Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
النازعات
An-Nazi'at
Those who drag forth · Meccan · 46 ayahs
(p-٢١٧)سُورَةُ النّازِعاتِ وتُسَمّى السّاهِرَةُ والطّامَّةُ
مَقْصُودُها بَيانُ أواخِرِ أمْرِ الإنْسانِ بِالإقْسامِ عَلى بَعْثِ الأنامِ، ووُقُوعِ القِيامِ يَوْمَ الزِّحامِ وزَلَلِ الأقْدامِ، بَعْدَ البَيانِ التّامِّ فِيما مَضى مِن هَذِهِ السُّوَرِ العِظامِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ وصَلَ الأمْرُ في الظُّهُورِ إلى مَقامٍ لَيْسَ بَعْدَهُ مَقامٌ، وصَوَّرَ ذَلِكَ بِنَزْعِ الأرْواحِ بِأيْدِي المَلائِكَةِ الكِرامِ، ثُمَّ أمْرُ فِرْعَوْنَ اللَّعِينِ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْمُها النّازِعاتُ واضِحٌ في ذَلِكَ المَرامِ، إذا تُؤُمِّلَ القِسْمُ وجَوابُهُ المَعْلُومُ لِلْأئِمَّةِ الأعْلامِ، وكَذا السّاهِرَةُ والطّامَّةُ إذا تُؤَمِّلَ السِّياقُ، وحَصَلَ التَّدْبِيرُ في تَقْرِيرِ الوِفاقِ (بِسْمِ اللَّهِ ) الظّاهِرِ الباطِنِ المَلِكِ العَلّامِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي عَمَّ بِالإنْعامِ (الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِلايَتِهِ بِالتَّمامِ، فاخْتَصُّوا بِالإكْرامِ في دارِ السَّلامِ.
* *
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ويَتَمَنّى الكافِرُ العَدَمَ، أقْسَمَ أوَّلَ هَذِهِ بِنَزْعِ الأرْواحِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِأيْدِي المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ (p-٢١٨)عَلى ما يَتَأثَّرُ عَنْهُ مِنَ البَعْثِ وساقَهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ لِأنَّهم بِهِ مُكَذِّبُونَ فَقالَ تَعالى: ﴿والنّازِعاتِ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ - كَما قالَ عَلَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لِلْأرْواحِ ولِأنْفُسِها مِن مَراكِزِها في السَّماواتِ امْتِثالًا لِلْأوامِرِ الإلَهِيَّةِ ﴿غَرْقًا﴾ أيْ إغْراقًا بِقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ تَغَلْغُلًا إلى أقْصى المُرادِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَدَنِ حَتّى الشَّعْرَ والظُّفْرَ والعَظْمَ كَما يَغْرَقُ النّازِعُ في القَوْسِ فَيَبْلُغُ أقْصى المَدِّ، وكانَ ذَلِكَ لِنُفُوسِ الكُفّارِ والعُصاةِ كَما يَنْزِعُ السَّفُّودُ وهو الحَدِيدَةُ المُتَشَعِّبَةُ المُتَعاكِسَةُ الشِّعْبِ مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ، وعَمَّ ابْنُ جَرِيرٍ كَما هي عادَتُهُ في كُلِّ ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَقالَ: والصَّوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُخَصِّصْ، فَكُلُّ نازِعَةٍ داخِلَةٌ في قَسَمِهِ - يَعْنِي الِاعْتِبارَ بِما آتاها اللَّهُ مِنَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ النَّزْعِ الدّالَّةِ عَلى تَمامِ الحِكْمَةِ والِاقْتِدارِ عَلى ما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ.
ولَمّا ذَكَرَ الشَّدَّ مُبْتَدِئًا بِهِ لِأنَّهُ أهْوَلُ، أتْبَعَهُ الرِّفْقَ فَقالَ: ﴿والنّاشِطاتِ﴾ أيِ المُخْرِجاتِ بِرِفْقٍ لِلْأرْواحِ أوْ لِأجْنِحَتِها مِن مَحالِها ﴿نَشْطًا﴾ أيْ رِفْقًا فَلا تَدَعُ وإنْ كانَ رَفِيقًا بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ تَعَلُّقًا كَما يَنْشَطُ الشَّيْءُ مِنَ العِقالِ أيْ يَحِلُّ مِن عُرْوَةٍ كانَتْ [ عَقَدَتْ - ] عَلى هَيْئَةِ الأُنْشُوطَةِ، قالَ الفَرّاءُ إنَّهُ سَمِعَ العَرَبَ يَقُولُونَ: نَشَطْتُ (p-٢١٩)العِقالَ - إذا حَلَلْتُهُ، وأنْشَطْتُ - إذا عَقَدْتُ بِأُنْشُوطَةٍ - انْتَهى، والنَّشِطُ أيْضًا: الجَذْبُ والنَّزْعُ، يُقالُ: نَشَطْتُ الدَّلْوَ نَشْطًا - إذا نَزَعْتَها. وقالَ الخَلِيلُ: النَّشِطُ والإنْشاطُ مَدُّكَ الشَّيْءَ إلى نَفْسِكَ حَتّى يَنْحَلَّ، وكانَ هَذا الأرْواحُ أهْلَ الطّاعَةِ، وكَذَلِكَ نَزَعَ النَّباتَ والإنْشاءَ والإنْماءَ لِكُلِّ ما يُرادُ نَزْعُهُ أوْ نَشَّطَهُ، فالَّذِي قَدَّرَ بَعْضَ عَبِيدِهِ عَلى هَذا الَّذِي فِيهِ تَمْيِيزُ الأرْواحِ مِن غَيْرِها عَلى ما لَها مِنَ اللَّطافَةِ وشِدَّةِ المُمازَجَةِ قادِرٌ عَلى تَمْيِيزِ جَسَدِ كُلِّ ذِي رُوحٍ مِن جَسَدِ غَيْرِهِ بَعْدَ أنْ صارَ كُلٌّ تُرابًا واخْتَلَطَ بِتُرابِ الآخَرِ.
ولَمّا ذَكَرَ نَوْعَيِ السُّلِّ بِالشِّدَّةِ والرِّفْقِ، ذَكَرَ فِعْلَها في إقْبالِها إلَيْهِ ورُجُوعِها عَنْهُ فَقالَ: ﴿والسّابِحاتِ﴾ [ أيْ - ] مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا في الجَوِّ بَعْدَ التَّهَيُّؤِ لِلطَّيَرانِ إلى ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أوامِرِهِ مِنَ الرُّوحِ أوْ غَيْرِها ﴿سَبْحًا﴾ هو في غايَةِ السُّرْعَةِ لِأنَّهُ لا عائِقٌ لَها بَلْ [ قَدْ - ] أقْدَرَها اللَّهُ عَلى النُّفُوذِ في كُلِّ شَيْءٍ كَما أقْدَرَ السّابِحَ في الماءِ والهَواءِ، ولِذَلِكَ نَسَّقَ عَلَيْهِ بِالفاءِ قَوْلَهُ:
﴿فالسّابِقاتِ﴾ أيْ بَعْدِ السَّبْحِ في الطَّيَرانِ إلى ما أمَرُوا بِهِ مِن غَمْسِ الأرْواحِ في النَّعِيمِ أوِ الجَحِيمِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أمَرُوا بِهِ في أسْرَعِ مِنَ اللَّمْحِ مَعَ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ لِجَمِيعِ ما يَقَعُ (p-٢٢٠)مُحاوَلَتَهُ ﴿سَبْقًا﴾
ولَمّا بانَ بِذَلِكَ حَسُنَ امْتِثالُها لِلْأوامِرِ، بانَ بِهِ عَظِيمُ نَظَرِها في العَواقِبِ فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ﴾ أيِ النّاظِراتِ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِإتْقانِ ما أمَرُوا بِهِ في الأرْواحِ وغَيْرِها ﴿أمْرًا﴾ أيْ عَظِيمًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ والرِّياحِ والخَيْلِ السّابِحَةِ في الأرْضِ والجَوِّ لِمَنفَعَةِ العِبادِ وتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ، وبَعْضُها سابِقٌ لِبَعْضٍ، وبِهِ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ إشارَةً إلى أنَّهُ مِن ظُهُورِ العِلْمِ بِهِ - بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ - في حَدٍّ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَهو بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِهِ فَحَذَفَهُ كَإثْباتِهِ بِالبُرْهانِ فَتَقْدِيرُهُ: لَتَذْهَبَنَّ بِالدُّنْيا الَّتِي أنْتُمْ بِها مُغْتَرُّونَ لَنَزَعْنا لَها مِن حالِها وتَقْطِيعِ أوْصالِها، فَإنَّ كُلَّ ما تَقَدَّمَ مِن أعْمالِ مَلائِكَتِنا هو مِن مُقَدِّماتِ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِقَوْلِ الكُفّارِ ﴿ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] المُشارُ إلَيْهِ بِتَساؤُلِهِمْ عَنْها لِأنَّهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ؟ أوْ أنَّكم لَمَبْعُوثُونَ بَعْدَ المَوْتِ وانْتِهاءِ هَذِهِ الدّارِ؟ ثُمَّ لَمُجازَوْنَ بِما عَمِلْتُمْ بِأسْبابٍ مَوْجُودَةٍ مُهَيَّأةٍ بَيْنَ أظْهُرِكم دَبَّرْناها وأوْجَدْناها حِينَ أوْجَبْنا هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا وإنْ كُنْتُمْ لا تَرَوْنَها كَما أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الَّتِي أخْبَرْناكم بِها في نَزْعِ الأرْواحِ والنَّباتِ والمَنافِعِ مَوْجُودَةٌ بَيْنَ أظْهُرِكم (p-٢٢١)والمَيِّتُ أقْرَبُ ما يَكُونُ مِنكم وهي تَعْمَلُ أعْمالَها. والمُحْتَضِرُ أشَدُّ ما يَكُونُ صَوْتًا وأعْظَمُهُ حَرَكَةً إذا هو قَدْ خَفَتَ وهَمَدَ بَعْدَ ذَلِكَ الأمْرِ وسَكَتَ وامْتَدَّتْ أعْضاؤُهُ وماتَ، وذَهَبَ عَنْكم قَهْرًا وفاتَ الَّذِي فاتَ كَأنَّهُ قَطُّ ما كانَ، ولا تَغَلَّبَ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ، بِتِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي تَعْمَلُ أعْمالَها وتَمُدُّ حِبالَها وتُرْسِي أثْقالَها، وتُلْقِي أهْوالَها وأوْجالَها، وأنْتُمْ لا تَرَوْنَها، فَياللِّهِ العَجَبُ أنْ لا يَرُدَّكم ذَلِكَ عَلى كَثْرَتِهِ عَنْ أنْ تَسْتَبْعِدُوا عَلى قُدْرَتِهِ تَمْيِيزَ تُرابِ جَسَدٍ مِن تُرابِ جَسَدٍ آخَرَ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أوْضَحَتْ سُورَةُ النَّبَأِ حالَ الكافِرِ في قَوْلِهِ ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبإ: ٤٠] عِنْدَ نَظَرِهِ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، ومُعايَنَتُهُ مِنَ العَذابِ عَظِيمٌ ما يَراهُ، وبَعْدَ ذِكْرِ تَفْصِيلِ أحْوالٍ وأهْوالٍ، أتْبَعَ ذَلِكَ ما قَدْ كانَ حالُهُ عَلَيْهِ في دُنْياهُ مِنَ اسْتِبْعادِ عَوْدَتِهِ في أُخْراهُ، وذَكَرَ قُرْبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ في المَوْضِعِ الآخَرِ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَيْنا ولَمّا عَهِدْناهُ، وإلّا فَلَيْسَ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ أهْوَنُ مِن شَيْءٍ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فَقالَ تَعالى: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] ﴿أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١] إذْ يَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ ويَسْتَدْفِعُونَهُ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] أيْ صَيْحَةً ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] أيِ الأرْضِ قِيامًا يَنْظُرُونَ (p-٢٢٢)ما قَدَّمَتْ أيْدِيَهم ويَتَمَنَّوْنَ أنْ لَوْ كانُوا تُرابًا ولا يَنْفَعُهم ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ما يُناسِبُ الحالَ في قَصْدِ الِاتِّعاظِ والِاعْتِبارِ، ولِهَذا أتْبَعَ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦] انْتَهى.
79:6Page 583
يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦
On the Day the blast [of the Horn] will convulse [creation],
ولَمّا أقْسَمَ عَلى القِيامِ بِتِلْكَ الأفْعالِ العِظامِ الَّتِي ما أقْدَرَ أهْلَها عَلَيْها إلّا المَلِكُ العَلّامُ. ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الأعْلامِ تَهْوِيلًا لِأمْرِ السّاعَةِ لِأنَّ النُّفُوسَ المَحْسُوساتِ نَزّاعَةٌ، فالغائِباتُ عِنْدَها مَنسِيَّةٌ مُضاعَةٌ فَقالَ ناصِبًا الظَّرْفَ بِذَلِكَ المَحْذُوفِ لِأنَّهُ لِشِدَّةِ وُضُوحِهِ كالمَلْفُوظِ [ بِهِ- ]: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ أيْ تَضْطَرِبُ اضْطِرابًا كَبِيرًا مُزْعِجًا ﴿الرّاجِفَةُ﴾ أيِ الصَّيْحَةُ، وهي النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي هي بِحَيْثُ يَبْلُغُ - مِن شِدَّةِ إرْجافِها لِلْقُلُوبِ وجَمِيعِ الأشْياءِ السّاكِنَةِ مِنَ الأرْضِ والجِبالِ إلى نَزْعِ النُّفُوسِ مِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ - مَبْلَغًا تَسْتَحِقُّ بِهِ أنْ تُوصَفَ بِالعَراقَةِ في الرَّجْفِ، قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُ الرَّجْفَةِ الصَّوْتُ والحَرَكَةُ.
ولَمّا ذَكَرَ الصَّيْحَةَ الأُولى، أتْبَعَها الثّانِيَةَ حالًا مِنها دَلالَةً عَلى قُرْبِها (p-٢٢٣)قُرْبًا مَعْنَوِيًّا لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ولِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ في [ حُكْمِ - ] يَوْمٍ واحِدٍ، فَصَحَّ مَجِيءُ الحالِ وإنْ بَعُدَ زَمَنُهُ مِن زَمَنِ صاحِبِهِ فَقالَ: ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ أيِ الصَّيْحَةِ التّابِعَةِ لَها الَّتِي يَقُومُ بِها جَمِيعُ الأمْواتِ وتَجْتَمِعُ الرُّفاتُ، وتَضْطَرِبُ مِن هَوْلِها الأرْضُ والسَّماواتُ، وتُدَكُّ الجِبالُ ويَعْظُمُ الزِّلْزالُ، ويَكُونُ عَنْها التَّسْيِيرُ بَعْدَ المَصِيرِ إلى الكَثِيبِ المَهِيلِ، و[ نَحْوِ - ] ذَلِكَ مِنَ الأمْرِ الشَّدِيدِ الطَّوِيلِ، قالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: رَوى [ السُّدِّيُّ - ] عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النّاسَ إذا ماتُوا في النَّفْخَةِ الأُولى أمْطَرَ عَلَيْهِمْ ماءً مِن تَحْتِ العَرْشِ يُدْعى ماءَ الحَياةِ فَيَنْبُتُونَ مِنهُ كَما يَنْبُتُ الزَّرْعُ مِنَ الماءِ، حَتّى إذا اسْتَكْمَلَتْ أجْسادُهم نُفِخَ فِيها الرُّوحُ ثُمَّ يَلْقى عَلَيْهِمْ نَوْمَةً فَبَيْنَما هم في قُبُورِهِمْ نُفِخَ في الصُّورِ ثانِيَةً فَجَلَسُوا وهم يَجِدُونَ طَعْمَ النَّوْمِ في رُؤُوسِهِمْ وأعْيُنِهِمْ.
ولَمّا ذَكَرَ البَعْثَ، ذَكَرَ حالَ المُكَذِّبِ بِهِ لِأنَّ السِّياقَ لَهُ، فَقالَ مُبْتَدِئًا بِنَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ قامَ الخَلائِقُ بِالصَّيْحَةِ التّابِعَةِ لِلْأُولى ﴿واجِفَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةَ الِاضْطِرابِ أجْوافُها خَوْفًا تَكادُ (p-٢٢٤)تَخْرُجُ مِنها مِن شِدَّةِ الوَجِيفِ،
ولَمّا وصَفَها بِالِاضْطِرابِ، وكانَ قَدْ يَخْفى سَبَبُهُ لِكَوْنِهِ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ السُّرُورِ العَظِيمِ كَما قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الوَجِلِ الشَّدِيدِ، أخْبَرَ عَنْهُ بِما يُحَقِّقُ مَعْناهُ فَقالَ: ﴿أبْصارُها﴾ أيْ أبْصارُ أصْحابِها فَهو مِنَ الِاسْتِخْدامِ ﴿خاشِعَةٌ﴾ أيْ ذَلِيلَةً ظاهِرٌ عَلَيْها الذُّلُّ واضْطِرابُ القُلُوبِ مِن سُوءِ الحالِ ولِذَلِكَ أضافَها إلَيْها.
79:10Page 583
يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠
They are [presently] saying, "Will we indeed be returned to [our] former state [of life]?
ولَمّا وصَفَها بِالِاضْطِرابِ والذُّلِّ، عَلَّلَهُ لِيَعْرِفَ مِنهُ أنَّ مَن يَقُولُ ضِدَّ قَوْلِهِمْ يَكُونُ لَهُ ضِدُّ وصْفِهِمْ مِنَ الثَّباتِ والسُّكُونِ والعِزِّ الظّاهِرِ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا قَوْلًا يُجَدِّدُونَهُ كُلَّ وقْتٍ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا اسْتِحْياءٍ اسْتِهْزاءً وإنْكارًا.
﴿أإنّا لَمَرْدُودُونَ﴾ أيْ بَعْدِ المَوْتِ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِرَدِّنا كائِنًا مَن كانَ ﴿فِي الحافِرَةِ﴾ أيْ في الحَياةِ الَّتِي كُنّا فِيها قَبْلَ المَوْتِ هي حالَتُنا الأُولى، مِن قَوْلِهِمْ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ، أيْ طَرِيقَتِهِ الَّتِي جاءَ بِها فَحَفَرَها أيْ أثَّرَ فِيها بِمَشْيِهِ كَما تُؤَثِّرُ الأقْدامُ، والحَوافِرُ في الطُّرُقِ، أطْلَقَ عَلى المُفَعْوِلَةِ فاعِلَةً مُبالَغَةً وذَلِكَ حَقِيقَتُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن كانَ في أمْرٍ فَخَرَجَ مِنهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ: رَجَعَ إلى حافِرَتِهِ، (p-٢٢٥)وقِيلَ: الحافِرَةُ الأرْضُ الَّتِي هي مَحَلُّ الحَوافِرِ.
ولَمّا وصَفَ قُلُوبَهم بِهَذا الإنْكارِ الَّذِي يَنْبَغِي لِصاحِبِهِ أنْ يَذُوبَ مِنهُ خَجَلًا إذا فَرَّطَ [ مِنهُ - ] مَرَّةً واحِدَةً، وأشارَ إلى شِدَّةِ وقاحَتِهِمْ بِتَكْرِيرِهِ، أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بِتَكْرِيرِهِمْ لَهُ عَلى وجْهٍ مُشِيرٍ إلى العِلَّةِ الحامِلَةِ لَهم عَلى قَوْلِهِ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿أإذا كُنّا﴾ أيْ كَوْنًا صارَ جِبِلَّةً لَنا ﴿عِظامًا نَخِرَةً﴾ أيْ هي في غايَةِ الِانْتِخارِ حَتّى تَفَتَّتَتْ، فَكانَ الِانْتِخارُ وهو البِلى والتَّفَتُّتُ والتَّمَزُّقُ كَأنَّهُ طُبِعَ لَها طُبِعَتْ عَلَيْهِ، وهي أصْلَبُ البَدَنِ فَكَيْفَ بِما عَداها مِنَ الجِسْمِ، وعَلى قِراءَةِ ”ناخِرَةٍ“ المَعْنى أنَّها خَلا ما فِيها فَصارَ الهَواءُ يَنْخُرُ فِيها أيْ يُصَوِّتُ.
79:12Page 583
قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢
They say, "That, then, would be a losing return."1
ولَمّا كانَ العامِلُ في ”إذا“ مُقَدَّرًا بِنَحْوِ أنْ يُقالَ: نُرَدُّ إذْ ذاكَ إلى حالَتِنا الأُولى ونَقُومُ كَما كُنّا؟ دَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿قالُوا﴾ أيْ مَرَّةً مِنَ المَرّاتِ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الرِّدَّةِ إلى الحالَةِ الأُولى العَجِيبَةِ جِدًّا البَعِيدَةِ مِنَ العَقْلِ في زَعْمِهِمْ ﴿إذًا﴾ أيْ إذْ نُرَدُّ إلى حَياتِنا الأُولى لا شَيْءَ لَنا كَما وُلِدْنا لا شَيْءَ لَنا، ونَفْقِدُ كُلَّ ما سَعَيْنا في تَحْصِيلِهِ وجَمْعِهِ وتَأْثِيلِهِ ﴿كَرَّةٌ﴾ أيْ رَجْعَةً وإعادَةً وعَطْفَةً ﴿خاسِرَةٌ﴾ أيْ هي لِشِدَّةِ خَسارَتِنا فِيها بِما فَقَدْنا مِمّا حَصَّلْناهُ مِنَ [ الحالِ و- ] المَآلِ (p-٢٢٦)وصالِحِ الخِلالِ، عَرِيقَةً في الخَسارَةِ حَتّى كَأنَّها هي الخاسِرَةُ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي لِأنَّهم ما سَمَحُوا بِهَذا القَوْلِ إلّا مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ، وأمّا أغْلَبُ قَوْلِهِمْ فَكانَ أنَّهم يَكُونُونَ عَلى تَقْدِيرِ البَعْثِ أسْعَدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى قِياسِ ما هم عَلَيْهِ في الدُّنْيا ونَحْوِ هَذا مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: نَعَمْ واللَّهِ لَتُرَدُّنَّ يا هَؤُلاءِ، إنَّما هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ كُلَّهُ اسْتِبْعادٌ مِنكم كَما أنَّكم مُقِرُّونَ بِسُهُولَتِهِ لَوْ عَقَلْتُمْ، أمّا مِن جِهَةِ القُدْرَةِ فَلِأنَّ الِابْتِداءَ أصْعَبُ مِنَ الإعادَةِ وأنْتُمْ مُقِرُّونَ بِالِابْتِداءِ ولِأنَّ الِاسْتِبْعادَ إنْ كانَ مِن جِهَةِ وُقُوعِ الظَّنِّ بِأنَّ [ مَن - ] صارَ تُرابًا يَصِيرُ عَوْدُهُ مُحالًا مِن جِهَةِ تَعَذُّرِ تَمْيِيزِ تُرابِهِ مِن تُرابِ غَيْرِهِ، فَتَمْيِيزُ النّازِعِ والنّاشِطِ مِنَ المَلائِكَةِ لِلرُّوحِ مِنَ الجَسَدِ أصْعَبُ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وكَذا غَيْرُ هَذا مِمّا تُدَبِّرُهُ المَلائِكَةُ مِنَ الأُمُورِ، فَكَيْفَ يَصْعُبُ عَلى رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ شَيْءٌ يَسْهُلُ مِثْلُهُ عَلَيْهِمْ، وأمّا مِن جِهَةِ العَوائِدِ فَإنَّ أحَدًا لا يَدْعُ رَعِيَّةً لَهُ بِغَيْرِ حِسابٍ أصْلًا، وأمّا مِن جِهَةِ الوَعْدِ فَقَدْ تَقَدَّمَ بِهِ، ولَيْسَ مِن شِيَمِ الكِرامِ فَضْلًا عَنِ المُلُوكِ إخْلافُ الوَعْدِ ولا إقْرارُ الظُّلْمِ فَلا تُكَذِّبُوا بِها ولا تَسْتَصْعِبُوها، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ هَذا المُقَدَّرِ مُهَدِّدًا لِأصْحابِ الشُّبْهَةِ المُقَلِّدِينَ: ﴿فَإنَّما هِيَ﴾ أيِ القِيامَةُ ﴿زَجْرَةٌ﴾ أيْ صَيْحَةٌ بِانْتِهارٍ تَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالقِيامِ والسَّوْقَ إلى المَحْشَرِ والمَنعَ مِنَ التَّخَلُّفِ ﴿واحِدَةٌ﴾ (p-٢٢٧)عَبَّرَ بِالزَّجْرِ وهو أشَدُّ مِنَ النَّهْيِ لِأنَّهُ يَكُونُ لِلْعَرْضِ لِأنَّها صَيْحَةٌ لا يَتَخَلَّفُ عَنْها القِيامُ أصْلًا، فَكانَ كَأنَّ لِسانَ الحالِ قالَ عَنْ تِلْكَ الصَّيْحَةِ: أيُّها الأجْسادُ البالِيَةُ! انْتَهِي عَنِ الرُّقادِ، وقُومِي إلى المِيعادِ، بِما حَكَمْنا بِهِ مِنَ المَعادِ، فَقَدِ انْتَهى زَمانُ الحَصادِ، وآنَ [أوانُ - ] الِاجْتِناءِ لِما قَدَّمَ مِنَ الزّادِ، فَيا ويْلَ مَن لَيْسَ لَهُ زادٌ!
79:14Page 583
فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤
And suddenly they will be [alert] upon the earth's surface.
﴿فَإذا هُمْ﴾ أيْ فَتُسُبِّبَ عَنْ هَذِهِ النَّفْخَةِ - وهي الثّانِيَةُ - أنَّهم فُوجِئُوا بِغايَةِ السُّرْعَةِ كَوْنُهم أحْياءً قائِمِينَ ﴿بِالسّاهِرَةِ﴾ [أيْ - ] عَلى [ظَهْرِ - ] الأرْضِ البَيْضاءِ المُسْتَوِيَةِ الواسِعَةِ الَّتِي يُجَدِّدُها اللَّهُ لِلْجَزاءِ فَتَكُونُ سِعَتُها كَأنَّها قَدِ ابْتَلَعَتْهم عَلى كَثْرَتِهِمُ الَّتِي تُفَوِّتُ العَدَّ، وتَزِيدُ عَلى الحَدِّ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الشَّرابَ يَجْرِي فِيها مِنَ السّاهِرَةِ وهي العَيْنُ الجارِيَةُ، أوْ لِأنَّ سالِكَها يَسْهَرُ خَوْفًا كَما أنَّ النَّوْمَ يَكُونُ آمِنَةً، أوْ لِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ بِالخُصُوصِ لا نَوْمَ فِيها مَعَ طُولِ الوُقُوفِ وتَقَلُّبِ الصُّرُوفِ المُوجِبَةِ لِلْحُتُوفِ.
ولَمّا كانَتْ قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ القِبْطِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالقِيامَةِ لِما حَصَلَ فِيها مِنَ التَّقَلُّباتِ والتَّغَيُّراتِ وإيجادِ المَعْدُوماتِ مِنَ الجَرادِ والقَمْلِ والضَّفادِعِ عَلى تِلْكَ الهَيْئاتِ الخارِجَةِ عَنِ العاداتِ في أسْرَعِ وقْتٍ. وقَهْرُ الجَبابِرَةِ والمَنُّ عَلى الضُّعَفاءِ حَتّى كانَ آخِرَ ذَلِكَ أنْ (p-٢٢٨)حَشَرَ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَشَّطَهم مِنَ القِبْطِ نَشْطًا رَقِيقًا كُلُّهم وجَمِيعُ ما لَهم مَعَ دَوابِّهِمْ [ إلى رَبِّهِمْ - ] وحَشَرَ جَمِيعَ القِبْطِ وراءَهم فَنَزَعَهم نَزْعًا كُلُّهم بِحَشْرِ فِرْعَوْنَ لَهم بِأصْواتِ المُنادِينَ عَنْهُ في أسْرَعِ وقْتٍ وأيْسَرِ أمْرٍ إلى هَلاكِهِمْ كَما يَحْشُرُ الأمْواتَ بَعْدَ إحْيائِهِمْ بِالصَّيْحَةِ إلى السّاهِرَةِ، ثُمَّ كانَتِ العاقِبَةُ في الطّائِفَتَيْنِ بِما لِلْمُدَبِّراتِ أمْرًا أنْ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ بِالبَحْرِ كَما يَنْجُو يَوْمَ البَعْثِ المُؤْمِنُونَ بِالصِّراطِ، وهَلَكَ فِرْعَوْنُ وآلُهُ بِهِ كَما يَتَساقَطُ الكافِرُونَ بِالصِّراطِ، وذَلِكَ أنَّهُ رَأى فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ البَحْرَ قَدِ انْفَلَقَ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ثُمَّ دَخَلُوا فِيهِ وراءَهُمْ، ولَمْ يُجَوِّزُوا أنَّ الَّذِي حَسَرَهُ عَنْ مَكانِهِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ كَما ابْتَدَأهُ فَيُغْرِقُهم واسْتَمَرُّوا في عَماهم حَتّى رَدَّهُ اللَّهُ فَأغْرَقَهم بِهِ كَما أنَّ مَن يُكَذِّبُ بِالقِيامَةِ رَأى بَدْءَ اللَّهِ لَهُ [و -] لِغَيْرِهِ وإفْناءَهُ بَعْدَ إبْدائِهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُجِزْ أنْ يُعِيدَهُ كَما بَدَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى جَوابًا لِمَن يَقُولُ: هَلْ لِذَلِكَ مِن دَلِيلٍ؟ مُخاطِبًا لِأشْرَفِ الخَلْقِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَعْتَبِرُ هَذا حَقَّ اعْتِبارِهِ إلّا أنْتَ، مُسْتَفْهِمًا عَنِ الإتْيانِ لِلتَّنْبِيهِ والحَثِّ عَلى جَمْعِ النَّفْسِ (p-٢٢٩)عَلى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ والِاعْتِبارِ مُقَرِّرًا ومُسَلِّيًا لَهُ ﷺ ومُهَدِّدًا لِلْمُكَذِّبِينَ أنْ يَكُونَ حالُهم - وهم أضْعَفُ أهْلِ الأرْضِ لِأنَّهُ لا مَلِكَ لَهم – كَحالِ فِرْعَوْنَ في هَذا، وقَدْ كانَ أقْوى أهْلِ الأرْضِ بِما كانَ لَهُ مِنَ المَلِكِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ وقُوَّتِهِمْ وسِحْرِهِمْ ومَرُودِهِمْ في خِداعِهِمْ ومَكْرِهِمْ ورَأى مِنَ الآياتِ ما لَمْ يَرَهُ أحَدٌ قَبْلَهُ، فَلَمّا أصَرَّ عَلى التَّكْذِيبِ ولَمْ يَرْجِعْ ولا أفادَهُ التَّأْدِيبُ أغْرَقَهُ اللَّهُ وآلَهُ فَلَمْ يُبْقِ مِنهم أحَدًا وقَدْ كانُوا لا يُحْصَوْنَ عَدَدًا بِحَيْثُ إنَّهُ قِيلَ: إنَّ طَلِيعَتَهُ كانَتْ عَلى عَدَدِ بَنِي إسْرائِيلَ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ يا أعْلَمَ الخَلْقِ ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ أيْ ما كانَ مِن أمْرِهِ الَّذِي جَدَّدْناهُ لَهُ حِينَ أرَدْناهُ فَيَكُونُ كافِيًا لَكَ في التَّسْلِيَةِ ولِقَوْمِكَ في الحَثِّ عَلى التَّصْدِيقِ والتَّنْبِيهِ عَلى الِاعْتِبارِ والتَّهْدِيدِ عَلى التَّكْذِيبِ والإصْرارِ
79:16Page 584
إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ١٦
When his Lord called to him in the sacred valley of Ṭuwā,
﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿ناداهُ رَبُّهُ﴾ أيِ المُحْسِنُ [إلَيْهِ - ] بِإيجادِهِ وتَقْرِيبِهِ وتَدْبِيرِهِ أمَرَ إرْسالَهُ وتَقْدِيرَهُ ﴿بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ أيِ المُطَهَّرِ غايَةَ التَّطَهُّرِ بِتَشْرِيفِ اللَّهِ لَهُ بِإنْزالِ النُّبُوَّةِ المُفِيضَةِ لِلْبَرَكاتِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿طُوًى﴾ وهو الَّذِي طَوى فِيهِ الشَّرُّ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ ومَن أرادَ اللَّهَ مِن خَلْقِهِ ونَشَرَ بَرَكاتِ النُّبُوَّةِ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ المُسْلِمِ بِإسْلامِهِ، وغَيْرُهُ بِرَفْعِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهُ، فَإنَّ العُلَماءَ قالُوا: إنَّ (p-٢٣٠)عَذابَ القَبْرِ - أيْ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ - ارْتَفَعَ حِينَ أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ.
وهُوَ وادٍ بِالطُّورِ بَيْنَ أيْلَةَ ومِصْرَ.
79:17Page 584
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧
"Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.
ولَمّا ذَكَرَ المُناداةَ فَسَّرَ ثَمَرَتَها بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا مُنَبِّهًا لِأصْحابِ الشَّهْوَةِ المُعْجَبِينَ المُتَكَبِّرِينَ، وقَدْ أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ، ناداهُ قائِلًا: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ أيْ مَلِكِ مِصْرَ الَّذِي كانَ اسْتَعْبَدَ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ خَوَّفَ مِن واحِدٍ مِنهم فَصارَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم خَوْفًا مِنهُ وهو أنْتَ فَرَبَّيْناكَ في بَيْتِهِ لِهَلاكِهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ لا مَفَرَّ مِن قَدَرِنا، فَكُنْتَ أعَزَّ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ سَبَبُ هَلاكِهِ مَعَهُ في بَيْتِهِ بِمَرْأًى مِنهُ ومَسْمَعٍ وهو لا يَشْعُرُ بِذَلِكَ ثُمَّ قَتَلْتَ مِنهم نَفْسًا وخَرَجْتَ مِن بَلَدِهِمْ خائِفًا تَتَرَقَّبُ.
ولَمّا أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، عَلَّلَهُ بِما يَسْتَلْزِمُ إهْلاكَهُ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إشارَةً لَهُ بِالبِشارَةِ بِأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ أمْرٌ يَقْتَضِي طَبْعَ البَشَرِ التَّوَقُّفُ فِيهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ أيِ الحَدَّ وتَجاوَزَ الحَدَّ فاسْتَحَقَّ المُقابَلَةَ بِالجِدِّ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الذَّهابِ إلَيْهِ قَوْلُهُ
79:18Page 584
فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨
And say to him, 'Would you [be willing to] purify yourself
﴿فَقُلْ﴾ أيْ لَهُ تَفْصِيلًا لِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ في ”طه“ مِن لِينِ القَوْلِ ولُطْفِ الِاسْتِدْعاءِ في الخِطابِ: ﴿هَلْ لَكَ﴾ أيْ مَيْلٌ وحاجَةٌ ﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ أيْ تَتَحَلّى بِالفَضائِلِ، وتَتَطَهَّرُ مِنَ الرَّذائِلِ، ولَوْ بِأدْنى أنْواعِ التَّزَكِّي: الطَّهارَةُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ المُوجِبَةُ لِلنَّماءِ والكَثْرَةِ، وإفْهامِ الأدْنى بِما (p-٢٣١)يُشِيرُ إلَيْهِ إسْقاطُ تاءِ التَّفَعُّلِ المُقْتَضِي لِلتَّخْفِيفِ، وذَلِكَ بِالإذْعانِ المُقْتَضِي لِلْإيمانِ وإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ أيْ تَزْكِيَةً بَلِيغَةً لِأنَّ مَن دَخَلَ في التَّزَكِّي عَلى يَدِ كامِلٍ لا سِيَّما نَبِيٌّ مَن أُولِي العَزْمِ أوْشَكَ أنْ يَبْلُغَ الغايَةَ في الزَّكاءِ.
79:19Page 584
وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ١٩
And let me guide you to your Lord so you would fear [Him]?'"
ولَمّا أشارَ لَهُ الطَّهارَةَ عَنِ الشِّرْكِ، أتْبَعَها الأعْمالَ فَقالَ: ﴿وأهْدِيَكَ﴾ أيْ أُبَيِّنُ لَكَ بَعْدَ التَّزْكِيَةِ بِالإيمانِ الَّذِي هو الأساسُ: كَيْفَ المَسِيرُ ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُوجِدِ لَكَ والمُحْسِنِ إلَيْكَ والمُرَبِّي لَكَ بِتَعْرِيفِكَ ما يُرْضِيهِ مِنَ الأعْمالِ وما يُغْضِبُهُ مِنَ الخِصالِ بَعْدَ أنْ بَلَغَكَ في الدُّنْيا غايَةَ الآمالِ ﴿فَتَخْشى﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّكَ تَصِيرُ تَعْمَلُ أعْمالَ مَن يَخافُ مِن عَذابِهِ خَوْفًا عَظِيمًا، فَتُؤَدِّي الواجِباتِ وتَتْرُكُ المُحَرَّماتِ وسائِرَ المَنهِيّاتِ، فَتَصِيرُ إلى أعْلى رُتَبِ التَّزْكِيَةِ فَتَجْمَعُ مَلِكَ الآخِرَةِ إلى مَلِكِ الدُّنْيا، فَإنَّ الخَشْيَةَ هي الحامِلَةُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، والآمِنُ هو الحامِلُ عَلى الشَّرِّ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ إلَيْهِ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ [لَهُ - ] ذَلِكَ فَطَلَبَ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ واسْتَبْعَدَ أنْ يُخْتَصَّ عَنْهُ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ العَلِيَّةِ وقَدْ رَبّاهُ ولِيدًا ﴿فَأراهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ طَلَبِهِ لَهُ أنَّهُ (p-٢٣٢)دَلَّ عَلى صِدْقِهِ بِأنَّهُ أراهُ ﴿الآيَةَ﴾ أيِ العَلامَةَ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ﴿الكُبْرى﴾ وهي قَلْبُ العَصا حَيَّةً أوْ جَمِيعُ مُعْجِزاتِهِ
﴿فَكَذَّبَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ رُؤْيَةِ ذَلِكَ أنَّهُ أوْقَعَ التَّكْذِيبَ بِشَيْءٍ إنَّما يَقْتَضِي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ التَّصْدِيقُ ﴿وعَصى﴾ أيْ أوْقَعَ العِصْيانَ، وهو الإباءُ الكَبِيرُ والتَّكَبُّرُ عَنِ امْتِثالِ ما دُعِيَ إلَيْهِ مَجْمُوعًا إلى التَّكْذِيبِ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى الصِّدْقِ وتَحَقُّقِ الأمْرِ.
ولَمّا كانَ التَّمادِي عَلى التَّكْذِيبِ مِمَّنْ رَأى وعَرَفَ الحَقَّ ولا سِيَّما إذا كانَ كَبِيرًا مُسْتَبْعَدًا جِدًّا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي مَعَ دَلالَتِها عَلى حَقِيقَةِ التَّراخِي أيْضًا فَقالَ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ بَعْدَ المُهْلَةِ والأناةِ إدْبارًا عَظِيمًا بِالتَّمادِي عَلى أعْظَمِ مِمّا كانَ [فِيهِ - ] مِنَ الطُّغْيانِ بَعْدَ خُطُوبٍ جَلِيلَةٍ ومَشاهِدَ طَوِيلَةٍ. حالَ كَوْنِهِ ﴿يَسْعى﴾ أيْ يَعْمَلُ بِغايَةِ جُهْدِهِ عَمَلَ مَن هو مُسْرِعٌ غايَةَ الإسْراعِ في إبْطالِ الأمْرِ الرَّبّانِيِّ بِقِلَّةِ عَقْلِهِ وفَسادِ رَأْيِهِ وأبى أنْ يَقْبَلَ الحَقَّ
﴿فَحَشَرَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إدْبارِهِ ساعِيًا وتَعَقَّبَهُ أنَّهُ جَمَعَ السَّحَرَةَ طَوْعًا وكُرْهًا وزادَ عَلَيْهِمْ أيْضًا جُنُودَهُ ﴿فَنادى﴾ أيْ في المَجامِعِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences