكُورِ ﴿بِهِ﴾ أيْ بِشِدَّةٍ ذَلِكَ اليَوْمِ وباؤُهُ لِلْآلَةِ، ويَجُوزُ كَوْنُها بِمَعْنى ”فِيهِ“ أيْ يَحْصُلُ فِيهِ التَّفَطُّرُ والتَّشَقُّقُ بِالغَمامِ ونُزُولِ المَلائِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّساقُطِ والوَهْيِ عَلى شِدَّةِ وثاقَتِها فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها.

ولَمّا كانَ هَذا عَظِيمًا، اسْتَأْنَفَ بَيانَ هَوانِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: ﴿كانَ﴾ أيْ عَلى [كُلِّ -] حالٍ وبِكُلِّ اعْتِبارٍ ﴿وعْدُهُ﴾ أيْ وعْدُ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في مَظاهِرِ العَظَمَةِ، فالإضافَةُ لِلْمَصْدَرِ عَلى الفاعِلِ ﴿مَفْعُولا﴾ أيْ سَهْلًا مَفْرُوغًا مِنهُ في أيْ شَيْءٍ كانَ، فَكَيْفَ إذا كانَ بِهَذا اليَوْمِ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ، (p-٢٨)أوِ الضَّمِيرِ لِلْيَوْمِ فالإضافَةُ إلى المَفْعُولِ، إشارَةٌ إلى أنَّ الوَعْدَ الواقِعَ بِهِ وفِيهِ لا بُدَّ مِنهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ.

73:19Page 574

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ١٩

Indeed, this is a reminder, so whoever wills may take to his Lord a way.

ولَمّا كانَ ما مَضى مِن هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ مُرْشِدًا إلى مَعالِي الأخْلاقِ مُنْقِذًا مِن كُلِّ سُوءٍ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها وأنَّها مِمّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ هَذِهِ﴾ أيِ القِطْعَةَ المُتَقَدِّمَةَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ تَذْكِيرٌ عَظِيمٌ هو أهْلٌ لِأنْ يَتَّعِظَ بِهِ المُتَّعِظُ ويَعْتَبِرَ بِهِ المُعْتَبِرُ، ولا سِيَّما ما ذَكَّرَ فِيها بِأهْلِ الكُفْرِ مِن أنْواعِ العِقابِ. ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَ لِلْإنْسانِ عَقْلًا يُدْرِكُ بِهِ الحَسَنَ والقَبِيحَ، واخْتِيارًا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ اتِّباعِ ما يُرِيدُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مانِعٌ مِن جِهَةِ اخْتِيارِ الأصْلَحِ والأحْسَنِ إلّا قَسْرُ المَشِيئَةِ الَّتِي لا اطِّلاعَ لَهُ عَلَيْها ولا حِيلَةَ [لَهُ -] فِيها، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ أيِ التَّذَكُّرَ لِلِاتِّعاظِ ﴿اتَّخَذَ﴾ أيْ أخَذَ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿إلى رَبِّهِ﴾ أيْ خاصَّةً، لا إلى غَيْرِهِ ﴿سَبِيلا﴾ أيْ طَرِيقًا يَسْلُبُهُ حُظُوظَهُ لِكَوْنِهِ لا لَبْسَ فِيهِ، فَيَسَلَكُ عَلى وفْقِ ما جاءَهُ مِنَ التَّذْكِرَةِ، وذَلِكَ الِاعْتِصامُ حالَ السَّيْرِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى وفْقِ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ، ومَتى زاغَ عَنْ ذَلِكَ هَلَكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском