Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Insan 76:24–31
76:24Page 579
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤
So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن تَرَكَ الهُدى الَّذِي هو البَيانُ، فَعَمِيَ (p-١٥٤)عَنْهُ لِإعْراضِهِ عَنْهُ، سَبَّبَ عَنْ هَذا الإنْزالِ وذاكَ الضَّلالِ قَوْلَهُ مُنَبِّهًا عَلى أمْراضِ القُلُوبِ، ومُرْشِدًا إلى دَوائِها: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِتَخْصِيصِهِ لَكَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ عَلى ضَلالِ مَن حَكَمَ بِضَلالِهِ، وعَلى كُلِّ ما يَنُوبُكَ [وأطِعْهُ -] في التَّعَبُّدِ لَهُ بِجَمِيعِ ما أمَرَكَ بِهِ مِنَ الرِّفْقِ إلى أنْ يَأْمُرَكَ بِالسَّيْفِ، واسْتَعِنْ عَلى مُرِّ الصَّبْرِ بِاسْتِحْضارِ أنِ المُرَبِّي الشَّفِيقِ يُرَبِّي بِما يَشاءُ مِنَ المُرِّ والحُلْوِ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، والصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ وضَبْطُها عَلى مُقاوَمَةِ الهَوى لِئَلّا تَنْقادَ إلى شَيْءٍ مِن قَبائِحِ اللَّذّاتِ.
ولَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالصَّبْرِ، وكانَ الأمْرُ بِهِ مُفْهِمًا وُجُودُهُ لِلْمُخالِفِ، وكانَ المُخالِفُونَ لَهُ ﷺ هُمُ القِسْمُ المُضادُّ لِلشّاكِرِ وهُمُ الكَفَرَةُ، وكانَ ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ تارَةً مُطَلَقُ إثْمٍ، وأُخْرى كُفْرًا وتارَةً غَيْرَ ذَلِكَ، ذَكَرَ النَّتِيجَةَ ناهِيًا عَنِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِيَعْلَمَ أنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ لا نَهْيَ فِيهِ فَقالَ: ﴿ولا تُطِعْ مِنهُمْ﴾ أيِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ هم ضِدُّ الشّاكِرِينَ ﴿آثِمًا﴾ أيْ داعِيًا إلى إثْمٍ سَواءٌ كانَ مُجَرَّدًا عَنْ مُطْلَقِ الكُفْرِ أوْ مُصاحِبًا لَهُ ﴿أوْ كَفُورًا﴾ أيْ مُبالِغًا في الكُفْرِ وداعِيًا إلَيْهِ وإنْ كانَ كَبِيرًا وعَظِيمًا في الدُّنْيا فَإنَّ الحَقَّ أكَبَرُ مِن كُلِّ كَبِيرٍ، (p-١٥٥)وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مَعَ شِدَّةِ الأذى لَهُ ﷺ يَبْذُلُونَ لَهُ الرَّغائِبَ مِنَ الأمْوالِ، والتَّمْلِيكِ والتَّزْوِيجِ لِأعْظَمِ نِسائِهِمْ عَلى أنْ يَتْبَعَهم عَلى دِينِهِمْ ويَكُفَّ عَمّا هو عَلَيْهِ والنَّهْيُ عَنِ الأحَدِ المُبْهَمِ نَهْيٌ عَنْ كُلٍّ مِنهُما، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما في أنَّهُ يَجِبُ اجْتِنابُهُ في رُتْبَةٍ واحِدَةٍ ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] وكَذا الِانْتِهاءُ عَنْهُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالِانْتِهاءِ عَنْ كُلٍّ مِنهُما، ولَوْ عَطَفَ بِالواوِ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ الِاثْنَيْنِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ كُلٍّ مِنهُما، وأفْهَمَ تَرْتِيبَ النَّهْيِ عَلى الوَصْفَيْنِ أنَّهُ إذا دَعاهُ الكَفّارُ إلى ما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ إثْمٌ ولا كُفْرٌ جازَ لَهُ قَبُولُهُ.
76:25Page 579
وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥
And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening
ولَمّا نَهى عَنْ طاعَتِهِما القاطِعَةِ عَنِ اللَّهِ، أمَرَ بِمُلازَمَةِ المُوصِلِ إلى اللَّهِ وهو الذِّكْرُ مِن غَيْرِ عائِقٍ الَّذِي هو دَواءٌ لِما عَساهُ يَلْحَقُ مِنَ الأدْواءِ لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الآثِمِ أوِ الكَفُورِ لِأرْبابِ القُلُوبِ الصّافِيَةِ، والذِّكْرُ مُقَدَّمٌ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ وإنْ وضَعَ العِبادَ لَمّا كانَ طَلَبًا لِلتَّوَصُّلِ إلى نَيْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وكانَ التَّصَوُّرُ بِحَسَبِ الِاسْمِ أوَّلَ مَراتِبِ التَّصَوُّرِ طَبْعًا بَدَأ بِهِ وضْعًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّفْسَ تُحِبُّ السُّفُولَ لِما لَها مِنَ النَّقائِصِ، فاحْتاجَتْ إلى سَبَبٍ مُشَوِّقٍ لَها إلى الأعْلى فَوَضَعَتْ لَها العِباداتِ، وأجَلُّها العِبادَةُ المَشْفُوعَةُ بِالفِكْرِ، لِأنَّهُ السَّبَبُ المُوصِلُ إلى المَقْصُودِ ولا تُفِيدُ العِبادَةُ بِدُونِهِ فَقالَ: ﴿واذْكُرِ﴾ أيْ بِلِسانِكَ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ (p-١٥٦)إلَيْكَ بِكُلِّ جَمِيلٍ ﴿بُكْرَةً﴾ عِنْدَ قِيامِكَ مِن مَنامِكَ الَّذِي هو المَوْتَةُ الصُّغْرى وتُذَكِّرُكَ أنَّهُ يُحْيِي المَوْتى ويَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴿وأصِيلا﴾ عِنْدَ انْقِراضِ نَهارِكَ وتُذَكِّرُكَ انْقِراضَ دُنْياكَ وطَيَّ هَذا العالِمِ لِأجْلِ إيجادِ يَوْمِ الفَصْلِ، وفي ذِكْرِ الوَقْتَيْنِ أيْضًا إشارَةٌ إلى دَوامِ الذِّكْرِ، وذِكْرِ اسْمِهِ لازِمٌ لِذِكْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِالصَّلاةِ لِأنَّها أفْضَلُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ لِأنَّها أعْظَمُ الذِّكْرِ لِأنَّها ذِكْرُ اللِّسانِ والجَنانِ والأرْكانِ فَوُظِّفَتْ فِيها أذْكارٌ لِسانِيَّةٌ وحَرَكاتٌ وسَكَناتٌ عَلى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَن عادَتِها ألّا تَفْعَلَ إلّا بَيْنَ أيْدِي المُلُوكِ، فَكانَ تَنْبِيهُها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ والِاعْتِرافِ بِإلَهِيَّتِهِ وتَفَرُّدِهِ أكْثَرَ فَكانَتْ أفْضَلَ، فَيَكُونُ هَذا عَلى هَذا أمْرًا بِصَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ أمَرَ في أوَّلِ الإسْلامِ بِغَيْرِهِما وبِهِما أُمِرَ مَن كانَ قَبْلَنا، وهُما أفْضَلُ الصَّلَواتِ وكانَتا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِصَلاتَيِ الصُّبْحِ [والظُّهْرِ -] والعَصْرِ فَإنَّ الأصِيلَ يَتَناوَلُ وقْتَيْهِما لِأنَّهُ مُطْلَقُ العَشِيِّ، وأمّا المَغْرِبُ والعَشاءُ ونافِلَةُ اللَّيْلِ فَدَخَلَتْ في قَوْلِهِ:
76:26Page 580
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦
And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ (p-١٥٧)أيْ بَعْضِهِ والباقِي لِلرّاحَةِ بِالنَّوْمِ ﴿فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ فَصَلِّ لَهُ صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وذِكِّرْهُما بِالسُّجُودِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أفْضَلُ الصَّلاةِ، فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّيْلَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِما في صَلاةِ اللَّيْلِ مِن مَزِيدِ الكُلْفَةِ والخُلُوصِ ومَزِيدِ الفَضِيلَةِ لِأنَّ الِالتِفاتَ فِيهِ إلى جانِبِ الحَقِّ أتَمُّ لِزَوالِ الشّاغِلِ لِلْحَواسِّ مِن حَرَكاتِ النّاسِ وأصْواتِهِمْ وسائِرِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَكانَ أبْعَدَ عَنِ الرِّياءِ فَكانَ [الخُشُوعُ -] فِيهِ [و -] اللَّذَّةُ التّامَّةُ بِحَلاوَةِ العِبادَةِ أوْفى ﴿وسَبِّحْهُ﴾ [أيْ -] بِالتَّهَجُّدِ ﴿لَيْلا طَوِيلا﴾ نِصْفَهُ أوْ أكْثَرَ مِنهُ أوْ أقَلَّ، ولَعَلَّهُ سَمّاهُ تَسْبِيحًا لِأنَّ مُكابَدَةَ القِيامِ فِيهِ وغَلَبَةَ النَّوْمِ تُذَكِّرُ بِما لِلَّهِ مِنَ العَظَمَةِ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ نَقِيصَةٍ، ولِأنَّهُ لا يَتْرُكُ مَحْبُوبَهُ مِنَ الرّاحَةِ بِالنَّوْمِ إلّا مَن كانَ اللَّهُ عِنْدَهُ في غايَةِ النَّزاهَةِ، وكانَ لَهُ في غايَةِ المَحَبَّةِ.
76:27Page 580
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧
Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.
ولَمّا أنْهى أمْرَهُ بِلازِمِ النَّهْيِ، عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ مُحَقِّرًا بِإشارَةِ القَرِيبِ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ التَّعَنُّتِ بِالطَّعْنِ في كُلِّ ما يَذْكُرُهُ ﷺ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَغْفُلُونَ عَنِ اللَّهِ مِنَ الكَفَرَةِ وغَيْرِهِمْ فاسْتَحَقُّوا المَقْتَ مِنَ اللَّهِ ﴿يُحِبُّونَ﴾ أيْ مَحَبَّةً تَتَجَدَّدُ عِنْدَهم زِيادَتُهم في كُلِّ وقْتٍ ﴿العاجِلَةَ﴾ أيْ ويَأْخُذُونَ مِنها ويَسْتَخِفُّونَ لِما حَفَّتْ بِهِ مِنَ الشَّهَواتِ زَمَنًا قَلِيلًا لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ وجُمُودِهِمْ عَلى المَحْسُوساتِ الَّتِي الإقْبالُ عَلَيْها مَنشَأُ البَلادَةِ والقُصُورِ، ومَعْدِنِ الأمْراضِ لِلْقُلُوبِ الَّتِي في الصُّدُورِ، [و -] مَن تَعاطى أسْبابَ المَرَضِ مَرِضَ وسُمِّي كَفُورًا، ومَن (p-١٥٨)تَعاطى ضِدَّ ذَلِكَ شُفِيَ وسُمِّيَ شاكِرًا، ويَكْرَهُونَ الآخِرَةَ الآجِلَةَ،
﴿ويَذَرُونَ﴾ أيْ يَتْرُكُونَ مِنها عَلى حالَةٍ هي [مِن -] أقْبَحِ ما يَسُوءُهم إذا رَأوْهُ ﴿وراءَهُمْ﴾ أيْ أمامَهم أيْ قُدّامَهم عَلى وجْهِ الإحاطَةِ بِهِمْ وهم عَنْهُ مُعْرِضُونَ كَما يُعْرِضُ الإنْسانُ عَمّا وراءَهُ، أوْ خَلْفَهم لِأنَّهُ يَكُونُ بَعْدَهم لا بُدَّ أنْ يُدْرِكَهم ﴿يَوْمًا﴾ أيْ مِنها. ولَمّا كانَ ما أعْيا الإنْسانَ وشَقَّ عَلَيْهِ ثَقِيلًا قالَ: ﴿ثَقِيلا﴾ أيْ شَدِيدًا جِدًّا لا يُطِيقُونَ حَمْلَ ما فِيهِ مِنَ المَصائِبِ بِسَبَبِ أنَّهم لا يُعِدُّونَ لَهُ عَدَّتْهُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الحُبَّ والعاجِلَةَ أوَّلًا دَلالَةً عَلى ضِدِّهِما ثانِيًا، والتَّرْكُ [و -] الثِّقَلُ ثانِيًا دَلالَةً عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أدَلُّ عَلى سَخافَةِ العَقْلِ بِعَدَمِ التَّأمُّلِ لِلْعَواقِبِ.
76:28Page 580
نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨
We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.
ولَمّا كانَ تَرْكُهم لِلْيَوْمِ الثَّقِيلِ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ الَّذِي هو أقْبَحُ التَّرْكِ، وكانَ تَكْذِيبُهم لِاعْتِقادِهِمْ عَدَمَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ قالَ دالًّا عَلى الإعادَةِ بِالِابْتِداءِ مِن بابِ الأوْلى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾، بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ لا غَيْرُنا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ أيْ قَوَّيْنا وأتْقَنّا رَبْطَ مَفاصِلِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِالأعْصابِ عَلى وجْهِ الإحْكامِ بَعْدَ كَوْنِهِمْ نُطْفَةً أمْشاجًا (p-١٥٩)فِي غايَةِ الضَّعْفِ، وأصْلُ الأُسَرِ، القَدُّ يُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ أوِ الرَّبْطُ والتَّوْثِيقُ، ولا شَكَّ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ شَخْصٍ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ كَما كانَ [لِأنَّ -] جَسَدَهُ الَّذِي أنْشَأهُ إنْ كانَ مَحْفُوظًا فالأمْرُ فِيهِ واضِحٌ، وإنْ كانَ قَدْ صارَ تُرابًا فَإبْداعُهُ مِنهُ مِثْلُ إبْداعِهِ مِنَ النُّطْفَةِ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ كَأبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو أوْلى فَإنَّهُ تُرابُهُ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ [ بِما كانَ حَيًّا، وتُرابُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ قَطُّ في الحَياةِ -] والإعادَةُ أهْوَنُ في مَجارِي عاداتِ الخَلْقِ مِنَ الِابْتِداءِ، [و -] لِذَلِكَ قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ: ﴿وإذا شِئْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ أنْ نُبَدِّلَ ما نَشاءُ مِن صِفاتِهِمْ أوْ ذَواتِهِمْ ﴿بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ في الخِلْقَةِ وشِدَّةِ الأسْرِ ﴿تَبْدِيلا﴾ أوِ المَعْنى: جِئْنا بِأمْثالِهِمْ بَدَلًا مِنهم وخَلائِفَ لَهُمْ، أوْ يَكُونَ المُرادُ - وهو أقْعُدُ - بِالمَثَلِ الشَّخْصِ أيْ بَدَّلْنا أشْخاصَهم لِتَصِيرَ بَعْدَ القُوَّةِ إلى ضَعْفٍ وبَعْدَ الطُّولِ إلى قِصَرٍ وبَعْدَ البَياضِ إلى سَوادٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ كَما شُوهِدَ في بَعْضِ الأوْقاتِ في المَسْخِ وغَيْرِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى تَمامِ قُدْرَتِنا وشُمُولِ عِلْمِنا.
76:29Page 580
إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩
Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.
ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا عَظِيمًا عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ مُخْزِيًا لَهُمْ، قالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ عِنادًا: ﴿إنَّ هَذِهِ﴾ أيِ الفِعْلَةَ البُدائِيَّةَ، أوِ المَواعِظَ (p-١٦٠)الَّتِي ذَكَّرْناها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي جَمِيعِ القُرْآنِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ مَوْضِعُ ذِكْرٍ عَظِيمٍ لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وتَذَكُّرِ عَظِيمٍ لِما فَعَلْتُ في الإنْشاءِ أوَّلًا، ومَوْعِظَةً عَظِيمَةً فَإنَّ في تَصَفُّحِها تَنْبِيهاتٍ عَظِيمَةً لِلْغافِلِينَ، وفي تَدَبُّرِها وتَذَكُّرِها فَوائِدُ جَمَّةٌ لِلطّالِبِينَ السّالِكِينَ مِمَّنْ ألْقى سَمْعَهُ [ وأحْضَرَ نَفْسَهُ، وكانَتْ نَفْسُهُ مُقْبِلَةٍ عَلى ما ألْقى إلَيْهِ سَمْعُهُ -]، فَمَن أقْبَلَ هَذا الإقْبالَ عَلِمَ أنّا آتَيْناهُ مِنَ الآلاتِ والدَّلائِلِ ما إنْ سَلَكَ مَعَهُ مُجْتَهِدًا وصَلَ دُونَ ضَلالٍ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ كَوْنِها تَذْكِرَةً قَوْلُهُ مِن خِطابِ البَسْطِ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ أيْ أنْ يَجْتَهِدُ في وُصُولِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿اتَّخَذَ﴾ أيْ أخَذَ بِجُهْدِهِ مِن مُجاهَدَةِ نَفْسِهِ ومُغالَبَةِ هَواهُ ﴿إلى رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُحِبَّهُ بِجَمِيعِ قَلْبِهِ ويَجْتَهِدَ في القُرْبِ مِنهُ ﴿سَبِيلا﴾ أيْ طَرِيقًا واسِعًا واضِحًا سَهْلًا بِأفْعالِ الطّاعَةِ الَّتِي أمَرَ بِها لِأنّا بَيَّنّا الأُمُورَ غايَةَ البَيانِ وكَشَفْنا اللَّبْسَ وأزَلْنا جَمِيعَ مَوانِعِ أنْفُسِهِمْ عَمَّنْ شِئْنا ورَكَّزْنا ذَلِكَ في الطِّباعِ، ولَمْ يَبْقَ مانِعٌ مِنَ اسْتِطْراقٍ أصْلًا غَيْرَ مَشِيئَتِنا، والفِطْرَةُ الأوْلى أعْدَلُ شاهِدٍ بِهَذا.
76:30Page 580
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠
And you do not will except that Allāh wills. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
ولَمّا أثْبَتَ لَهُمُ المَشِيئَةَ الَّتِي هي مَناطُ التَّكْلِيفِ، وهي الكَسْبُ، وكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أوِ ادَّعى مُدَّعٍ في خَلْقِ الأفْعالِ كَما قالَ أهْلُ (p-١٦١)الِاعْتِزالِ، قالَ نافِيًا عَنْهُمُ الِاسْتِقْلالَ، لافِتًا القَوْلَ إلى خِطابِهِمْ، وهو مَعَ كَوْنِهِ خِطابٌ قُبِضَ اسْتِعْطافًا بِهِمْ إلى التَّذَكُّرِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ وبِالغَيْبِ عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ: ﴿وما تَشاءُونَ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مَشِيئَةً مِنَ المَشِيئاتِ لِهَذا وغَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِراعِ والِاسْتِقْلالِ ﴿إلا﴾ وقْتَ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، فَيُوجَدُ المَعانِي في أنْفُسِكم عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ ويُقَدِّرُ عَلى ما يَشاءُ مِن آثارِها، وقَدْ صَحَّ بِهَذا ما قالَ الأشْعَرِيَّةُ وسائِرُ أهْلِ السُّنَّةِ مِن أنَّ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً تُسَمّى كَسْبًا لا تُؤَثِّرُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَحْرِيكِها لِقُدْرَةِ العَبْدِ، وانْتَفى مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنّا نَحْنُ [نَخْلُقُ -] أفْعالَنا، ومَذْهَبُ الجَبْرِيَّةِ القائِلِينَ: لا فِعْلَ لَنا أصْلًا، ومَثَّلَ المَلْوِيُّ ذَلِكَ بِمَن يُرِيدُ قَطَعَ بِطِّيخَةٍ [ فَحَدَّدَ سِكِّينًا وهَيَّأها وأوْجَدَ فِيها أسْبابَ القَطْعِ وأزالَ عَنْها مَوانِعَهُ ثُمَّ وضَعَها عَلى البِطِّيخَةِ - ] فَهي لا تَقْطَعُ دُونَ أنْ يَتَحامَلَ عَلَيْها التَّحامُلَ المَعْرُوفَ لِذَلِكَ، ولَوْ وضَعَ عَلَيْها ما لَمْ يَصْلُحْ لِلْقَطْعِ كَحَطَبَةٍ مَثَلًا لَمْ تَقْطَعْ ولَوْ تَحامَلَ، فالعَبْدُ كالسِّكِّينِ خَلَقَهُ اللَّهُ وهَيَّأهُ بِما أعْطاهُ مِنَ القُدْرَةِ لِلْفِعْلِ، فَمَن قالَ: أنا أخْلُقُ فَعَلِي مُسْتَقِلًّا بِهِ، فَهو كَمَن قالَ: السِّكِّينُ تَقْطَعُ بِمُجَرَّدِ وضْعِها مِن غَيْرِ تَحامُلٍ، ومَن قالَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ، مِن غَيْرِ (p-١٦٢)نَظَرٍ إلى العَبْدِ أصْلًا كانَ كَمَن قالَ: هو يَقْطَعُ البِطِّيخَةَ بِتَحامُلِ يَدِهِ أوْ قَصَبَةٍ مَلْساءَ مِن غَيْرِ سِكِّينٍ، والَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ باشَرَ بِقُدْرَتِهِ المُهَيَّأةِ لِلْفِعْلِ بِخَلْقِ اللَّهِ لَها وتَحْرِيكِها في ذَلِكَ الفِعْلِ كانَ كَمَن قالَ: إنَّ السِّكِّينَ قَطَعَتْ بِالتَّحامُلِ [عَلَيْها-]، بِهَذا أجْرى سُبْحانَهُ عادَتَهُ في النّاسِ، ولَوْ شاءَ غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِإحاطَتِهِ بِمَشِيئَتِهِمْ قائِلًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿كانَ﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ بالِغَ العِلْمِ والحِكْمَةِ، فَهو يَمْنَعُ مَنعًا مُحْكَمًا مِن أنْ يَشاءَ غَيْرُهُ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، فَمَن عَلِمَ في جِبِلَّتِهِ خَيْرًا أعانَهُ عَلَيْهِ، ومَن عَلِمَ مِنهُ الشَّرَّ ساقَهُ إلَيْهِ وحَمَلَهُ عَلَيْهِ، وهو مَعْنى
76:31Page 580
يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١
He admits whom He wills into His mercy; but the wrongdoers - He has prepared for them a painful punishment.
﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِلْمِهِ أهْلًا لِلسَّعادَةِ، لَيْسَ بِظالِمٍ ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ بِحِكْمَتِهِ فَيُيَسِّرُ لَهُ اتِّخاذَ السَّبِيلِ المُوصِلِ إلَيْهِ بِأنْ يُوَفِّقَهُ لِلْعَدْلِ، ويُعِدَّ لَهُ ثَوابًا جَسِيمًا.
ولَمّا بُشِّرَ أهْلُ العَدْلِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ المُؤْذِنِ بِالِاسْتِمْرارِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ ماضِيًا لِئَلّا يَتَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ مِمَّنْ هو مُتَلَبِّسٌ بِالضَّلالِ فَيَقُولُ: أنا لا أصْلُحُ لِأنَّهُ ما أدْخَلَنِي، عَطَفَ عَلَيْهِ ما لِأضْدادِهِمْ في جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ بَناها عَلى الماضِي إعْلامًا بِأنَّ عَذابَهم مَوْجُودٌ قَدْ فَرَغَ مِنهُ [فَقالَ-]: ﴿والظّالِمِينَ﴾ أيْ وأهانَ العَرِيقِينَ في وصْفِ المَشْيِ عَلى غَيْرِ سُنَنِ مَرْضى كالماشِي في الظَّلامِ فَهو يُدْخِلُهم في نِقْمَتِهِ وقَدْ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ (p-١٦٣)[أيْ -] إعْدادًا أمْضاهُ بِعَظَمَتِهِ، فَلا يُزادُ فِيهِ ولا يُنْقَصُ أبَدًا ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإدْخالَ والرَّحْمَةَ أوَّلًا دَلالَةً عَلى الضِّدِّ ثانِيًا، والعَذابَ ثانِيًا دَلالَةً عَلى الثَّوابِ أوَّلًا، وسَرُّ ذَلِكَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أوْلى بِتَرْغِيبِ أهْلِ العَدْلِ فِيهِ وإنْ ساءَتْ حالُهم في الدُّنْيا، وبِتَرْهِيبِ أهْلِ الظُّلْمِ مِنهُ وإنْ حَسُنَتْ حالُهم في الدُّنْيا، فَقَدْ رَجَعَ هَذا الآخَرُ المُفَصَّلُ إلى السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عَلى أوَّلِها المُؤْذِنُ بِأنَّ الإنْسانَ مُعْتَنًى بِهِ غايَةَ الِاعْتِناءِ، وأنَّهُ ما خُلِقَ إلّا لِلِابْتِلاءِ، فَهو إمّا كافِرٌ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، وإمّا شاكِرٌ مَنظُورٌ بِعَيْنِ الرِّضى إلَيْهِ - فَسُبْحانَ مَن خَلَقَنا ويُمِيتُنا ويُحْيِينا بِقُدْرَتِهِ واللَّهُ الهادِي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences