Al-Biqa'iAl‑Qiyamah · 75:16–34

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Qiyamah 75:16–34

75:16Page 577

لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦

Move not your tongue with it, [O Muḥammad], to hasten with it [i.e., recitation of the Qur’ān].

ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا كُلُّهُ أنَّ الإنْسانَ مَحْجُوبٌ في هَذِهِ الدّارِ عَنْ إدْراكِ الحَقائِقِ بِما فِيهِ مِنَ الحُظُوظِ والكَسَلِ والفُتُورِ، لِما فِيهِ مِنَ النَّقائِصِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ مُبَرَّءًا مِن ذَلِكَ لِخَلْقِ [اللَّهِ -] لَهُ كامِلًا وتَرْقِيَتُهُ بَعْدَ مِيلادِهِ كُلَّ يَوْمٍ في مَراقِي الكَمالِ حَتّى صارَ إلى حَدٍّ لا يَشْغَلُهُ [عَنِ العُلُومِ -] شَيْءٌ فَكانَ بِحَيْثُ يَرى مَواقِعَ الفِتَنِ خِلالَ البُيُوتِ كَمَواقِعِ القَطْرِ، ويَرى مِن ورائِهِ كَما يَرى مِن أمامِهِ، ويَقُولُ: «واللَّهِ لا يَخْفى عَلَيَّ خُشُوعُكم ولا رُكُوعُكم إنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي» وكانَ ﷺ يَرى في أشَدِّ الظَّلّامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ ﷺ مِن رِقَّةِ الجَوْهَرِ الَّذِي لَمْ يَنَلْهُ أحَدٌ غَيْرُهُ، وذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى الكَشْفِ التّامِّ ولَكِنَّهُ [كانَ -] (p-٩٨)ﷺ لِتَعْظِيمِهِ لِهَذا القُرْآنِ لِما لَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الجَلالَةِ ولِما فِيهِ مِن خَزائِنِ السَّعادَةِ والعُلُومِ الَّتِي لا حَدَّ لَها فَتُسْتَقْصى، ولِأنَّهُ كَلامُ المَلِكِ الأعْظَمِ، وبِأمْرِهِ نَزَلَ إلَيْهِ ﷺ مَعَ رَسُولِهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، يُعالِجُ عِنْدَ سَماعِهِ أوَّلَ ما يَأْتِيهِ شِدَّةٌ، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ اسْتِعْجالًا بِتَعَهُّدِهِ لِيَحْفَظَهُ ولا يَشِذَّ عَنْهُ مِنهُ شَيْءُ، وكانَ قَدْ خَتَمَ سُبْحانَهُ ما قَبْلَها بِالمَعاذِيرِ، وكانَتِ العَجَلَةُ مِمّا يَعْتَذِرُ عَنْهُ، وكانَ الحامِلُ عَلى جَمِيعِ ما يُوجِبُ المَلامَةَ والِاعْتِذارَ ما طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن حُبِّ العاجِلِ، قالَ سُبْحانَهُ نَتِيجَةً عَنْ هَذِهِ المُقَدِّماتِ المُوجِبَةِ لِانْكِشافِ الأشْياءِ لِلْإنْسانِ المُوجِبِ لِلْإخْبارِ بِها والخَوْفِ مِن عَواقِبِها لِئَلّا يَمِيلَ إلى العاجِلَةِ ولا يَقَعُ في مُخالَفَةٍ لَوْلا ما شَغَلَهُ بِهِ مِنَ الحَجْبِ إعْلامًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ دَفَعَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ الحُجُبَ وأوْصَلَهُ مِن رُتْبَةِ «لَوْ كَشَفَ الغِطاءَ ما ازْدَدْتَ يَقِينًا» إلى أنْهاها، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِن كَشْفِ ما يُرِيدُ لِمَن يُرِيدُ كَما يَكْشِفُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَنْ أعْمالِهِ في القِيامَةِ حَتّى يَصِيرَ يَعْرِفُ ما قَدَّمَ مِنها وما أخَّرَ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ﷺ لا كَسْبَ لَهُ في هَذا القُرْآنِ (p-٩٩)بِغَيْرِ حُسْنِ التَّلَقِّي إبْعادًا لَهُ عَنْ قَوْلِ البَشَرِ وتَمْهِيدًا بِما يُحَرِّكُ مِن لِسانِهِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ تَمامِ الإلْقاءِ لِذَمِّ ما طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ أيِ القُرْآنَ الَّذِي هو تَذْكِرَةُ مَن شاءَ ذَكَرَهُ لَوْلا حِجابُ المَشِيئَةِ، وقَدْ كَشَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى حِجابَ المَشِيئَةِ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ وشاءَ أنْ يَذْكُرَهُ حِينَ قالَ ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] لِأنَّهُ ما نَزَلَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ اكْتِسابٍ مِنهُ إلّا وقَدْ شاءَ ذَلِكَ ﴿لِسانَكَ﴾ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ حَرَكَةٌ إلّا في ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّحْرِيكِ فائِدَةٌ مَعَ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا قَصَدَ الطّاعَةَ بِالعَجَلَةِ، وكانَتِ العَجَلَةُ هي الإتْيانُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ أوانِهِ الألْيَقِ بِهِ، وإنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ مُثابًا عَلى ذَلِكَ أعْظَمَ الثَّوابِ لِأنَّهُ لا حامِلَ لَهُ عَلَيْهِ إلّا حُبُّ اللَّهِ وحُبُّ ما يَأْتِي مِنهُ، وجَعَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِلَّةً وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً فَقالَ: ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ بِحَمْلِهِ وأخْذِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرَغَ مِن إلْقائِهِ إلَيْكَ رَسُولُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنكَ، لِأنَّ هَذِهِ العَجَلَةَ وإنْ كانَتْ مِنَ الكَمالاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ وإلى إخْوانِكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] (p-١٠٠)لِأنَّها مِنَ النَّفْسِ اللَّوّامَةِ الَّتِي تَلُومُ عَلى تَرْكِ المُبادَرَةِ إلى أفْعالِ الخَيْرِ فَغَيْرُها مِن أفْعالِ المُطْمَئِنَّةِ أكْمَلُ مِنها، فَنَقَلَ ﷺ مِن مَقامٍ كامِلٍ إلى أكْمَلِ مِنهُ، وكانَ هَذا الكَلامُ المُتَعَلِّقُ بِالقُرْآنِ والَّذِي بَعْدَهُ فُرْقانًا بَيْنَ صِفَتِيِ اللَّوّامَةِ في الخَيْرِ واللَّوّامَةِ في الشَّرِّ، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى في المُدَّثِرِ حِكايَةً ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ في وصْفِ حالِ القِيامَةِ جَرَّ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] أيْ أنَّ الَّذِي خُيِّلَ بِهِ المُتَقَوِّلُ في القُرْآنِ أمْرانِ: أحَدُهُما أنَّهُ سِحْرٌ والآخَرُ أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ، والعِلْمُ اليَقِينُ حاصِلٌ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ، وأمّا الثّانِي فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْشى أنْ لا يُتْقِنَ حِفْظَهُ فَتَدْخُلَ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ مَثَلًا فَيَكُونُ مِن قَوْلِ البَشَرِ فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ العَجَلَةِ وضَمِنَ لَهُ الحِفْظَ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّهُ مِن مَجَرّاتِهِ:

75:17Page 577

إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧

Indeed, upon Us is its collection [in your heart] and [to make possible] its recitation.

﴿إنَّ عَلَيْنا﴾ أيْ بِما [لَنا -] مِنَ العَظَمَةِ، لا عَلى أحَدٍ سِوانا ﴿جَمْعَهُ﴾ أيْ في صَدْرِكَ حَتّى نُثْبِتَهُ ونَحْفَظَهُ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ أيْ إطْلاقِ لِسانِكَ بِهِ وإثْباتِهِ في رُتْبَتِهِ مِنَ الكِتابِ حالَ كَوْنِهِ مَجْمُوعًا أتَمَّ جَمْعٍ مُيَسَّرًا حُسْنَ تَيْسِيرٍ فَأرِحْ نَفْسَكَ مِمّا تَعالَجَ في أمْرِهِ مِنَ المَشَقَّةِ وتُكابِدِهِ مِنَ العَناءِ.

75:18Page 577

فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨

So when We have recited it [through Gabriel], then follow its recitation.

(p-١٠١)ولَمّا نَهاهُ أمَرَهُ فَقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أقْدَرَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تَأْدِيَتِهِ إلَيْكَ كَما حَمَلْناهُ إيّاهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وعَلى حَسَبِها ﴿فاتَّبِعْ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِكَ بِإلْقاءِ سَمْعِكَ وإحْضارِ ذِهْنِكَ ﴿قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ مَجْمُوعَةُ عَلى حَسَبِ ما أدّاهُ إلَيْكَ رَسُولُنا وجَمَعْناهُ لَكَ في صَدْرِكَ، وكَرَّرَ تِلاوَتَهُ حَتّى يَصِيرَ لَكَ بِهِ مَلْكَةً عَظِيمَةً واعْمَلْ بِهِ حَتّى يَصِيرَ لَكَ خَلْقًا فَيَكُونُ قائِدُكَ إلى كُلِّ خَيْرٍ، فالضَّمِيرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ، يَكُونُ القُرْآنُ هُنا بِمَعْنى القِراءَةِ، عَبَّرَ بِهِ عَنْها تَعْظِيمًا لَها، أيِ اتَّبَعْ قِراءَةَ القُرْآنِ أيْ قِراءَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ [لَهُ-]، ولَوْ كانَ عَلى بابِهِ لَمْ يَكُنْ مَحْذُورًا، فَإنَّ المُرادَ بِهِ خاصٌّ وبِالضَّمِيرِ عامٌّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ [أيِ -] اتْبَعْ قِراءَتَهُ ولا تُراسِلْهُ.

75:19Page 577

ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ ١٩

Then upon Us is its clarification [to you].

ولَمّا كانَ بَيانُ كَلِماتِهِ ونُظُومِهِ عَلى أيِّ وجْهٍ سَمِعَهُ مِن مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ وغَيْرِها وبَيانِ مَعانِيهِ وما فِيهِ مِن خَزائِنِ العِلْمِ مِنَ العَظَمَةِ بِمَكانٍ يَقْصُرُ عَنْهُ الوَصْفُ، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي، فَقالَ دالًّا عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ إلى وقْتِ الحاجَةِ، مُشْعِرًا بِأنَّهُ كانَ يُعَجِّلُ بِالسُّؤالِ عَنِ المَعْنى كَما كانَ يُعَجِّلُ بِالقِراءَةِ: ﴿ثُمَّ﴾ وأكَّدَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لِعِظَمِهِ مِمّا يَتَوَقَّفُ فِيهِ فَقالَ: ﴿إنَّ عَلَيْنا﴾ (p-١٠٢)أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بَيانَهُ﴾ أيْ بَيانَ ألْفاظِهِ ومَعانِيهِ لَكَ سَواءٌ سَمِعْتَهُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ أوْ بِكَلامِ النّاسِ المُعْتادِ بِالصَّوْتِ والحَرْفِ، ولِغَيْرِكَ عَلى لِسانِكَ وعَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ مِن أُمَّتِكَ، [والآيَةُ -] مُشِيرَةٌ إلى تَرْكِ مُطْلَقِ العَجَلَةِ لِأنَّهُ إذا نَهى عَنْها في أعْظَمِ الأشْياءِ وأهَمِّها كانَ غَيْرُهُ بِطْرِيقِ الأوْلى، رَوى البُخارِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ في أوَّلِ صَحِيحِهِ وآخِرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «”كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فَأنا أُحَرِّكُهُما لَكَ كَما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُما“ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الآيَةَ حَتّى قالَ: جَمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] قالَ: فاسْتَمِعْ لَهُ وأنْصِتْ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا أنْ تَقْرَأهُ، قالَ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَمَعَ مُطْرِقًا فَإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأهُ النَّبِيُّ ﷺ كَما أقْرَأهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ بِكَفالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]» .

75:20Page 578

كـَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ ٢٠

No! But you [i.e., mankind] love the immediate

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ خَتَمَ الكَلامَ في المُكَذِّبِينَ بِأنَّ أعْمالَهم (p-١٠٣)مَحْفُوظَةٌ، وأنَّ كُلَّ أحَدٍ عَلى نَفْسِهِ شاهِدٌ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ جَمِيلَ ما يَفْعَلُ مِن قَبِيحِهِ وإنِ اعْتَذَرَ، ولَوْلاهُ ما اشْتَدَّ اتِّصالُهُ بِهِ، وخَتَمَ بِضَمانِ البَيانِ لِلْقُرْآنِ، فَكانَ شاهِدًا بَيِّنًا عَلى كُلِّ إنْسانٍ بِما لَهُ مِن عَظِيمِ البَيانِ. قالَ نافِيًا لِما يُظَنُّ مِن جَهْلِهِمْ بِقَبِيحِ أفْعالِهِمُ الَّذِي اقْتَضاهُ اعْتِذارُهم مُشْعِرًا بِأنَّ الآدَمِيَّ مَطْبُوعٌ عَلى الِاسْتِعْجالِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ العَجَلَةِ في أعَزِّ الأشْياءِ وأعْلاها وأهَمَّها وأوْلاها، لِأنَّهُ أصْلُ الدِّينِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِلنَّهْيِ عَنِ العَجَلَةِ بِالقُرْآنِ ومُؤَكِّدًا لِذَمِّهِمْ بِحُبِّ العاجِلَةِ مُغَلِّظًا لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى المَيْلِ مَعَ الطَّبْعِ وتَرْكِ ما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ والعَقْلُ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَجْهَلُ أحَدٌ مِنهم قَبائِحَ ما ارْتَكَبَهُ وإنِ اعْتَذَرَ وما ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنها عَنْ جَهْلٍ ﴿بَلْ﴾ هم ﴿تُحِبُّونَ﴾ أيْ مَحَبَّةً مُتَجَدِّدَةً مُسْتَمِرَّةً عَلى تَجَدُّدِ الزَّمانِ ﴿العاجِلَةَ﴾ بِدَلِيلِ أنَّهم يُقْبِلُونَ غايَةَ الإقْبالِ عَلَيْها فَيَأْخُذُونَها، وحُبُّها أوْجَبَ لَهُمُ ارْتِكابَ ما يَعْلَمُونَ قُبْحَهُ فَإنَّ الآخِرَةَ والأُولى ضَرَّتانِ مَن أحَبَّ إحْداهُما فَعَلَ ولا بُدَّ ما يُباعِدُهُ عَنِ الأُخْرى، فَإنَّ «حُبَّكَ لِلشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ» وهَذا بِخِلافِ نَبِيِّنا ﷺ في مُطْلَقِ العَجَلَةِ فَكَيْفَ بِالعاجِلَةِ فَإنَّما طَبَّعْناهُ عَلى الكَمالِ، فَكانَ يُعالِجُ مِنَ العَجَلَةِ بِالقِراءَةِ شِدَّةً فَحِينَ نَهَيْناهُ عَنْ ذَلِكَ انْتَهى رُجُوعًا إلى طَبْعِهِ الكامِلِ الَّذِي (p-١٠٤)لا يَشُوبُهُ نَقْصٌ، وكَذا كانَ أمْرُهُ تَكْوِينًا لا إباءَ مَعَهُ ولا كُلْفَةَ، فَإنَّ نَفْسَهُ المُطْمَئِنَّةَ هي الغالِبَةُ ولَها السُّلْطانُ الأكْبَرُ، ولِأجْلِ تَضارُرِ الدّارَيْنِ وكَوْنِهِمْ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ قالَ:

75:21Page 578

وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٢١

And leave [i.e., neglect] the Hereafter.

﴿وتَذَرُونَ﴾ أيْ يَتْرُكُونَ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ ولَوْ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ ﴿الآخِرَةَ﴾ لِأنَّهم يُبْغِضُونَها لِارْتِكابِهِمْ ما يَضْرِبُهم فِيها، وجَمَعَ الضَّمِيرَ وإنْ كانَ مَبْنى الخِطابِ مَعَ الإنْسانِ نَظَرًا لِلْمَعْنى إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَسْلَمُ مِنَ العَجَلَةِ المَذْمُومَةِ [إلّا -] أفْرادٌ حَفِظَهُمُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الحُبَّ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى البُغْضِ ثانِيًا، والتَّرْكَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الإقْبالِ والأخْذَ أوَّلًا، فَأنْفُسُهُمُ اللَّوّامَةُ تَلُومُهم عَلى التَّقْصِيرِ في الشَّرِّ كَما أنَّ نَفْسَكَ تَحُثُّكَ عَلى الِازْدِيادِ مِنَ الخَيْرِ والمُبادَرَةِ إلَيْهِ، فَنِعْمَ النَّفْسُ هي ولِتُعْلِينَ مَقامَها، وأمّا أنْفُسُهم فَإنَّها تَحُثُّهم لِأجْلِ اللَّوْمِ عَلى التَّقْصِيرِ في الشَّرِّ عَلى الإخْلادِ إلى العاجِلِ الفانِي والإقْلاعِ عَنِ الباقِي لِكَوْنِهِ غائِبًا فَبِئْسَ الأنْفُسُ هي.

75:22Page 578

وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢

[Some] faces, that Day, will be radiant,

ولَمّا ذَكَرَ الآخِرَةَ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها، ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيها بَيانًا بِجَهْلِهِمْ وسَفَهِهِمْ وقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، تَرْهِيبًا لِمَن أدْبَرَ عَنْها وتَرْغِيبًا لِمَن أقْبَلَ عَلَيْها لُطْفًا بِهِمْ ورَحْمَةً لَهم فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ﴾ أيْ مِنَ المَحْشُورِينَ وهم جَمِيعُ الخَلائِقِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ تَقُومُ القِيامَةُ ﴿ناضِرَةٌ﴾ مِنَ (p-١٠٥)النَّضِرَةِ بِالضّادِ، وهي النِّعْمَةُ والرَّفاهِيَةُ أيْ هي بَهِيَّةٌ مُشْرِقَةٌ ظاهِرٌ عَلَيْها أثَرُ النِّعْمَةِ بِحَيْثُ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى نِعْمَةِ أصْحابِها

75:23Page 578

إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣

Looking at their Lord.1

﴿إلى رَبِّها﴾ أيِ المُحْسِنِ لَها خاصَّةً بِاعْتِبارِ أنْ عَدَّ النَّظَرَ إلى غَيْرِهِ كَلا نَظَرَ ﴿ناظِرَةٌ﴾ أيْ دائِمًا هم مُحَدِّقُونَ أبْصارَهم نَحْوَ جُودِهِ بِالتَّجَلِّي لا غَفْلَةَ لَهم عَنْ ذَلِكَ فَإذا رَفَعَ الحِجابَ عَنْهم أبْصَرُوهُ بِأعْيُنِهِمْ بِدَلِيلِ جُودِهِ بِالتَّجَلِّي لا غَفْلَةَ لَهم عَنْ ذَلِكَ فَإذا رَفَعَ الحِجابَ عَنْهم أبْصَرَهُ بِأعْيُنِهِمْ بِدَلِيلِ التَّعْدِيَةِ بِ ”إلى“ وذَلِكَ، النَّظَرِ جَهْرَةً مِن غَيْرِ اكْتِتامٍ ولا تَضامٍّ ولا زِحامٍ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وجَمِيعُ أهْلِ السُّنَّةِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الأحادِيثِ الصِّحاحِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ بِحَيْثُ اشْتُهِرَ غايَةَ الشُّهْرَةِ، وتَكُونُ الرُّؤْيَةُ كَما مَثَّلَتْ في الأحادِيثِ

«كَما يُرى القَمَرُ لَيْلَةَ البَدْرِ» كُلُّ مَن يُرِيدُ رُؤْيَتَهُ مِن بَيْتِهِ مُخَلِّيًا بِهِ - هَذا وجْهُ الشَّبَهِ، لا أنَّهُ في جِهَةٍ ولا في حالَةٍ لَها شَبِيهَ - تَعالى اللَّهُ عَنِ التَّشْبِيهِ، وهَكَذا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ في المَنامِ مِنَ الأشْخاصِ المُسْتَكْثِرَةِ في البِلادِ المُتَبايِنَةِ في الوَقْتِ الواحِدِ، وقَدَّمَ الجارَّ الدّالِّ عَلى الِاخْتِصاصِ إشارَةً إلى هَذا النَّظَرِ مُبايِنٍ لِلنَّظَرِ إلى غَيْرِهِ فَلا يُعَدُّ ذَلِكَ نَظَرًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وإلى أنَّ تِلْكَ الوُجُوهَ مُسْتَغْرِقَةٌ في مُطالَعَةِ جَمالِهِ بِحَيْثُ لا تَفْتُرُ عَنْ ذَلِكَ، ولا يَعُدْ نَظَرُها إلى ما سِواهُ شَيْئًا، وهي آمِنَةٌ مِن (p-١٠٦)أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ، وعَبَّرَ بِالوُجُوهِ عَنْ أصْحابِها لِأنَّها أدَلُّ ما يَكُونُ عَلى السُّرُورِ، ولِيَكُونَ ذِكْرُها أصْرَحَ في أنَّ المُرادَ بِالنَّظَرِ حَقِيقَتُهُ، وزادُهُ صَراحَةً بِالتَّعْدِيَةِ بِ ”إلى“ فَإنَّ الِانْتِظارَ لا يُعَدّى بِها، قالَ الإمامُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِ المَحَبَّةِ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ أنْ جَوَّزَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ النَّظَرَ في الجِهَةِ وغَيْرِها: والحَقُّ ما ظَهَرَ لِأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةُ مِن شَواهِدِ الشَّرْعِ أنَّ ذَلِكَ يَخْلُقُ في العَيْنِ لِيَكُونَ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ والنَّظَرِ وسائِرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في الشَّرْعِ مَجْرى عَلى ظاهِرِهِ إذْ لا يَجُوزُ إزالَةُ الظَّواهِرِ إلّا لِضَرُورَةٍ - انْتَهى، وأهْلُ الجَنَّةِ مُتَفاوِتُونَ في النَّظَرِ: رُوِيَ أنَّ مِنهم مَن يَنْظُرُ إلى اللَّهِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، وفي خَبَرٍ آخَرَ، وما بَيْنَ القَوْمِ [وبَيْنَ -] أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمْ إلّا رِداءَ الكِبْرِياءِ عَلى وجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، ومُتَفاوِتُونَ في مِقْدارِ الكَشْفِ في الجَمالِ والأُنْسِ والبَهْجَةِ الَّتِي يَكُونُ عَنْها اللَّذَّةُ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ.

75:24Page 578

وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ ٢٤

And [some] faces, that Day, will be contorted,

ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ النِّعْمَةِ، أتْبَعَهُ أضْدادَهم مِن أهْلِ النِّقْمَةِ فَقالَ: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ ﴿باسِرَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةِ العُبُوسِ والكُلُوحُ والتَّكَرُّهُ لِما هي فِيهِ مِنَ الغَمِّ كَأنَّها قَدْ غَرِقَتْ فِيهِ فَرَسَبَتْ بَعْدَ أنْ سَبَرَتْ أحْوالُها، فَلَمْ يَظْهَرْ لَها وجْهُ خَلاصٍ.

(p-١٠٧)والباسِلُ أبْلَغُ مِنَ الباسِرِ لَكِنَّهُ غَلَبَ في الشُّجاعِ لِاشْتِدادِ كَلَوْحِهِ عِنْدَ العِراكِ، وتِلْكَ الوُجُوهُ عَنْ رَبِّها مَحْجُوبَةٌ، وإلى أنْواعِ العَذابِ ناظِرَةٌ.

75:25Page 578

تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ٢٥

Expecting that there will be done to them [something] backbreaking.

ولَمّا كانَ ظَنُّ الشَّرِّ كافِيًا في الحَذَرِ مِنهُ والمُبالَغَةِ في اسْتِعْمالِ ما يَحْمِي مِنهُ، قالَ دالًّا عَلى أنَّهُ عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ: ﴿تَظُنُّ﴾ أيْ تَتَوَقَّعُ بِما تَرى مِنَ المُخايِلِ: ﴿أنْ يُفْعَلَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَحْذُورَ وُقُوعُ الشَّرِّ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿بِها﴾ أيْ بِهِمْ فَإنَّهُ إذا أُصِيبَ الوَجْهُ الَّذِي هو أشْرَفُ ما في الجُمْلَةِ كانَ ما عَداهُ أوْلى ﴿فاقِرَةٌ﴾ أيْ داهِيَةٌ تَكْسِرُ الفَقارَ وهو عَظْمُ سِلْسِلَةِ الظَّهْرِ الَّذِي هو أصْلَبُ ما في العِظامِ فَتَكُونُ قاصِمَةَ الظَّهْرِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ النَّظَرِ في الأوْلى دَلِيلٌ عَلى ضِدِّهِ في الثّانِيَةِ، وذِكْرُ الفاقِرَةِ في الثّانِيَةِ دَلِيلٌ عَلى ضِدِّها في الأُولى.

75:26Page 578

كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦

No! When it [i.e., the soul] has reached the collar bones1

ولَمّا ذَكَرَ مَحَبَّتَهم لِلْعاجِلَةِ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُ حُبُّ غَيْرِهِ مُنْفَكُّ التَّجَدُّدِ أصْلًا، أخْبَرَ أنَّهُ يَنْقِطِعُ عَنْ هَوْلِ المُطَّلِعِ [مَعَ -] الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ، وأنَّهُ لا يُرَدُّ قَضاؤُهُ، فَقالَ رادِعًا لِمَن يَظُنُّ عَدَمَ انْقِطاعِهِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَدُومُ هَذا الحُبُّ بَلْ لا بُدَّ أنْ يَنْقَطِعَ انْقِطاعًا قَبِيحًا جِدًّا. ولَمّا كانَ المُحِبُّ لِلدُّنْيا هو النَّفْسُ، أضْمَرَها لِذَلِكَ ولِدَلالَةِ الكَلامِ [عَلَيْها -] فَقالَ ذاكِرًا (p-١٠٨)ظَرْفَ ما أفْهَمَ حَرْفَ الرَّدْعِ تَقْدِيرُهُ مِن عَدَمِ المَحَبَّةِ: ﴿إذا بَلَغَتِ﴾ أيِ النَّفْسِ المُقْبِلَةِ عَلى العاجِلَةِ بِأمْرٍ مُحَقَّقٍ - بِما أفْهَمَتْهُ أداةُ التَّحَقُّقِ ﴿التَّراقِيَ﴾ أيْ عِظامُ أعالِي الصَّدْرِ، جَمْعُ تَرْقُوَةٍ وهي العِظامُ الَّتِي حَوْلَ الحُلْقُومِ عَنْ يَمِينِ ثَغْرَةِ النَّحْرِ وشَمالِها بَيْنَ الثَّغْرَةِ وبَيْنَ العاتِقِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تُرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، لَعَلَّهُ جَمَعَ المُثَنّى إشارَةً إلى شِدَّةِ انْتِشارِها بِغايَةِ الجُهْدِ لِما هي فِيهِ مِنَ الكَرْبِ لِاجْتِماعِها مِن أقاصِي البَدَنِ إلى هُناكَ وضِيقِ المَجالِ عَلَيْها كَأنَّها تُرِيدُ أنْ تَخْرُجَ مِن أدْنى مَوْضِعٍ يَقْرُبُ مِنها، وهَذا كِنايَةٌ عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ وما أحْسَنَ قَوْلَ حاتِمٍ الطّائِيِّ وأشَدَّ التِئامِهِ مَعَ ما هُنا مِن أمْرِ الرُّوحِ:

؎أماوِيٌّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ

75:27Page 578

وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ ٢٧

And it is said, "Who will cure [him]?"

ولَمّا كانَ أهْلُ المَيِّتِ يَشْتَدُّ انْزِعاجُهم إذْ ذاكَ ويَشْتَدُّ تَطَلُّبُهم لِما يُنْجِي المُحْتَضِرَ مِن غَيْرِ أنْ يُفِيدَهم ذَلِكَ شَيْئًا، فَكانَ قَوْلُهم كَأنَّهُ لا قائِلَ لَهُ عَلى التَّعْيِينِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ﴾ أيْ مِن كُلِّ قائِلٍ يَعِزُّ عَلَيْهِ المَيِّتُ اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ: ﴿مَن راقٍ﴾ أيْ مَن هو الَّذِي يَتَّصِفُ بِرُسُوخِ القَدَمِ في أمْرِ الرُّقى الشّافِيَةِ لِيَرْقِيهِ فَيُخَلِّصَهُ مِمّا هو فِيهِ فَإنَّهُ صارَ (p-١٠٩)إلى حالَةٍ لا يَحْتَمِلُ فِيها دَواءٌ فَلا رَجاءَ إلّا في الرُّقى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ هَذا القَوْلَ مِن بَعْضِ المَلائِكَةِ لِلِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ: أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ؟ فالأوَّلُ اسْمُ فاعِلٍ مِن رَقى يَرْقى بِمَعْنى الرُّقْيَةِ بِالفَتْحِ في الماضِي والكَسْرِ في المُضارِعِ، [ والثّانِي الَّذِي بِمَعْنى الصُّعُودِ بِالكَسْرِ في الماضِي والكَسْرِ في المُضارِعِ. -]

75:28Page 578

وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨

And he [i.e., the dying one] is certain that it is the [time of] separation

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَطْبُوعًا عَلى التَّرَجُّحِ بَيْنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ تَتَعَلَّقُ لِما يَغْلُبُ عَلَيْهِ مِن طَبْعِ الإلْفِ وشِدَّةِ الرُّكُونِ لِما يَأْلَفُهُ بِأدْنى شَيْءٍ، عَبَّرَ عَمّا هو أهْلٌ لِلتَّحَقُّقِ بِالظَّنِّ فَقالَ: ﴿وظَنَّ﴾ أيِ المُحْتَضِرُ لِما لاحَ لَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ أوِ القائِلِ ”هَلْ مِن راقٍ“ مِن أهْلِهِ ﴿أنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي هو [فِيهِ -] ﴿الفِراقُ﴾ أيْ لَمّا كانَ فِيهِ مِن مَحْبُوبِ العاجِلَةِ الَّذِي هو الفِراقُ الأعْظَمُ الَّذِي لا فِراقَ مِثْلُهُ، فَفي الخَبَرِ أنَّ العَبْدَ لِيُعالِجُ كَرْبَ المَوْتِ وسَكَراتِهِ وأنَّ مَفاصِلَهُ لَيُسَلِّمُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ تُفارِقُنِي وأُفارِقُكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ:

75:29Page 578

وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ٢٩

And the leg is wound about the leg,1

﴿والتَفَّتِ السّاقُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ ﴿بِالسّاقِ﴾ أيِ انْضَمَّتْ إلَيْها واتَّصَلَتْ [بِها -] ودارَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى فَكانَتا (p-١١٠)كالشَّيْءِ الواحِدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ لِأنَّ المَشْيَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ انْفِصالِ إحْدى السّاقَيْنِ عَنِ الأُخْرى، أوْ عَنِ اشْتِدادِ الأمْرِ جِدًّا وبَعْدَهُ عَنِ الخَلاصِ، فَإنَّ العَرَبَ لا تَذْكُرُ السّاقَ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ إلّا في أمْرٍ شَدِيدٍ مِثْلَ ”شَمَّرَ عَنْ ساقٍ“ وإذا اشْتَدَّ حِرابُ المُتَحارِبِينَ: ”دَنَتِ السُّوقُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ“ فَلا افْتِراقَ إلّا عَنْ مَوْتِ أحَدِهِما أوْ أشَدَّ مِن مَوْتِهِ مِن هَزِيمَتِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ اخْتِلاطِ شِدَّةِ آخِرِ الدُّنْيا بِشِدَّةِ أوَّلِ الآخِرَةِ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: زالَ تَعَلُّقُهُ الَّذِي كانَ بِالدُّنْيا وحُبُّهُ لَها وإعْراضُهُ عَنِ الآخِرَةِ.

75:30Page 578

إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ ٣٠

To your Lord, that Day, will be the procession.1

ولَمّا صَوَّرَ وقْتَ تَأسُّفِهِ عَلى الدُّنْيا وإعْراضِهِ عَنْها، ذَكَرَ غايَةَ ذَلِكَ فَقالَ مُفْرِدًا النَّبِيَّ ﷺ بِالخِطابِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ هَذا حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ: ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيْ مَوْعِدٌ وحُكْمُ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ وتَصْدِيقِكَ في جَمِيعِ ما بَلَّغَتَهُ عَنْهُ ونَصَرَكَ عَلى كُلِّ مَن ناواكَ، لا إلى غَيْرِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ وقَعَ هَذا الأمْرُ ﴿المَساقُ﴾ [أيِ السُّوقِ -] ومَوْضِعُ السُّوقِ وزَمانُهُ، كُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في حُكْمِهِ، قَدْ (p-١١١)انْقَطَعَتْ عَنْهُ أحْكامُ أهْلِ الدُّنْيا، فَإمّا أنْ تَسُوقَهُ المَلائِكَةُ إلى سَعادَةٍ بَيِّنَةٍ وإمّا إلى شَقاوَةٍ بَيِّنَةٍ، أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ عَرْضِهِ بَعْدَ المَوْتِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَلا يَنْفَعُهُ إذا حَقَّقَ لَهُ الوَعْظُ بِالمَوْتِ قَوْلُهُ: أمُوتُ فَأسْتَرِيحُ، فَإنَّهُ يَرْجِعُ بِالمَوْتِ إلى سَيِّدِهِ، فَإنْ كانَ مُطِيعًا لَقِيَهُ بِما يُرْضِيهِ، وإنْ كانَ عاصِيًا لَقِيَهُ بِما يَلْقى بِهِ العَبْدَ الآبِقَ عَلى قَدْرِ إباقِهِ.

75:31Page 578

فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١

And he [i.e., the disbeliever] had not believed, nor had he prayed.

ولَمّا ذَكَرَ كَراهَتَهُ لِلْآخِرَةِ ذَكَرَ أنَّ سَبَبَهُ إفْسادُهُ ما آتاهُ اللَّهُ مِن قُوى العِلْمِ والعَمَلِ بِتَعْطِيلِهِما عَنِ الخَيْرِ واسْتِعْمالِهِما في الشَّرِّ فَقالَ مُبَيِّنًا عَمَلَ العَبْدِ المُوافِقِ والآبِقِ، عاطِفًا عَلى ﴿يَسْألُ أيّانَ﴾ [القيامة: ٦] الَّذِي مَعْناهُ جَحَدَ البَعْثَ: ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ - أيْ هَذا الإنْسانُ [ الَّذِي الكَلامُ فِيهِ - ] الرَّسُولُ فِيما أخْبَرَهُ بِما كانَ يَعْمَلُ مِنَ الأعْمالِ الخَبِيثَةِ، ولا إيمانُهُ بِالإنْفاقِ في وُجُوهِ الخَيْرِ الَّتِي نَدَبَ إلَيْها واجِبَةً كانَتْ أوْ مَسْنُونَةً، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّعْمِيمِ.

ولَمّا ذَكَرَ أصْلَ الدِّينِ، أتْبَعَهُ فُرُوعَهُ دَلالَةً عَلى أنَّ الكافِرَ مُخاطَبٌ بِها فَقالَ: ﴿ولا صَلّى﴾ أيْ ما أمَرَ بِهِ مِن فَرْضٍ وغَيْرِهِ، فَلا تُمْسِكُ بِحَبْلِ الخالِقِ ولا وصَلَ إلى حَبَلِ الخَلائِقِ عَلى حَدِّ ما شَرَّعَ ما.

75:32Page 578

وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٣٢

But [instead], he denied and turned away.

ولَمّا نَفى عَنْهُ أفْعالَ الخَيْرِ، أثْبَتَ لَهُ أفْعالَ الشَّرِّ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ (p-١١٢)أيْ فَعَلَ ضِدَّ التَّصْدِيقِ بِأنْ ﴿كَذَّبَ﴾ أيْ بِما أتاهُ [مِنَ -] اللَّهِ ﴿وتَوَلّى﴾ أيْ وفَعَلَ ضِدَّ الصَّلاةِ الَّتِي هي [صِلَةٌ -] بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ، فاجْتَهَدَ في خِلافِ ما تَدْعُوهُ إلَيْهِ فِطْرَتُهُ الأُولى المُسْتَقِيمَةُ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الطّاعَةِ مِنَ الصَّلاةِ وغَيْرِها حَتّى صارَ لَهُ ذَلِكَ دَيْدَنًا، فَصارَتِ الطّاعَةُ لا تَخْطُرُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى بالٍ لِمَوْتِ الفِطْرَةِ الأُولى وحَياةِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ، ولَيْسَ هَذا بِتَكْرارٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ التَّصْدِيقِ التَّكْذِيبُ.

75:33Page 578

ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣

And then he went to his people, swaggering [in pride].

ولَمّا كانَ الإصْرارُ عَلى هَذا عَظِيمًا يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يَعْمَلَهُ أحَدٌ فَكَيْفَ بِالِافْتِخارِ بِهِ والتَّكَبُّرِ لِأجْلِهِ، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ، فَقالَ مُؤْذِنًا بِأنَّ الحالَ عَلى التَّكْذِيبِ الكِبْرُ، والحامِلُ عَلى الكِبْرِ التَّرَفُ، وسَبَبُ ذَلِكَ الِانْقِيادُ أوَّلًا مَعَ الطَّبْعِ في إفْسادِ القُوَّتَيْنِ: العَمَلِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ حَتّى نَشَأ عَنْهُما هَذا الخُلُقُ السِّيِئُ، وهو عَدَمُ المُبالاةِ، ولَمْ يَزَلْ بِهِ ذَلِكَ حَتّى صارَ مُلْكَةً يَفْتَخِرُ بِهِ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ﴾ أيْ هَذا الإنْسانُ بَعْدَ تَوَلِّيهِ عَنِ الحَقِّ ﴿إلى أهْلِهِ﴾ غَيْرِ مُفَكِّرٍ في عاقِبَةِ ما فَعَلَ (p-١١٣)مِنَ التَّكْذِيبِ [حالَ كَوْنِهِ -] ﴿يَتَمَطّى﴾ أيْ يَفْتَخِرُ افْتِخارًا بِتَكْذِيبِهِ وإعْراضِهِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِذَلِكَ، مِنَ المَطِّ، أبْدَلَ الحَرْفَ الثّانِيَ ألِفًا تَخْفِيفًا فَصارَ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ كَأنَّهُ يُساعِدُهُ عَلى [مَدِّ -] الخُطا، أوْ أنَّ المُتَبَخْتِرَ إذا مَشى لَوى ظَهْرَهُ، وإنَّما فَعَلَ هَذا لِمُرُونِهِ عَلى المَعْصِيَةِ بَدَلُ الِاسْتِحْياءِ والخَجَلِ والِانْكِسارِ.

75:34Page 578

أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰ ٣٤

Woe to you, and woe!

ولَمّا كانَ هَذا غايَةُ الفُجُورِ، وكانَ أهْلُ الإنْسانِ يُحِبُّونَهُ إذا أقْبَلَ إلَيْهِمْ لا سِيَّما إذا كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ عِنْدَ أغْلَبِ النّاسِ، أخْبَرَ بِما هو حَقِيقٌ أنْ يُقالَ لَهُ في مَوْضِعِ ”تَحِيَّةِ أهْلِهِ“ مِنَ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿أوْلى لَكَ﴾ أيْ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُ، ودَخَلَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ الزّائِدِ والتَّخْصِيصِ، وزادَ التَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْلى﴾ أيِ ابْتَلاكَ اللَّهُ بِداهِيَةٍ عَقِبَ داهِيَةٍ، وأبْلَغَ ذَلِكَ التَّأْكِيدُ إشارَةً إلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عَلى مَدى الأعْصارِ، فَقالَ مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى عَظِيمِ ما ارْتَكَبَ وقُوَّةِ اسْتِحْقاقِهِ لِهَذا التَّأْكِيدِ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском