Al-Biqa'iAl‑Insan · 76:8–23

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:8–23

76:8Page 579

وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨

And they give food in spite of love for it1 to the needy, the orphan, and the captive,

ولَمّا كانَ مَن خافَ شَيْئًا سَعى في الأمْنِ مِنهُ بِكُلِّ ما عَساهُ يَنْفَعُ [فِيهِ-]، وكانَ قَدْ ذَكَّرَ تَذَرُّعَهم بِالواجِبِ، أتْبَعَهُ المَندُوبَ دَلالَةً عَلى أنَّهم لا رُكُونَ لَهم إلى الدُّنْيا ولا وُثُوقَ بِها، فَقَدْ جَمَعُوا إلى كَرَمِ الطَّبْعِ بِالوَفاءِ ورِقَّةِ القَلْبِ شَرَفَ النَّفْسِ بِالِانْسِلاخِ مِنَ الفانِي فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ أيْ عَلى حَسَبِ ما يَتَيَسَّرُ لَهم مِن عالٍ ودُونٍ عَلى الدَّوامِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَسْمَحُ بِما لا يَلَذُّ لَهُ قالَ: ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ حُبِّهِ إيّاهُ حُبًّا هو في غايَةِ المُكْنَةِ مِنهم والِاسْتِعْلاءِ عَلى قُلُوبِهِمْ لِقِلَّتِهِ وشَهْوَتِهِمْ [لَهُ -] وحاجَتِهِمْ إلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] لِيَفْهَمَ أنَّهم لِلْفَضْلِ أشَدُّ بَذْلًا، ولِهَذا قالَ ﷺ: «لَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ أيِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ولا نَصِيفَهُ» لِقِلَّةِ المَوْجُودِ إذْ ذاكَ وكَثْرَتِهِ (p-١٣٩)بَعْدَ ﴿مِسْكِينًا﴾ أيْ مُحْتاجًا احْتِياجًا يَسِيرًا، فَصاحِبُ الِاحْتِياجِ الكَثِيرِ أوْلى ﴿ويَتِيمًا﴾ أيْ صَغِيرًا لا أبَ لَهُ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿وأسِيرًا﴾ أيْ في أيْدِي الكُفّارِ أيْ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ والكافِرُ الَّذِي في أيْدِي المُسْلِمِينَ، وقَدْ نَقَلَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كانَ يُؤْثِرُ أسِيرَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالخُبْزِ، وكانَ الخُبْزُ إذْ ذاكَ عَزِيزًا حَتّى كانَ [ذَلِكَ -] الأسِيرُ يَعْجَبُ مِن مَكارِمِهِمْ حَتّى كانَ ذَلِكَ مِمّا دَعاهُ إلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لِما دَفَعَهم إلَيْهِمْ قالَ: «اسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» . ومِن حُكْمٍ الأسِيرِ الحَقِيقِيِّ كُلُّ مَضْرُورٍ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهم يَقُولُونَ بِلِسانِ الحالِ أوِ القالِ إنِ احْتِيجَ إلَيْهِ إزاحَةً لِتَوَهُّمِ المَنِّ أوْ تَوَقُّعِ المُكافَأةِ مُؤَكِّدِينَ إشارَةً إلى أنَّ الإخْلاصَ أمْرٌ عَزِيزٌ لا يَكادُ أحَدٌ يُصَدِّقُ أنَّهُ يَتَأتّى لِأحَدٍ:

76:9Page 579

إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا ٩

[Saying], "We feed you only for the face [i.e., approval] of Allāh. We wish not from you reward or gratitude.

﴿إنَّما نُطْعِمُكُمْ﴾ أيُّها المُحْتاجُونَ ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ أيْ لِذاتِ المَلِكِ الَّذِي اسْتَجْمَعَ الجَلالَ والإكْرامَ لِكَوْنِهِ أمَرَنا بِذَلِكَ، وعَبَّرَ بِهِ لِأنَّ الوَجْهَ يَسْتَحْيِي مِنهُ ويُرْجى ويَخْشى عِنْدَ رُؤْيَتِهِ.

ولَمّا أثْبَتُوا بِهَذا الإخْلاصِ، حَقَّقُوهُ بِنَفْيِ ما يُغَيِّرُ فِيهِ، وفَسَّرُوهُ (p-١٤٠)لِما لا يَكُونُ إلّا بِهِ فَقالُوا: ﴿لا نُرِيدُ مِنكُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿جَزاءً﴾ أيْ لَنا مِن أعْراضِ الدُّنْيا ﴿ولا شُكُورًا﴾ بِشَيْءٍ مِن قَوْلٍ ولا فِعْلٍ، وكَأنَّهُ اخْتِيرَ هَذا المَصْدَرُ [المَزِيدُ -] كالدُّخُولِ والخُرُوجِ والقُعُودِ إيماءً إلى أنَّ المَنفِيَّ ما يَتَكَلَّفُ لَهُ، وأمّا مَثَلُ المَحَبَّةِ والدُّعاءِ فَلا، ولَوْ أرادُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِما كانَ لِلَّهِ؛ ورُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ عَلِيًّا وابْنَيْهِ وأُمَّهُما فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ آثَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأصْبَحُوا الرّابِعَ يَرْتَعِشُونَ، فَلَمّا رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ساءَهُ ذَلِكَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذِهِ السُّورَةِ مُهَنِّئًا لَهُ بِها» ولا يُسْتَبْعَدُ الصَّبْرُ عَلى الجُوعِ هَذِهِ المُدَّةَ لِأنَّهُ رُبَّما كانَتْ لِلنَّفْسِ هَيْئَةٌ قَوِيَّةٌ مِنَ اسْتِغْراقٍ في مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهَبَطَتْ إلى البَدَنِ فَشَغَلَتِ الطَّبِيعَةَ عَنْ تَحْلِيلِ الأجْزاءِ فَلا يَحْصُلُ الجُوعُ كَما أنّا نُشاهِدُ الإنْسانَ يَبْقى في المَرَضِ الحادِّ مُدَّةً مِن غَيْرِ تَناوُلِ شَيْءٍ مِن غِذاءٍ ولا يَتَأثَّرُ بَدَنُهُ لِذَلِكَ، فَلا بِدَعَ أنْ تَقِفَ الأفْعالُ الطَّبِيعِيَّةُ في حَقِّ بَعْضِ السّالِكِينَ وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنِّي أبَيْتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» .

76:10Page 579

إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا ١٠

Indeed, We fear from our Lord a Day austere and distressful."

ولَمّا كانَتِ الأنْفُسُ مَجْبُولَةً عَلى حُبِّ الجَزاءِ والثَّناءِ، فَكانَ لا يَكادُ يُصَدِّقُ أحَدٌ أنَّ أحَدًا يَفْعَلُ ما لا يَقْصِدُ بِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وكانَ (p-١٤١)اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ مَنَّ عَلَيْنا بِأنَّ جَعْلَ العِبادَةَ لِأجْلِ خَوْفِهِ ورَجائِهِ لا يَقْدَحُ في الإخْلاصِ، عَلَّلُوا قَوْلَهم هَذا عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا نَخافُ﴾ ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِنَ المُحْسِنِ بِالنَّظَرِ إلى إحْسانِهِ مُوجِبًا لِلْخَوْفِ مِنهُ بِالنَّظَرِ إلى عِزِّهِ وجَبَرُوتِهِ وسُلْطانِهِ مِن بابِ الأوْلى قالُوا: ﴿مِن رَبِّنا﴾ أيِ الخالِقِ لَنا [المُحْسِنِ إلَيْنا -] ﴿يَوْمًا﴾ أيْ أهْوالَ يَوْمٍ هو - في غايَةِ العَظَمَةِ، وبَيَّنُوا عَظَمَتَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿عَبُوسًا﴾ أيْ ضَيِّقًا - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، نَسَبُوا العَبُوسَ إلَيْهِ لِأنَّهُ في شِدَّتِهِ كالأسَدِ الغَضُوبِ، فَهو مُوجِبٌ لِعُبُوسِ الوُجُوهِ فِيهِ أوْ [هُوَ -] لِعُبُوسِ أهْلِهِ كَ ”لَيْلِهِ قائِمٌ ونَهارِهِ صائِمٌ وعِيشَةٍ راضِيَةٍ“ ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ طَوِيلًا - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أوْ شَدِيدَ العُبُوسِ مُجْتَمَعُ الشَّرِّ كالَّذِي يَجْمَعُ [ما -] بَيْنَ عَيْنَيْهِ - مَأْخُوذٌ مِنَ القَطْرِ لِأنْ يَوْمَهُ يَكُونُ عابِسًا، وزِيدَ فِيهِ المِيمُ وبُولِغَ فِيهِ بِالصِّيغَةِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، يُقالُ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ فَهو مُقَمَطِرٌّ - إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا.

76:11Page 579

فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا ١١

So Allāh will protect them from the evil of that Day and give them radiance and happiness

ولَمّا كانَ فِعْلُهم هَذا خالِصًا لِلَّهِ، سَبَّبَ عَنْهُ جَزاءَهم فَقالَ مُخْبِرًا أنَّهُ دَفَعَ عَنْهُمُ المَضارَّ وجَلَبَ لَهُمُ المَسارَّ:﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ بِسَبَبِ خَوْفِهِمْ ﴿شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيِ العَظِيمِ، وأشارَ إلى نَعِيمِ الظّاهِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهُمْ﴾ أيْ تَلْقِيَةً عَظِيمَةً فِيهِ وفي غَيْرِهِ ﴿نَضْرَةً﴾ (p-١٤٢)أيْ حَسَنًا ونِعْمَةً تَظْهَرُ عَلى وُجُوهِهِمْ وعَيْشًا هَنِيئًا، وإلى نَعِيمِ الباطِنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسُرُورًا﴾ أيْ دائِمًا في قُلُوبِهِمْ في مُقابَلَةِ خَوْفِهِمْ في الدُّنْيا وعُبُوسِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وخِزْيِهِمْ - وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ وصْفَ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ لِلدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ في عُبُوسِ أهْلِهِ، وأشارَ إلى المَسْكَنِ بِقَوْلِهِ:

76:12Page 579

وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا ١٢

And will reward them for what they patiently endured [with] a garden [in Paradise] and silk [garments].

﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ما أوْجَدُوهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلى العِبادَةِ مِن لُزُومِ الطّاعَةِ واجْتِنابِ المَعْصِيَةِ ومَنعِ أنْفُسِهِمُ الطَّيِّباتِ وبَذْلِ المَحْبُوباتِ ﴿جَنَّةً﴾ أيْ بُسْتانًا جامِعًا يَأْكُلُونَ مِنهُ ما يَشْتَهُونَ جَزاءً عَلى ما كانُوا يُطْعِمُونَ. ولَمّا ذَكَرَ ما يَكْسُو الباطِنَ، ذَكَرَ ما يَكْسُو الظّاهِرَ فَقالَ: ﴿وحَرِيرًا﴾ أيْ هو في غايَةِ العَظَمَةِ.

76:13Page 579

مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣

[They will be] reclining therein on adorned couches. They will not see therein any [burning] sun or [freezing] cold.

ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ كَفاهُمُ المُخَوِّفَ وحَباهُمُ الجَنَّةَ، أتْبَعَهُ حالَهم فِيها وحالَها فَقالَ دالًّا عَلى راحَتِهِمُ الدّائِمَةِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ أيْ [لِأنَّ -] كُلَّ ما أرادُوهُ حَضَرَ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَرَكَةٍ أصْلًا، ودَلَّ عَلى المَلِكِ بِقَوْلِهِ ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيِ الأسِرَّةِ العالِيَةِ الَّتِي في الحِجالِ، لا تَكُونُ أرِيكَةً إلّا مَعَ وُجُودِ الحَجْلَةِ، [و -] قالَ بَعْضُهُمْ: هي السَّرِيرُ المُنَجَّدُ في قُبَّةٍ عَلَيْهِ شَوارُهُ ونَجِدُهُ أيْ مَتاعَهُ، وهي مُشِيرَةٌ إلى الزَّوْجاتِ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنِ الأرائِكَ لا تَخْلُو عَنْهُنَّ بَلْ هي لَهُنَّ لِاسْتِمْتاعِ الأزْواجِ بِهِنَّ فِيها. ولَمّا كانَتْ بُيُوتُ الدُّنْيا وبَساتِينُها تَحْتاجُ إلى الِانْتِقالِ مِنها (p-١٤٣)مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ لِأجْلِ الحَرِّ أوِ البَرْدِ، بَيْنَ أنَّ جَمِيعَ أرْضِ الجَنَّةِ وغُرَفِها سَواءٌ في لَذَّةِ العَيْشِ وسُبُوغِ الظِّلِّ واعْتِدالِ الأمْرِ، فَقالَ نافِيًا ضُرُّ الحُرِّ ثُمَّ البَرْدِ: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها﴾ أيْ بِأبْصارِهِمْ ولا بَصائِرِهِمْ أصْلًا ﴿شَمْسًا﴾ أيْ ولا قَمَرًا ﴿ولا﴾ أيْ ولا يَرَوْنَ فِيها أيْضًا بِبَصائِرِهِمْ أيْ لا يُحِسُّونَ بِما يُسَمّى ﴿زَمْهَرِيرًا﴾ أيْ بَرْدًا شَدِيدًا مُزْعِجًا ولا حَرًّا، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ بِنَفْيِ الشَّمْسِ أوَّلًا عَلى نَفْيِ القَمَرِ، لِأنَّ ظُهُورَهُ بِها لِأنَّ نُورَهُ اكْتِسابٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، ودَلَّ بِنَفْيِ الزَّمْهَرِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ البَرْدِ ثانِيًا عَلى نَفْيِ الحَرِّ الَّذِي سَبَّبَهُ الشَّمْسُ، فَأفادَ هَذا أنَّ الجَنَّةَ غَنِيَّةٌ عَنِ النَّيِّرَيْنِ، لِأنَّها نَيِّرَةٌ بِذاتِها وأهْلِها غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى مَعْرِفَةِ زَمانٍ لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ فِيها بِوَجْهٍ، وأنَّها ظَلِيلَةٌ ومُعْتَدِلَةٌ دائِمًا لِأنَّ سَبَبَ الحَرِّ الآنَ قُرْبُ الشَّمْسِ مِن مَسامَتِهِ الرُّؤُوسَ، وسَبَبُ البَرْدِ بَعْدَها عَنْ ذَلِكَ.

76:14Page 579

وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ١٤

And near above them are its shades, and its [fruit] to be picked will be lowered in compliance.

ولَمّا كانَتْ تَرْجَمَةُ هَذا كَما مَضى: جَنَّةٌ ظَلِيلَةٌ ومُعْتَدِلَةٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ بِالواوِ دَلالَةً عَلى تَمَكُّنِ هَذا الوَصْفِ وعَلى اجْتِماعِهِ مَعَ ما قَبْلَهُ قَوْلُهُ: ﴿ودانِيَةً﴾ أيْ قَرِيبَةً مِنَ الِارْتِفاعِ ﴿عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَحْصُلَ مِنها ما يُزِيلُ الِاعْتِدالَ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها﴾ جَمْعُ قِطْفٍ بِالكَسْرِ (p-١٤٤)وهُوَ العُنْقُودُ واسْمٌ لِلثِّمارِ المَقْطُوفَةِ أيِ المَجْنِيَّةِ ﴿تَذْلِيلا﴾ أيْ سَهْلٌ تَناوُلُها تَسْهِيلًا عَظِيمًا لا يَرُدُّ اليَدَ عَنْها بَعْدُ ولا شَوْكَ لِكُلِّ مَن يُرِيدُ أخْذَها عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ مِنَ اتِّكاءٍ وغَيْرِهِ، فَإنْ كانُوا قُعُودًا تَدَلَّتْ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا قِيامًا [و -] كانَتْ عَلى الأرْضِ ارْتَقَتْ إلَيْهِمْ، وهَذا جَزاءٌ لَهم عَلى ما كانُوا يُذَلِّلُونَ أنْفُسَهم لِأمْرِ اللَّهِ.

76:15Page 579

وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥

And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],

ولَمّا كانَ الدَّوَرانُ بِالآنِيَةِ مُتَجَدِّدًا، عَبَّرَ فِيهِ بِالمُضارِعِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا لِأنَّهُ المَقْصُودُ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ طائِفٍ فَقالَ: ﴿ويُطافُ﴾ أيْ مِن أيِّ طائِفٍ كانَ لِكَثْرَةِ الخَدَمِ ﴿عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ﴾ جَمْعُ إناءٍ جَزاءً عَلى طَوافِهِمْ عَلى المُحْتاجِينَ بِما يُصْلِحُهم.

ولَمّا كانَ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ تَرْهِيبُ الإنْسانِ المُوَبَّخِ في سُورَةِ القِيامَةِ مِنَ الكُفْرِ، وكانَ الإنْسانُ أدْنى أسْنانِ المُخاطَبِينَ في مَراتِبِ الخِطابِ، اقْتَصَرَ في التَّرْغِيبِ في شَرَفِ الآنِيَةِ عَلى الفِضَّةِ دُونَ الذَّهَبِ المَذْكُورِ في فاطِرٍ والحَجِّ المُعَبِّرِ فِيهِما بِالنّاسِ، فَلَعَلَّ هَذا لِصِنْفٍ [وذاكَ لِصِنْفٍ -] أعْلى مِنهُ مَعَ إمْكانِ الجَمْعِ والمُعاقَبَةِ، وأمّا مَن هو أعْلى مِن هَذَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ومِن فَوْقِهِمْ فَلَهم فَوْقَ هَذَيْنَ الجَوْهَرَيْنِ مِنَ الجَواهِرِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى (p-١٤٥)قَلْبِ بَشَرٍ فَقالَ: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ أيِ اسْمُهُ ذَلِكَ، وأمّا الحَقِيقَةُ فَأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوَلِ.

ولَمّا جَمَعَ الآنِيَةَ خَصَّ فَقالَ: ﴿وأكْوابٍ﴾ جَمْعُ كُوبٍ وهو كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ، فَيَسْهُلُ الشُّرْبُ مِنهُ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ فَلا يَحْتاجُ عِنْدَ التَّناوُلِ إلى إدارَةٍ ﴿كانَتْ﴾ أيْ تِلْكَ الأكْوابُ كَوْنًا هو مِن جِبِلَّتِها ﴿قَوارِيرا﴾ أيْ كانَتْ بِصِفَةِ القَوارِيرِ مِنَ الصَّفاءِ والرِّقَّةِ والشُّفُوفِ والإشْراقِ والزِّهارَةِ، جَمْعُ قارُورَةٍ وهي ما قَرَّ فِيهِ الشَّرابُ ونَحْوُهُ مِن كُلِّ إناءٍ رَقِيقٍ صافٍ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالزُّجاجِ.

76:16Page 579

قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦

Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.

ولَمّا كانَ هَذا رَأْسَ آيَةٍ، وكانَ التَّعْبِيرُ بِالقارُورَةِ رُبَّما أفْهَمَ أوْ أوْهَمَ أنَّها مِنَ الزُّجاجِ، وكانَ في الزُّجاجِ مِنَ النَّقْصِ سُرْعَةُ الِانْكِسارِ لِإفْراطِ الصَّلابَةِ، قالَ مُعِيدًا لِلَفْظِ أوَّلِ الآيَةِ الثّانِيَةِ، تَأْكِيدًا لِلِاتِّصافِ بِالصّالِحِ مِن أوْصافِ الزُّجاجِ وبَيانًا لِنَوْعِها: ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ فَجَمَعَتْ صِفَتَيِ الجَوْهَرَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ: صَفاءُ الزُّجاجِ [وشُفُوفُهُ -] وبَرِيقُهُ وبَياضُ الفِضَّةِ وشَرَفُها ولِينُها، وقِراءَةُ مَن نَوَّنَ الِاثْنَيْنِ صارِفًا ما مِن حَقِّهِ المَنعُ مُشِيرَةً إلى عَظَمَتِها وامْتِدادِ كَثْرَتِها وعُلُوِّها في الفَضْلِ والشَّرَفِ، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ في الِاقْتِصارِ عَلى تَنْوِينِ الأوَّلِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ والثّانِي أوَّلُ الَّتِي بَعْدَها مَعَ إفْهامِ العَظَمَةِ لِأنَّ الثّانِي إعادَةٌ لِلْأوَّلِ لَمّا (p-١٤٦)تَقَدَّمَ مِنَ الإفادَةِ، فَكَأنَّهُ مُنَوَّنٌ، ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ مَعَ المَنعِ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّ ذَلِكَ كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يُحِبُّ أنْ يَكُونَ الإناءُ ولا ما فِيهِ مِن مَأْكُولٍ أوْ مَشْرُوبٍ زائِدًا عَنْ حاجَتِهِ ولا ناقِصًا عَنْها قالَ: ﴿قَدَّرُوها﴾ أيْ في الذّاتِ والصِّفاتِ ﴿تَقْدِيرًا﴾ أيْ عَلى مَقادِيرِ الِاحْتِياجِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ لِأنَّ ما أرادَ كُلَّ مِنها كانَ، لا كُلْفَةَ ولا كَدِرَ ولا نَقْصَ.

76:17Page 579

وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧

And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger

ولَمّا ذَكَرَ الأكْوابَ، أتْبَعَها غايَتَها فَقالَ تَخْصِيصًا بِالعَطْفِ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: يَسْقُونَ فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهُمْ: ﴿ويُسْقَوْنَ﴾ مِمَّنْ أرادُوهُ مِن خَدَمِهِمُ الَّذِينَ لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً ﴿فِيها﴾ أيِ الجَنَّةِ أوْ تِلْكَ الأكْوابِ ﴿كَأْسًا﴾ أيْ خَمْرًا في إناءٍ ﴿كانَ مِزاجُها﴾ عَلى غايَةُ الإحْكامِ ﴿زَنْجَبِيلا﴾ هو في غايَةِ اللَّذَّةِ، وكانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ الشَّرابَ المَمْزُوجَ [بِهِ -] لِهَضْمِهِ وتَطْيِيبِهِ الطَّعْمَ والنَّكْهَةَ.

76:18Page 579

عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨

[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.

ولَمّا كانَ الزَّنْجَبِيلُ عِنْدَنا شَجَرًا يَحْتاجُ في تَناوُلِهِ إلى عِلاجٍ، أبانَ أنَّهُ هُناكَ عَيْنٌ لا يَحْتاجُ في صَيْرُورَتِهِ زَنْجَبِيلًا إلى أنْ تُحِيلَهُ الأرْضُ بِتَخْمِيرِهِ فِيها حَتّى يَصِيرَ شَجَرًا لِيَتَحَوَّلَ عَنْ طَعْمِ الماءِ إلى طَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ خَرْقًا لِلْعَوائِدِ (p-١٤٧)فَقالَ: ﴿عَيْنًا فِيها﴾ أيِ الجَنَّةِ يُمْزَجُ فِيها شَرابُهم كَما يُمْزَجُ بِالماءِ.

ولَمّا كانَ الزَّنْجَبِيلُ يَلْذَعُ الحَقَّ فَتَصْعُبُ إساغَتُهُ قالَ: ﴿تُسَمّى﴾ [أيْ -] لِسُهُولَةِ إساغَتِها ولَذَّةِ طَعْمِها وسُمُوِّ وصْفِها ﴿سَلْسَبِيلا﴾ والسَّلْسَبِيلُ والسَّلْسَلُ والسَّلْسالُ ما كانَ مِنَ الشَّرابِ غايَةً في السَّلاسَةِ، زِيدَتْ فِيهِ الباءُ دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ في هَذا المَعْنى، قالُوا: وشَرابُ الجَنَّةِ في بَرْدِ الكافُورِ وطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ ورِيحِ المِسْكِ مِن غَيْرِ لَذْعٍ.

76:19Page 579

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩

There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.

ولَمّا ذَكَرَ المُطَوِّفَ بِهِ لِأنَّهُ الغايَةُ المَقْصُودَةُ، وصَفَ الطّائِفَ لِما في طَوافِهِ مِنَ العَظَمَةِ المَشْهُودَةِ تَصْوِيرًا لِما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ بَعْدَ ما نَجَوا مِنهُ مِنَ الهَلَكِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بِالشَّرابِ وغَيْرِهِ مِنَ المَلاذِ والمُحابِّ ﴿وِلْدانٌ﴾ أيْ غِلْمانٌ هم في سِنِّ مَن هو دُونَ البُلُوغِ ”أقَلُّ أهْلِ الجَنَّةِ مَن يَخْدِمُهُ ألْفُ غُلامٍ“ ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أيْ قَدْ حَكَمَ مَن لا يَرُدُّ حُكْمَهُ بِأنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ [دائِمًا -] مِن غَيْرِ غَلَّةٍ ولا ارْتِفاعٍ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ مَعَ أنَّهم مُزَيَّنُونَ بِالخُلْدِ وهو الحَلْقُ والأساوِرُ والقِرَطَةُ والمَلابِسُ الحَسَنَةُ ﴿إذْ رَأيْتَهُمْ﴾ [طه: ٩٢] أيْ يا أعْلى الخَلْقِ ﷺ وأنْتَ أثْبَتُ النّاسِ نَظَرًا أوْ أيُّها الرّائِي مَن كانَ في أيْ حالَةٍ رَأيْتَهم (p-١٤٨)فِيها ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ مِن بَياضِهِمْ وصَفاءِ ألْوانِهِمْ ولَمْعِ أنْوارِهِمْ وانْعِكاسِ شُعاعِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وانْبِثاثِهِمْ في المَجالِسِ ذِهابًا وإيابًا ﴿لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَتِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في الخِدْمَةِ وشَرَفِهِمْ وحُسْنِهِمْ؛ وعَنْ [بَعْضِهِمْ -] أنَّ لُؤْلُؤَ الجَنَّةِ في غايَةِ الكِبَرِ والعَظَمَةِ واخْتِلافِ الأشْكالِ، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِالحُسْبانِ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ مُطْلَقُ تَجْوِيزٍ لا مَعَ تَرْجِيحٍ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هم غِلْمانٌ يُنْشِئُهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَةِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم ماتُوا عَلى الفِطْرَةِ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: [و -] أرى واللَّهُ أعْلَمُ [أنَّهم -] مَن عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إيمانَهُ مِن أوْلادِ الكُفّارِ يَكُونُونَ خَدَمًا لِأهْلِ الجَنَّةِ كَما كانُوا لَهم في الدُّنْيا سَبْيًا وخُدّامًا، وأمّا أوْلادُ المُؤْمِنِينَ فَيَلْحَقُونَ بِآبائِهِمْ سِنًّا ومُلْكًا وسُرُورًا لَهُمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا «قَوْلُهُ ﷺ في ابْنِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”إنَّ لَهُ لَظِئْرًا يَتِمُّ رَضاعُهُ في الجَنَّةِ“» فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِقْبالِ شَأْنِهِ فِيما هُنالِكَ وتَنَقُّلِهِ في الأحْوالِ كالدُّنْيا، ولا دَلِيلَ عَلى خُصُوصِيَّتِهِ بِذَلِكَ.

76:20Page 579

وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠

And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.

ولَمّا ذَكَرَ المَخْدُومَ والخَدَمَ شَرَعَ في ذِكْرِ المَكانِ فَقالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ أيْ أجَّلْتَ بَصَرَكَ، وحَذَفَ مَفْعُولَهُ لِيَشِيعَ ويَعُمَّ ﴿ثَمَّ﴾ أيْ هُناكَ في أيِّ مَكانٍ كانَ وأيِّ شَيْءٍ كانَ ﴿رَأيْتَ نَعِيمًا﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ كَدِرٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولَمّا كانَ النَّعِيمُ قَدْ يَكُونُ في حالَةٍ وُسْطى قالَ: (p-١٤٩)﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ لَمْ يَخْطُرْ [عَلى بالٍ -] مِمّا هو فِيهِ مِنَ السِّعَةِ وكَثْرَةِ المَوْجُودِ والعَظَمَةِ أدْناهم وما فِيهِمْ دَنِيُّ الَّذِي يَنْظُرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ ومَهْما أرادَهُ كانَ.

76:21Page 579

عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١

Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.

ولَمّا ذَكَرَ الدّارَ وساكِنِيها مِن مَخْدُومٍ وخَدَمٍ، ذَكَرَ لِباسَهم بانِيًا حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ: ”عَلَيْهِمْ“ أيْ حالَ كَوْنِ الخادِمِ والمَخْدُومِ يَعْلُو أجْسامَهم عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ، وسَكَّنَ نافِعٌ وحَمْزَةُ الياءِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ وخَبَرٌ شارِحٌ لِلْمَلِكِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ وهو ما رَقَّ مِنَ الحَرِيرِ ﴿خُضْرٌ﴾ رَفَعَهُ الجَماعَةُ صِفَةً لِثِيابٍ، وجَرَّهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ صِفَةً لِسُنْدُسٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ ﴿وإسْتَبْرَقٌ﴾ وهو ما غِلَظٍ مِنَ الدِّيباجِ يَعْمَلُ بِالذَّهَبِ، أوْ هو ثِيابٌ حَرِيرٌ صِفاقٌ نَحْوُ الدِّيباجِ - قالَهُ في القامُوسِ، رَفَعَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ نَسَقًا عَلى ثِيابٍ، وجَرَّهُ الباقُونَ عَلى سُنْدُسٍ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ لِأرْبابِ اللِّباسِ الفاخِرِ الحِلْيَةِ، أخْبَرَ عَنْ تَحْلِيَتِهِمْ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى تَيَسُّرِ ذَلِكَ لَهم وسُهُولَتِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وحُلُّوا﴾ أيْ وُجِدَتْ تَحْلِيَةُ المَخْدُومِينَ والخَدَمِ ﴿أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ وإنَّ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِتَفاوُتِ الرُّتَبُ، وتَقَدَّمُ سِرِّ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالفِضَّةِ والأساوِرَةِ بِجَمْعِ ما فِيها مِن لَذَّةِ الزِّينَةِ لَذَّةِ اتِّساعِ المُلْكِ فَإنَّها (p-١٥٠)كِنايَةٌ عَنْهُ فَإنَّهُ - كَما قالَ المَلْوِيُّ - كانَ في الزَّمَنِ [القَدِيمِ -] إذا مَلَكَ مَلِكٌ أقالِيمَ عَظِيمَةً كَثِيرَةً لَبِسَ سِوارًا وسُمِّيَ المَلِكُ المُسَوَّرُ لِاتِّساعِ مَمْلَكَتِهِ وعَظْمَتِها وكَثْرَةِ أقالِيمِها، وإنْ لَمْ تَجْمَعْ أقالِيمَ لَمْ يُسَوَّرْ فَما ظَنُّكَ بِمَن أعْطى مِن ذَلِكَ جَمْعَ الكَثْرَةِ، وهي بالِغَةٌ مِنَ الأعْضاءِ ما يَبْلُغُ التَّحْجِيلَ في الوُضُوءِ كَما قالَ ﷺ: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءَ» فَلِذا كانَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرْفَعُ الماءَ إلى المَنكِبَيْنِ وإلى السّاقَيْنِ.

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ بِما تَقَدَّمَ مِن ذَلِكَ المَمْزُوجِ شَيْءٌ مِن نَقْصٍ لِأجْلِهِ يُمْزَجُ كَما هو في الدُّنْيا، وكانَ قَدْ قالَ أوَّلًا ﴿يَشْرَبُونَ﴾ [الإنسان: ٥] بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وثانِيًا (يَسْقُونَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، قالَ بانِيًا لِلْفاعِلِ بَيانًا لِفَضْلِ ما يَسْقُونَهُ في نَفْسِهِ وفي كَوْنِهِ مِن عِنْدِ الإلَهِ الأعْظَمِ المُتَّصِفِ بِغايَةِ الإحْسانِ عَلى صِفَةٍ مِنَ العَظَمَةِ تَلِيقُ بِإحْسانِهِ سُبْحانَهُ بِما أفادَهُ إسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ: ﴿وسَقاهُمْ﴾ وعَبَّرَ بِصِفَةِ الإحْسانِ تَأْكِيدًا [لِذَلِكَ -] فَقالَ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ أيِ المُوجِدُ لَهُمُ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ المُدَبِّرُ لِمَصالِحِهِمْ ﴿شَرابًا طَهُورًا﴾ أيْ لَيْسَ هو كَشَرابِ الدُّنْيا سَواءٌ كانَ مِنَ الخَمْرِ أوْ مِنَ الماءِ أوْ مِن غَيْرِهِما، بَلْ هو بالِغُ الطَّهارَةِ والوَصْفِ بِالشَّرابِيَّةِ مِنَ العُذُوبَةِ واللَّذَّةِ واللَّطافَةِ، وهو مَعَ ذَلِكَ آلَةٌ لِلتَّطْهِيرِ البالِغِ لِلْغَيْرِ فَلا يَبْقى في بَواطِنِهِمْ (p-١٥١)غِشٌّ ولا وسْواسٌ، ولا يُرِيدُونَ إلّا ما يُرْضِي مَلِيكُهم مِمّا أسَّسَ عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ وفاقَ كامِلَ وسَجايا مُطَهَّرَةٍ وأخْلاقَ مُصْطَفاةٍ لا عِوَجَ فِيها، ولا يَسْتَحِيلُ شَيْءٌ مِن شَرابِهِمْ إلى نَجاسَةٍ مِن بَوْلٍ ولا غَيْرِهِ، بَلْ يَصِيرُ رَشْحًا كَرَشْحِ المِسْكِ ويُعْطِي الرَّجُلُ شَهْوَةَ مِائَةِ رَجُلٍ في الأكْلِ وغَيْرِهِ، فَإذا أكَلَ شَرِبَ فَطَهُرَ باطِنُهُ ورَشَحَ مِنهُ المِسْكُ فَعادَتِ الشَّهْوَةُ، بَلِ الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ شَهْوَتَهم لا تَنْقَضِي أصْلًا فَإنَّهُ قالَ: ”يَجِدُ لِآخَرَ لِقِمَّةٍ مِنَ اللَّذَّةِ ما يَجِدُ لِأوَّلِها“ يَفْعَلُ [بِهِمْ -] هَذا سُبْحانَهُ قائِلًا لَهم مُؤَكِّدًا تَسْكِينًا لِقُلُوبِهِمْ لِئَلّا يَظُنُّونَ أنَّ ما هم فِيهِ عَلى وجْهِ الضِّيافَةِ ونَحْوِها فَيَظُنُّوا انْقِطاعَهُ

76:22Page 579

إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢

[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."

﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ الثَّوابِ كُلِّهِ ﴿كانَ﴾ أيْ كَوْنًا ثابِتًا ﴿لَكُمْ﴾ بِتَكْوِينِي إيّاهُ مِن قَبْلِ مَوْتِكم ﴿جَزاءً﴾ أيْ عَلى أعْمالِكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُجاهِدُونَ فِيها أنْفُسَكم عَنْ هَواها إلى ما يُرْضِي رَبَّكم فَكُنْتُمْ كُلَّما عَمِلْتُمْ عَمَلًا كَوَّنْتُ مِن هَذا ما هو جَزاءٌ لَهُ ﴿وكانَ﴾ أيْ عَلى وجْهِ الثَّباتِ ﴿سَعْيُكُمْ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ القَبُولَ لِأنَّ القابِلَ الشّاكِرَ هو المَعْمُولُ لَهُ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿مَشْكُورًا﴾ أيْ لا يُضَيِّعُ شَيْئًا مِنهُ ويُجازى بِأكْثَرَ مِنهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً.

76:23Page 579

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣

Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.

ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ بَيَّنَ لِلنّاسِ السَّبِيلَ فانْقَسَمُوا إلى مُبْصِرٍ شاكِرٍ وأعْمى (p-١٥٢)كافِرٍ، وأتْبَعَهُ جَزاءَ الكافِرِينَ والشّاكِرِينَ، وخَتَمَهُ بِالشَّرابِ الطَّهُورِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْيِيَ مَيِّتَ الأراضِي كَما أنَّ العِلْمَ الَّذِي مَنبَعُهُ القُرْآنُ يُحْيِي مَيِّتَ القُلُوبِ، وسَكَنَ القُلُوبَ بِتَأْيِيدِ الجَزاءِ، وخَتَمَ الكَلامَ بِالشُّكْرِ كَما بَدَأهُ بِهِ، وكانَ نُصْبَ ما يَهْدِي جَمِيعَ النّاسِ أمْرًا لا يَكادُ يُصَدَّقُ قالَ ذاكِرًا لِما شَرَّفَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ، وجَعَلَ الشَّرابَ الطَّهُورَ جَزاءً [لَهُ -] لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وأكَّدَهُ ثانِيًا بِما أفادَ التَّخْصِيصَ لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ ولِتَطْمَئِنَّ أنْفُسُ أتْباعِهِ بِما حَثَّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ إلى وقْتِ الإذْنِ في القِتالِ: ﴿إنّا نَحْنُ﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، لا غَيْرُها ﴿نَـزَّلْنا عَلَيْكَ﴾ وأنْتَ أعْظَمُ الخَلْقِ إنْزالًا [اسْتَعْلى -] حَتّى صارَ المُنْزَلَ خُلُقًا لَكَ ﴿القُرْآنَ﴾ أيِ الجامِعَ لِكُلِّ هُدًى، الحافِظَ مِنَ الزَّيْغِ، كَما يَحْفَظُ الطِّبُّ لِلصَّحِيحِ صِحَّةَ المِزاجِ، الشّافِي لِما عَساهُ يَحْصُلُ مِنَ الأدْواءِ بِما يَهْدِي إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، وزادَ في التَّأْكِيدِ لِعَظِيمِ إنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿تَنْـزِيلا﴾ أيْ عَلى التَّدْرِيجِ بِالحِكْمَةِ جَوابًا لِلسّائِلِ ورِفْقًا بِالعِبادِ فَدَرَجَهم في وظائِفِ الدِّينِ تَدْرِيجًا مُوافِقًا لِلْحِكْمَةِ، ولَمْ يَدَعْ لَهم شُبْهَةً إلّا أجابَ عَنْها، وعَلَّمَهم جَمِيعَ الأحْكامِ الَّتِي فِيها رِضانا، وأتاهم مِنَ المَواعِظِ والآدابِ والمَعارِفِ (p-١٥٣)بِما مَلَأ الخافِقِينَ وخَصَصْناكَ بِهِ شُكْرًا عَلى سِيرَتِكَ الحُسْنى الَّتِي كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وتُجَنِّبِكَ كُلَّ ما يُدَنِّسُ، فَلَمّا كانَ بِتَنْزِيلِنا كانَ جامِعًا لِلْهُدى لِما لَنا مِن إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَلا عَجَبَ في كَوْنِهِ جامِعًا لِهُدى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، لَمْ يَدْعُ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لَبْسًا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ في القِيامَةِ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] المُلْتَفِتَةَ إلى ما في المُدَّثِرِ مِن أنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةُ، النّاظِرَةِ إلى ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥] المُشِيرَةِ إلى ما في سُورَةِ الجِنِّ مِن [أمٍرِ -] القُرْآنِ، فالحاصِلُ أنَّ أكْثَرَ القُرْآنِ في تَقْرِيرِ عَظَمَةِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِن أمْرِ الآيَةِ الكُبْرى الَّتِي إذا ثَبَتَتْ تَبِعَها جَمِيعُ المُرادِ مِنَ الشَّرِيعَةِ وتَفْرِيقِ تَقْرِيرِ شَأْنِهِ أتْقَنُ ما يَكُونُ في إحْكامِ أمْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ الحَكِيمَ إذا اهْتَمَّ بِشَيْءٍ افْتَتَحَ الكَلامَ بِهِ، فَإذا رَأى مَن يُنْكِرُهُ انْتَقَلَ إلى غَيْرِهِ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ، ثُمَّ يَصِيرُ يَرْمِي [بِهِ -] في خِلالِ ذَلِكَ، رَمْيًا كَأنَّهُ غَيْرُ قاصِدٍ لَهُ، ولا يَزالُ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتّى يَتَقَرَّرَ أمْرُهُ غايَةَ التَّقْرِيرِ ويَثْبُتَ في النَّفْسِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском