Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Naba 78:23–40
ولَمّا ذَكَرَ مَصِيرَهم إلَيْها ذَكَرَ إقامَتَهم فِيها فَقالَ حالًا مِن ضَمِيرِ ”الطّاغِينَ“: ﴿لابِثِينَ فِيها﴾ ولَمّا كانَ جَمْعُ القِلَّةِ يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ فَكانَ الحُقْبُ يُطْلَقُ عَلى الزَّمانِ مِن غَيْرِ حَدٍّ، ويُطْلَقُ عَلى زَمانٍ مَحْدُودٍ، فَقِيلَ عَلى ثَمانِينَ سَنَةٍ، وعَلى سَبْعِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فَكانَ السِّياقُ مِن تَصْدِيرِ السُّورَةِ بِالنَّبَأِ وبِوَصْفِهِ مَعَ التَّعْبِيرِ بِالنَّبَأِ العَظِيمِ وما بَعْدَ ذَلِكَ يَفْهَمُ أنَّ المُرادَ (p-٢٠٥)الدَّوامَ إنْ أُرِيدَ ما لا حَدَّ لَهُ وأنَّ المُرادَ إنْ أُرِيدَ المَحْدُودُ جَمْعَ الكَثْرَةِ، وأكْثَرُ ما فَسَّرَ بِهِ الحِقْبُ، وأنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ لا التَّحْدِيدِ، كانَ جَمْعُ القِلَّةِ هُنا غَيْرَ مُشْكِلٍ، فَمَن حَمَلَهُ عَلى ما دُونُ ذَلِكَ فَكَفاهُ زاجِرًا لَمْ يَضُرْهُ التَّعْبِيرُ [ بِهِ- ]، ومَنِ اجْتَرَأ عَلَيْهِ واسْتَهانَ بِهِ كانَ فِتْنَةً لَهُ كَما كانَ حَصْرُ عَدَدِ الخَزَنَةِ لِلنّارِ بِتِسْعَةَ عَشَرَ فَلَمْ يَضُرَّ إلّا نَفْسَهُ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ ظَرْفِ اللُّبْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿أحْقابًا﴾ أيْ دُهُورًا عَظِيمَةً مُتَتابِعَةً لا انْقِضاءَ لَها عَلى أنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ - ولَوْ حَمَلَ عَلى الأقَلِّ وجَعَلَ مُنْقَضِيًا - لا يُنافِي ما صَرَّحَ فِيهِ بِالخُلُودِ لِأنَّهُ أثْبَتَ شَيْئًا ولَمْ يَنْفِ ما فَوْقَهُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ [ قالَ- ]: لا يَكادُ يُذْكَرُ الحِقْبُ إلّا حَيْثُ يُرادُ تَتابُعُ الأزْمِنَةِ وتَوالِيها مِن غَيْرِ انْقِضاءٍ.
78:24Page 582
لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا ٢٤
They will not taste therein [any] coolness or drink.
ولَمّا كانَ المَسْكَنُ لا يَصْلُحُ إلّا بِالِاعْتِدالِ والماءِ الَّذِي هو حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَ ذاكِرًا حالَ هَذا اللُّبْثِ: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ أيْ ساعَةً ما فَكَيْفَ بِما فَوْقَ الذَّوْقِ ﴿فِيها﴾ أيِ النّارِ خاصَّةً، وكَأنَّهُ أشارَ بِتَقْدِيمِهِ إلى أنَّهم يَذُوقُونَ في دارٍ أُخْرى الزَّمْهَرِيرَ ﴿بَرْدًا﴾ أيْ رُوحًا وراحَةً لِنَفْعِهِمْ مِنَ الحَرِّ أوْ مُطْلَقِ البَرْدِ ﴿ولا شَرابًا﴾ مِن ماءٍ أوْ غَيْرِهِ يُغْنِيهِمْ مِنَ العَطَشِ (p-٢٠٦)عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ
﴿إلا﴾ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الشَّرابِ ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ ماءً حارًّا يَشْوِي الوُجُوهَ قَدِ انْتَهى حَرُّهُ ”و“ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الشَّرابُ مَعَ حَرارَتِهِ، أوِ البَرْدِ ”غساقًا“ أيْ عُصارَةَ أهْلِ النّارِ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ البارِدِ المُنْتِنِ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُوَزَّعُ الحَمِيمِ مِنَ الشَّرابِ والغَسّاقِ مِنَ البَرْدِ، فالحَمِيمُ شَرابُهم في دَوْلَةِ السَّعِيرِ، والغَسّاقُ في دَوْلَةِ الزَّمْهَرِيرِ.
ولَمّا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا العَذابِ [ الَّذِي لا يُطاقُ، ذَكَرَ حِكْمَتَهُ - ] قالَ إنَّهُ جَزاهم بِذَلِكَ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ أيْ ذا وِفاقٍ لِأعْمالِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ أمْوالَ النّاسِ فَيَحْرِقُونَ صُدُورَهم عَلَيْها ويُبَرِّدُونَ بِها الشَّرابَ ويَصِفُونَهُ ويُبَخِّرُونَهُ، فَهم يُحْرَقُونَ الآنَ بِعُصارَةِ غَيْرِهِمُ المُنْتِنَةِ، وكَأنَّهم بَعْدَ الأحْقابِ - إنْ جُعِلَتْ مُنْقَضِيَةً - يُبَدِّلُونَ عَذابًا غَيْرَ الحَمِيمِ والغَسّاقِ،
ثُمَّ [ عَلَّلَ - ] عَذابَهم بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحِسابَ مِنَ الوُضُوحِ بِحالَةٍ يُصَدِّقُ بِهِ كُلُّ أحَدٍ، فَلا يَكادُ يُصَّدَّقُ أنَّ أحَدًا يُكَذِّبُ بِهِ فَلا يُجَوِّزُهُ فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ بِما هو لَهم كالجِبِلَّةِ الَّتِي لا تَقْبَلُ غَيْرَ ذَلِكَ فَهم يُفْسِدُونَ القُوى العِلْمِيَّةَ بِأنَّهم ﴿لا يَرْجُونَ﴾ أيْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ رَأوْا كُلَّ آيَةٍ ﴿حِسابًا﴾ فَهم لا يَعْمَلُونَ بِغَيْرِ الشَّهَواتِ، (p-٢٠٧)فَوافَقَ هَذا خُلُودَهم في النّارِ، وعَبَّرَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بِنَفْيِ الرَّجاءِ لِأنَّهُ أبْلَغُ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَطْمَعُ في الخَيْرِ بِأدْنى احْتِمالٍ.
ولَمّا دَلَّ انْتِفاءُ رَجائِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمُ المُفْسِدِ لِلْقُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ أعَمَّ فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ الدّالَّةِ أنَّها مِن عِنْدِنا ﴿كِذّابًا﴾ أيْ تَكْذِيبًا هو في غايَةِ المُبالَغَةِ بِحَيْثُ لَوْ سَمِعُوا أكْذَبَ الكَذِبِ ما كَذَّبُوا بِهِ كَما كَذَّبُوا بِها، فَكانَ تَجْرِيعُهم لِما لا يَصِحُّ أنْ يَشْرَبَهُ أحَدٌ - وإنْ جَرَّعَ مِنهُ [ شَيْئًا - ] ماتَ في الحالِ مِن غَيْرِ مَوْتٍ - لَهم جَزاءٌ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالحَوارِقِ الَّتِي يُجَرِّعُونَ بِها الصّادِقِينَ أنْواعَ الحَرْقِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كَذَّبُوا في تَكْذِيبِهِمْ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكُلُّ شَيْءٍ جَعَلْنا لَهُ وزْنًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ مُطْلَقًا مِن أعْمالِهِمْ وغَيْرِها أوْ كُلَّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الحِسابُ (p-٢٠٨)﴿أحْصَيْناهُ﴾ ولَمّا كانَ الإحْصاءُ مُوافِقًا لِلْكِتابَةِ في الضَّبْطِ، أكَّدَ فِعْلَهُ بِها فَقالَ: ﴿كِتابًا﴾ فَلا جائِزَ أنْ نَتْرُكَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ بِغَيْرِ جَزاءٍ، ويُمْكِنُ تَنْزِيلُ الآيَةِ عَلى الِاحْتِباكِ وهو أحْسَنُ: دَلَّ فِعْلُ الإحْصاءِ عَلى حَذْفِ مَصْدَرِهِ، وإثْباتِ مَصْدَرِ ”كَتَبَ“ عَلَيْهِ أيْ أحْصَيْناهُ إحْصاءً وكَتَبْناهُ كِتابًا، وذَلِكَ الإحْصاءُ والكَتْبُ لِعَدَمِ الظُّلْمِ.
78:30Page 582
فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا ٣٠
"So taste [the penalty], and never will We increase you except in torment."1
ولَمّا ذَكَرَ عَذابَهُ ووَجَّهَ مُوافَقَتَهُ لِجَزائِهِمْ، سَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ ما يُقالُ لَهم بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ إهانَةً وزِيادَةً في الجَزاءِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِشِدَّةِ الخِزْيِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ وكَمالِ القُدْرَةِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا عَنْ مُقَدَّرٍ بَعْدَ ”كِتابًا“ نَحْوُ: لِيُجازِيهِمْ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ، قائِلًا لَهم عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ أوْ لِسانِ الحالِ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ مِن هَذا العَذابِ في هَذا الحالِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِكم بِالحِسابِ، وأكَدَّ ذَوْقَهم في الِاسْتِقْبالِ فَقالَ: ﴿فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ [ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ - ] ﴿إلا عَذابًا﴾ فَإنَّ دارَكم لَيْسَ بِها إلّا الجَحِيمُ كَما أنَّ الجَنَّةَ لَيْسَ بِها إلّا النَّعِيمُ، فَأفْهَمَ هَذا أنَّ حُصُولَ شَيْءٍ لَهم غَيْرَ العَذابِ مُحالٌ.
(p-٢٠٩)ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَ الكافِرِينَ وأشْعَرَ آخِرَهُ بِكَوْنِهِ إخْزاءً، ذَكَرَ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ المُخالِفِينَ لَهم فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِ الكافِرِينَ بِهِ: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الخَوْفِ المُقْتَضِي لِاتِّخاذِ الوِقايَةِ مِمّا يَخافُ فَوَقَوْا أنْفُسَهم مِن سَخَطِ اللَّهِ بِما يُرْضِيهِ مِنَ الأعْمالِ والأقْوالِ والأحْوالِ ﴿مَفازًا﴾ [ أيْ فَوْزٌ - ] ومَوْضِعُ فَوْزٍ وزَمانُ فَوْزٍ بِالرّاحَةِ الدّائِمَةِ مِن جَمِيعِ ما مَضى ذِكْرُهُ لِلطّاغِينَ الَّذِينَ هم أضْدادُهُمْ، وقَدْ كَشَفُوا أنْفُسَهم لِلْعَذابِ كُلَّ الكَشْفِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ أوْ أبْدَلَ مِنهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَوْزٍ:
﴿حَدائِقَ﴾ أيْ بَساتِينَ فِيها أنْواعُ الأشْجارِ ذَواتُ الثِّمارِ والرَّياحِينِ لِتَجْمَعَ مَعَ لَذَّةِ المَطْعَمِ لَذَّةَ البَصَرِ والشَّمِّ، قَدْ أحْدَقَتْ بِها الجُدْرانُ وحَوَّطَتْ بِها، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَإنْ لَمْ تَكُنْ بِحِيطانِ مُحْدِقَةٍ بِها لَمْ يَقُلْ لَها حَدِيقَةً. وخَصَّ أشْجارَ العِنَبِ لِطِيبِها وحَسَّنَها وشَرَّفَها وما فِيها مِن لَذَّةِ الذَّوْقِ وعَبَّرَ عَنْ أشْجارِها بِثَمَرَتِها إعْلامًا بِأنَّها لا تُوجَدُ إلّا مُوَقَّرَةً حَمْلًا وأنَّ ثَمَرَتَها هي [ جُلُّ - ] مَنفَعَتِها فَقالَ: ﴿وأعْنابًا﴾
ولَمّا ذَكَرَ المَساكِنَ النُّزْهَةَ المُؤَنَّقَةَ المُعْجَبَةَ، ذَكَرَ ما يَتَمَتَّعُ بِهِ وهو جامِعٌ لِإلْذاذِ الحَواسِّ: البَصَرِ واللَّمْسِ والذَّوْقِ فَقالَ: ﴿وكَواعِبَ﴾ أيْ نِساءً كُعِّبَتْ ثَدْيُهُنَّ ﴿أتْرابًا﴾ أيْ عَلى سِنٍّ واحِدٍ مِن مَسِّ جِلْدٍ واحِدِ التُّرابِ قَبْلَ الأُخْرى، بَلْ لَوْ كُنَّ مَوْلُوداتٍ لَكانَتْ وِلادَتُهُنَّ في آنٍ واحِدٍ.
(p-٢١٠)ولَمّا ذَكَرَ النِّساءَ ذَكَرَ المُلائِمَ لِعِشْرَتِهِنَّ فَقالَ: ﴿وكَأْسًا﴾ [ أيْ - ] مِنَ الخَبَرِ الَّتِي لا مَثَلَ لَها في لَذَّةِ الذَّوْقِ ظاهِرًا وباطِنًا وكَمالِ السُّرُورِ وإنْعاشِ القُوى.
ولَمّا كانَتِ العادَةُ [ جارِيَةً - ] بِأنَّ الشَّرابَ الجَيِّدَ يَكُونُ قَلِيلًا، دَلَّ عَلى كَثْرَتِهِ دَلِيلًا عَلى جَوْدَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿دِهاقًا﴾ أيْ مُمْتَلِئَةً.
78:35Page 583
لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا ٣٥
No ill speech will they hear therein or any falsehood -
ولَمّا كانَتْ مَجالِسُ الخَمْرِ في الدُّنْيا مُمْتَلِئَةً بِما يُنَغِّصُها مِنَ اللَّغْوِ والكَذِبِ إلّا عِنْدَ مَن لا مُرُوءَةَ لَهُ فَلا يُنَغِّصُهُ القَبِيحُ، قالَ نافِيًا عَنْها ما يُكَدِّرُ لَذَّةَ السَّمْعِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ أيِ الجَنَّةِ في وقْتٍ ما ﴿لَغْوًا﴾ أيْ لَغَطًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُلْغى لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مُهْمَلًا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى أصْلًا، أوْ مُسْتَعْمَلًا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى مَوْجُودٌ في الخارِجِ وإنَّ قَلَّ، أوْ لَهُ مَعْنًى ولَكِنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ [ بِهِ - ] كَبِيرُ فائِدَةٍ. ولَمّا انْتَفى الكَذِبُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، [و -] كانَ التَّكْذِيبُ أذًى لِلْمُكَذِّبِ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا كِذّابًا﴾ فَإنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُقالُ عَلى التَّكْذِيبِ [ ومُطْلَقُ الكَذِبِ- ]، فَصارَ المَعْنى: ولا أذًى بِمُعارَضَةٍ في القَوْلِ، مَعَ مُوافَقَةِ قِراءَةِ الكِسائِيِّ بِالتَّخْفِيفِ فَإنَّ مَعْناها كَذِبًا أوْ مُكاذَبَةً، وشَدَّدَ في قِراءَةِ الجَماعَةِ لِرَشاقَةِ اللَّفْظِ ومُوازَنَةِ ”أعْنابًا وأتْرابًا“ مَعَ الإصابَةِ لِحَلْقِ المَعْنى مِن غَيْرِ أدْنى جَوْرٍ عَنِ القَصْدِ ولا تَكَلُّفٍ بِوَجْهٍ ما.
78:36Page 583
جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا ٣٦
[As] reward from your Lord, [a generous] gift [made due by] account,1
(p-٢١١)ولَمّا كانَ العَطاءُ إذا كانَ عَلى المُعاوَضَةِ كانَ أطْيَبَ لِنَفْسِ الآخِذِ قالَ: ﴿جَزاءً﴾ وبَيَّنَ أنَّهُ ما جَعَلَهُ جَزاءً لَهم إلّا إكْرامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ لِأنَّ أحَدًا لا يُمْكِنُهُ أنْ يُوَفِّيَ شُكْرَ نِعْمَةٍ مَن نَعْمِهِ فَإنَّ عَمَلَهُ مِن نِعَمِهِ فَقالَ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإكْرامِ أُمَّتِكَ بِأنْواعِ الإكْرامِ، وفي ﴿عَطاءً﴾ إشارَةً إلى ذَلِكَ وهو بَذْلٌ مِن غَيْرِ جَزاءٍ ﴿حِسابًا﴾ أيْ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ وإنْ فَعَلَ الإنْسانُ مِنهم ما فَعَلَ وحَسَبَ جَمِيعَ أنْواعِ الحِسابِ، ومِن قَوْلِهِمْ: أعْطاهُ فَأحْسَبُهُ - إذا تابَعَ عَلَيْهِ العَطاءَ وأكْثَرَهُ حَتّى جاوَزَ العَدَّ وقالَ: حَسْبِي، لا يُمْكِنُ أنْ يَحْتاجَ مَعَ هَذا العَطاءِ وإنْ زادَ في الإنْفاقِ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ دُونَ ”كافِيًا“ مَثَلًا لِأنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ، فَإنَّهُ يُقالُ: إذا كانَ هَذا الحِسابُ فَما الظَّنُّ بِالثَّوابِ.
78:37Page 583
رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا ٣٧
[From] the Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Most Merciful. They possess not from Him [authority for] speech.1
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ سِعَةَ فَضْلِهِ، وصَفَ نَفْسَهُ الأقْدَسَ بِما يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ زِيادَةً في شَرَفِ المُخاطَبِ ﷺ لِأنَّ عَظْمَةَ العَبْدِ عَلى حَسَبِ عَظَمَةِ السَّيِّدِ، فَقالَ مُبْدِلًا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ وقاطِعًا بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعِهِما ومُدَبِّرِهِما ومالِكِهِما ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مُلْكًا ومَلِكًا. ولَمّا شَمِلَ (p-٢١٢)ذَلِكَ العَرْشَ وما دُونَهُ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإنْعامُ العامُّ الَّذِي أدْناهُ الإيجادُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ، فَإنَّ الكُلَّ داخِلٌ في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ، ولِذَلِكَ قالَ دالًّا عَلى الجَبَرُوتِ بَعْدَ صِفَةِ الرَّحْمَةِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ أيْ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ ومِن بَيْنِ ذَلِكَ أصْلًا دائِمًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ لا في يَوْمٍ بِعَيْنِهِ: ﴿مِنهُ﴾ أيِ العامِّ النِّعْمَةِ خاصَّةً ﴿خِطابًا﴾ أيْ أنْ يُخاطِبُوهُ أوْ يُخاطِبُوا غَيْرَهُ بِكَلِمَةٍ فَما فَوْقَها في أمْرِهِمْ في غايَةِ الِاهْتِمامِ بِهِ بِما أفادَهُ التَّعْبِيرُ بِالخِطابِ، فَكَيْفَ بِما دُونَهُ وإذا لَمْ يَمْلِكُوا ذَلِكَ مِنهُ فَمِمَّنْ والكُلُّ في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ؟ وعَدَمُ مُلْكِهِمْ لِأنْ يُخاطِبَهم مَفْهُومُ مُوافَقَةٍ، والحاصِلُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى خِطابِ ما مِن ذَواتِ أنْفُسِهِمْ كَما هو شَأْنُ المالِكِ. وأمّا غَيْرُهُ فَقَدْ يَمْلِكُونَ أنْ يُكْرِهُوهُ عَلى خِطابِهِمْ وأنْ يُخاطِبُوهُ بِغَيْرِ إذَنٍ مِن ذَلِكَ [ الغَيْرِ - ] ولا رِضًى وبِغَيْرِ تَمَلُّكٍ مِنهُ لَهم لِأنَّهُ لا مِلْكَ لَهُ، وإذا كانَ هَذا في الخِطابِ فَما ظَنُّكَ بِمَن يَدَّعِي الوِصالَ بِالِاتِّحادِ - عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ المَآبِ، ما أجْرَأهم عَلى الِاتِّحادِ! وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُكَوِّنِ المَخْلُوقِ والفَقِيرِ المِسْكِينِ مُكْنَةٌ تَمْلِكُ مِنهُ خِطابًا أوْ تَتَنَفَّسُ نَفَسًا كَلّا بَلْ هو اللَّهُ الواحِدُ الجَبّارُ.
78:38Page 583
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا ٣٨
The Day that the Spirit [i.e., Gabriel] and the angels will stand in rows, they will not speak except for one whom the Most Merciful permits, and he will say what is correct.
(p-٢١٣)ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أفْهَمَ سَدَّ بابِ الشَّفاعَةِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، وكانَ الكَلامُ إنَّما يَنْشَأُ مِنَ الرُّوحِ، وكانَ المَلائِكَةُ أقْرَبُ شَيْءٍ إلى الرُّوحِيَّةِ، أكَّدَ هَذا المَعْنى مُزِيلًا ما قَدْ يُوهِمُهُ في الشَّفاعَةِ سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الرُّوحَ هُنا جِنْسٌ أمْ لا، فَقالَ ذاكِرًا ظَرْفَ ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ أوْ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ عَظِيمُ الشَّأْنِ جِدًّا، قِيلَ: هو المَلِكُ المُوَكَّلُ بِالأرْواحِ أوْ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ القُرْآنُ المُشارُ إلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]“ ”﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]“ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ كُلُّهُمْ، ونَبَّهَ بِالِاصْطِفافِ عَلى شِدَّةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿صَفًّا﴾ لِلِقاءِ ما في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن شَدائِدِ الأهْوالِ ولِحِفْظِ الثِّقَلَيْنِ وهم في وسَطِ دائِرَةِ صَفِّهِمْ مِنَ المَوْجِ والِاضْطِرابِ لِعَظِيمِ ما هم فِيهِ، ثُمَّ زادَ الأمْرَ عِظَمًا بِذِكْرِ العامِلِ في لا يَوْمَ فَقالَ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ أيْ مِن تَقَدُّمِ كُلِّهِمْ بِأجْمَعِهِمْ فِيهِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ مُطْلَقَ كَلامٍ خِطابًا كانَ أيْ في أمْرٍ عَظِيمٍ أوْ لا، لا لَهُ سُبْحانَهُ ولا لِغَيْرِهِ أصْلًا و[ لا - ] أحَدٌ مِنهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا حالًا لِهَؤُلاءِ الخَواصِّ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لَهم فَغَيْرُهم بِطَرِيقِ الأوْلى ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ﴾ أيْ في الكَلامِ إذْنًا خاصًّا ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا تَكُونُ نِعَمُهُ عَلى أحَدٍ مِن خَلْقِهِ إلّا مِنهُ ﴿وقالَ صَوابًا﴾ فَإنْ (p-٢١٤)لَمْ يَحْصُلِ الأمْرُ إنْ لَمْ يَقَعِ الكَلامُ مِن أحَدٍ مِنهم أصْلًا، وهَذا كالدَّلِيلِ عَلى آيَةِ الخِطابِ بِأنَّهُ إذا كانَ الرُّوحُ والقَرِيبُ مِنهُ بِهَذِهِ المَثابَةِ في حالِ كُلِّ مَن حَضَرَهُ كانَ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلى الكَلامِ فَما الظَّنُّ بِغَيْرِهِمْ؟ وهم في غَيْرِهِ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الأوْلى وغَيْرِهِمْ فِيهِ وفي غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى، وأمّا في الدُّنْيا فَإنَّهُ وإنْ كانَ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ لَكِنَّهُ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِالخَطَأِ.
78:39Page 583
ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا ٣٩
That is the True [i.e., certain] Day; so he who wills may take to his Lord a [way of] return.1
ولَمّا عَظُمَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِالسُّكُوتِ خَوْفًا مِن ذِي الجَبَرُوتِ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] أشارَ إلَيْهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ زِيادَةً في عَظَمَتِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المُشارِ إلَيْهِ لِبُعْدِ مَكانَتِهِ وعِظَمِ رُتْبَتِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ ﴿اليَوْمُ الحَقُّ﴾ أيْ في اليَوْمِيَّةِ لِكَوْنِهِ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَلا بُدَّ مِن كَوْنِهِ ولا زَوالَ لَهُ ثابِتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ لِعاقِلٍ وثابِتًا كُلَّ ما أثْبَتَهُ وباطِلًا [ كُلَّ ما - ] نَفاهُ. ولَمّا قَرَّرَ مِن عَظَمَتِهِ ما يَعْجِزُ غَيْرُهُ عَنْ أنْ يُقَرِّرَ مِثْلَهُ، وكانَ قَدْ خَلَقَ القُوى والقَدَرَ والفِعْلَ بِالِاخْتِيارِ. فَكانَ مِن حَقِّ كُلِّ عاقِلٍ تَدَرُّعُ ما يُنَجّى مِنهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى الخَلاصِ مِنهُ وحَثًّا عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ [ أيِ - ] الِاتِّخاذِ مِنَ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ أذِنَ لَهم ﴿اتَّخَذَ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿إلى رَبِّهِ﴾ أيْ خالِقِهِ نَفْسِهِ المُحْسِنِ إلَيْهِ أوْ رَبِّ ذَلِكَ اليَوْمِ بِاسْتِعْمالِ قُواهُ الَّتِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاها في الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿مَآبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا هو المَرْجِعُ مِمّا يَحْصُلُ لَهُ فِيهِ الثَّوابُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهم قُوَّةً واخْتِيارًا، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنهم عَلى مَشِيئَةِ شَيْءٍ (p-٢١٥)إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
78:40Page 583
إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلۡكَافِرُ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ تُرَٰبَۢا ٤٠
Indeed, We have warned you of an impending punishment on the Day when a man will observe what his hands have put forth1 and the disbeliever will say, "Oh, I wish that I were dust!"
ولَمّا قَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن شَرْحِ هَذا النَّبَأِ العَظِيمِ ما قَدَّمَ مِنَ الحِكَمِ والمَواعِظِ واللَّطائِفِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، لَخَّصَهُ في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنّا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أنْذَرْناكُمْ﴾ أيْ أيُّها الأُمَّةُ وخُصُوصًا العَرَبُ بِما مَضى مِن هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها ﴿عَذابًا﴾ ولَمّا كانَ لا بُدَّ مِن إتْيانِهِ وكَوْنِهِ سَواءً كانَ بِالمَوْتِ أوْ بِالبَعْثِ، وكانَ كُلُّ ما تَحَقَّقَ إتْيانُهُ أقْرَبَ شَيْءٍ قالَ: ﴿قَرِيبًا﴾
ولَمّا حَذَّرَ مِنهُ، عَيَّنَ وقْتَهُ مُشَدِّدًا لِتَهْوِيلِهِ [ فَقالَ- ]: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ﴾ أيْ جِنْسِهِ الصّالِحِ مِنهُ والطّالِحِ نَظَرًا مِرْيَةً فِيهِ ﴿ما﴾ أيِ الَّذِي ﴿قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أيْ كَسْبِهِ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وعَبَّرَ بِهِما لِأنَّهُما مَحَلُّ القُدْرَةِ فَكَنّى بِهِما عَنْها مَعَ أنَّ أكْثَرَ ما يَعْمَلُ كائِنٌ بِهِما مُسْتَقِلَّتَيْنِ بِهِ أوْ مُشارِكَتَيْنِ فِيهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: يا لَيْتَنِي قُمْتُ قَبْلَ هَذا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ الكافِرُ﴾ أيِ العَرِيقُ في الكُفْرِ عِنْدَما يَرى مِن [ تِلْكَ - ] الأهْوالِ مُتَمَنِّيًا مُحالًا: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ﴾ أيْ كَوْنًا لا بُدَّ مِنهُ ولا يَزُولُ ﴿تُرابًا﴾ أيْ في الدُّنْيا فَلَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكَلَّفْ، أوْ في هَذا اليَوْمِ فَلَمْ أُعَذَّبْ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ أوْ إبْلِيسُ الَّذِي تَكَبَّرَ (p-٢١٦)عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المَخْلُوقُ مِنَ التُّرابِ، وعَظَّمَ نَفْسَهُ بِالحَمْدِ والِافْتِخارِ بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِن نارٍ، يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَما يَرى ما أعَدَّ اللَّهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِخَواصِّ بَنِيهِ مِنَ الكَرامَةِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ولِهَذا المُتَكَبِّرِ عَلى خالِقِهِ مِنَ العَذابِ الدّائِمِ الَّذِي لا يَزُولُ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْتَصُّ يَوْمَ البَعْثِ لِلْبَهائِمِ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ثُمَّ يَقُولُ لَها: كُونِي تُرابًا، فَتَكُونُ فَيَتَمَنّى الكافِرُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَدْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ في غايَةِ العَظَمَةِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ، فَعَلِمَ أنَّ التَّساؤُلَ عَنْهُ لِلتَّعَجُّبِ مَن كَوْنِهِ مِن أعْظَمِ الجَهْلِ، فَرَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها، وانْعَطَفَ مَفْصِلُها أيَّ انْعِطافٍ عَلى مُوصِلِها، واتَّصَلَ مَعَ ذَلِكَ بِما بَعْدَها أيَّ اتِّصالٍ، فَإنَّ المُشْرِفَ بِالنَّزْعِ عَلى المَوْتِ يَرى كَثِيرًا مِنَ الأهْوالِ والزَّلازِلِ والأوْجالِ الَّتِي يَتَمَنّى لِأجْلِها أنَّهُ كانَ مُنْقَطِعًا عَنِ الدُّنْيا لَيْسَ لَهُ بِها وِصالٌ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ ولا لَيْلَةً مِنَ اللِّيالِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences