Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Mursalat 77:32–50
77:32Page 581
إِنَّهَا تَرۡمِي بِشَرَرٖ كَٱلۡقَصۡرِ ٣٢
Indeed, it throws sparks [as huge] as a fortress,
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذا الظِّلَّ في العَذابِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَكُونُ دُخانٌ إلّا مِن نارٍ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّهُ لَوْ كانَ هُناكَ ظِلٌّ ما أغْنى: ﴿إنَّها﴾ أيِ النّارُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها السِّياقُ ﴿تَرْمِي﴾ أيْ مِن شِدَّةِ الِاسْتِعارِ ﴿بِشَرَرٍ﴾ وهو ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا التَهَبَتْ، واحِدَتُها شَرارَةٌ وهي صَواعِقُ تِلْكَ الدّارِ ﴿كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرارَةٍ مِنها كَأنَّها قَصْرٌ مُشَيَّدٌ مِن عَظْمِها وقِيلَ: هو الغَلِيظُ مِنَ الشَّجَرِ، الواحِدَةُ قَصْرٌ مِثْلُ جَمْرٍ وجَمْرَةٍ، وهي اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلّا في جَمْعٍ فَهو شامِلٌ لِكَثِيرِ الجُمُوعِ وقَلِيلِها، وكَذا كُلُّ ما فَرَّقَ بَيْنَ واحِدَةٍ وجَمْعُهُ التّاءُ ولَيْسَ بِجَمْعٍ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعِ سَلامَةٍ وهو ظاهِرٌ ولا تَكْسِيرَ لِأنَّ أوْزانَهُ مَعْرُوفَةٌ ولَيْسَ مِنها فِعْلٌ ولَيْسَ بِجِنْسٍ، فَإنَّهُ لا يَشْمَلُ ما دُونُ الجَمْعِ ومِن عَظَمَةِ شَرارِها تُعْرَفُ عَظَمَةُ جَمْرِها.
(p-١٧٩)ولَمّا شَبَّهَهُ في عَظْمِهِ، شَبَّهَهُ في لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ﴾ جَمْعُ جِمالَةٌ جَمْعُ جَمَلٍ مِثْلُ حِجارَةٍ وحَجَرٍ لِلدَّلالَةِ مَعَ كَبَّرَهُ عَلى كَثْرَتِهِ وتَتابُعِهِ واخْتِلاطِهِ وسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ، ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ فَهو عِنْدُهُ جَمْعُ جِمالَةٍ وهي الحَبْلُ الغَلِيظُ مِن حِبالِ السَّفِينَةِ - شَبَّهَهُ [بِهِ -] في امْتِدادِهِ والتِفافِهِ، ولا تَنافِي فَإنَّ الشَّرَرَ مِنهُ ما هو هَكَذا و[مِنهُ -] ما هو كَما تَقَدَّمَ ﴿صُفْرٌ﴾ جَمْعُ أصْفَرَ لِلَّوْنِ المَعْرُوفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ سَوادٌ يُضْرَبُ إلى صُفْرَةٍ كَما هي ألْوانُ الجِمالِ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا هائِلًا كانَتْ تَرْجَمَتُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ يَكُونُ ذَلِكَ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ بِإلْقاءِ الذِّكْرِ عَلى الأنْبِياءِ لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ.
ولَمّا دَلَّتْ قِراءَةُ ”انْطَلَقُوا“ بِالفَتْحِ عَلى امْتِثالِهِمْ لِلْأمْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْبِسُوا بِكَلِمَةٍ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ دالًّا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ المَقْتِ والغَضَبِ: ﴿هَذا﴾ أيِ المَوْقِفُ الَّذِي هو بَعْضُ مَواقِفَ ذَلِكَ اليَوْمِ، سُمِّيَ يَوْمًا لِتَمامِ أحْكامِهِ، فَلِذا قالَ مُخْبِرًا عَنِ المُبْتَدَأِ: ﴿يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِبِنْتِ شَفَةٍ مِن شِدَّةِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ في بَعْضِ المَواقِفِ، ويَنْطِقُونَ في بَعْضِها (p-١٨٠)فَإنَّهُ يَوْمٌ طَوِيلٌ ذُو ألْوانٍ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أوْ لا يَنْطِقُونَ بِما يَنْفَعُهم لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا لا يَنْطِقُونَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي يَنْفَعُهم.
77:36Page 581
وَلَا يُؤۡذَنُ لَهُمۡ فَيَعۡتَذِرُونَ ٣٦
Nor will it be permitted for them to make an excuse.
ولَمّا كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ما إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وكانَ المُوجِعُ لَهم عَدَمَ الإذْنِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ [دَلالَةً -] عَلى عَدَمِ ناصِرٍ لَهم أوْ فَرَجٍ يَأْتِيهِمْ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ أيْ مِن آذَنَ ما ﴿لَهُمْ﴾ أيْ في كَلامٍ أصْلًا، ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ لَهم إذْنٌ ولا يُوجَدُ مِنهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يَنْظُرَ إلى تَسَبُّبِهِ عَنْ عَدَمِ الإذْنِ لِئَلّا يَفْهَمَ أنَّ لَهم عُذْرًا ولَكِنَّهم لَمْ يُبْدُوهُ لِعَدَمِ الإذْنِ، قالَ رافِعًا عَطْفًا عَلى ”يُؤْذِنُ“ ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى نَفْيِ الإذْنِ ونَفْيِ الِاعْتِذارِ عَقِبَهُ مُطْلَقًا، ولَوْ نَصَبَهُ لَدَلَّ عَلى أنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ اعْتِذارِهِمْ عَدَمُ الإذْنِ فَيَنْقُضُ المَعْنى.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا فَظِيعًا تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَ هَذا المَوْقِفُ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ بِالإخْبارِ بِطَمْسِ النُّجُومِ فَجُعِلَتْ عُقُوبَتُهم سُكُوتَهُمُ الَّذِي هو ذَهابُ نُورِ الإنْسانِ لِيَكُونَ كالطَّمْسِ كَذَّبُوا بِهِ.
77:38Page 581
هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِۖ جَمَعۡنَٰكُمۡ وَٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨
This is the Day of Judgement; We will have assembled you and the former peoples.
ولَمّا ذَكَرَ حَيْرَتَهم ودَهْشَتَهُمُ الَّتِي هي أمارَةُ قَوْلِ الحُكْمِ، وكانَتْ (p-١٨١)مَواطِنَ ذَلِكَ اليَوْمِ تُسَمّى أيّامًا لِتَمامِ الأحْكامِ في كُلِّ مَواطِنٍ مِنها، وتُمَيِّزُهُ بِذَلِكَ عَمّا عَداهُ، قالَ: ﴿هَذا﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمُ كُلُّهُ ﴿يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ بَيْنَ ما اخْتُلِفَ فِيهِ العِبادُ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ العالِي والسّافِلِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿جَمَعْناكُمْ﴾ أيْ يا مُكَذِّبِي هَذِهِ الأُمَّةِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿والأوَّلِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ تُقُدِّمَ أنّا أهْلَكْناهُمْ، وقَدْ كانُوا أكْثَرَ مِنكم عَدَدًا وأعْظَمَ عَدَدًا لِنَفْصِلَ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ ونُصْلِي العَذابَ ونَجْزِي بِالثَّوابِ، وقَدْ كانَ مِنكم مَن يَقُولُ: أنا أكْفِي عَشَرَةً مِن مَلائِكَةِ النّارِ، ثُمَّ أشارَ إلى انْقِطاعِ الأسْبابِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ:
﴿فَإنْ كانَ لَكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُكَذِّبُونَ عَلى وجْهٍ هو ثابِتٌ مِن ذَواتِكم ﴿كَيْدٌ﴾ أيْ مُقاواةٌ بِنَوْعِ حِيلَةٍ أوْ شِدَّةٍ ﴿فَكِيدُونِ﴾ تَقْرِيعٌ لَهم عَلى كَيْدِهِمْ لِأوْلِيائِنا المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا - بِما مَكَّنَهم بِهِ مِنَ الأسْبابِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مَن آذى ولَيَّهُ فَقَدْ آذَنَهُ بِالحَرْبِ عَلى أنَّهم عاجِزُونَ.
ولَمّا كانُوا أقَلَّ مِن أنْ يُجِيبُوا عَنْ هَذا وأحْقَرَ [مِن -] أنْ يُمْهَلُوا لِلْكَلامِ، قالَ مُتَرْجِمًا لِحالِهِمْ بَعْدَ هَذا الكَلامِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم لَوْ عَقَلُوا بَكَوْا عَلى أنْفُسِهِمُ الآنَ لِأنَّهُ لا حِيلَةَ إذْ ذاكَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ (p-١٨٢)إذْ يُقالُ لَهم هَذا الكَلامُ فَيَكُونُ زِيادَةً في عَذابِهِ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في التَّكْذِيبِ [بِأنَّ السَّماءَ -] تُفْرِجُ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِأنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهم بَعْدَ المَوْتِ.
77:41Page 581
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ ٤١
Indeed, the righteous will be among shades and springs
ولَمّا كانَ الواقِعُ بَعْدَ الفَصْلِ قَرارَ كُلٍّ في دارِهِ، [وكانَ -] قَدْ بَدَأ بِالمُكَذِّبِينَ لِأنَّ التَّحْذِيرَ في السُّورَةِ أعْظَمُ فَفَصَلَهم عَنِ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: انْطَلِقُوا - إلى آخِرِهِ، ثَنّى بِأضْدادِهِمُ الفَرِيقَ النّاجِي المُشارَ إلَيْهِ في آخِرِ الإنْسانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِ الكَفّارِ بِتِلْكَ الدّارِ وبِأنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ أسْعَدَ مِنهُمْ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ كانُوا يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ كُلِّ ما يُغْضِبُ اللَّهَ وِقايَةً مِمّا يُرْضِيهِ لِعَراقَتِهِمْ في هَذا الوَصْفِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ هي في الحَقِيقَةِ الظِّلالُ [لا -] كَما تَقَدَّمَ مِن ظَلَّ الدُّخانُ، ولا يُشْبِهُها أعْلى ظِلٍّ في الدُّنْيا ولا أحْسَنُهُ إلّا بِالِاسْمِ، ودَلَّ [عَلى -] أنَّها عَلى حَقِيقَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿وعُيُونٍ﴾ لِأنَّها تَكُونُ عَنْها الرِّياضُ والأشْجارُ [الكِبارُ -] كَما دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الظِّلَّ المُتَشَعِّبَ لِلتَّهَكُّمِ بِما ذَكَرَ بَعْدَهُ مِن أوْصافِ النّارِ، فَهَذِهِ العُيُونُ تُبْرِدُ الباطِنَ وتَنْبُتُ الأشْجارُ المُظَلَّةُ كَما أنَّ اللَّهَبَ يَحِرُّ الظّاهِرَ والباطِنَ ويُهْلِكُ ما قَرُبَ مِنهُ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ فَلا يَبْقى ولا يَذْرُ.
(p-١٨٣)ولَمّا ذَكَرَ العُيُونَ، أتْبَعَها ما يَنْشَأُ عَنْها فَقالَ دالًّا عَلى أنَّ عَيْشَهم كُلَّهُ لَذَّةً: ﴿وفَواكِهَ﴾ ولَمّا كانَ يُوجَدُ في فَواكِهِ الدُّنْيا الدُّونُ، قالَ دالًّا عَلى أنَّ عَيْشَهم كُلَّهُ لَذَّةٌ وأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ دُونٌ: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيِ الرَّغْبَةَ.
77:43Page 581
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣
[Being told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
ولَمّا فَهِمَ مِنَ التَّعْبِيرِ [ بِ ”فِي“ - ] أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِن هَذا جَمِيعُهُ تَمَكُّنَ المَظْرُوفِ مِن ظَرْفِهِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالفاكِهَةِ جَمِيعُ المَآكِلِ، وإنَّما عَبَّرَ بِها إعْلامًا بِأنَّ كُلَّ أكْلٍ فِيها تَفَكُّهٌ لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ لِجَلْبِ نَفْعٍ غَيْرُ اللَّذَّةِ ولا دَفْعَ ضُرٍّ: ﴿كُلُوا﴾ أيْ مَقُولًا لَهُمْ: تَناوَلُوا جَمِيعَ المَآكِلِ عَلى وجْهِ التَّفَكُّهِ والتَّلَذُّذِ لا لِحِفْظِ الصِّحَّةِ فَإنَّها حاصِلَةٌ بِدُونِهِ ﴿واشْرَبُوا﴾ أيْ مِن جَمِيعِ المُشارِبِ كَذَلِكَ فَإنَّ عُيُونَها لَيْسَتْ مِنَ الماءِ خاصَّةً بَلْ مِن كُلِّ شَرابٍ أكْلًا وشُرْبًا ﴿هَنِيئًا﴾ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَوَقُّعُ ضُرٍّ، وزادَ في نَعِيمِهِمْ بِأنْ جَعَلَ ذَلِكَ عِوَضًا فَقالَ: ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ بِجِبِلّاتِكُمُ الَّتِي جَبَلْتُكم عَلَيْها ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى أساسِ العِلْمِ الَّذِي أفادَ التَّصْدِيقَ بِالجَنَّةِ فَأوْجَبَ دُخُولَها كَما أوْجَبَ (p-١٨٤)تَكْذِيبَ المُجْرِمِينَ بِالنّارِ دُخُولَهم إيّاها وعَذابَهم بِها، وتَكْذِيبَهم بِالجَنَّةِ طَرْدُهم عَنْها وحِرْمانُهم لِنَعِيمِها جَزاءً وِفاقًا.
ولَمّا كانَ رُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذا [لِناسٍ -] مُعِينِينَ في زَمَنٍ مَخْصُوصٍ - قالَ مُعْلِمًا بِالتَّعْمِيمِ مُؤَكِّدًا رَدًّا عَلى مَن يُنْكِرُ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ كُلَّ مَن كانَ عَرِيقًا في وصْفِ الإحْسانِ لَسْنا كَمُلُوكِ الدُّنْيا، يَعُوقُهم [عَنِ -] الإحْسانِ إلى بَعْضِ المُحْسِنِينَ عِنْدَهم بِما يَرَوْنَهُ جَزاءً لَهم بَعْضُ أهْلِ مَمْلَكَتِهِمْ لِما لَهم مِنَ الأهْوِيَةِ ولِمُلُوكِهِمْ مِنَ الضَّعْفِ.
ولَمّا كانَ هَذا النَّعِيمُ عَذابًا [عَظِيمًا -] عَلى مَن لا يَنالُهُ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ [إذْ -] يَكُونُ هَذا النَّعِيمُ لِلْمُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِأنَّ الجِبالَ تُنْسَفُ فَتَكُونُ الأرْضُ كُلُّها سَهْلَةً دَمِثَةً مُسْتَوِيَةً لا عِوَجَ فِيها أصْلًا صالِحٌ لِلْعُيُونِ والأشْجارِ والتَّبَسُّطِ في أرْجائِها كَيْفَما يُرِيدُ صاحِبُها ويَخْتارُ.
77:46Page 581
كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجۡرِمُونَ ٤٦
[O disbelievers], eat and enjoy yourselves a little; indeed, you are criminals.
ولَمّا ذَكَرَ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِي لا يَنْقَضِي لِأنَّ لَهم غايَةُ المُكْنَةِ فِيهِ، وكانَ ذَلِكَ آجِلًا، وكانَ المُكَذِّبُونَ في اتِّساعٍ في الدُّنْيا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ (p-١٨٥)تَعالى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] وكانَ الشَّقاءُ مَتى وقَعَ بَعْدَ نَعِيمٍ نَسَخَهُ وعْدُ النَّعِيمِ - ولَوْ كانَ كَثِيرًا طَوِيلًا - قَلِيلًا، قالَ نَتِيجَةً لِجَوابِ القَسَمِ ضِدَّ ما يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ تَسْلِيَةً لَهم وتَحْزِينًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِناءً عَلى ما تَقْدِيرُهُ: إنَّ المُكَذِّبِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا في اسْتِدْراجٍ وغُرُورٍ، ويَقُولُ لَهم لِسانُ الحالِ المُعْرِبُ عَنْ أحْوالِهِمْ في المَآلِ تَوْبِيخًا وتَهْدِيدًا: ﴿كُلُوا﴾ أيْ أيُّها المُكَذِّبُونَ في هَذِهِ الدُّنْيا ﴿وتَمَتَّعُوا﴾ أيْ كَذَلِكَ بِمِثْلِ الجِيفَةِ، فَإنَّ المَتاعَ مِن أسْمائِها كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ ﴿قَلِيلا﴾ أيْ وإنِ امْتَدَّ زَمَنُهُ فَإنَّهُ زائِلٌ مَعَ قَصْرِ مُدَّتِهِ في مُدَّةِ الآخِرَةِ، ولا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ عَلى الباقِي النَّفِيسِ إلّا خَسِيسُ الهِمَّةِ، قالَ الرّازِيُّ، وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّمَتُّعُ بِالدُّنْيا مِن أفْعالِ الكافِرِينَ، والسَّعْيُ لَها مِن أفْعالِ الظّالِمِينَ، والِاطْمِئْنانُ إلَيْها مِن أفْعالِ الكاذِبِينَ، والسُّكُونُ فِيها عَلى حَدِّ الإذْنِ والأخْذِ مِنها عَلى قَدْرِ الحاجَةِ مِن أفْعالِ عَوامِّ المُؤْمِنِينَ، والإعْراضِ عَنْها مِن أفْعالِ الزّاهِدِينَ، وأهْلُ الحَقِيقَةِ أجْلُّ خَطَرًا مِن أنْ يُؤَثِّرَ فِيهِمْ حُبُّ الدُّنْيا وبُغْضُها وجَمْعُها وتَرْكُها.
ولَمّا أحَلَّهم هَذا المَحَلُّ الخَبِيثُ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ العَذابِ بِكم يَوْمَ الفَصْلِ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّهم يُنْكِرُونَ وصْفَهم بِذَلِكَ: ﴿إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في قَطْعِ كُلِّ ما أرادَ اللَّهُ بِهِ أنْ (p-١٨٦)يُوصَلَ، فَلا جائِزَ أنْ تُعامِلُوا مُعامَلَةَ المُحْسِنِينَ، فَلِذَلِكَ كانَتْ نَتِيجَةُ هَذا
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ تُعَذَّبُونَ بِإجْرامِكم ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ بِوُصُولِ الرُّسُلِ إلى وقْتِها المَعْلُومِ الَّذِي كانَتْ تَتَوَعَّدُ بِهِ المُجْرِمِينَ في الدُّنْيا حَيْثُ كَذَّبُوهم لِأجْلِ تَمَتُّعِهِمْ هَذا القَلِيلُ الكَدِرِ، وعَرَّضُوا أنْفُسَهم لِلْعَذابِ الدّائِمِ المُسْتَمِرِّ.
77:48Page 581
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرۡكَعُواْ لَا يَرۡكَعُونَ ٤٨
And when it is said to them, "Bow [in prayer]," they do not bow.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهم كانُوا في دارِ العَمَلِ إذا قِيلَ لَهم آمِنُوا لا يُؤْمِنُوا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ مِن أيْ قائِلٍ كانَ ﴿ارْكَعُوا﴾ أيْ صَلُّوا الصَّلاةَ الَّتِي فِيها الرُّكُوعُ، وأطْلَقَهُ عَلَيْها تَسْمِيَةً لَها بِاسْمِ جُزْءٍ مِنها، وخَصَّ هَذا الجُزْءَ لِأنَّهُ يُقالُ عَلى الخُضُوعِ والطّاعَةِ، ولِأنَّهُ خاصٌّ بِصَلاةِ المُسْلِمِينَ، ولِأنَّ بَعْضَ العَرَبِ نَفَرَ عَنِ الدِّينِ مِن أجْلِهِ، وقالَ: لا أجْبِي لِأنَّ فِيهِ - زَعَمَ - إبْرازًا لِلْإسْتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَسَبَّةً، وكَذَلِكَ السُّجُودُ، قالَ في القامُوسِ: جَبى تَجْبِئَةً: وضَعَ يَدَيْهِ عَلى رُكْبَتَيْهِ أوْ عَلى الأرْضِ أوِ انْكَبَّ عَلى وجْهِهِ، والتَّجْبِئَةَ أنْ تَقُومَ قِيامَ الرُّكُوعِ ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ لا يَخْضَعُونَ ولا يُوجِدُونَ الصَّلاةَ فَلِذَلِكَ كانَ وعِيدُهُمْ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى [أنَّ -] الأمْرَ لِلْوُجُوبِ لِيَسْتَحِقَّ تارِكُهُ العَذابَ وعَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ (p-١٨٧)أيْ إذْ يَكُونُ الفَصْلُ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ بِذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِنهُ أوْ بِغَيْرِهِ مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وقَدْ كُرِّرَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِعَدَدِ أجْزاءِ طَرَفِ القِسْمِ أوْ أجْزاءِ الجَوابِ لِتَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنها وعِيدًا عَلى التَّكْذِيبِ بِواحِدٍ مِن [تِلْكَ -] الأجْزاءِ، وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ العاشِرَةُ مُؤَكِّدَةً لِتِلْكَ التِّسْعِ، وتَكْمِلَةً لِعَدِّها ومَعْناها، ومُعْلِمَةً بِأنَّ الوَيْلَ لَهم دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِضاءٍ كَما أنَّ الواحِدَ لا انْقِضاءَ لَهُ.
77:50Page 581
فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ٥٠
Then in what statement after it [i.e., the Qur’ān] will they believe?
ولَمّا أعْلَمَ هَذا أنَّ لَهُمُ الوَيْلُ دائِمًا، ذَكَرَ أنَّ سَبَبَهُ عَدَمُ الإيمانِ بِالقُرْآنِ وأنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِالقُرْآنِ لَمْ يُؤْمِن بِشَيْءٍ أبَدًا، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ مَعْنى الكَلامِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ أيْ ذِكْرٍ يَتَجَدَّدُ نُزُولُهُ عَلى المُرْسَلِ بِهِ في كُلِّ وقْتٍ تَدْعُو إلَيْهِ حاجَةٌ ﴿بَعْدَهُ﴾ أيْ بَعْدَ هَذا القُرْآنِ الَّذِي هو شاهِدٌ لِنَفْسِهِ عَنْهُ بِصِحَّةِ النِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن جِهَةِ ما حازَ مِنَ البَلاغَةِ في تَراكِيبِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ جُمْلَةٍ وبِالنِّسْبَةِ إلى نَظْمِ الجُمَلِ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ، وبِالإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والحَمْلِ عَلى المَعالِي والتَّنْبِيهِ عَلى الحُكْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن بُحُورِ العِلْمِ ورِياضِ الفُنُونِ، فاللَّهُ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ هو الشّاهِدُ بِأنَّهُ كَلامُهُ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الإيمانَ بِسَبَبِهِ بِكُلِّ ما أتى بِهِ (p-١٨٨)النَّبِيُّ ﷺ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي اللَّهُ شاهِدٌ بِأنَّهُ كَلامُهُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ إعْجازِهِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ، والمَعانِي الشَّرِيفَةِ الصّالِحَةِ، والنُّظُومِ المُلائِمَةِ لِلطَّبْعِ والرَّقائِقِ المُرَقَّقَةِ لِكُلِّ قَلْبٍ، والبَشائِرِ المُشَوِّقَةِ لِكُلِّ سَمْعٍ، فَمَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ لَمْ يُؤْمِن بِحَدِيثِ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ لا شَيْءَ يُقارِبُهُ ولا يُدانِيهِ، فَكَيْفَ [بِأنْ -] يَدَّعِيَ شَيْءٌ يُبارِيهِ أوْ يُراقِيهِ، ومِثْلُ هَذا إنَّما يُقالُ عِنْدَ مُقارَبَةِ اليَأْسِ مِنَ المَوْعُوظِ والعادَةُ قاضِيَةٌ بِحُلُولِ العَذابِ إذْ ذاكَ وإنْزالِ البَأْسِ، فَهو مِن أعْظَمِ أنْواعِ التَّهْدِيدِ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها في وعِيدِ المُكَذِّبِينَ، وانْطَبَقَ أوَّلُها عَلى آخِرِها في إخْزاءِ المُجْرِمِينَ - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences