Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:29–35
8:29Page 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩
O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.
ولَمّا ذَكَّرَهم ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الهِجْرَةِ مِنَ الضَّعْفِ، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِما أعَزَّهم بِهِ، وخَتَمَ هَذِهِ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ المُوقِعَةِ في الرَّدى، وبِتَعْظِيمِ ما عِنْدَهُ الحامِلِ عَلى الرَّجاءِ، تَلاها بِالأمْرِ بِالتَّقْوى النّاهِيَةِ عَنِ الهَوى بِالإشارَةِ إلى الخَوْفِ مِن سَطَواتِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَجِبُ الجَمْعُ (p-٢٦٣)بَيْنَهُما، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الأمْنُ مِن غَيْرِهِ في الأُولى والنَّجاةُ مِن عَذابِهِ في الأُخْرى فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَكْرِيرًا لِهَذا الوَصْفِ تَذْكِيرًا بِما يَلْزَمُ بِادِّعائِهِ: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِكُمْ، وذَلِكَ جامِعٌ لِأمْرِ الدِّينِ كُلِّهِ ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ أيْ: نَصْرًا؛ لِأنَّ مادَّةَ ”فَرَقَ“ تَرْجِعُ إلى الفَصْلِ، فَكَأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مُتَّصِلًا كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنهُ مَقْهُورًا عَلى مُلازَمَةِ صاحِبِهِ، فَإذا جُعِلَ لَهُ قُوَّةُ الفَرْقِ قَدَرَ عَلى الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ، فَحَقِيقَتُهُ: يَجْعَلْ لَكم عِزًّا تَصِيرُونَ بِهِ بِحَيْثُ تَفْتَرِقُونَ مِمَّنْ أرَدْتُمْ مَتى أرَدْتُمْ وتَتَّصِلُونَ بِمَن أرَدْتُمْ مَتى أرَدْتُمْ لِما عِنْدَكم مِن عِزَّةِ المُمانَعَةِ، وتُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَن أرَدْتُمْ مَتى أرَدْتُمْ لِما لَدَيْكم مِن قُوَّةِ المُدافَعَةِ، أيْ: يَجْعَلُ لَكم ما يَصِيرُ لَكم بِهِ قُوَّةُ التَّصَرُّفِ فِيما تُرِيدُونَ مِنَ الفَصْلِ والوَصْلِ الَّذِي هو وظِيفَةُ السّادَةِ المَرْجُوعِ إلى قَوْلِهِمْ عِنْدَ التَّنازُعِ، لا كَما كُنْتُمْ في مَكَّةَ، لا تَأْمَنُونَ في المَقامِ ولا تَقْدِرُونَ عَلى الكَلامِ - فَضْلًا عَنِ الخِصامِ - إلّا عَلى تَهَيُّبٍ شَدِيدٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يُؤَثِّرُ كَلامُكم أثَرًا يُسَمّى بِهِ فارِقًا، والفارُوقُ مِنَ النّاسِ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الأُمُورِ ويَفْصِلُها، وبِهِ سُمِّيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأنَّهُ أظْهَرَ الإسْلامَ بِمَكَّةَ إظْهارًا فِيهِ عِزٌّ وقُوَّةٌ، جَعَلَ فِيهِ الإيمانَ مُفارِقًا لِلْكُفْرِ لا يَخافُهُ، وفَرِقَ - بِالكَسْرِ بِمَعْنى خافَ - يَرْجِعُ إلى ما دارَتْ عَلَيْهِ المادَّةُ، فَإنَّ المُرادَ بِهِ: تَفَرَّقَتْ هُمُومُهُ مِنَ اتِّساعِ الخَوْفِ، والفَرَقُ الَّذِي هو المِكْيالُ الكَبِيرُ كَأنَّهُ هو الفارِقُ بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، قالَ الهَرَوِيُّ: هو اثْنا عَشَرَ مُدًّا: وأفْرَقَ مِن عِلَّتِهِ - (p-٢٦٤)إذا بَرِئَ، أيْ: صارَتْ لَهُ حالَةٌ فَرَّقَتْ بَيْنَ صِحَّتِهِ ومَرَضِهِ الَّذِي كانَ بِهِ، ومِنهُ الفَرِيقَةُ وهي تَمْرٌ وحُلْبَةٌ يُطْبَخُ لِلنُّفَساءِ؛ وقَرِفْتُ الشَّيْءَ - بِتَقْدِيمِ القافِ: قَشَرْتَهُ، والقَرْفُ: الخَلْطُ، كَأنَّهُ مِنَ الإزالَةِ؛ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ ”فَعَلَ“ يَدْخُلُ في كُلِّ بابٍ، ومِنهُ: قَرَفَ الشَّيْءَ واقْتَرَفَهُ: اكْتَسَبَهُ، والِاقْتِرافُ بِمَعْنى الجِماعِ، ويُمْكِنُ أنْ يَرْجِعَ إلى الوِعاءِ لِأنَّ القَرَفَ الوِعاءُ؛ لِأنَّهُ يَفْصِلُ مَظْرُوفَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وفُلانٌ قِرْفَتِي، أيْ: مَوْضِعُ ظَنِّي مِنهُ كَأنَّهُ صارَ وِعاءٌ لِذَلِكَ، وفَرَسٌ مُقْرِفٌ، أيْ: بَيِّنُ القِرْفَةِ، أيْ: هَجِينٌ لِأنَّهُ واضِحُ التَّمَيُّزِ مِنَ العَرَبِيِّ، وقُرِفَ بِسُوءٍ: رُمِيَ بِهِ، أيْ: جُعِلَ وِعاءً لَهُ أوْ فَرَّقَ هُمُومَهُ؛ والقَفْرُ - بِتَقْدِيمِ القافِ: المَكانُ الخالِي لِانْفِصالِهِ مِنَ النّاسِ، وأقْفَرَ المَكانُ: خَلا، وأقْفَرَ الرَّجُلُ مِن أهْلِهِ: انْفَرَدَ عَنْهُمْ، وقَفَرَ الطَّعامُ: خَلا مِنَ الأُدْمِ، ورَجُلٌ قَفْرُ الرَّأْسِ: لا شَعْرَ عَلَيْهِ لِانْفِصالِهِ عَنْهُ، وقَفْرُ الجَسَدِ: لا لَحْمَ عَلَيْهِ، والقِفارُ: الطَّعامُ لا أُدْمَ لَهُ، واقْتَفَرْتُ الأثَرَ: اتَّبَعْتَهُ لِتَفْصِلَهُ مِن غَيْرِهِ؛ والفِقْرَةُ - بِتَقْدِيمِ الفاءِ - والفَقارُ: ما تَنَضَّدَ مِن عِظامِ الصُّلْبِ مِن لَدُنِ الكاهِلِ إلى العَجَبِ لِتُمَيَّزِ كُلِّ واحِدَةٍ عَنْ أُخْتِها، وفَقَرْتُ الأرْضَ فَقْرًا: حَفَرْتُها حَفْرًا، (p-٢٦٥)فَصارَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مُنْفَصِلَةً مِنَ الأُخْرى، والفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ الكاسِرَةُ لِلْفَقارِ، ومِنهُ الفَقْرُ والِافْتِقارُ لِلْحاجَةِ، وأفْقَرَنِي دابَّتَهُ: أعارَنِي ظَهْرَها، ورامَيْتُهُ مِن أدْنى فِقْرَةٍ: مِن أدْنى مَعْلَمٍ لِأنَّ المَعالِمَ مُنْفَصِلٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، والتَّقَفُّرُ في رِجْلِ الدّابَّةِ بَياضٌ لِانْفِصالِهِ عَنْ بَقِيَّةِ لَوْنِها، ورَفِقْتُ بِالأمْرِ: لَطَفْتُ بِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِفَصْلِهِ عَمّا يَضُرُّهُ، ومِنهُ الرَّفِيقُ لِلصّاحِبِ مِنَ الرُّفْقَةِ، والمِرْفَقُ مِن ذَلِكَ لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ اللُّطْفِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ فَلا يَخْلُو مِن زَلَّةٍ أوْ هَفْوَةٍ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: يَسْتُرُها ما دُمْتُمْ عَلى التَّقْوى ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ: يَمْحُو ما كانَ مِنكم غَيْرَ صالِحٍ عَيْنًا وأثَرًا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ السّاداتِ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِالمُساواةِ بَيْنَ النّاسِ، والنَّفْسُ مَجْبُولَةٌ عَلى تَرْجِيحِ مَن لاءَمَها عَلى مَن نافَرَها، وإشارَةٌ إلى أنَّ الحُكْمَ بِالعَدْلِ في أعْلى الدَّرَجاتِ لا يَتَسَنَّمُهُ إلّا الفَرْدُ النّادِرُ، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ مُرَجٍّ لِلزِّيادَةِ عَلى الكَفّارَةِ والمَغْفِرَةِ مِن فَضْلِهِ، ومُعْلِمٌ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَمِنَ المُمْكِنِ أنْ يُلْزِمَ كُلًّا مِنهم طَرِيقَ العَدْلِ وإنْ كانَتْ مِن خَرْقِ العادَةِ في أعْلى مَحَلٍّ، وفي الآيَةِ أعْظَمُ مُناسَبَةٍ لِقِصَّةِ أبِي لُبابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الحامِلُ لَهُ عَلى ما فَعَلَ بِنَفْسِهِ مِنَ العُقُوبَةِ التَّقْوى، فَكُفِّرَتْ عَنْهُ خَطِيئَتُهُ وغُفِرَ لَهُ، (p-٢٦٦)عُقِّبَتْ بِها تَرْغِيبًا لِغَيْرِهِ في الإسْراعِ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ مُواقَعَةِ الهَفْوَةِ، وخَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِالفَضْلِ عَلى ما كانَ مِن نَقْصٍ، إشارَةً إلى تَفَضُّلِهِ سُبْحانَهُ بِما رَزَقَ أهْلَ الإسْلامِ مِن عُلُوِّ المَنزِلَةِ وانْتِشارِ الهَيْبَةِ وفَخامَةِ الأمْرِ في قُلُوبِ المُخالِفِينَ كَما هو مُشاهَدٌ، وخَتَمَ الآيَةَ المُحَذِّرَةَ مِنَ المُداهَنَةِ بِشَدِيدِ العِقابِ، إشارَةً إلى ما ألْبَسَهم مِنَ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ في الَّتِي تَلِيها مِن قِلَّةِ مَنَعَتِهِمْ واسْتِضْعافِهِمْ وخَوْفِهِمْ مِن تَخَطُّفِ المُخالِفِينَ لَهُمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى رَحِمَهم بِأنْ جَعَلَ ذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ مِمَّنْ يَشْمَلُهُ اسْمُ الإسْلامِ لِبَعْضٍ، لا مِن غَيْرِهِمْ فَلَبَّسَهم شِيَعًا وأذاقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ، فَكُلٌّ خائِفٌ مِنَ الآخَرِ، وصارَ المُتَّقِي مِن كَثْرَةِ المُخالِفِ لا يَزالُ مِنَ المَعاطِبِ والمَتالِفِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ، ومُباعِدًا لا يَقْرُبُ، عَلى أنَّهم لا يَعْدَمُونَ أنْصارًا يُؤَيِّدُهُمُ اللَّهُ بِهِمْ، ولا يَزالُ أهْلُ الظُّلْمِ يَخْتَلِفُونَ فِيما بَيْنَهم فَيَرْجِعُ الفَرِيقانِ إلَيْهِمْ ويُعَوِّلُونَ عَلَيْهِمْ، فَمَن نَصَرُوهُ فَهو المَنصُورُ، فَكَلامُهم عِنْدَ المَضايِقِ هو الفُرْقانُ، ولَهم في قُلُوبِ الظّالِمِينَ هَيْبَةٌ وإنْ نَزَلَتْ بِهِمُ الحالُ أكْثَرَ مِمّا لِلظَّلَمَةِ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ لِيَتَيَقَّنَ الكُلُّ أنَّهم عَلى الحَقِّ الَّذِي اللَّهُ ناصِرُهُ، وأنَّ أهْلَ الشَّرِّ عَلى الباطِلِ الَّذِي اللَّهُ خاذِلُهُ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في حَقِّ العالِينَ في الأرْضِ: أما واللَّهِ! إنَّ لِلْمَعْصِيَةِ في قُلُوبِهِمْ لَذُلًّا وإنْ طَفْطَفَ (p-٢٦٧)بِهِمُ اللَّحْمُ، فَقَدِ انْقَسَمَ الخَوْفُ بَيْنَهم نِصْفَيْنِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الحِزْبَيْنِ، فَخَوْفُهم يَزِيدُهُمُ اللَّهُ بِهِ أجْرًا ويَجْعَلُهُ لَهم ذُخْرًا، وخَوْفُ أهْلِ الباطِلِ يَزِيدُهم بِهِ وِزْرًا ويَجْعَلُهُ لِدِينِهِ أزْرًا، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الحالِ في وصْفِ أهْلِ الحَقِّ والمُحالِ.
8:30Page 180
وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠
And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.
ولَمّا وعَدَ سُبْحانَهُ بِهَذا الفَضْلِ العَظِيمِ والنَّبَأِ الجَسِيمِ، ذَكَّرَهم مِن أحْوالِ داعِيهِمْ وقائِدِهِمْ وهادِيهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ بِما يَدْعُوهم إلى مُلازَمَةِ أسْبابِهِ في سِياقِ المُخاطَبَةِ لَهُ ﷺ تَذْكِيرًا بِنِعْمَتِهِ وإشارَةً إلى دَوامِ نُصْرَتِهِ فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى: ﴿إذْ أنْتُمْ﴾ [الأنفال: ٢٦] ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ أيْ: يُدَبِّرُ في أذاكَ عَلى وجْهِ السَّتْرِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ، وفِيهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ راسِخَ القَدَمِ فِيهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ غايَةَ مَكْرِهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أيْ: لِيَمْنَعُوكَ مِنَ التَّصَرُّفِ بِالحَبْسِ في بَيْتٍ يَسُدُّونَ عَلَيْكَ بابَهُ - كَما هو واضِحٌ مِن قِصَّةِ مُشاوَرَتِهِمْ في دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِهِ ﷺ في السِّيَرِ، ومَن قَرَأها بِالمُوَحَّدَةِ ثُمَّ التَّحْتانِيَّةِ مِنَ البَياتِ الَّذِي مَعْناهُ إهْلاكُ العَدُوِّ لَيْلًا، فَعَطَفَ: ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ عِنْدَهُ بِمَعْنى القَتْلِ نَهارًا جِهارًا، وكَأنَّهُ عَدَّ البَياتَ لِلِاسْتِخْفاءِ بِهِ عَدَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى المُجاهَرَةِ ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ ﴿ويَمْكُرُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم يَمْكُرُونَ بِإخْفاءِ ما يُرِيدُونَ بِكَ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِنَ الكَيْدِ ﴿ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَفْعَلُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا في أمْرِهِمْ فِعْلَ مَن يَمْكُرُ بِإخْفاءِ (p-٢٦٨)ما يُقابِلُهم بِهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أحَدًا عِلْمُ ما يُرِيدُ إخْفاءَهُ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْلى المُحِيطُ بِالجَلالِ والجَمالِ، فالنّافِذُ إنَّما هو مَكْرُهُ، والعالِي إنَّما هو نَصْرُهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْظُرُوا إلى مِصْداقِ ما وعَدُتُكم بِهِ في أحْوالِ نَبِيِّي ﷺ فَإنَّهُ كانَ وحْدَهُ وجَمِيعُ النّاسِ يُخالِفُونَهُ فَثَبَتَ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ وإبْلاغِ النَّصِيحَةِ لَهم عَلى ما يَصِلُهُ مِنهم مَنِ الأذى ولا يَزِيدُهُ أذاهم لَهُ إلّا اجْتِهادًا في أداءِ ما يَنْفَعُهم إلَيْهِمْ.
8:31Page 180
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١
And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."
ولَمّا ذَكَرَ مَكْرَهم بِالرَّسُولِ، ذَكَرَ مَكْرَهم بِما أُرْسِلَ بِهِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿إذْ أنْتُمْ﴾ [الأنفال: ٢٦] ﴿وإذا تُتْلى﴾ أيْ: مِن أيْ: تالٍ فُرِضَ ﴿عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ: الَّتِي هي الفُرْقانُ جَلالَةً وعِظَمًا لَمْ يَدَّعُوها تُؤَثِّرُ في تِلْكَ الحالَةِ، بَلْ ﴿قالُوا﴾ إظْهارًا لِعِنادِهِمْ لَها وتَشَيُّعًا بِما لَمْ يُعْطَوْا وادِّعاءً لِما لِمَن يَنالُوا ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ ولَمّا لَمْ يَتَأثَّرْ عَنْ سَماعِهِمُ الإذْعانُ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى عِلَّةِ إعْراضِهِمْ فَقالَ مُعَلِّلًا أوْ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ أيْ: في أيِّ وقْتٍ أرَدْنا ﴿لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ أيْ: لِأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُ اللَّهِ كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هَذا﴾ الَّذِي يُتْلى عَلَيْكم ﴿إلا أساطِيرُ﴾ جَمْعُ سُطُورٍ وأسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ ﴿الأوَّلِينَ﴾ أيْ: مِن بَنِي آدَمَ، سَطَّرُوا فِيها عُلُومَهم وأخْبارَهم فَهو مِن جِنْسِ كَلامِنا وقائِلُهُ مِن جِنْسِنا، وهَذا غايَةُ المُكابَرَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَحَدّاهم بِقِطْعَةِ مِن مِثْلِهِ إنْ كانَ لَهُ - كَما يَزْعُمُونَ - مِثْلٌ، وبالَغَ في تَقْرِيعِهِمْ فَما مَنَعَهم - مِن إبْرازِ شَيْءٍ مِمّا يَدَّعُونَ ولَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ بِزَعْمِهِمْ إلّا أنْ يَشاؤُوا، (p-٢٦٩)مَعَ انْتِقالِهِمْ إلى أشَدِّ الأُمُورِ: السَّيْفِ الماحِقِ عَلى تَهالُكِهِمْ عَلى قَهْرِهِ ﷺ وعَلى ما لَهم مِن فَرْطِ الأنَفَةِ مِنَ العارِ والبُعْدِ مِمّا يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِالغَلَبِ أوْ أنْ يُوصَفُوا بِالكَذِبِ - إلّا عِلْمُهم بِأنَّ ذَلِكَ فاضِحُهُمْ، ومُخْزِيهِمْ مَدى الدَّهْرِ وقائِحُهُمْ، والمَعْنى: أنِّي أُثَبِّتُ هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ عَلى صَبْرِهِ عَلى ذَلِكَ ومُثابَرَتِهِ عَلى أداءِ الأمانَةِ بِالِاجْتِهادِ في النَّصِيحَةِ عَلى ما يَلْقى إنْ نَجَّيْتُهُ مِنهم ومَنَعْتُهُ مِن جَمِيعِ ما كادُوهُ بِهِ، وكُنْتُ لا أزالُ أُؤَيِّدُهُ بِاتِّباعِ مَن أعْلَمُ فِيهِ الخَيْرَ إلى أنْ هَيَّأْتُ لَهُ دارًا وخَبَّأتْ لَهُ أنْصارًا، وجَعَلْتُ دارَهُ بِالأصْحابِ مَنِيعَةً، وبَنَيْتُ لَها أعْمِدَةً بِصَوارِمِ الأحْبابِ ثابِتَةً رَفِيعَةً، نَقَلْتُهُ إلى ذَلِكَ مَعَ اجْتِهادِ أهْلِ العِنادِ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ في المَنعِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ كَيْدُهُمْ، ولا أفادَهم مَعَ أيْدِي أيْدِهِمْ، وجَعَلْتُ نَفْسَ نَقْلَتِهِ لَهُ فُرْقانًا يُفَرِّقُ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وصارَ إلى ما تَرَوْنَ مِن قَبُولِ الأمْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ ونَفاذِ الفَصْلِ بَيْنَ الأُمُورِ وظَهَرَ دِينُهُ أيَّ ظُهُورٍ، فَلازَمُوا التَّقْوى مُلازَمَتَهُ وداوَمُوا عَلى الطّاعَةِ مُداوَمَتَهُ أهَبُ لَكم مِن سِيادَتِهِ وأحْمِلُكم بِمَلابِسِ إمامَتِهِ.
8:32Page 180
وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢
And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ عَجَبٍ مِن عَدَمِ إعْجالِ الضَّلالِ بِالعَذابِ وإمْهالِهِمْ إلى أنْ أوْقَعَ بِهِمْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ لا سِيَّما مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] بَيَّنَ السِّرَّ في ذَلِكَ وإنْ بالَغُوا في اسْتِعْجالِهِ (p-٢٧٠)فَقالَ: ﴿وإذْ قالُوا﴾ أيْ: إرادَةَ المُكابَرَةِ بِالتَّخْيِيلِ إلى النّاسِ أنَّهم عَلى القَطْعِ مِن أنَّهُ باطِلٌ وإلّا لَما دَعَوْا بِهَذا الدُّعاءِ ﴿اللَّهُمَّ﴾ أيْ: يا مَن لَهُ تَمامُ المُلْكِ وعُمُومُ المِلْكِ ﴿إنْ كانَ هَذا﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي أتانا بِهِ مُحَمَّدٌ ﴿هُوَ﴾ أيْ: لا ما نَحْنُ عَلَيْهِ ﴿الحَقَّ﴾ حالَ كَوْنِهِ مُنْزَلًا ﴿مِن عِنْدِكَ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدًا قَرَأ: ”الحَقُّ“ بِالرَّفْعِ. أفادَهُ أبُو حَيّانَ.
﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ ولَعَلَّ تَقْيِيدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ مَعَ أنَّ الإمْطارَ لا يَكُونُ إلّا مِنها - لِإزالَةِ وهْمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ الإمْطارَ مَجازٌ عَنْ مُطْلَقِ الرَّجْمِ وأنَّهُ إنَّما ذُكِرَ لِبَيانِ أنَّ الحِجارَةَ المَرْجُومَ بِها في الكَثْرَةِ مِثْلَ المَطَرِ ﴿أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: غَيْرِ الحِجارَةِ، ولَعَلَّ مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ الإشارَةُ إلى أنَّ مَجِيءَ الوَحْيِ إلَيْكَ مِنَ السَّماءِ خارِقٌ كَما أنَّ إتْيانَ الحِجارَةِ مِنها كَذَلِكَ، فَإنْ كُنْتَ صادِقًا في إتْيانِ الوَحْيِ إلَيْكَ مِنها فَأْتِنا بِحِجارَةٍ مِنها كَما أتَتِ الحِجارَةُ مِنها أصْحابَ الفِيلِ صَوْنًا مِنَ اللَّهِ لِبَيْتِهِ الَّذِي أرادَ الجَيْشُ انْتِهاكَ حُرْمَتِهِ وإعْظامًا لَهُ - أشارَ إلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وهَذِهِ الآيَةُ والَّتِي قَبْلَها في «النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ أسَرَهُ المِقْدادُ يَوْمِ بَدْرٍ فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِ فَقالَ المِقْدادُ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقالَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما يَقُولُ، فَعادَ المِقْدادُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ أغْنِ (p-٢٧١)المِقْدادَ مِن فَضْلِكَ، فَقالَ: ذاكَ الَّذِي أرَدْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأنْشَدَتْ أُخْتُهُ قَتِيلَةُ أبْياتًا مِنها:
؎ما كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما مَنَّ الفَتى وهو المَغِيظُ المُحْنَقُ
"فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ بَلَغَنِي هَذا الشِّعْرُ قَبْلَ قَتْلِهِ لَمَنَنْتُ عَلَيْهِ» وعَنْ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً! قالَ: أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ قالُوا: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ وما قالُوا: فاهْدِنا بِهِ، والسِّرُّ الَّذِي بَيَّنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في إمْهالِهِمْ هو أنَّهُ ما مَنَعَهُ مِنَ الإسْراعِ في إجابَةِ دُعائِهِمْ كَما فَعَلَ في وقْعَةِ بَدْرٍ إلّا إجْلالُ مَقامِهِ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَقالَ:
8:33Page 180
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣
But Allāh would not punish them while you, [O Muḥammad], are among them, and Allāh would not punish them while they seek forgiveness.
﴿وما كانَ اللَّهُ﴾ أيْ: مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعَظَمَةِ والجَلالِ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أيْ: لِيُجَدِّدَ لَهم ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿وأنْتَ﴾ أيْ: يا أكْرَمَ الخَلْقِ ﴿فِيهِمْ﴾ فَإنَّهُ لِعَيْنٍ تُجازى ألْفُ عَيْنٍ وتُكْرَمُ... ولَمّا بَيَّنَ بَرَكَةَ وُجُودِهِ، أتْبَعَهُ ما يَخْلُفُهُ ﷺ إذا غابَ في العِبادِ مِنَ العَذابِ فَقالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿مُعَذِّبَهُمْ﴾ أيْ: مُثْبِتًا وصْفَ تَعْذِيبِهِمْ بِحَيْثُ يَدُومُ ﴿وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ الغُفْرانَ بِالدُّعاءِ أوْ يُوجِدُونَ هَذا اللَّفْظَ فَيَقُولُونَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، (p-٢٧٢)فَإنَّ لَفْظَهُ وإنْ كانَ خَبَرًا فَهو دُعاءٌ وطَلَبٌ، فَوُجُودُهُ ﷺ في قَوْمٍ أبْلَغُ مِن نَفْيِ العَذابِ عَنْهُمْ، وهَذا الكَلامُ نَدْبٌ لَهم إلى الِاسْتِغْفارِ وتَعْلِيمٌ لِما يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم كَما تَقُولُ: ما كُنْتُ لِأضْرِبَكَ وأنْتَ تُطِيعُنِي، أيْ: فَأطِعْنِي - نَبَّهَ عَلَيْهِ الإمامُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَظِيمٌ لِمَن صارَ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ صادِقِهِمْ ومُنافِقِهِمْ عَلى الرَّغْبَةِ في مُواصَلَتِهِ والرَّهْبَةِ مِن مُفارَقَتِهِ، وتَعْرِيفٌ لَهم بِما لَهم في حُلُولِ ذاتِهِ المُشْرِقَةِ في ساحَتِهِمْ مِن جَلِيلِ النِّعْمَةِ تَرْغِيبًا في المَحَبَّةِ لِطُولِ عُمْرِهِ والِاسْتِمْساكِ بِعُزْرِهِ في نَهْيِهِ وأمْرِهِ؛ إذِ المُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِالِاسْتِغْفارِ طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِشَرْطِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، وعَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ في هَذِهِ الأُمَّةِ أمانانِ، أمّا النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ مَضى، وأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو كائِنٌ فِيكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
8:34Page 181
وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤
But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.
ولَمّا كانَ هَذا لَيْسَ نَصًّا في اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ولَيُعَذِّبَنَّهُمُ اللَّهُ إذْ هاجَرْتَ عَنْهم ولَمْ يُؤْمِنُوا فَيَسْتَغْفِرُوا: ﴿وما لَهُمْ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، أيْ: كَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَذابِ وهي صَدُّهُمُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَيْسُوا بِوُلاةِ البَيْتِ. انْتَهى.
وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وأيُّ حَظٍّ لَهم في ﴿ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ كَمالُ العِزِّ والعَظَمَةِ عَلى (p-٢٧٣)الظّالِمِ والإكْرامُ والرِّفْقُ بِالطّائِعِ عاجِلًا ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ فَهو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ مُدَّةُ إبّانِهِ وأبْطَأ عَنْهم أوانُهُ وُقُوعًا يُنْسِيهِمْ ما نالُوهُ مِنَ اللَّذّاتِ وإنْ عَظُمَ عِنْدَهم شَأْنُها وامْتَدَّ طَوِيلًا زَمانُها؛ لِأنَّهم ﴿يَصُدُّونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ الصَّدَّ ﴿عَنِ المَسْجِدِ﴾ أيْ: مَن أرادَ تَعْظِيمَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي وُضِعَ المَسْجِدُ لَها وغَيْرِها ﴿الحَرامِ﴾ أيِ: العَظِيمِ حُرْمَتُهُ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ فَلا اخْتِصاصَ بِهِ لِشَخْصٍ دُونَ آخَرَ، أيْ: شَأْنُهم فِعْلُ حَقِيقَةِ الصَّدِّ في الماضِي والحالِ والمَآلِ، لا يَنْفَكُّونَ عَنْ ذَلِكَ، كَما كانُوا يَمْنَعُونَ مَن شاؤُوا مِن دُخُولِ البَيْتِ ويَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاتُهُ، نَفْعَلُ ما نَشاءُ، ويَصُدُّونَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الطَّوافِ بِهِ بِالتَّعْذِيبِ والفِتْنَةِ وصَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ بِالإخْراجِ ثُمَّ صَدُّوهم عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَنِ الوُصُولِ إلى البَيْتِ وعامَ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ عَنِ الإقامَةِ بَعْدَ الثَّلاثَةِ الأيّامِ ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم ذَلِكَ لِأنَّهم ما ﴿كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ أيْ: أهْلًا لِوِلايَتِهِ بِحَيْثُ إنَّ صَدَّهم رُبَّما يَقَعُ مَوْقِعَهُ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ «عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ أبُو جَهْلٍ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] إلى ﴿عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾» .
ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الوِلايَةَ. ذَكَرَ أهْلَها فَقالَ.
﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أوْلِياؤُهُ﴾ أيْ: بِالِاسْتِحْقاقِ ﴿إلا المُتَّقُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ بِما يَجْعَلُونَ (p-٢٧٤)بَيْنَهم وبَيْنَ سَخَطِ اللَّهِ مِن وقاياتِ الطّاعاتِ، لا كُلُّ مَن آمَنَ بَلْ خاصَّةُ المُؤْمِنِينَ، وهم لَيْسُوا كَذَلِكَ لِتَلَبُّسِهِمُ الآنَ بِالكُفْرِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِالأُمُورِ لِيُمَيِّزُوا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُتَّقِي والفاسِقِ وحُسْنِ العَواقِبِ وسَيِّئِها، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالأكْثَرِ إعْلامًا بِأنَّ فِيهِمُ المُعانِدَ، ولِأنَّهُ كانَ مِنهم مَن آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصارَ مِن أُولِي العِلْمِ.
8:35Page 181
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥
And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].
ولَمّا كانُوا يَفْعَلُونَ عِنْدَ البَيْتِ ما يُنَزَّهُ البَيْتُ عَنْهُ مِمّا هو غايَةٌ في الجَهْلِ، قالَ مُبَيِّنًا لِجَهْلِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ لِلنَّكالِ وبُعْدِهِمْ عَنِ اسْتِحْقاقِ وِلايَتِهِ: ﴿وما كانَ صَلاتُهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلى الخُشُوعِ، وزادَ في التَّبْشِيعِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ البَيْتِ﴾ أيْ: فِعْلُهُمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ صَلاةً أوْ يُبَدِّلُونَها بِهِ ﴿إلا مُكاءً﴾ أيْ: صَفِيرًا يُشْبِهُ صَفِيرَ الطَّيْرِ والدُّبُرِ بِرِيحِ الحَدَثِ - مِن مَكا يَمْكُو مَكْوًا ومُكاءً - إذا صَفَّرَ بِفِيهِ أوْ شَبَّكَ أصابِعَهُ ونَفَخَ فِيها، ومَكَّتِ الشَّجَرَةُ بِرِيحِها: صَوَّتَتْ، والدُّبُرُ بِرِيحِ الحَدَثِ: صَوَّتَ - قالَ أبُو حَيّانَ: وجاءَ عَلى فُعالٍ أيْ: بِالضَّمِّ ويَكْثُرُ فُعالٌ في الأصْواتِ كالصُّراخِ. انْتَهى.
﴿وتَصْدِيَةً﴾ أيْ: وتَصْفِيقًا، كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ عُراةً ويُصَفِّرُونَ بِأفْواهِهِمْ ويُصَفِّقُونَ بِأيْدِيهِمْ مَقْصُورَةً، فَيَكُونُ تَصْوِيتُهم ذَلِكَ يُشْبِهُ الَّذِي (p-٢٧٥)رَجَّعَ الصَّوْتَ في المَكانِ الخالِي، فَهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّ صَلاتَهم لا مَعْنى لَها، وأصْلُهُ صَدَّدَ - مُضاعَفٌ - إذا أعْرَضَ ومالَ مِثْلَ التَّظَنِّي مِن ظَنَّنَ -، فَهَذا لَهْوٌ لا عِبادَةٌ وهَزْءٌ لا جَدَّ مَعَ أنَّ الأمْرَ جِدٌّ وأيُّ جِدِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] أيْ: ولا تَبْكُونَ في حالِ جِدِّكم بِدَأْبِكم في العَمَلِ الصّالِحِ، فَهَذا الَّذِي يَعْمَلُونَهُ مُنافٍ لِحالِ البَيْتِ فَهو تَخْرِيبٌ لا تَعْمِيرٌ، قالَ مُقاتِلٌ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى في المَسْجِدِ قامَ رَجُلانِ مِنَ المُشْرِكِينَ عَنْ يَمِينِهِ يُصَفِّرانِ ويُصَفِّقانِ، ورَجُلانِ كَذَلِكَ عَنْ يَسارِهِ لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِ صَلاتَهُ،» وتَقْدِيرُ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الأعْمَشِ: صَلاتَهم - بِالنَّصْبِ: وما كانَ شَيْءٌ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً صَلاتَهُمْ، فَنَفى عَمّا يَجْعَلُونَهُ صَلاةَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، فالصَّلاةُ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِما بِهَذا الِاعْتِبارِ، فَقَدْ صارَتْ بِهَذا الطَّرِيقِ بِمَعْنى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ سَواءً فَتَأمَّلْهُ؛ فَإنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا، وخُرِّجَ عَلَيْهِ الخِلافُ في آيَةِ الأنْعامِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] وغَيْرِهِ، وقَدْ مَضى هُناكَ ما يَنْفَعُ هُنا، ومِمّا يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَذُمَّهُمُ اللَّهُ لِأنَّهُ أعْلى الذَّمِّ، بَلْ ذَمَّهم لِكَوْنِهِمُ اتَّخَذُوا العِبادَةَ لَعِبًا لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلى ذَمِّ مَن أشْبَهَهم في ذَلِكَ فَعَمَدَ إلى ما هو مُباحٌ في أصْلِهِ فاتَّخَذَهُ دِينًا فَكَيْفَ إذا كانَ مَكْرُوهًا أمْ كَيْفَ إذا كانَ حَرامًا، فَقَبَّحَ اللَّهُ قَوْمًا ادَّعَوْا أنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الدُّنْيا ثُمَّ اتَّخَذُوا الطُّبُولَ والغِنى والتَّصْدِيَةَ شِعارَهم ثُمَّ ضَرَبُوا بِهِ حَتّى فَعَلُوهُ في (p-٢٧٦)المَساجِدِ وزادُوا عَلى فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ الرَّقْصَ الَّذِي ابْتَدَعَهُ قَوْمُ السّامِرِيِّ لَمّا عَبَدُوا العِجْلَ، فَأخَذُوا أنْواعًا مِن أفْعالِ أنْواعٍ مِنَ الكَفَرَةِ وجَعَلُوها عادَتَهم وشِعارَهم ودِيانَتَهُمْ، فَلَقَدِ انْتَهَكُوا حُرُماتِ الشَّرِيعَةِ وبَدَّلُوها واسْتَهانُوا بِها واسْتَرْذَلُوها.
ولَمّا كانَ مَساقُ الكَلامِ لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، وأنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنهُ وكانَ قَدْ أوْقَعَ بِهِمْ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مَبادِيهِ، وكانَتِ المُواجَهَةُ بِالتَّعْنِيفِ وقْتَ إيقاعِ ما لا يُطاقُ بِالعَدُوِّ إنْكاءً، قالَ مُسَبَّبًا عَنْ قَبِيحِ ما كانُوا يَرْتَكِبُونَهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيِ: الَّذِي تَوَعَّدَكُمُ اللَّهُ والَّذِي رَأيْتُمُوهُ بِبَدْرٍ وطَلَبْتُمُوهُ في اسْتِفْتائِكم حُكْمَ الِاسْتِهانَةِ بِهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ: إنَّكم قَدْ صِرْتُمْ بِهَذا الفِعْلِ أهْلًا لِذَوْقِهِ بِما تَسْتُرُونَ مِمّا دَلَّتْكم عَلَيْهِ عُقُولُكم مِن هَذا الحَقِّ الواضِحِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences