Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nazi'at 79:24–46
﴿فَقالَ﴾ أيْ مُنادِيهِ الَّذِي لا يَشُكُّ أنَّهُ عَنْهُ، (p-٢٣٣)فَكانَ قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿أنا﴾ وقالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ رَبِّي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، لَئِنْ آمَنتُ بِرَبِّكَ تَكُونُ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ في السُّرُورِ والنَّعِيمِ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَقالَ: حَتّى أسْتَشِيرَ هامانَ، فاسْتَشارَهُ فَقالَ: أتَصِيرُ عَبْدًا بَعْدَ ما كُنْتَ رَبًّا تُعْبَدُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَ الشُّرْطَ وجَمَعَ السَّحَرَةَ والجُنُودَ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا قامَ عَدُوُّ اللَّهِ عَلى سَرِيرِهِ فَقالَ: أنا ﴿رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَكانَ هَذا نِداؤُهُ يَعْنِي كُلُّكم أرْبابٌ بَعْضُكم فَوْقَ بَعْضٍ وأنا أعْلاكُمْ، ولا رَبَّ فَوْقِي أصْلًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإلَهَ عِنْدَهُ الطَّبِيعَةُ، وهي مُقَسَّمَةٌ في المَوْجُوداتِ، فَهم كُلُّهم أرْبابٌ، ومَن كانَ أعْلى كانَ أقْعَدُ في المُرادِ، وهو كانَ أعْلى مِنهم فَقَبَّحَهُ اللَّهُ ولَعَنَهُ ولَعَنَ مِن تَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِهِ كابْنِ عَرَبِيٍّ وابْنِ الفارِضِ وأتْباعِهِما حَيْثُ أنْكَرُوا المُخْتارَ المَلِكَ القَهّارَ، ورَسُولَهُ المُصْطَفى المُخْتارَ، وتَبِعُوا في وحْدَةِ الوُجُودِ بَعْضَ الفَلاسِفَةِ ثُمَّ الحَلّاجُ بَعْدَ فِرْعَوْنَ هَذا الَّذِي لَمْ يُصَرِّحِ اللَّهُ بِذَمِّ أحَدٍ ما صَرَّحَ بِذَمِّهِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِشَقاءِ أحَدٍ ما صَرَّحَ بِشَقائِهِ، كَهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّها مُصَرِّحَةٌ بِوُقُوعِ نَكالِهِ في الآخِرَةِ كَما وقَعَ في الدُّنْيا، [و -] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] (p-٢٣٤)﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ والدَّلائِلِ الواضِحاتِ الَّتِي لا تُحْصى وهي كَثِيرَةٌ، وأعْظَمُها القِياسُ البَدِيهِيُّ الإنْتاجِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] ويُرْوى أنَّ إبْلِيسَ لَمّا سَمِعَ مِنهُ قَوْلَهُ هَذا قالَ: إنِّي تَجَبَّرْتُ عَلى آدَمَ فَلَقِيتُ ما لَقِيتُ، وهَذا يَقُولُ هَذا؟ وهَذا دَعاهُ إلَيْهِ الكِبْرُ النّاشِئُ مِن فِتْنَةِ السَّرّاءِ الَّتِي الصَّبْرُ فِيها أعْظَمُ مِنَ الصَّبْرِ في الضَّرّاءِ، قالَ [الإمامُ - ] الغَزالِيُّ في كِتابِ الصَّبْرِ مِنَ الإحْياءِ: فالصَّبْرُ عَلى الطّاعَةِ شَدِيدٌ لِأنَّ النَّفْسَ بِطَبْعِها تَنْفِرُ عَنِ العُبُودِيَّةِ وتَشْتَهِي الرُّبُوبِيَّةَ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: ما مِن نَفْسٍ إلّا وهي مُضْمَرَةٌ ما أظْهَرَهُ فِرْعَوْنُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ ولَكِنَّ فِرْعَوْنَ وجَدَ [لَهُ - ] مَجالًا وقَبُولًا فَأظْهَرَهُ إذِ اسْتَحَفَّ [فَأطاعُوهُ - ] وما مِن أحَدٍ إلّا وهو يَدَّعِي ذَلِكَ مَعَ عَبْدِهِ وخادِمِهِ وأتْباعِهِ وكُلِّ مَن هو تَحْتَ قَهْرِهِ وطاعَتِهِ وإنْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن إظْهارِهِ، فَإنَّ امْتِعاضَهُ وغَيْظَهُ عِنْدَ تَقْصِيرِهِمْ في خِدْمَتِهِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ إضْمارِ الكِبَرِ ومُنازَعَةِ الرُّبُوبِيَّةِ في رِداءِ الكِبْرِياءِ - انْتَهى. (p-٢٣٥)ويُؤَيِّدُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما لامَ خادِمَهُ في شَيْءٍ قَطُّ - واللَّهُ تَعالى هو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
79:25Page 584
فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ ٢٥
So Allāh seized him in exemplary punishment for the last and the first [transgression].1.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ القادِحَةِ في المَلِكِ، وكانَ المُلُوكُ لا يَحْتَمِلُونَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، سَبَّبَ عَنْها وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ أخَذَ قَهْرَ وذُلَّ مُنَكَلًّا بِهِ مُخَذِّلًا لَهُ: ﴿نَكالَ الآخِرَةِ﴾ فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى، أيْ أخْذُ تَنْكِيلٍ فِيها يَكُونُ مَثَلًا يَتَقَيَّدُ بِهِ ويَتَّعِظُ كُلَّ مَن سَمِعَهُ عَنْ مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ، وقَدَّمَها اهْتِمامًا بِشَأْنِها وإشارَةً إلى [أنَّ - ] عَظَمَةَ عَذابِها أعْظَمُ ولا يَذُوقُهُ الإنْسانُ إلّا بِكَشْفِ غِطاءِ الدُّنْيا بِالمَوْتِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَنعَ مِن مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى لِلصِّدْقِ بِها أمْكَنَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِلْفاصِلَةِ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: ”الأُخْرى“ لَوافَقَتْ ﴿والأُولى﴾ أيْ ونَكالُ الدُّنْيا الَّذِي هو قَبْلَ الآخِرَةِ فَإنَّ مِن سَمِعَ قِصَّةَ غَرَقِهِ ومَجْمُوعُ ما اتَّفَقَ لَهُ كانَ [لَهُ - ] ذَلِكَ نَكالًا مانِعًا مَن عَمِلَ مِثْلَهُ أوْ أقَلَّ مِنهُ، قالَ الضَّحّاكُ: أمّا في الدُّنْيا فَأغْرَقَهُ اللَّهُ تَعالى [وألْقاهُ - ] بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أمّا في العُقْبى فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ تَعالى النّارَ [و -] يَجْعَلُهُ ظاهِرًا عَلى تَلٍّ مِنها (p-٢٣٦)مَغْلُولًا مُقَيِّدًا يُنادِي عَلَيْهِ هَذا الَّذِي ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ دُونَ اللَّهِ انْتَهى. وأنا لا أشُكُّ أنَّ الحَلّاجَ وابْنَ عَرَبِيٍّ وابْنَ الفارِضِ، [وأتْباعَهم - ] يَكُونُونَ في النّارِ تَحْتَهم وتَحْتَ آلِهِ يَشْرَبُونَ عُصارَتَهُمْ، فَإنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهُ ناجٍ وصَدَّقُوهُ فِيما ادَّعاهُ وادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ [مِثْلُ - ] ما ادَّعاهُ تَكْذِيبًا لِلْقُرْآنِ وإغْراقًا في العُدْوانِ، وزادُوا عَلَيْهِ بِابْتِذالِ الِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي حَماهُ اللَّهُ مِن أنْ يَدَّعِيَهُ أحَدٌ قَبْلَ إرْسالِ النَّبِيِّ ﷺ فادَّعَوْا أنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ وعَلى كُلِّ أحَدٍ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ، وأمارَةُ هَذِهِ الطّائِفَةِ الخَبِيثَةِ الَّتِي لا تَتَخَلَّفُ أنْ تَقُولَ لِأحَدِهِمُ: العَنْ فِرْعَوْنَ الَّذِي أجْمَعَ عَلى لَعْنِهِ جَمِيعُ الطَّوائِفِ. وهو مَثَلٌ عِنْدَهم في الشَّرارَةِ والخُبْثِ فَلا يَلْعَنُهُ، وإنَّ لَعْنَهُ فَبَعْدَ تَوَقُّفٍ.
79:26Page 584
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ ٢٦
Indeed in that is a lesson [i.e., warning] for whoever would fear [Allāh].
ولَمّا لَخَّصَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما مَضى مِن قِصَصِهِ في هَذِهِ الكَلِماتِ اليَسِيرَةِ أحْسَنَ تَلْخِيصٍ وأقْرَبَهُ مَعَ عَدَمِ المُخالَفَةِ لِشَيْءٍ مِمّا مَضى لِأنَّ المُفَصَّلَ مَوْضِعُ الِاخْتِصارِ أمّا بِاعْتِبارِ النُّزُولِ فَإنَّهُ نَزَلَ أوَّلًا فَكانَ تَقْرِيبُ القِصَصِ (p-٢٣٧)لِلنّاسِ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما لا بُدَّ مِنهُ أوْلى لِيَسْتَأْنِسُوا بِهِ، وأمّا مِن جِهَةِ التَّرْتِيبِ فَلِتَذْكِيرِهِمْ بِما مَضى لِيَجْتَمِعَ [فِي - ] المُخَيِّلَةِ في أقْرَبِ وقْتٍ ويَتَذَكَّرُ بِهِ ذَلِكَ المَبْسُوطُ، وخَتَمَهُ بِأخْذِهِ هَذا الأخْذَ الغَرِيبَ. أرْشَدَ [إلى - ] ما في القِصَّةِ مِنَ العِبْرَةِ، مُشِيرًا إلى اسْتِحْضارِ ما مَضى كُلُّهُ، فَقالَ مُؤَكِّدًا مُقَرِّرًا لِلْمُكَذِّبِ ومُنَبِّهًا لِلْمُصَدِّقِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي فَعَلَهُ والَّذِي فَعَلَ بِهِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ أيْ أمْرًا [عَظِيمًا - ] يَتَعَمَّدُ الِاعْتِبارُ بِهِ مِن مَعْنى إلى مَعْنى حَتّى يَقَعَ بِهِ الوُصُولُ إلى كَثِيرٍ مِنَ المَعارِفِ ﴿لِمَن يَخْشى﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ الخَوْفُ العَظِيمُ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ الخَشْيَةَ - كَما تَقَدَّمَ - هي أساسُ الخَيْرِ، فَأوَّلُ العُبُورِ أنْ يَنْقُلَ السّامِعُ حالَ غَيْرِهِ إلَيْهِ فَيَتَذَكَّرُ بِإنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ضَعْفِهِمْ مِنهم عَلى قُوَّتِهِمْ ثُمَّ بِقُوَّةِ ما حَصَلَ لَهم مِنَ القَهْرِ مِن ذَلِكَ حَتّى أوْجَبَ اتِّباعَهم بِالجُنُودِ ثُمَّ بِفَرْقِ البَحْرِ ثُمَّ بِإيرادِهِمْ إيّاهُ ثُمَّ بِإغْراقِهِمْ فِيهِ كَلَمْحِ البَصَرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنهم مُخْبِرٌ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إيرادِ الكُفّارِ النّارَ وقَهْرِ كُلِّ جَبّارٍ وبِجَعْلِ العَصا حَيَّةً وإخْراجِ القَمْلِ والضَّفادِعِ مِنَ الأرْضِ وتَحْوِيلِ الماءِ دَمًا (p-٢٣٨)قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ذَلِكَ السّامِعِ بِالعَذابِ وغَيْرِهِ وعَلى خُصُوصِ البَعْثِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ [و -] واضِحُ الأثَرِ.
79:27Page 584
ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا ٢٧
Are you a more difficult creation or is the heaven? He [i.e., Allāh] constructed it.
ولَمّا خَتَمَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِالعِبْرَةِ، وكانَ أعْظَمُ عِبْرَتِها القُدْرَةُ التّامَّةُ لا سِيَّما عَلى البَعْثِ كَما هي مُشِيرَةٌ إلَيْهِ بِأوَّلِها وآخِرِها، والعُقُوبَةُ عَلى التَّكْذِيبِ [ بِهِ لِأنَّ التَّكْذِيبَ بِهِ - ] يَجْمَعُ مَجامِعَ [الشَّرِّ - ] والتَّصْدِيقَ بِهِ يَجْمَعُ مَجامِعَ الخَيْرِ، وكانُوا يَسْتَبْعِدُونَهُ لِاسْتِبْعادِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وصَلَ بِهِ ما هو كالنَّتِيجَةِ مِنهُ، فَقالَ مُقَرَّرًا مُخاطَبًا لِأصْحابِ الشُّبْهَةِ الشّاكِّينَ مَوْقِفًا لَهم عَلى القُدْرَةِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمُ اسْتِبْعادَهم وذَلِكَ مُلْتَفِتًا بَعْدَ تَخْصِيصِ الخِطابِ بِهِ ﷺ [ لِما تَقَدَّمَ مِن دِقَّةِ فَهْمِهِ وجَلالَةِ عِلْمِهِ ﷺ - ] إلى عُمُومِ الخِطابِ لِوُضُوحِ هَذا البُرْهانِ لِكُلِّ إنْسانٍ اسْتِعْطافًا بِهِمْ في تَوْبِيخِ: ﴿أأنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها الأحْياءُ مَعَ كَوْنِكم خَلْقًا [ضَعِيفًا - ] ﴿أشَدُّ خَلْقًا﴾ أيْ أصْعَبُ وأثْقَلُ مِن جِهَةِ التَّقْدِيرِ والإيجادِ ﴿أمِ السَّماءُ﴾ عَلى ما فِيها مِنَ السِّعَةِ والكِبْرِ والعُلُوِّ والمَنافِعِ.
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: السَّماءُ - لِما يَرى مِن أعْظَمِها لِأنَّ العالِمَ الإنْسانِيَّ مُخْتَصَرُ العالَمِ الآفاقِي، ويَزِيدُ الآفاقِي طُولَ البَقاءِ مَعَ عَدَمِ التَّأثُّرِ، وصَلَ بِهِ قَوْلُهُ دَلِيلًا عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ لِقُدْرَتِهِ عَلى ما هو أشَدُّ مِنهُ لِأنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى ابْتِداءِ الأكْبَرِ هو عَلى إعادَةِ الأصْغَرِ أقْدَرُ، مُبَيِّنًا (p-٢٣٩)لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ لَها: ﴿بَناها﴾ أيْ جَعَلَها سَقْفًا لِلْأرْضِ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ البِناءَ بِقَوْلِهِ:
﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ [أيْ - ] جَعَلَ مِقْدارَ ارْتِفاعِها مِنَ الأرْضِ أوْ سَمْنَها الذّاهِبِ في العُلُوِّ رَفِيعًا، قالَ في القامُوسِ: السَّمْكُ السَّقْفُ، أوْ مِن أعْلى البَيْتِ إلى أسْفَلِهِ، أوِ القامَةِ مَن كُلِّ شَيْءٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: السَّمْكُ الِارْتِفاعُ الَّذِي بَيْنَ سَطْحِ السَّماءِ الَّذِي يَلِينا وسَطْحِها الَّذِي يَلِي ما فَوْقَها: ﴿فَسَوّاها﴾ أيْ عَدَّلَها عَقِبَ ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَها مُسْتَوِيَةً لا شَيْءَ فِيها أعْلى مِن شَيْءٍ ولا أخْفَضَ ولا فُطُورَ فِيها، وأصْلَحُها بِما تَمَّ بِهِ كَمالُها مِنَ الكَواكِبِ وغَيْرِها، وجَعَلَ مِقْدارَ تُخْنِ كُلِّ سَماءٍ وما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ وتُخْنُ كُلِّ أرْضٍ وما بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ عَلى السَّواءِ لا يَزِيدُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَلى الآخَرِ أصْلًا.
79:29Page 584
وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩
And He darkened its night and extracted its brightness.1
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ لِأنَّهُ إيجادُ ما هو أشَدُّ مِن خَلْقِ الآدَمِيِّ مِن عَدَمٍ، أتْبَعَهُ ما يَتَصَوَّرُ بِهِ البَعْثَ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَرَّتَيْنِ فَقالَ: ﴿وأغْطَشَ﴾ أيْ أظْلَمَ إظْلامًا لا يَهْتَدِي مَعَهُ إلى ما كانَ في حالِ الضِّياءِ ﴿لَيْلَها﴾ أيْ بِغِيابِ شَمْسِها فَأخْفى ضِياءَها بِامْتِدادِ ظِلِّ الأرْضِ عَلى كُلِّ ما كانَتِ الشَّمْسُ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ. وأضافَهُ إلَيْها لِأنَّهُ يُحَدِّثُ بِحَرَكَتِها، وبَدَأ بِهِ لِأنَّهُ كانَ أوَّلًا، والعَدَمُ قَبْلَ الوُجُودِ (p-٢٤٠)﴿وأخْرَجَ ضُحاها﴾ بِطُلُوعِ شَمْسِها فَأضاءَ نَهارَها، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ بِ ”أغْطَشَ“ عَلى ”أضاءَ“ وبِإخْراجِ الضُّحى عَلى إخْفاءِ الضِّياءِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالضُّحى عَنِ النَّهارِ لِأنَّهُ أزْهَرُ ما فِيهِ وأقْوى نُورًا.
ولَمّا بَدَأ بِدَلالَةِ العالَمِ العُلْوِيِّ لِأنَّهُ أدَلُّ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ والمَنافِعِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ، فَذَكَرَ أنَّهُ أتْقَنَ السَّماءَ الَّتِي هي كالذَّكَرِ، ثَنّى بِأنَّهُ سَوّى ما هي لَها كالأُنْثى فَقالَ: ﴿والأرْضَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ الزَّمانِ بِاسْتِمْرارِ الدَّحْوِ، حَذَفَ الخافِضَ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورِ كُلِّهِ ﴿دَحاها﴾ أيْ بَسَطَها ومَدَّها لِلسُّكْنى وبَقِيَّةِ المَنافِعِ بَعْدَ أنْ كانَ خَلَقَها وأوْجَدَها قَبْلَ إيجادِ السَّماءِ غَيْرَ مُسَوّاةٍ بِالفِعْلِ ولا مَدْحُوَّةٍ.
79:31Page 584
أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ٣١
He extracted from it its water and its pasture,
ولَمّا ذَكَرَ الدَّحْوَ، أتْبَعَهُ ما اسْتَلْزَمَهُ مِنَ المَنافِعِ لِتَوَقُّفِ السُّكْنى المَقْصُودَةِ بِالدَّحْوِ عَلَيْهِ فَقالَ كالمُبَيِّنِ لَهُ مِن غَيْرِ عاطِفٍ: ﴿أخْرَجَ مِنها﴾ أيِ الأرْضَ ﴿ماءَها﴾ بِتَفْجِيرِ العُيُونِ، وإضافَتُهُ إلَيْها دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ فِيها ﴿ومَرْعاها﴾ الَّذِي يَخْرُجُ بِالماءِ، والمُرادُ ما يُرْعى مِنها ومَكانُهُ وزَمانُهُ.
ولَمّا ذَكَرَ الأرْضَ ومَنافِعَها، ذَكَرَ المَراسِي الَّتِي تَمَّ بِها نَفْعُها فَقالَ: ﴿والجِبالَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿أرْساها﴾ أيْ أثْبَتَها وأقَرَّها [و -] مَعَ كَوْنِها ثابِتَةً لا تَتَحَوَّلُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَها مَراسِي لِلْأرْضِ تَكُونُ سَبَبًا (p-٢٤١)لِثَباتِها كَما أنَّ المَراسِيَ سَبَبٌ لِثَباتِ السَّفِينَةِ.
79:33Page 584
مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٣
As enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.
ولَمّا كانَتِ الإعادَةُ واضِحَةً مِن تَناوُلِ الحَيَوانِ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ وغَيْرِهِما مِنَ المَتاعِ فَإنَّهُ كُلَّما نَقَصَ مِنهُ شَيْءٌ تَناوُلَ ما قَدَرَ لَهُ لِيُعَوِّدَ ذَلِكَ أوْ بَعْضَهُ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ كُلُّ يَوْمٍ في إعادَةٍ بانِيًا حالًا مِمّا تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ: حالَ كَوْنِها ﴿مَتاعًا﴾ مُقَدَّرًا ﴿لَكُمْ﴾ تَتَمَتَّعُونَ بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ ﴿ولأنْعامِكُمْ﴾ أيْ مَواشِيكم بِالرَّعْيِ وغَيْرِهِ.
79:34Page 584
فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٣٤
But when there comes the greatest Overwhelming Calamity1 -
ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى البَعْثِ، أتْبَعَهُ ما يَكُونُ عَنِ البَعْثِ مُسَبِّبًا عَنْهُ دَلالَةً عَلى أنَّ الوُجُودَ ما خَلَقَ إلّا لِأجْلِ البَعْثِ لِأنَّهُ مَحَطُّ الحِكْمَةِ: ﴿فَإذا جاءَتِ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ ﴿الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ أيِ الدّاهِيَةُ الدَّهْياءُ الَّتِي تَطِمُّ - أيْ تَعْلُو - عَلى سائِرِ الدَّواهِي وتُغَطِّيها فَتَكُونُ أكْبَرَ داهِيَةٍ تُوجَدُ، وهي البَعْثُ بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والعامِلُ في ”إذا“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَصَلَ النّاسَ إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ.
79:35Page 584
يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ ٣٥
The Day when man will remember that for which he strove,
ولَمّا كانَ الشَّيْءُ لا يُعْرَفُ قَدْرُهُ إذا كانَ غائِبًا إلّا بِما يَكُونُ فِيهِ، قالَ مُبْدِلًا مِنهُ: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ [أيْ - ] تَذَكُّرًا عَظِيمًا ظاهِرًا - بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ ﴿الإنْسانُ﴾ أيِ الخَلْقُ الآنِسُ بِنَفَسِهِ الغافِلُ عَمّا (p-٢٤٢)خُلِقَ لَهُ ﴿ما سَعى﴾ أيْ عَمَلِ كُلَّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لِأنَّهُ يَراهُ في صَحِيفَةِ أعْمالِهِ، والإخْبارُ عَنْ تَذَكُّرِهِ مُنَبِّهًا عَلى ما في ذَلِكَ [اليَوْمِ - ] مِنَ الخَطَرِ لِأنَّ أحَدًا لا يَعْمَلُ جُهْدَهُ في تَذَكُّرِهِ إلّا لِمُحْوِجٍ إلى ذَلِكَ وهو الحِسابُ وتَدْوِينُهُ في صَحِيفَةِ أعْمالِهِ.
79:36Page 584
وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ٣٦
And Hellfire will be exposed for [all] those who see -
ولَمّا أشارَ إلى الحِسابِ ذَكَرَ ما بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿وبُرِّزَتِ﴾ أيْ أظْهَرَتْ إظْهارًا عَظِيمًا، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ الهائِلَ مُطْلَقُ تَبْرِيزِها لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، مَعَ الدَّلالَةِ عَلى الخِفَّةِ والسُّهُولَةِ لِكَوْنِهِ عَلى طَرِيقَةِ [كَلامٍ - ] القادِرِينَ ﴿الجَحِيمُ﴾ أيِ النّارُ الَّتِي اشْتَدَّ وقَدُها وحَرُّها ﴿لِمَن يَرى﴾ أيْ كائِنًا مَن كانَ لِأنَّهُ لا حائِلَ بَيْنَ أحَدٍ وبَيْنَ رُؤْيَتِها، لَكِنَّ النّاجِي لا يَصْرِفُ بَصَرَهُ إلَيْها فَلا يَراها كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [الأنبياء: ١٠٢]
ولَمّا كانَ جَوابُ ”إذا“ كَما مَضى مَحْذُوفًا، وكانَ تَقْدِيرُهُ أنْ قَسَّمَ النّاسَ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لِلْجَحِيمِ وقِسْمٌ لِلنَّعِيمِ، قالَ تَعالى مُسَبِّبًا عَنْهُ مُفَصِّلًا: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ أيْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العُدْوانِ فَلَمْ يَخْشَ مَقامَ رَبِّهِ، قالَ في القامُوسِ: طَغى: جاوَزَ القَدْرَ وارْتَفَعَ [و -] طَغى: غَلا في الكُفْرِ وأسْرَفَ في المَعاصِي والظُّلْمِ، والماءُ: ارْتَفَعَ.
ولَمّا كانَ الَّذِي بَعْدَ حُدُودِ اللَّهِ هو الدُّنْيا، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وآثَرَ﴾ أيْ أكْرَمَ وقَدَّمَ واخْتارَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ بِأنَّ جَعَلَ أثَرَ العاجِلَةِ (p-٢٤٣)الدَّنِيَّةِ لِحُضُورِها عِنْدَهُ أعْظَمَ مِن أثَرِ الآخِرَةِ العُلْيا لِغِيابِها، فَكانَ كالبَهائِمِ لا إدْراكَ لَهُ لِغَيْرِ الجُزْئِيّاتِ الحاضِرَةِ، فانْهَمَكَ في جَمِيعِ أعْمالِها وأعْرَضَ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِلْآخِرَةِ بِالعِبادَةِ وتَهْذِيبِ النَّفْسِ فَلَمْ يَنْهَ نَفْسَهُ عَنِ الهَوى.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُؤاخَذًا بِما اكْتَسَبَ، سَبَّبَ عَنْ أعْمالِهِ هَذِهِ قَوْلُهُ مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ﴾ أيِ النّارَ الشَّدِيدَةَ التَّوَقُّدَ العَظِيمَةَ الجُمُوعَ عَلى مَن يَدْخُلُها ﴿هِيَ﴾ أيْ لا غَيْرُها ﴿المَأْوى﴾ أيِ المَسْكَنِ لَهُ - هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ الضَّمِيرَ مَحْذُوفٌ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنْ ”ألْ“ نائِبٌ عَنِ الضَّمِيرِ - قالَهُ أبُو حَيّانَ.
79:40Page 584
وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠
But as for he who feared the position of his Lord1 and prevented the soul from [unlawful] inclination,
ولَمّا ذَكَرَ الطّاغِي، أتْبَعَهُ المُتَّقِي فَقالَ: ﴿وأمّا مَن خافَ﴾ ولَمّا [كانَ - ] ذَلِكَ الخَوْفُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أعْظَمُ مِن ذِكْرِ الخَوْفِ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ قِيامَهُ بَيْنَ يَدَيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ عِنْدَ تَذَكُّرِ إحْسانِهِ فَلَمْ يَطْغَ فَكَيْفَ عِنْدَ تَذَكُّرِ جَلالِهِ وانْتِقامِهِ، أوِ المَكانِ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ بَيْنَ يَدَيْهِ والزَّمانِ، وإذا خافَ ذَلِكَ [المَقامَ - ] فَما ظَنُّكَ بِالخَوْفِ مِن صاحِبِهِ، وهَذا لا يَفْعَلُهُ إلّا مِن تَحَقُّقِ المَعادِ.
ولَمّا ذَكَرَ الخَوْفَ ذَكَرَ ما يَتَأثَّرُ عَنْهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مُسَبِّبًا عَنْهُ لِيَفْهَمَ أنَّ كُلًّا مِنهُما فاصِلٌ عَلى حِيالِهِ وإنِ انْفَصَلَ عَنِ الآخَرِ فَقالَ: (p-٢٤٤)﴿ونَهى النَّفْسَ﴾ أيِ الَّتِي لَها المُنافَسَةُ ﴿عَنِ الهَوى﴾ أيْ كُلُّ ما تَهْواهُ فَإنَّهُ لا يَجُرُّ إلى خَيْرٍ لِأنَّ النّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَواتِ، والشَّرْعُ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما يُخالِفُ الطَّبْعَ وما تَهْوى الأنْفُسُ، وذَلِكَ هو المَحارِمُ الَّتِي حُفَّتْ بِها النّارُ فَإنَّها بِالشَّهَواتِ، قالَ الرّازِيُّ: والهَوى هو الشَّهْوَةُ المَذْمُومَةُ المُخالِفَةُ لِأوامِرِ الشَّرْعِ. قالَ الجُنَيْدُ: إذا خالَفَتِ النَّفْسُ هَواها صارَ داؤُها دَواءَها، أيْ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُؤْثِرِ الحَياةَ الدُّنْيا، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أتى بِطَغى دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، وبِالنَّهْيِ عَنِ الهَوى ثانِيًا دَلالَةً عَلى إيثارِ الدُّنْيا أوَّلًا.
ولَمّا كانَ مَقامَ تَرْغِيبٍ، رَبَطَ الجَزاءَ بِالعَمَلِ كَما صَنَعَ في التَّرْهِيبِ فَقالَ وأكَّدَ لِأجْلِ تَكْذِيبِ الكُفّارِ: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ﴾ أيِ البُسْتانِ الجامِعِ لِكُلِّ ما يَشْتَهِي ﴿هِيَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿المَأْوى﴾ أيْ لَهُ، لا يَأْوِي إلى غَيْرِها، وهَذا حالُ المُراقِبِينَ.
79:42Page 584
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَا ٤٢
They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1
ولَمّا قَسَّمَهم هَذا التَّقْسِيمَ المُفْهِمَ أنَّ هَذا شَيْءٌ لا بُدَّ مِنهُ، اسْتَأْنَفَ ذِكْرَ اسْتِهْزائِهِمْ تَعْجِيبًا مِنهم فَقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ أيْ قُرَيْشٌ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ سُؤالَ اسْتِهْزاءٍ وإنْكارٍ واسْتِبْعادٍ: ﴿عَنِ السّاعَةِ﴾ أيِ البَعْثِ الآخِرِ لِكَثْرَةِ ما تَتَوَعَّدُهم بِها عَنْ أمْرِنا. ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنْها مُبْهَمًا (p-٢٤٥)بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ [ في أيِّ - ] وقْتٍ إرْساؤُها أيْ وُقُوعُها أوْ ثَباتُها واسْتِقْرارُها.
ولَمّا كانَ إيرادُ هَذا هَكَذا مُفْهِمًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ في هَذا السُّؤالِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يَقُولُ: إنَّهم لَيَسْألُونَنِي ورُبَّما تَحَرَّكَتْ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ ﷺ إلى إجابَتِهِمْ لِحِرْصِهِ عَلى إسْلامِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، فَطَمَهُ عَنْ ذَلِكَ وصَرَّحَ بِالإنْكارِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيمَ﴾ أيْ في أيِّ شَيْءٍ ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ ذِكْرُها العَظِيمُ لِتَعْرِفَها وتُبَيِّنَ وقْتَها لَهم حِرْصًا عَلى إسْلامِهِمْ، وذَلِكَ لا يُفِيدُ عِلْمُها،
ثُمَّ عَرَّفَها بِما لا يُمْكِنُ المَزِيدَ عَلَيْهِ مِمّا أفادَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلُ مِن أنَّهُ لا يُمْكِنُ عِلْمُها لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ وحْدَهُ ﴿مُنْتَهاها﴾ أيْ مُنْتَهى عِلْمِها وجَمِيعَ أمْرِها.
ولَمّا كانَ غايَةُ أمْرِهِمْ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ مُتَقَوِّلٌ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، قَلَبَ عَلَيْهِمُ الأمْرَ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ﴾ أيْ يا أشْرَفَ المُرْسَلِينَ ﴿مُنْذِرُ﴾ أيْ مُخَوِّفٌ عَلى سَبِيلِ الحَتْمِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ مَعَ عِلْمِكَ بِما تُخَوِّفُ بِهِ العِلْمَ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ﴿مَن يَخْشاها﴾ أيْ فِيهِ أهْلِيَّةٌ أنْ يَخافَها خَوْفًا عَظِيمًا فَيَعْمَلُ لَها لِعِلْمِهِ بِإتْيانِها لا مَحالَةَ وعِلْمِهِ بِمَوْتِهِ لا مَحالَةَ وعِلْمِهِ بِأنَّ كُلَّ ما (p-٢٤٦)تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ فَهو قَرِيبٌ، وذَلِكَ لا يُناسِبُ تَعْيِينَ وقْتِها فَإنَّ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الخَشْيَةِ لا يَزِيدُهُ إبْهامُها إلّا خَشْيَةً، وغَيْرُهُ لا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إلّا اجْتِراءً وإجْرامًا، فَما أرْسَلْناكَ إلّا لِلْإنْذارِ بِها لا لِلْإعْلامِ بِوَقْتِها، فَإنَّ النّافِعَ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي، ولَسْتَ في شَيْءٍ مِمّا يَصِفُونَكَ بِهِ كَذِبًا مِنهم لِأنّا ما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ولا أنْتَ مَبْعُوثٌ لِتَحْرِيرِ وقْتِ السّاعَةِ وعِلْمٍ عَيَّنَهُ، وإنَّما قَصَرَهُ عَلى مَن يَخْشى لِأنَّ غَيْرَهُ لا يَنْتَفِعُ بِإنْذارِهِ، فَكانَ كَأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الإنْذارُ، ولِهَذا المَعْنى أضافَ إشارَةً إلى أنَّهُ عَرِيقٌ في إنْذارِ مَن يَخْشى، وأمّا غَيْرُهُ فَهو مُنْذِرٌ لَهُ في الجُمْلَةِ أيْ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةُ الإنْذارِ لِأنَّهُ مُنْذِرُهُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ مَعْنى الإنْذارِ.
79:46Page 584
كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَهَا لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا ٤٦
It will be, on the Day they see it,1 as though they had not remained [in the world] except for an afternoon or a morning thereof.
ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ مُنْذِرٌ، وكانَ أخْوَفُ الإنْذارِ الإسْراعُ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُحَقِّرًا لَهُمُ الدُّنْيا مُزَهِّدًا لَهم فِيها: ﴿كَأنَّهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ لِصِحَّةِ الإنْذارِ بِها ﴿يَوْمَ يَرَوْنَها﴾ أيْ يَعْلَمُونَ قِيامَها عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ويَرَوْنَ ما يَحْدُثُ فِيها بَعْدَ سَماعِ الصَّيْحَةِ وقِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ مِن عِلْمِهِمْ بِما مَرَّ مِن زَمانِهِمْ وما يَأْتِي مِنهُ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ في الدُّنْيا وفي القُبُورِ ﴿إلا عَشِيَّةً﴾ أيْ مِنَ الزَّوالِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
ولَمّا كانُوا عَلى غَيْرِ ثِقَةٍ مِن شَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ قالَ: ﴿أوْ ضُحاها﴾ أيْ ضُحى عَشِيَّةٍ مِنَ العَشايا (p-٢٤٧)وهُوَ البَكْرَةُ إلى الزَّوالِ، والعَشِيَّةُ ما بَعْدَ ذَلِكَ، أُضِيفَ إلَيْها الضُّحى لِأنَّهُ مِنَ النَّهارِ، ولِإضافَةٍ تَحْصُلُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، وهي هُنا كَوْنُهُما مِن نَهارٍ واحِدٍ، فالمُرادُ ساعَةٌ مِن نَهارٍ أوَّلُهُ أوْ آخِرُهُ، لَمْ يَسْتَكْمِلُوا نَهارًا تامًّا ولَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وهَذا كَما قالَ ﷺ «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ» وهَذا تَعْبِيرٌ لَنا بِما نُحِسُّهُ تَقْرِيبًا لِعُقُولِنا وإنْ كانَتِ القاعِدَةُ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِما يَتَناهى إلى ما لا يَتَناهى عَلى أنَّ الكُفّارَ أيْضًا يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ، فَكَأنَّهم أصْنافٌ: بَعْضُهم يَقُولُ: إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا، وبَعْضُهم يَتَحَيَّرُ فَيَقُولُ: اسْألِ العادِّينَ، أوْ أنَّ تِلْكَ أقْوالَهُمْ، والحَقُّ مِن ذَلِكَ هو ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ مُضافٍ إلى أقْوالِهِمْ مِن أنَّ ما مَضى لَهم في جَنْبِ ما يَأْتِي كَأنَّهُ ساعَةٌ مِن نَهارٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّهارِ [الكامِلِ - ] كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] عَلى أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ ذَلِكَ أيْضًا كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ حِينَ قالَ تَعالى ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما كَشَفَ لَهم عَنْ أنَّهم يَسْتَقْبِلُونَهُ مِمّا لا آخِرَ لَهُ أوْ أنَّهم لَمّا نَزَعَتْهم نَفْحَةُ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِيَدِ القُدْرَةِ مِن قُبُورِهِمْ غَرَقًا (p-٢٤٨)نَزْعًا شَدِيدًا فَقامُوا ورَأوْا تِلْكَ الأهْوالَ وعَلِمُوا ما يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الأوْجالِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِأنَّ مَنِ اسْتَلَذَّ شَيْئًا اسْتَقْصَرَ مُدَّتَهُ وهُمُ اسْتَلَذُّوا ذَلِكَ وإنْ كانَ مِن أمَرِّ المُرِّ في جَنْبٍ لَهم عَنْ أنَّهم لاقَوْهُ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُها بِالقِيامَةِ عَلى أوَّلِها، والتَفَّ مَفْصِلُها بِنَزْعِ الأنْفُسِ اللَّوّامَةِ عَلى مُوصِلِها، واتَّصَلَتْ بِأوَّلِ ما بَعْدَها مِن جِهَةِ الخَشْيَةِ والتَّذَكُّرِ فَيا طِيبَ مُتَّصَلِها، فَسُبْحانَ مَن جَعَلَهُ مُتَعانِقَ المُقاطِعِ والمُطالِعِ، وأنْزَلَهُ رِياضًا مُحْكَمَةَ المَذاهِبِ والمَراجِعِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences