Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Muddaththir 74:22–36
ولَمّا كانَ مَن فَعَلَ كَذَلِكَ فَظَهَرَ لَهُ فَسادُ رَأْيِهِ ووَقَفَ مَعَ حَظِّ نَفْسِهِ يَصِيرُ يَعْبِسُ ويَفْعَلُ أشْياءَ تَتَغَيَّرُ لَها خِلْقَتُهُ مِن غَيْرِ اخْتِيارِهِ قالَ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَبَ وجْهُهُ وكَلَحَ فَتَرْبَدَ وجْهُهُ مَعَ تَقَبُّضِ جِلْدِهِ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ بِكَراهَةٍ شَدِيدَةٍ كالمُتَّهَمِ المُتَفَكِّرِ في شَيْءٍ وهو لا يَجِدُ فِيهِ فَرَجًا لِأنَّهُ ضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ فِيما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَطْعَنًا ﴿وبَسَرَ﴾ اتِّباعٌ لَعَبَسَ تَأْكِيدًا لَها، ورُبَّما أفْهَمَتْ أنَّهُ سَبَرَ ما قالَهُ ووَزَنَهُ بِمِيزانِ الفِكْرِ وتَتْبَّعَهُ تَتَبُّعًا مُفْرِطًا حَتّى رَسَخَتْ فِيهِ قَدَمُهُ، كَذا قالُوا إنَّها اتِّباعٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّأْكِيدُ وإلّا فَقَدْ ورَدَتْ مُفْرَدَةً، قالَ في القامُوسِ: بَسَرَ - إذا عَبَسَ، وبَسَرَ الحاجَةَ: طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها، وبَسَرَ الدِّينَ: تَقاضاهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ، فَكَأنَّهُ لَمّا طالَ عَلَيْهِ التَّفْكِيرُ صارَ يَسْتَعْجِلُ حُصُولَهُ إلى مُرادِهِ، ويُقالُ: بَسَرَ - إذا ابْتَدَأ الشَّيْءَ، فَكَأنَّهُ لَمّا عَبَسَ خَطَرَ لَهُ السِّحْرُ فابْتَدَأ في إبْداءٍ ما سَنَحَ لَهُ مِن أمْرِهِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: (p-٥٥)البُسُورُ هَيْئَةٌ في الوَجْهِ تَدُلُّ عَلى تَحَزُّنٍ في القَلْبِ.
ولَمّا كانَ هَذا النَّظَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أمْدَحُ شَيْءٍ لِلْمَنظُورِ فِيهِ إذا لَمْ يُوصَلْ مِنهُ إلى طَعْنٍ، وكانَ ظاهِرُهُ إنَّهُ لِتَطَلُّبِ الحَقِّ، فَكانَ الإصْرارُ مَعَهُ عَلى الباطِلِ في غايَةِ البُعْدِ، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ مِنَ المَدْحِ وعَدَمِ وِجْدانِ الطَّعْنِ مُعَبِّرًا بِأداةِ البُعْدِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ هَذا التَّرَوِّي العَظِيمِ ﴿أدْبَرَ﴾ [أيْ -] عَمّا أدّاهُ إلَيْهِ فِكْرُهُ مِنَ الإيمانِ بِسَلامَةِ المَنظُورِ فِيهِ وعُلُوِّهِ عَنِ المُطاعِنِ، فَحادَ عَنْ وُجُوهِ الأفْكارِ إلى أقْفائِها ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ [و - ] أوْجَدَ الكِبَرَ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ إيجادُ مَن هو في غايَةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ، وكانَ هَذا غايَةُ العِنادِ، فَكانَ مَعْنى العَنِيدِ
74:24Page 576
فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ٢٤
And said, "This is not but magic imitated [from others].
﴿فَقالَ﴾ أيْ عَقِبِ ما جَرَّهُ إلَيْهِ طَبْعُهُ الخَبِيثُ مِن إيقاعِ الكِبَرِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِكَوْنِهِ رَآهُ نافِعًا لَهم في الدُّنْيا ولَمْ يُفَكِّرْ في عاقِبَةِ ذَلِكَ مِن جِهَةِ اللَّهِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ولا يَنْجَحُ مُرادُ الكاذِبِينَ، ونَحْوُ هَذا مِمّا جَرَّبُوهُ في دُنْياهم فَكَيْفَ رَقّى نَظَرَهُ إلى أمْرِ الآخِرَةِ، وأكَّدَ الكَلامَ لِما يَعْلَمُ مِن إنْكارِ مَن يَسْمَعُهُ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هَذا﴾ أيِ [الَّذِي -] أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿إلا سِحْرٌ﴾ أيْ أُمُورٌ تَخْيِيلِيَّةٌ لا حَقائِقَ لَها، وهي لِدِقَّتِها بِحَيْثُ تَخْفى أسْبابُها.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ لَهم أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما سُحِرَ قَطُّ ولا تَعْلَمُ سِحْرًا، فَكانَ مَنِ ادَّعى ذَلِكَ عُلِمَ كَذِبُهُ بِأدْنى نَظَرٍ بَعْدَ (p-٥٦)الأمْرِ بِقَدْرِ اسْتِطاعَتِهِ فَقالَ: ﴿يُؤْثَرُ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْقُلَهُ السّامِعُ لَهُ مِن غَيْرِهِ، فَهو لِقُوَّةِ سِحْرِيَّتِهِ وإفْراطِها في بابِها يُفَرِّقُ بِمُجَرَّدِ الرِّوايَةِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وبَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ وابْنِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ السّامِعُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْثُورًا عَنِ اللَّهِ فَيُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ الرَّغْبَةَ فِيهِ، قالَ مِن غَيْرِ عاطِفٍ كالمُبَيِّنِ لِلْأوَّلِ والمُؤَكَّدِ لَهُ، وساقَهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِالحَصْرِ لِعِلْمِهِ أنَّ كُلَّ ذِي بَصِيرَةٍ يُنْكِرُ كَلامَهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هَذا﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ اللَّهِ فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِهِ ولا يَعْرُجُ عَلَيْهِ، وقَدْ مَدَحَهُ بِهَذا الذَّمِّ بَعْدَ هَذا التَّفْكِيرِ كُلِّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أثْبَتَ أنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْهُ لِأغْلَبِ النّاسِ كَما يَعْجَزُونَ عَنِ السِّحْرِ فَسَكَتَ ألَفًا ونَطَقَ خَلَفًا، فَكانَ شَبِيهًا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ بِما قالَهُ بَعْضُهُمْ:
؎لَوْ قِيلَ ”كَمْ خَمْسٌ وخَمْسٌ“ لاغْتَدى ∗∗∗ يَوْمًا ولَيْلَتُهُ يَعِدُّ ويَحْسِبُ
؎ويَقُولُ مُعْضِلَةُ عَجِيبِ أمْرِها ∗∗∗ ∗∗∗ ولَئِنْ عَجِبْتُ لَها لِأمْرِي أعْجَبُ
؎حَتّى إذا خُدِّرَتْ يَداهُ وعَوِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَيْناهُ مِمّا قَدْ يَخُطُّ ويَكْتُبُ
؎أوْفى عَلى شَرَفٍ وقالَ ألا انْظُرُوا ∗∗∗ ∗∗∗ ويَكادُ مِن فَرَحٍ يَجِنُّ ويَسْلُبُ
؎خَمْسٌ وخَمْسٌ سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ قَوْلانِ قالَهُما الخَلِيلُ وثَعْلَبُ
وهَكَذا كُلُّ حَقٍّ يَجِدُ المُبالِغَ في ذَمِّهِ لا يَنْفَكُّ ذَمُّهُ عَنْ إفْهامِ مَدْحٍ لَهُ (p-٥٧)يَنْقُضُ كَلامَهُ، ولَكِنْ أيْنَ النُّقّادُ المَعْدُودُ مِنَ الأفْرادِ بَيْنَ العِبادِ، وهَذا الكَلامُ صالِحٌ لِعُمُومِ كُلِّ مَن خَلَقَهُ سُبْحانَهُ هَكَذا في الرَّوَغانِ مِنَ الحَقِّ لِما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الرِّئاسَةِ لِأنَّ أهْلَ العَظَمَةِ في الدُّنْيا هم في الغالِبِ القائِمُونَ في رَدِّ الحَقِّ والتَّعاظُمِ عَلى أهْلِهِ كَما ذَكَرَ هُنا ولا يُنافِي ذَلِكَ ما قالُوهُ: إنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، بَلْ ذَلِكَ مِن إعْجازِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أنْ تَنْزِلَ الآيَةُ في شَخْصٍ فَتُبَيِّنَ حالَهُ غايَةَ البَيانِ ويَعُمَّ غَيْرَهُ ذَلِكَ البَيانُ، قالُوا: كانَ لِلْوَلِيدِ هَذا عَشَرَةٌ مِنَ البَنِينَ، كُلُّ واحِدٍ مِنهم كَبِيرُ قَبِيلَةٍ، ولَهم عَبِيدٌ يُسافِرُونَ في تِجاراتِهِمْ ويَعْمَلُونَ احْتِياجاتِهِمْ، ولا يُحْوِجُونَهم إلى الخُرُوجِ مِنَ البَلَدِ لِتِجارَةٍ ولا غَيْرِها، وأسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ وخالِدٌ وهُشامٌ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أوَّلُ سُورَةِ غافِرٍ إلى قَوْلِهِ: ﴿المَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] أوْ أوَّلُ ”فُصِّلَتْ“ قَرَأها النَّبِيُّ ﷺ في المَسْجِدِ والوَلِيدُ يَسْمَعُهُ، فَأعادَ القِراءَةَ فانْطَلَقَ الوَلِيدُ حَتّى أتى مَجْلِسَ قَوْمِهِ بَنِي مَخْزُومٍ، واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ [آنِفًا -] كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةٌ، وإنَّ أعْلاهُ لِمُثْمِرٌ وإنَّ أسْفَلَهُ لِمُعْذِقٌ، وإنَّهُ لَيَعْلُو ولا يُعْلى، ثُمَّ انْصَرَفَ (p-٥٨)فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبا واللَّهِ الوَلِيدُ، واللَّهِ لَتَصْبُونَ قُرَيْشَ كُلَّها، وكانَ يُقالُ لِلْوَلِيدِ رَيْحانَةُ قُرَيْشٍ، فَقالَ ابْنُ أخِيهِ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ، فَقَعَدَ إلى جَنْبِ الوَلِيدِ حَزِينًا، فَقالَ الوَلِيدُ: ما لِي أراكَ حَزِينًا يا ابْنَ أخِي؟ قالَ: وما يَمْنَعُنِي وهَذِهِ قُرَيْشٌ تَجْمَعُ لَكَ نَفَقَةً تُعِينُكَ بِها عَلى كِبَرِ سَنِّكَ وتَزْعُمُ أنَّكَ صَبَوْتَ، لِتَدْخُلَ عَلى ابْنِ أبِي كَبْشَةَ وابْنِ أبِي قُحافَةَ لِتَنالَ مِن فَضْلِ طَعامِهِمْ، فَغَضِبَ الوَلِيدُ وقالَ: ألَمْ تَعْلَمْ قُرَيْشٌ أنِّي مَن أكْثَرِها مالًا ووَلَدًا، وهَلْ شَبِعَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِنَ الطَّعامِ فَيَكُونُ لَهم فَضْلٌ؟ ثُمَّ قامَ مَعَ أبِي جَهْلٍ حَتّى أتى مَجْلِسَ قَوْمِهِ وأدارُوا الرَّأْيَ فِيما يَقُولُونَهُ في القُرْآنِ فَقالُوا لَهُ: ما تَقُولُ في هَذا [الَّذِي -] جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؟ قالَ: قُولُوا أسْمَعُ لَكُمْ، قالُوا: شِعْرٌ، قالَ: لَيْسَ بِشِعْرٍ، قَدْ عَلِمْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ، وفي رِوايَةٍ: هَلْ [رَأيْتُمُوهُ -] يَتَعاطى شِعْرًا؟ قالُوا: كَهانَةٌ، قالَ: لَيْسَ بِكِهانَةٍ، هَلْ رَأيْتُمُوهُ يَتَكَهَّنُ؟ فَعَدُّوا أنْواعَ البُهْتِ الَّتِي رَمَوْا بِها القُرْآنَ فَرَدَّها، وأقامَ الدَّلِيلَ عَلى رَدِّها، وقالَ: لا تَقُولُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا أعْلَمُ أنَّهُ كَذِبٌ، قالُوا: فَقُلْ أنْتَ وأقِمْ لَنا فِيهِ رَأْيًا نَجْتَمِعُ عَلَيْهِ، قالَ: أقْرَبُ ذَلِكَ إلَيْهِ السِّحْرُ، هو يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وعَشِيرَتِهِ، فافْتَرَقُوا عَلى ذَلِكَ، وكانَ (p-٥٩)قَوْلُهُ هَذا سَبَبُ هَلاكِهِ فَكانَ كَما قالَ بَعْضُهُمُ:
؎احْفَظْ لِسانَكَ أيُّها الإنْسانُ ∗∗∗ لا يَلْدَغَنَّكَ إنَّهُ ثُعْبانُ
؎كَمْ في المَقابِرِ مِن قَتِيلِ لِسانِهِ ∗∗∗ كانَتْ تَخافُ لِقاءَهُ الشُّجْعانُ
ولَمّا انْقَضى بَيانُ عِنادِهِ فَحَصَلَ التَّشَوُّفُ لِتَفْصِيلِ جَزائِهِ في مَعادِهِ، قالَ مُبَيِّنًا لِبَعْضِ ما أفْهَمَهُ إرْهاقُهُ الصُّعُودُ: ﴿سَأُصْلِيهِ﴾ أيْ بِوَعِيدٍ لا بُدَّ مِنهُ عَنْ قُرْبٍ ﴿سَقَرَ﴾ أيِ الدِّرْكَةِ النّارِيَّةِ الَّتِي تَفْعَلُ في الأدْمِغَةِ مِن شِدَّةِ حُمُوِّها ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، فَأدْخَلَهُ إيّاها وألْوَحَهُ في الشَّدائِدِ حَرَّها وأُذِيبُ دِماغُهُ بِها، وأُسِيلَ ذِهْنُهُ وكُلُّ عُصارَتِهِ بِشَدِيدِ حَرِّها جَزاءً عَلى تَفْكِيرِهِ، هَذا الَّذِي قَدَّرَهُ وتَخَيَّلَهُ وصَوَّرَهُ بِإدارَتِهِ في طَبَقاتِ دِماغِهِ لِيُحْرِقَ أكْبادَ أوْلِياءِ اللَّهِ وأصْفِيائِهِ.
ولَمّا أثْبَتَ لَهُ هَذا العَذابَ عَظَّمَهُ وهَوَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ أعْلَمَكَ وإنِ اجْتَهَدْتَ في البَحْثِ ﴿ما سَقَرُ﴾ يَعْنِي أنَّ عِلْمَ هَذا خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ أحَدٌ مِنهم بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ لِأنَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ بِشَرٌ.
ولَمّا أثْبَتَ لَها هَذِهِ العَظَمَةَ، زادَها عِظَمًا بِبَيانِ فِعْلِها دُونَ شَرْحِ ماهِيَّتِها [فَقالَ-]: ﴿لا تُبْقِي﴾ أيْ سَقَرُ هَذِهِ لا تَتْرُكُ شَيْئًا يَلْقى فِيها عَلى حالَةِ البَقاءِ عَلى ما كانَ (p-٦٠)عَلَيْهِ ﴿ولا تَذَرُ﴾ أيْ تَتْرُكُ عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ ولَوْ كانَتْ أقْبَحَ الحالاتِ فَضْلًا عَمّا دُونَها، بَلْ هي دائِمَةُ الإهْلاكِ لِكُلِّ ما أذِنَ فِيهِ والتَّغْيِيرُ لِأحْوالِ ما أذِنَ لَها في عَذابِهِ، ولَمْ يُؤْذَنْ في مَحْقِهِ بِالكُلِّيَّةِ، لِكُلِّ شَيْءٍ فَتْرَةٌ ومَلالٌ دُونَها.
ولَمّا كانَ تَغَيُّرُ حالِ الإنْسانِ إلى دُونِ ما هو عَلَيْهِ غائِطًا لَهُ مُوجِعًا إذا كانَ ذَلِكَ تُغَيِّرُ لَوْنَهُ لِأنَّ الظّاهِرَ عُنْوانُ الباطِنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى دالًّا عَلى شِدَّةِ فِعْلِها في ذَلِكَ: ﴿لَوّاحَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةِ التَّغْيِيرِ بِالسَّوادِ والزُّرْقَةِ واللَّمْعِ والِاضْطِرابِ [والتَّعْطِيشِ ونَحْوِها -] مِنَ الإفْسادِ مِن شِدَّةِ حَرِّها، تَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النّارُ الشَّيْءَ - إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ ﴿لِلْبَشَرِ﴾ أيْ لِلنّاسِ أوْ لِجُلُودِهِهِمْ، جَمْعُ بَشَرَةٍ وجَمْعُ البَشَرِ أبْشارٌ
﴿عَلَيْها﴾ أيْ مُطْلَقِ النّارِ بِقَرِينَةٍ ما يَأْتِي مِنَ الخَزَنَةِ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أيْ مَلَكًا، لِطَبَقَةِ المُؤْمِنِينَ وهي العُلْيا مَلَكٌ واحِدٌ، ولِلسِّتِّ الباقِيَةِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، لِكُلِّ واحِدَةٍ ثَلاثَةٌ، لِأنَّ الواحِدَ يُؤازِرُ بِثانٍ، وهُما يُعَزِّزانِ بِثالِثٍ، فَلِذا واللَّهُ أعْلَمُ كانُوا ثَلاثَةً، أوْ لِأنَّ الكَفْرَ يَكُونُ بِاللَّهِ وكُتّابَهُ ورَسُولَهُ ﷺ، فَكانَ لِكُلِّ تَكْذِيبٍ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِها السِّتِّ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَلى الأوَّلِ في كَوْنِهِمْ أشْخاصًا بِأعْيانِهِمْ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ عُلِمَ مِمّا مَضى أنَّهم غِلاظٌ شِدادٌ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَكْفِي لِأهْلِهِ الأرْضَ كُلَّهم كَما أنَّ مَلَكًا واحِدًا وُكِّلَ (p-٦١)بِقَبْضِ جَمِيعِ الأرْواحِ، وجاءَ في الآثارِ أنَّ أعْيُنَهم كالبَرْقِ الخاطِفِ، وأنْيابَهم كالصَّياصِي، يَخْرُجُ لَهَبُ النّارِ مِن أفْواهِهِمْ، ما بَيْنَ مِنكَبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةَ سَنَةٍ، نُزِعَتْ مِنهُمُ الرَّحْمَةُ، يَدْفَعُ أحَدُهم سَبْعِينَ ألْفًا فَيَرْمِيهِمْ حَيْثُ أرادَ مِن جَهَنَّمَ، قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: إنَّ واحِدًا مِنهم يَدْفَعُ بِالدَّفْعَةِ الواحِدَةِ أكْثَرَ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ العُدَّةَ لِمُكافَأةِ ما في الإنْسانِ مِنَ القُوى الَّتِي بِها يَنْتَظِمُ قِوامُهُ، وهي الحَواسُّ الخَمْسُ الظّاهِرَةُ: السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، والخَمْسُ الباطِنَةُ: المُتَخَيَّلَةُ والواهِمَةُ والمُفَكِّرَةُ والحافِظَةُ والذّاكِرَةُ، وقُوَّتا الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، والقُوى الطَّبِيعِيَّةِ السَّبْعِ: الماسِكَةُ والهاضِمَةُ والجاذِبَةُ والدّافِعَةُ والغاذِيَةُ والنّامِيَةُ والمُوَلِّدَةُ، وقِيلَ: اخْتِيرَ هَذا العَدَدُ لِأنَّ التِّسْعَةَ نِهايَةُ الآحادِ، والعَشَرَةُ بِدايَةُ العَشَراتِ، فَصارَ مَجْمُوعُهُما جامِعًا لِأكْثَرِ القَلِيلِ وأقَلِّ الكَثِيرِ، فَكانَ أجْمَعَ الأعْدادِ، فَكانَ إشارَةً إلى أنَّ خَزَنَتَها أجْمَعُ الجُمُوعِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ قِراءَةَ البَسْمَلَةَ تُنْجِي (p-٦٢)مِن خَزَنَةِ النّارِ فَإنَّها تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، كُلُّ حَرْفٍ مِنها لِمَلِكٍ مِنهم.
74:31Page 576
وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ ٣١
And We have not made the keepers of the Fire except angels. And We have not made their number except as a trial for those who disbelieve - that those who were given the Scripture will be convinced and those who have believed will increase in faith and those who were given the Scripture and the believers will not doubt and that those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] and the disbelievers will say, "What does Allāh intend by this as an example?" Thus does Allāh send astray whom He wills and guide whom He wills. And none knows the soldiers of your Lord except Him. And it [i.e., mention of the Fire] is not but a reminder to humanity.
ولَمّا كانَ هَذا غَيْرَ مُمَيِّزٍ لِلْمَعْدُودِ، وكانَتِ الحِكْمَةُ في تَعْيِينِ هَذا العَدِّ غَيْرَ ظاهِرٍ، وكانَ هَذا العَدَدُ مِمّا يَسْتَقِلُّهُ المُتَعَنِّتُ فَيَزِيدُهُ كُفْرًا، [قالَ تَعالى -] مُبَيِّنًا لِذَلِكَ: ﴿وما جَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وإنْ خَفِيَ وجْهُ العَظَمَةِ فِيهِ عَلى مَن عَمِيَ قَلْبُهُ ﴿أصْحابَ النّارِ﴾ أيْ خَزَنَتُها ﴿إلا مَلائِكَةً﴾ أيْ إنَّهم لَيْسُوا مِن جِنْسِ المُعَذَّبِينَ فَيَرِقُّوا لَهم ويُطِيقَ المُعَذَّبُونَ مُحاوَلَتَهم أوْ يَسْتَرِيحُوا إلَيْهِمْ وهم أقْوى الخَلْقِ، وقَدْ تَكَرَّرَ عَلَيْكم ذِكْرُهم وعَلِمْتُمْ أوْصافَهم وأنَّهم لَيْسُو كالبَشَرِ بَلِ الواحِدُ مِنهم يَصِيحُ صَيْحَةً واحِدَةً فَيُهْلِكُ مَدِينَةً كامِلَةً كَما وقَعَ لِثَمُودَ، فَكَيْفَ إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الخَزَنَةِ رَئِيسًا تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الجُنُودِ ما لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عِدَّتَهُمْ﴾ أيْ مَذْكُورَةً ومَحْصُورَةً فِيما ذَكَرْنا ﴿إلا فِتْنَةً﴾ أيْ حالَةً مُخالِطَةً مُمِيلَةً مُحِيلَةً ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ، فَإنَّهم يَسْتَقِلُّونَهُ ويَسْتَهْزِئُونَ [بِهِ -] ويَتَعَنَّتُونَ أنْواعًا مِنَ التَّعَنُّتِ بِحَيْثُ إنَّ بَعْضَ أغْبِياءِ قُرَيْشٍ وهو أبُو جَهْلٍ، (p-٦٣)قالَ: ثَكَلَتْكم أُمَّهاتُكُمْ، أسْمَعُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ يَقُولُ كَذا وأنْتُمْ ألَدُّهُمْ، أيَعْجَزُ كُلُّ عَشْرَةِ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهُمْ، فَقالَ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ - وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ، وهَذا كُلُّهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَإنَّهم مُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ الَّذِي هَذا مِن آثارِهِ، وكانَ في عِلْمِ أهْلِ الكِتابِ أنَّ هَذِهِ العُدَّةَ عُدَّتُهُمْ، وأنَّ العَرَبَ إذا سَمِعُوا هَذِهِ العُدَّةَ كانَتْ سَبَبًا لِلشَّكِّ أكْثَرُهم ومَوْضِعًا لِلتَّعَنُّتِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَ بِالفِتْنَةِ أوْ بِ ”جَعَلْنا“ قَوْلُهُ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ أيْ يُوجَدُ اليَقِينُ إيجادًا تامًّا كَأنَّهُ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ مُطْلَقَ الإيتاءِ كافٍ في ذَلِكَ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى تَعْيِينِ المُؤْتِي مَعَ أنَّهُ مَعْرُوفٌ أنَّهُ هو اللَّهُ، قالَ البَغَوِيُّ: مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهم تِسْعَةَ عَشَرَ.
﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ إلى ما عِنْدَهم مِنَ الإيمانِ ﴿إيمانًا﴾ بِتَصْدِيقِ ما لَمْ يَعْلَمُوا وجْهَ حِكْمَتِهِ لا سِيَّما مَعَ افْتِتانِ غَيْرِهِمْ بِهِ وكَثْرَةِ كَلامِهِمْ فِيهِ، فَإنَّ الإيمانَ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَكُونُ أعْظَمَ.
ولَمّا أثْبَتَ لِكُلٍّ مِنَ الجاهِلِ والعالِمِ ما أثْبَتَ، أكَّدَهُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مُبَيِّنًا لِلْفِتْنَةِ فَقالَ: ﴿ولا يَرْتابَ﴾ أيْ يَشُكُّ شَكًّا يَحْصُلُ بِتَعَمُّدٍ وتَكَسُّبٍ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ لِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ المُطابِقِ لِذَلِكَ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «إنَّ قَوْمًا مَن أهْلِ (p-٦٤)الكِتابِ جاؤُوا إلَيْهِ في قَضِيَّةٍ - فِيها طُولٌ، وفِيها أنَّهم سَألُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ هَكَذا وهَكَذا، في مَرَّةٍ عَشْرَةٌ وفي مَرَّةٍ تِسْعَةٌ، فَقالُوا: بارَكَ اللَّهُ فِيكَ يا أبا القاسِمِ، ثُمَّ سَألَهُمْ: ما خَزَنَةُ الجَنَّةِ؟ فَسَكَتُوا هَيْبَةً [ثُمَّ -] قالُوا: خُبْزَةٌ يا أبا القاسِمِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الخُبْزَةُ مِنَ الدِّرْمَكِ» ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يَرْتابُ الَّذِينَ رَسَخَ الإيمانُ عِنْدَهم لِما رَأوْا مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي جَعَلَتْهم في مِثْلِ ضَوْءِ النَّهارِ ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ﴾ اسْتَقَرَّ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ وإنْ قَلَّ، ونُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ قَبْلَ وُجُودِ المُنافِقِينَ عَلَمٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، ولا يُنْكَرُ جَعْلُ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ الأُمُورِ عِلَّةً لِمَصالِحِ ناسٍ وفَسادِ آخَرِينَ، لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ عَلى أنَّ العِلَّةَ قَدْ تَكُونُ مَقْصُودَةً لِشَيْءٍ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، ثُمَّ يُرَتَّبُ عَلَيْها شَيْءٌ آخَرُ يَكُونُ قَصْدُهُ بِالقَصْدِ الثّانِي تَقُولُ: [خَرَجْتُ -] مِنَ البَلَدِ لِمُخالَفَةِ أكْثَرَ ومَخافَةِ الشَّرِّ لا يَتَعَلَّقُ بِها الغَرَضُ ﴿والكافِرُونَ﴾ أيْ ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في الكُفْرِ الجازِمُونَ بِالتَّكْذِيبِ المُجاهِرُونَ بِهِ السّاتِرُونَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ مِنَ الحَقِّ ﴿ماذا﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ ﴿أرادَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿بِهَذا﴾ أيِ العَدَدِ القَلِيلِ في جَنْبِ عَظَمَتِهِ ﴿مَثَلا﴾ أيْ مِن جِهَةٍ أنَّهُ صارَ بِذَلِكَ مُسْتَغْرِبًا اسْتِغْرابَ المِثْلِ، أوْ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ ظاهِرُهُ بَلْ (p-٦٥)مَثَّلَ لِشَيْءٍ لَمْ يَفْهَمُوهُ وفَهِمُوا أنَّ بَيْنَ اسْتِجْماعِهِ لِلْعَظَمَةِ وهَذا العَدَدِ عِنادًا، وما عَلِمُوا أنَّ القَلِيلَ مِن حَيْثُ العَدَدِ قَدْ يَكُونُ أعْظَمَ بِقُوَّتِهِ مِنَ الكَثِيرِ العَدَدِ، ويَكُونُ أدَلَّ عَلى اسْتِجْماعِ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: أرادَ بِهَذا إضْلالَ مَن ضَلَّ وهو لا يُبالِي، وهِدايَةَ مَنِ اهْتَدى وهو لا يُبالِي، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا في غَيْرِ هَذا؟ فَقالَ جَوابًا: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ ومَعاقِدُ العِزِّ ﴿مَن يَشاءُ﴾ بِأيِّ كَلامٍ شاءَ ﴿ويَهْدِي﴾ بِقُدْرَتِهِ التّامَّةِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ بِنَفْسِ ذَلِكَ الكَلامِ أوْ بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ مِن حِكَمِ جَعْلِ الخَزَنَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ والإخْبارُ عَنْهم بِتِلْكَ العُدَّةِ فَإنَّ إبْرازَ الأحْكامِ عَلى وجْهِ الغُمُوضِ مِن أعْظَمِ المُهْلِكاتِ والمُسْعِداتِ، لِأنَّ المُنْحَرِفَ الطِّباعِ يَبْحَثُ عَنْ عِلَلِها بَحْثًا مُتَعَنِّتًا، فَإذا عَمِيَتْ عَلَيْهِ قَطَعَ بِبُطْلانِ تِلْكَ الأحْكامِ أوْ شَكَّ، ورُبَّما أبى الِانْقِيادَ، وذَلِكَ هو سَبَبُ كُفْرِ إبْلِيسَ والمُسْتَقِيمُ المِزاجِ [يَبْحَثُ -] مَعَ التَّسْلِيمِ فَإنْ ظَهَرَ لَهُ الأمْرُ ازْدادَ تَسْلِيمًا وإلّا قالَ: آمَنتُ بِذَلِكَ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا - فَكانَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن تَمامِ الِانْقِيادِ لِما (p-٦٦)يَعْلَمُ سِرَّهُ - رَزَقَنا اللَّهُ التَّسْلِيمَ لِأمْرِهِ وأعانَنا عَلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يُوهِمُ قِلَّةَ جُنُودِهِ تَعالى، أتْبَعَهُ ما يُزِيلُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِأنْواعِ الإحْسانِ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ بِغايَةِ الإتْقانِ مِن جَعْلِ النّارِ وخَزَنَتِها وجَعْلِهِمْ عَلى هَذِهِ العُدَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَلا تَعْلَمُ عُدَّتَهم لِأجْلِ كَثْرَتِهِمْ وخُرُوجِهِمْ عَنْ طَوْقِ المَخْلُوقِ وما هم عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ في الأجْسادِ والمَعانِي ﴿إلا هُوَ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَلَوْ أرادَ لِجَعْلِ الخَزَنَةِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ «البَيْتَ المَعْمُورَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ لا تَعُودُ إلَيْهِمْ نَوْبَةٌ أُخْرى،» وقَدْ ورَدَ أنَّ الأرْضَ في السَّماءِ كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ [فِي فَلاةٍ -] وكُلُّ سَماءٍ في الَّتِي فَوْقَها كَذَلِكَ، وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ يُصَلِّي».
وإنَّما خُصٌّ هَذا العَدَدُ لِحِكَمٍ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ، ومَن أرادَ إطْلاعَهُ عَلى ذَلِكَ مِن عِبادِهِ مَعَ أنَّ الكِفايَةَ تَقَعُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ في المَلائِكَةِ مَنِ اقْتَلَعَ مَدائِنَ قَوْمِ لُوطٍ وهي سَبْعٌ ”ورَفَعَها“ إلى عَنانِ السَّماءِ، وكُلُّ ما في الإنْسانِ مِنَ الجَواهِرِ (p-٦٧)والإعْراضِ مِن جُنُودِ اللَّهِ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن نَفْسِهِ لَأهْلَكَهُ: لَوْ تَحَرَّكَ عِرْقٌ ساكِنٌ أوْ سَكَنَ مُتَحَرِّكٌ أوِ انْسَدَّ مُجَوَّفٌ أوْ تَجَوَّفَ مُنْسَدٌّ لَهَلَكَ.
ولَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أسْرارِ سَوْقِ الأخْبارِ عَنْها غامِضًا، وكانَ ذَلِكَ مِن رَحْمَةِ العِبادِ لِيَفْتَحَ لَهم بابًا إلى التَّسْلِيمِ لِما يُغْمِضُ مِن تَذْكِيرِهِمْ بِأمْرِ مَلِيكِهِمْ لِأنَّ العاجِزَ لا يَسَعُهُ في المَشْيِ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ إلّا التَّسْلِيمُ لِلْقادِرِ وإلّا أهْلَكَ نَفْسَهُ وما ضَرَّ غَيْرَها، خَصَّ أمْرَها في التَّذْكِيرِ تَأْكِيدًا لِلْإعْلامِ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ لِأجْلِ ما لِأغْلَبِ المُخاطَبِينَ مِنَ اعْوِجاجِ الطِّباعِ المُقْتَضِي لِلرَّدِّ والإنْكارِ، المُقْتَضِي لِسَوْقِ الكَلامِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيِ النّارُ الَّتِي هي [مِن -] أعْظَمِ جُنُودِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيْ تَذْكِرَةٌ عَظِيمَةٌ لِكُلِّ مَن هو ظاهِرُ البَشْرَةِ فَبَدَنُهُ أقْبَلُ شَيْءٍ لِلتَّأثُّرِ بِها لِأجْلِ ما يَعْرِفُونَ مِنها في دُنْياهُمْ، وإلّا فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى إيجادِ ما هو أشَدُّ مِنها وأعْظَمُ وأكْثَرُ إيلامًا مِمّا لا يَعْلَمُهُ الخَلائِقُ.
ولَمّا كانَ حَصْرُها في الذِّكْرى رُبَّما أوْهَمَ نَقْصًا في أمْرِها يُوجِبُ لِبَعْضِ المُعانِدِينَ رِيبَةً في عِظَمِهِ وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَها ولا عَذابَ فِيها، قالَ رادِعًا مِن ذَلِكَ ومُنَبِّهًا عَلى الِاسْتِعْدادِ والحَذَرِ بِكَلِمَةِ الرَّدْعِ (p-٦٨)والتَّنْبِيهِ: ﴿كَلا﴾ أيْ إيّاكَ أنْ تَرْتابَ في أهْوالِها وعَظِيمِ أمْرِها وأحْوالِها وأوْجالِها لِأنَّ الأمْرَ أطَمُّ وأعْظَمُ مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ، فَلْيَرْتَدِعِ السّامِعُ ولِيَنْزَجِرْ.
ولَمّا حَصَرَ أمْرَها في الذِّكْرى ونَفى أنْ يَظُنَّ بِها نَقْصٌ فِيما جُعِلَتْ لَهُ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ إشارَةً إلى ما لِأغْلَبِ المُخاطَبِينَ مِنَ الشَّكاسَةِ والعُوَجِ إيقاظًا مِمّا هم فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ وتَلْطِيفًا لِما لَهم مِنَ اللَّوْمِ والكَثافَةِ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى السَّعْيِ في تَقْوِيمِ أنْفُسِهِمْ بِما يَسْتَعْمِلُونَهُ مِنَ الأدْوِيَةِ الَّتِي يُرْشِدُهم سُبْحانَهُ إلى عِلاجِ أمْراضِ القُلُوبِ بِها، زادَ الأمْرَ تَأْكِيدًا فَأقْسَمَ عَلى ذَلِكَ بِما هو ذِكْرى لِلنّاسِ ولا يَظْهَرُ مَعَهُ ظَلامُ اللَّيْلِ كَما أنَّ ضِياءَ القُرْآنِ لا يَظْهَرُ مَعَهُ ظَلامُ الجَهْلِ مَن أعْمَلَ عَيْنَ فِكْرَتِهِ، وألْقى حُظُوظَ نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿والقَمَرِ﴾ [أيِ الَّذِي -] هو آيَةُ اللَّيْلِ الهادِيَةُ لِمَن ضَلَّ بِظَلامِهِ
﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ أيْ مَضى فانْقَلَبَ راجِعًا مِن حَيْثُ جاءَ فانْكَشَفَ ظَلامُهُ فَزالَ الجَهْلُ بِانْكِشافِهِ، وانْصَرَفَتِ الرِّيَبُ والشُّكُوكُ بِانْصِرافِهِ
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أقْبَلَ ضِياؤُهُ فَجَلَّ العِلْمُ بِحُلُولِهِ، وحَصَلَتِ الهِدايَةُ بِحُصُولِهِ، أوْ دَبَرَ بِمَعْنى ”أقْبَلَ“ قالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ العَرَبُ: دَبَرَنِي فُلانٌ أيْ جاءَ خَلَفِي.
74:35Page 576
إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ٣٥
Indeed, it [i.e., the Fire] is of the greatest [afflictions]
ولَمّا أقْسَمَ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن ذِكْراها، وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمُ العَظِيمِ لِبَلاياها (p-٦٩)اسْتَأْنَفَ تَعْظِيمَها والتَّخْوِيفَ مِنها تَأْكِيدًا لِلتَّخْوِيفِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإنْكارِ فَقالَ: ﴿إنَّها﴾ أيِ النّارُ الَّتِي سَقَرَ دَرْكَةٌ مِن دَرْكاتِها، وزادَ في التَّأْكِيدِ عَلى مُقْتَضى زِيادَتِهِمْ في الِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿لإحْدى الكُبَرِ﴾ أيْ مِنَ الدَّواهِي والعَظائِمِ، جَمْعُ كَبِيرَةٍ وكُبْرى، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ هَوْلِها كَما يَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ أيْ لا مِثْلَ لَهُ، أوِ المُرادُ بِها واحِدَةُ سَبْعٍ هي غايَةٌ في الكِبَرِ أيْ دِرْكاتُ النّارِ، وهو جَهَنَّمُ فَلَظى فالحَطْمَةُ فالسَّعِيرُ فَسَقَرُ فالجَحِيمُ فالهاوِيَةُ، هي إحْداها في عَظِيمِ أقْطارِها وشَدِيدِ إيلامِها وإضْرارِها، حالَ كَوْنِها
﴿نَذِيرًا﴾ عَظِيمًا أوْ مِن جِهَةِ نِذارَتِها أوْ إنْذارًا بِالِغًا: فَعِيلٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ مِثْلُ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] أيْ إنْكارِي، وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلْبَشَرِ﴾ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ إلى إسْراعِ الجِسْمِ العادِيِّ في قَبُولِ التَّأثُّرِ لا سِيَّما بِالنّارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences