Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:53–64
8:53Page 184
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣
That is because Allāh would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهُ يُمْهِلُهم ولا يُعالِجُهم بِالأخْذِ قَبْلَ النِّكايَةِ (p-٣٠٥)فِي أوْلِيائِهِ وأهْلِ وِدِّهِ وأصْفِيائِهِ؟ قالَ: ”ذَلِكَ“ أيِ: الأخْذُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم غَيَّرُوا ما في أنْفُسِهِمْ، وقَدْ كانَ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَأْخُذَهم قَبْلَ أنْ يُغَيِّرُوا لِعِلْمِهِ بِما في ضَمائِرِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أجْرى سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ لِتَمامِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ بِأنَّهُ: ﴿لَمْ يَكُ﴾ هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنْ حُذِفَ اخْتِصارًا تَقْرِيبًا لِبَيانِ تَعْمِيمِ العِلَّةِ وإبْعادًا لِلسّامِعِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ، وحَذَفَ نُونَ ”يَكُنْ“ إرْشادًا إلى أنَّ هَذِهِ المَوْعِظَةَ خَلِيقَةٌ بِأنْ يُوجَزَ بِها غايَةَ الإيجازِ فَيُبادَرَ إلى إلْقائِها لِما في حُسْنِ تَلَقِّيها مِن عَظِيمِ المَنفَعَةِ؛ لِأنَّ مَن خالَفَها جَدِيرٌ بِتَعْجِيلِ الِانْتِقامِ ﴿مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ أيْ: قَلَّتْ أوْ جَلَّتْ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا نِعْمَةَ عَلى أحَدٍ إلّا مِنهُ فَقالَ: ﴿أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ أيْ: مِن أيِّ طائِفَةٍ كانُوا ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا﴾ أيْ: يُبَدِّلُوا ﴿ما﴾ يَعْتَقِدُونَهُ،
﴿بِأنْفُسِهِمْ﴾ بِغَيْرِهِ مِمّا هو غَرِيزَةٌ لَهم وهو حَفِيٌّ عَنْهُمْ، يَظُنُّونَ اتِّصافَهم بِضِدِّهِ مِمّا هو ظاهِرٌ لَهُمُ اتِّصافًا غَرِيزِيًّا ﴿وأنَّ﴾ أيْ: وبِسَبَبِ أنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ [كُلُّهُ] ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِما يُكَذِّبُونَ بِهِ الرُّسُلَ ولِأقْوالِهِمْ: إنَّ ما يُظْهِرُونَهُ وصْفَهُمُ الحَقِيقِيُّ،
﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِما تُكِنُّ ضَمائِرُهم مِن غَيْرِهِ وإنْ جَهِلُوهُ هم فَيَبْتَلِيهِمْ بِبَلاءٍ يُظْهِرُ [بِهِ] ذَلِكَ المَكْنُونَ ويُبْرِزُ بِهِ كُلَّ سِرٍّ مَصُونٍ، فَإذا تَعَلَّقَ بِهِ العِلْمُ ظاهِرًا عُلِّقَ بِهِ الحُكْمُ قاهِرًا لِتَمامِ قِيامِ الحُجَّةِ، ولِتَمامِ عِلْمِهِ بِحالِهِمْ أمْهَلَهُمْ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ مَن يَخافُ أنْ تَخِيبَ فِراسَتُهُ أوْ يَتَغَيَّرَ عِلْمُهُ، وأمّا الَّذِي عِلْمُهُ (p-٣٠٦)بِالظَّواهِرِ والضَّمائِرِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ فالحالَتانِ عِنْدَهُ سِيّانِ، فَهو يُمْهِلُ لِإتْمامِ الحِكْمَةِ ولا يُهْمِلُ مَنِ اسْتَحَقَّ النِّقْمَةَ، وذَلِكَ التَّغْيِيرُ الَّذِي أظْهَرَهُ البَلاءُ هو التَّكْذِيبُ بِالحَقِّ عِنادًا والبُعْدُ عَمّا كانُوا يَدَّعُونَهُ مِنَ العَدْلِ والمَشْيِ عَلى مَناهِيجِ العَقْلِ والِاسْتِحْياءِ مِنَ العِنادِ، والتَّنَزُّهِ مِن طُرُقِ الفَسادِ، هَكَذا كانَتْ كُلُّ أُمَّةٍ أُرْسِلَتْ إلَيْها الرُّسُلُ تَدَّعِي وما عِنْدَها مِن خِلافِ ذَلِكَ مَسْتُورٌ في ضَمائِرِها مَكْنُونٌ في سَرائِرِها، لا تَعْلَمُهُ كَما تُشاهِدُ أكْثَرَ مَن تُعاشِرُهُ، يَظُنُّ في نَفْسِهِ ما لَيْسَ فِيها، وعِنْدَ الِامْتِحانِ يُكَذِّبُهُ العِيانُ، فَلَمّا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ وأوْضَحُوا لَهُمُ الأمْرَ إيضاحًا لَيْسَ مَعَهُ لَبْسٌ فَكَذَّبُوهُمْ، غَيَّرُوا ما كانَ في نُفُوسِهِمْ مِمّا كانُوا يَزْعُمُونَ؛
8:54Page 184
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٥٤
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.
ثُمَّ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ فَإنَّهم أتْباعُهُ فَلا يُخَيَّلُ أنَّهم يَفْعَلُونَ شَيْئًا إلّا وهو قائِدُهم فِيهِ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ لِدَقِيقَةٍ؛ وهي أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ [ما] مِن أُمَّةٍ إلّا ابْتُلِيَتْ بِالضَّرّاءِ والسَّرّاءِ، فالأُولى يَنْظُرُ إلَيْها مَقامُ الإلَهِيَّةِ النّاظِرُ إلى العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ، والثّانِيَةُ ثَمَرَةُ مَقامِ الرُّبُوبِيَّةِ النّاشِئِ عَنْهُ التَّوَدُّدُ والرَّحْمَةُ والرَّأفَةُ والإكْرامُ؛ لِذا عَبَّرَ في الأُولى بِاسْمِ الذّاتِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ الَّذِي لَفْظُهُ - عِنْدَ مَن يَقُولُ بِاشْتِقاقِهِ - مَوْضُوعٌ لِمَعْنى الإلَهِيَّةِ إشارَةً إلى أنَّهم أعْرَضُوا في حالِ الضَّرّاءِ عَنِ التَّصْدِيقِ وعامَلُوا بِالتَّجَلُّدِ والإصْرارِ، ولِذا عَبَّرَ في هَذِهِ الثّانِيَةِ بِاسْمِ الرَّبِّ فَقالَ: ﴿كَذَّبُوا﴾ أيْ: (p-٣٠٧)عِنادًا زِيادَةً عَلى تَغْطِيَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ بِالتَّكْذِيبِ بِالنَّقْلِ،
﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ فَأشارَ بِذَلِكَ إلى بَطَرِهِمْ بِالنِّعَمِ وتَكْذِيبِهِمْ أنَّها بِسَبَبِ دُعاءِ الرُّسُلِ.
ولَمّا أشارَ بِالتَّعْبِيرِ بِهِ إلى أنَّهُ غَرَّهم مُعامَلَتُهُ بِالعَطْفِ والإحْسانِ، قالَ: ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ: جَمِيعًا،
﴿بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا﴾ فَأتى بِنُونِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ أتاهم بِما أنْساهم ذَلِكَ البَرَّ،
﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وإشارَةً إلى أنَّهم نَسُوا أنَّ الرَّبَّ كَما أنَّهُ يَتَّصِفُ بِالرَّحْمَةِ فَلا بُدَّ أنْ يَتَّصِفَ بِالعَظَمَةِ والنِّقْمَةِ وإلّا لَمْ تَتِمَّ رُبُوبِيَّتُهُ، وهَذا واضِحٌ مِمّا تَقَدَّمَ في الأعْرافِ عَنِ التَّوْراةِ في شَرْحِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] إلى آخِرِها، مِن أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَسْألُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ كُلِّ نازِلَةٍ الدُّعاءَ بِرَفْعِها مُعْتَلًّا بِأنَّ الرَّبَّ ذُو حِلْمٍ وأناةٍ [و] رَحْمَةٍ، وقَدَّمَ الأُولى إشارَةً إلى أنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ في الجُرْأةِ، والتَّعْبِيرُ فِيها بِ: ”كَفَرُوا“ يُؤَيِّدُ لِذَلِكَ، أيْ: أنَّ مُجَرَّدَ السَّتْرِ لِلْآياتِ بِالإعْراضِ عَنْها كافٍ في إيجابِ الِانْتِقامِ ولَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَكْذِيبٍ لِعِظَمِ المَقامِ، ومادَّةُ كَفَرَ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الخَلْطَةِ المُمِيلَةِ المُحِيلَةِ، وبِخُصُوصِ هَذا التَّرْتِيبِ تَدُورُ عَلى السَّتْرِ، أيْ: غَطَّوُا التَّصْدِيقَ بِآياتِ رَبِّهِمْ، ويَجُوزُ – وهو الأحْسَنُ - أنْ يَكُونَ دَوَرانُها - مُطْلَقًا لا بِقَيْدِ تَرْتِيبٍ - عَلى الفِكْرِ، وهو إرْسالُ عَيْنِ البَصِيرَةِ في طَلَبِ أمْرٍ ويَلْزَمُهُ (p-٣٠٨)الكَشْفُ والسَّتْرُ لِأنَّهُ تارَةً يَرْفَعُ أذْيالَ الشُّبَهِ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ فَيَنْجَلِي ويَتَحَقَّقُ، وتارَةً يُسَلِّطُ قَواطِعَ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ فَيَنْعَدِمُ ويَتَمَحَّقُ، ورُبَّما أرْخى أذْيالَ الشُّبَهِ عَلَيْهِ فَأخْفى بَعْدَ أنْ كانَ جَلِيًّا كَما كانَ شَمَّرَها عَنْهُ فَألْقى وقَدْ كانَ خَفِيًّا.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهَلاكِهِمْ، أخْبَرَ بِالوَصْفِ الجامِعِ لَهم بِالهَلاكِ فَقالَ: ﴿وكُلٌّ﴾ أيْ مِن هَؤُلاءِ ومَن تَقَدَّمَهم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهُمْ،
﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿ظالِمِينَ﴾ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ واضِعِينَ الآياتِ في غَيْرِ مَواضِعِها وهم يَظُنُّونَ بِأنْفُسِهِمُ العَدْلَ؛
8:55Page 184
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥
Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe-
ثُمَّ عَلَّلَ اتِّصافَهم بِالظُّلْمِ أوِ اسْتَأْنَفَ بَيانًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيْ: ظَلَمُوا لِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمُ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ. وشَرُّ الدَّوابِّ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِ الحَكَمِ العَدْلِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ وفي عِلْمِهِ،
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ، أيْ: حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِلُزُومِ الكُفْرِ لِما رُكِّبَ فِيهِمْ مِن فَسادِ الأمْزِجَةِ لِعَدَمِ المُلاءَمَةِ لِلْخَيْرِ، فَكانُوا بِذَلِكَ قَدْ نَزَلُوا عَنْ رُتْبَةِ الإنْسانِ إلى رُتْبَةِ مُطْلَقِ الحَيَوانِ، ثُمَّ إلى دَرَكَةِ الحَشَراتِ والدِّيدانِ بَلِ العُجْلانِ؛ لِأنَّ شَرَّ النّاسِ الكُفّارُ، وشَرَّ الكُفّارِ المُصِرُّونَ مِنهُمْ، وشَرَّ المُصِرِّينَ النّاكِثُونَ لِلْعُهُودِ ”فَهُمْ“ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ يَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ لِما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ فِيهِمْ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِما أتاهم مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَمَحَقَتْهم صِفَةُ الإلَهِيَّةِ، (p-٣٠٩)ولَعَلَّهُ إنَّما خَصَّ آلَ فِرْعَوْنَ تَذْكِيرًا - لِأكْثَرِ مَن كانَ يَقُولُ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩] وهُمُ اليَهُودُ - بِأنَّهم كانُوا بِالنِّسْبَةِ إلى فِرْعَوْنَ وآلِهِ أضْعَفَ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى قُرَيْشٍ وأتْباعِهِمْ، فَإنَّ اليَهُودَ مَعَ قِلَّتِهِمْ عِنْدَهم كانُوا قَدْ دانُوا لَهم بِذُلِّ العَبِيدِ لِمَوالِيهِمْ بَلْ أعْظَمَ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهم نُصِرُوا عَلَيْهِمْ لَمّا كانَ اللَّهُ مَعَهُمْ، وإعْلامًا لَهم بِأنَّهُمُ الآنَ كَآلِ فِرْعَوْنَ في العِنادِ مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ القِلَّةِ والذِّلَّةِ، فَقَدْ جَمَعُوا مِن كُلِّ قَوْمٍ أخَسَّ صِفاتِهِمْ وأرْدَأ حالاتِهِمْ، ولِذَلِكَ أبْدَلَ مِن عُمُومِ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“:
8:56Page 184
ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦
The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allāh.
﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ وهُمُ اليَهُودُ بِلا شَكٍّ، إمّا بَنُو قَيْنُقاعَ أوِ النَّضِيرُ أوْ قُرَيْظَةُ أوِ الجَمِيعُ بِحَسْبِ التَّوْزِيعِ، فَكُلٌّ مِنهم نَقَضَ ما كانَ أخَذَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ العُهُودِ، وأخْلَفَ ما كانَ أكَّدَهُ مِنَ الوُعُودِ.
ولَمّا كانَ العَهْدُ جَدِيرًا بِالوَفاءِ ولا سِيَّما مِنَ العُلَماءِ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ نَقْضَهُ كُلَّما لاحَ لَهم خُلَّبُ بَرْقٍ أوْ زَوْرُ بَطَلٍ يُغِيرُ في وجْهِ الحَقِّ؛ ثُمَّ عَظَّمَ الشَّناعَةَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى رِضاهم مِن رُتْبَةِ الشَّرَفِ العَلِيَّةِ القَدْرِ وهَدَّةِ السَّفَهِ والسَّرَفِ بِعَدَمِ الخَوْفِ مِن عاقِبَةِ الغَدْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَتَّقُونَ﴾ أيِ النّاسَ في الذَّمِّ لَهم عَلى ذَلِكَ ولا اللَّهَ في الدُّنْيا بِأنْ يُمْكِنَ مِنهُمْ، ولا في الآخِرَةِ بِأنْ يُخْزِيَهم ثُمَّ يُرْكِسَهم بَعْدَ المُناداةِ بِالعارِ في النّارِ.
8:57Page 184
فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٥٧
So if you, [O Muḥammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.1
(p-٣١٠)ولَمّا أيْأسَهُ مِن تَقْواهم بِما اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِن تَكْرِيرِ النَّقْضِ النّاشِئِ عَنْ غايَةِ الحَسَدِ وصَلابَةِ الرِّقابِ وقَساوَةِ القُلُوبِ والقَساوَةِ عَلى الكُفْرِ، أمَرَهُ بِما يُوهِنُ قُواهم ويَحِلُّ عُراهم مِن إلْباسِ اليَأْسِ بِإنْزالِ البَأْسِ كَما جَرَتْ عادَتُهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُوصِيهِ بِالرِّفْقِ بِبَعْضِ النّاسِ لِعِلْمِهِ أنَّ عَمَلَهُ يَزْكُو لِبُنْيانِهِ عَلى أحْسَنِ أساسٍ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ ﷺ مِن مَحَبَّةِ الرِّفْقِ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ أيْ: تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ بِهِمْ،
﴿فِي الحَرْبِ﴾ أيِ: الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُحْرَبَ فِيها المُبْطِلُ، ويَرْبَحَ المُحِقُّ المُجْمَلُ،
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: فَنَكِّلْ بِهِمْ تَنْكِيلًا يُصَدِّعُ ويُفَرِّقُ عَنْ مُحارَبَتِكَ مَن وراءَهم مِمَّنْ هو عَلى مِثْلِ رَأْيِهِمْ في المُنافَرَةِ لَكَ ولا تَتْرُكَنَّهم أصْلًا؛ لِأنَّ أتْباعَكَ أمْهَرُ مِنهم وأحْذَقُ، فَهم لِذَلِكَ أثْبَتُ وأمْكَنُ، فَإذا أوْقَعْتَ بِهِمْ ذَلِكَ لَمْ يَجْسُرْ عَلَيْكَ أحَدٌ بَعْدَهُ اتِّعاظًا بِهِمْ واعْتِبارًا بِحالِهِمْ؛ ومادَّةُ شَرَدَ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى النُّفُوذِ، فَإنْ كانَ عَلى قَصْدٍ وسَنَنٍ فَهو رُشْدٌ ويَلْزَمُهُ الِاجْتِماعُ، وإنْ كانَ عَلى غَيْرِ سَنَنٍ وجامِعِ اسْتِقامَةٍ فَهو شُرُودٌ، ودَرْشَةٌ، أيْ: لَجاجَةٌ ويَلْزَمُهُ التَّفَرُّقُ؛ قالَ ابْنُ فارِسٍ: شَرَدَ البَعِيرُ شُرُودًا وشَرَدْتُ بِهِ تَشْرِيدًا، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ فالمُرادُ نَكِّلْ بِهِمْ (p-٣١١)وسَمِّعْ، قالَ القَزّازُ: شَرَّدْتُ الرَّجُلَ تَشْرِيدًا - إذا طَرَدْتَهُ، وشَرَّدْتَ بِهِ - إذا سَمَّعْتَ بِهِ وذَكَرْتَ عُيُوبَهُ لِلنّاسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ أيِ: اجْعَلْهم مُطَرَّدِينَ. انْتَهى.
فالمُرادُ: المُبالَغَةُ في الإيقاعِ بِهِمْ لِأنَّهم إذا ضُرِبُوا ضَرْبَةً تَفَرَّقُوا فِيها عَلى غَيْرِ وجْهٍ ولا انْتِظامِ عِلْمِ مَن شَرَدُوا إلَيْهِ مِمَّنْ وراءَهم أنَّهُ قَدْ تَناهى بِهِمُ الذُّعْرُ فَذُعِرَ هو فَوَقَعَ في الشُّرُودِ قُوَّةً أوْ فِعْلًا، فَعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَ ”مِن“ حَرْفَ جَرٍّ يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أوْقِعْ - بِما تَفْعَلُ بِهَؤُلاءِ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ - التَّشْرِيدَ في المَكانِ الَّذِي خَلْفَهم بِشُرُودِ مَن فِيهِ قُوَّةً أوْ فِعْلًا بِما سَمِعُوا أوْ رَأوْا مِن حالِ هَؤُلاءِ حِينَ واجَهُوكَ لِلْقِتالِ، وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَها اسْمًا مَوْصُولًا تَكُونُ هي المَفْعُولَ، فالمَعْنى: شَرِّدِ الَّذِينَ خَلْفَهم مِن أماكِنِهِمْ إمّا بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ بِأنْ تَفْتَرِقَ قُلُوبُهم بِما تَفْعَلُ بِهَؤُلاءِ فَتَصِيرُ - بِما تَرى مِن قَبِيحِ حالِهِمْ - قابِلَةً لِلشُّرُودِ، ويَكُونُ اخْتِلافُ المَعْنى بِالتَّبْعِيضِ في جَعْلِ ”مِن“ حَرْفَ جَرٍّ والتَّعْمِيمِ في جَعْلِها مَوْصُولًا بِالنَّظَرِ إلى القُوَّةِ أوِ الفِعْلِ.
ولَمّا ذَكَرَ الحُكْمَ، ذَكَرَ ثَمَرَتَهُ بِأداةِ التَّرَجِّي إدارَةً لَهُ عَلى الرَّجاءِ فَقالَ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيِ: المُشَرَّدِينَ والمُشَرَّدَ بِهِمْ ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ ما سَبَقَ مِن أيّامِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهَؤُلاءِ رِجالُهُ، فَيَنْفَعُهم ذَلِكَ فَلا يَنْقُضُوا عَهْدًا بَعْدَهُ، ولَقَدْ فَعَلَ بِهِمْ ﷺ ذَلِكَ فَإنَّهم إنْ كانُوا بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَدْ ضَرَبَهم ﷺ ضَرْبَةً لَمْ يُفْلِتْ مِنهم مُخْبِرٌ، بَلْ (p-٣١٢)ضَرَبَ أعْناقَهم في حَفائِرَ في سُوقِ المَدِينَةِ وكانُوا نَحْوَ سَبْعِمِائَةٍ عَلى دَمٍ واحِدٍ. إلّا مَن أسْلَمَ مِنهم وهم يَسِيرٌ، وسَبى ذَرارِيَّهم ونِساءَهم وغَنِمَ أمْوالَهُمْ، وإنْ كانُوا قَيْنُقاعَ فَقَدْ نَزَلَ بِساحَتِهِمْ بَعْدَ نَقْضِهِمْ وإظْهارِهِمْ غايَةُ الِاسْتِخْفافِ والعِنادِ فَلَمْ يَكْبِتْهُمُ اللَّهُ أنْ جَعَلَهم في قَبْضَتِهِ وما بَقِيَ إلّا ضَرْبُ أعْناقِهِمْ كَما وقَعَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ فَسَألَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ المُنافِقُ وألَحَّ عَلَيْهِ ﷺ في أمْرِهِمْ وكانَ يَأْلَفُهُ ويَتَألَّفُ بِهِ فَتَرَكَهم لَهُ ﷺ وأجْلاهم مِنَ المَدِينَةِ، وكانَتْ واقِعَتُهم أوَّلَ وقائِعِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، وإنْ كانُوا بَنِي النَّضِيرِ فَقَدْ نَقَضُوا أيْضًا فَأحاطَ بِهِمْ، ومَنّاهُمُ المُنافِقُونَ الغُرُورَ فَقَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ فَسَألُوهُ ﷺ أنْ يُجْلِيَهم ويَكُفَّ عَنْ دِمائِهِمْ فَفَعَلَ، ثُمَّ أتَمَّ اللَّهُ لَهُ الأمْرَ فِيهِمْ في خَيْبَرَ ووادِي القُرى وغَيْرِهِما إلى أنْ لَمْ يَدَعْ مِنهم في جَزِيرَةِ العَرَبِ فَرِيقًا إلّا ضَرَبَهُ بِالذُّلِّ وأجْرى عَلَيْهِ الهَوانَ والصَّغارَ، ووَقائِعُهُ فِيهِمْ مَشْهُورَةُ الخَبَرِ مَعْرُوفَةٌ في السِّيَرِ.
8:58Page 184
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٨
If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms.1 Indeed, Allāh does not like traitors.
ولَمّا أمَرَهُ بِما يَفْعَلُ بِمَن تَحَقَّقَ نَقْضُهُ، أرْشَدَهُ إلى ما يَفْعَلُ بِمَن خافَ غَدْرَهُ فَقالَ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ﴾ وأكَّدَهُ إشارَةً إلى ظُهُورِ القَرائِنِ ووُضُوحِ الأماراتِ ﴿مِن قَوْمٍ﴾ أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ، بَيْنَكَ وبَيْنَهم عَهْدٌ ﴿خِيانَةً﴾ أيْ: في ذَلِكَ العَهْدِ ﴿فانْبِذْ﴾ أيِ: اطْرَحْ طَرْحَ مُسْتَهِينٍ مُحْتَقِرٍ ﴿إلَيْهِمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَهْدَ نَبْذًا كائِنًا ﴿عَلى سَواءٍ﴾ أيْ: أمْرٍ مُسْتَوٍ في العِلْمِ بِزَوالِهِ بَيْنَكم وبَيْنَهم وعَدْلٍ ونَصَفَةٍ ولا تُناجِزُوهم وهم عَلى تَوَهُّمٍ مِن بَقاءِ (p-٣١٣)العَهْدِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنْ يَكُونُوا عَلى غايَةِ الحَذَرِ والفَحْصِ عَنْ أخْبارِ العَدُوِّ بِحَيْثُ لا يَتْرُكُونَهُ إلى أنْ يَنْقُضَ ثُمَّ يَعْلَمُونَ مَيْلَهُ إلى النَّقْضِ فَيَنْبِذُونَ إلَيْهِ عَهِدَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أرْدَعُ لَهُ، فَهو أدْعى إلى السِّلْمِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ جَوازَ النَّبْذِ ووُجُوبَ النَّصَفَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ أيْ: لا يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ المُحِبِّ لا مِنكم ولا مِن غَيْرِكم.
8:59Page 184
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩
And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allāh].
ولَمّا كانَ نَبْذُ العَهْدِ مَظِنَّةَ الخَوْفِ مِن تَكْثِيرِ العَدُوِّ وإيقاظِهِ، وكانَ الإيقاعُ أوْلى بِالخَوْفِ، أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ ما يَجْرِي عَلَيْهِ ويُسَلِّي عَنْ فَوْتِ مَن هَرَبَ مِنَ الكُفّارِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ فَلَمْ يُقْتَلْ ولَمْ يُؤْسَرْ فَقالَ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ﴾ بِالياءِ غَيْبًا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ، أيْ: أحَدٌ مِن أتْباعِكَ [فِي وقْتٍ] مِنَ الأوْقاتِ، ووَجْهُ قِراءَةِ الباقِينَ بِالخِطابِ أنَّ أمْرَ الرَّئِيسِ ونَهْيَهُ أوْقَعُ في نُفُوسِ الأتْباعِ وأدْعى لَهم إلى السَّماعِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: عامَّةُ مَن نَبَذَ ومَن لَمْ يَنْبِذْ ﴿سَبَقُوا﴾ أيْ: وقَعَ لَهُمُ السَّبْقُ، وهو الظَّفَرُ في وقْتٍ ما، فَإنَّهم لَمْ يَفُوتُوا شَيْئًا مِن أوامِرِنا؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ أيْ: [لا] يَفُوتُونَ شَيْئًا مِمّا يَزِيدُ تَسْلِيطَهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَغُرَّنَّكَ عُلُوُّهم وكَثْرَتُهم وجَرْيُ كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ عَلى مُرادِهِمْ فَكُلُّ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِنا، ولا يَخْرُجُ (p-٣١٤)شَيْءٌ عَنْ مُرادِنا، ولا بُدَّ أنْ نُهْلِكَهُمْ؛ فَإنَّهم في قَبْضَتِنا، لَمْ يَخْرُجُوا مِنها ولا يَخْرُجُونَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُفُوتُوها فاصْبِرْ.
8:60Page 184
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠
And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war1 by which you may terrify the enemy of Allāh and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allāh knows. And whatever you spend in the cause of Allāh will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أدّى إلى تَرْكِ المُناصَبَةِ والمُحارَبَةِ والمُغالَبَةِ اعْتِمادًا عَلى الوَعْدِ الصّادِقِ المُؤَيَّدِ بِما وقَعَ لَهم في بَدْرٍ مِن عَظِيمِ النَّصْرِ مَعَ نَقْصِ دَعْوى العِدَّةِ والعُدَّةِ، أتْبَعَهُ ما يُبَيِّنُ أنَّ اللّازِمَ رَبْطُ الأسْبابِ بِمُسَبِّباتِها، ولِيَتَبَيَّنَ الصّادِقُ في دَعْوى الإيمانِ مِن غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿وأعِدُّوا لَهُمْ﴾ أيْ: لِلْأعْداءِ،
﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ: دَخَلَ في طاعَتِكم وكانَ بِقُوَّةِ جُهْدِكم تَحْتَ مَقْدُورِكم وطاقَتِكُمْ،
﴿مِن قُوَّةٍ﴾ أيَّ قُوَّةٍ كانَتْ، وفَسَّرَها النَّبِيُّ ﷺ بِالرَّمْيِ إشارَةً إلى أنَّهُ أعْظَمُ عُدَدِهِ عَلى نَحْوِ «الحَجُّ عَرَفَةُ» وفي أمْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ إيماءً إلى بابٍ مِنَ الِامْتِنانِ بِالنَّصْرِ في بَدْرٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ مَعَهم فِيهِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، والرِّباطُ هو الخَيْلُ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ الخُمْسُ مِنها فَما فَوْقَها، وخَصَّها مَعَ دُخُولِها فِيما قَبْلُ إشارَةً إلى عَظِيمِ غِنائِها، والرِّباطُ أيْضًا مُلازَمَةٌ تَغُرُّ العَدُوَّ ورَبْطُ الخَيْلِ بِهِ إعْدادًا لِلْعَدُوِّ؛ ثُمَّ أجابَ مَن كَأنَّهُ قالَ: لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ وما النَّصْرُ إلّا بِيَدِكَ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿تُرْهِبُونَ﴾ أيْ: تُخَوِّفُونَ تَخْوِيفًا عَظِيمًا باهِرًا يُؤَدِّي إلى الهَرَبِ عَلى ما أجْرَيْتُ مِنَ العَوائِدِ ”بِهِ“ أيْ: بِذَلِكَ الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ مِنَ المُسْتَطاعِ أوْ مِنَ الرِّباطِ ﴿عَدُوَّ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْلى ﴿وعَدُوَّكُمْ﴾ أيِ: المُجاهِدِينَ، والألْيَقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ﴾ أيْ: وتُرْهِبُونَ بِذَلِكَ آخَرِينَ ﴿مِن دُونِهِمْ﴾ - أيْ: يُحْمَلُ عَلى المُنافِقِينَ (p-٣١٥)لِوَصْفِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] ولِأنَّهم لا يَكُونُونَ دُونَهم إلّا إذا لَمْ يَكُونُوا في العَداوَةِ مِثْلَهُمْ، وكُلُّ مَن فُرِضَ غَيْرَ المُنافِقِينَ مُظْهِرُونَ [لِلْعَداوَةِ، وأمّا المُنافِقُونَ فَإنَّهم مُدَّعُونَ بِإظْهارِ الإسْلامِ أنَّهُمْ] أوْلِياءُ لا أعْداءُ ”اللَّهِ“ أيِ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿يَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: فَهو يَكْفِيكم ما يُظَنُّ مِن أمْرِهِمْ، ولَيْسَ عَلَيْكم إلّا الجُهْدُ بِحَسْبِ ما تَعْلَمُونَ، والآيَةُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَقَدَّمَها مِن بابِ: ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“ والمَعْنى: لا تَظُنُّوا أنَّ الكُفّارُ فاتُونا وأفْلَتُوا مِن عَذابِنا بِامْتِناعِهِمْ مِنكم فَإنَّهم في قَبْضَتِنا أيْنَما تَوَجَّهُوا وحَيْثُما حَلُّوا فَسَوْفَ نُهْلِكُهم ولا يُعْجِزُونَنا، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَحْمِلَنَّكُمُ الِاتِّكالُ عَلى قُوَّتِنا عَلى تَرْكِ أسْبابِ مُغالَبَتِهِمْ بِما أعْطَيْناكم مِنَ القُوى بَلِ ابْذُلُوا جُهْدَكم وطاقَتَكم في إعْدادِ مَكايِدِ الحَرْبِ وما يَتَعَلَّقُ بِالرَّمْيِ مِنَ القُوَّةِ وبِالخَيْلِ مِنَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ والفُرُوسِيَّةِ لِنُلْقِيَ بِذَلِكَ رُعْبَكم في قُلُوبِ عَدُوِّكُمُ القَرِيبِ والبَعِيدِ مَن تَعْلَمُونَهُ مِنهم ومَن لا تَعْلَمُونَهُ.
ولَمّا كانَ أغْلَبُ مَعانِي هَذِهِ الآيَةَ الإنْفاقَ؛ لِأنَّ مَبْنى إعْدادِ القُوَّةِ (p-٣١٦)عَلَيْهِ، رَغَّبَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الأشْياءِ وإنْ قَلَّ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ مَن لَهُ صِفاتُ الكَمالِ مِنَ الجِهادِ وغَيْرِهِ ﴿يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: أجْرُهُ كامِلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْفى ما يَكُونُ مُضاعَفًا أحْوَجَ ما تَكُونُونَ إلَيْهِ ﴿وأنْتُمْ لا﴾
ولَمّا كانَ المَخُوفُ مُطْلَقَ النَّقْصِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿تُظْلَمُونَ﴾ أيْ: [لا] تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنهُ، وأمّا الزِّيادَةُ فَلا بُدَّ مِنها وهي عَلى قَدْرِ النِّيَّةِ.
8:61Page 184
۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦١
And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.
ولَمّا كانَ ضَمانُ النَّصْرِ والحَلِفِ في النَّفَقَةِ مُوجِبًا لِدَوامِ المُصادَمَةِ والبُعْدِ مِنَ المُسالَمَةِ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: أمْرًا بِالِاقْتِصادِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا﴾ أيْ: مالُوا وأقْبَلُوا في نَشاطٍ وطَلَبٍ حازِمٍ ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أيِ: المُصالَحَةِ، والتَّعْبِيرُ بِاللّامِ دُونَ ”إلى“ لا يَخْلُو عَنْ إيماءٍ إلى التَّهالُكِ عَلى ذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ صِدْقُ المَيْلِ ﴿فاجْنَحْ﴾ ولَمّا كانَ السَّلْمُ مُذَكَّرًا يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ، قالَ: ﴿لَها﴾ أيِ: المُصالَحَةِ، أوْ يَكُونُ تَأْنِيثُهُ بِتَأْنِيثِ ضِدِّهِ الحَرْبِ، وكَأنَّهُ اخْتِيرَ التَّأْنِيثُ إشارَةً إلى أنَّهُ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى أقَلَّ ما يُمْكِنُ مِنَ المُدَّةِ بِحَسْبِ الحاجَةِ، هَذا إذا كانَ الصَّلاحُ لِلْمُسْلِمِينَ في ذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ بِهِمْ ضَعْفٌ، وأقْصى مُدَّةَ الجَوازِ عَشْرُ سِنِينَ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا تَجُوزُ الزِّيادَةُ. (p-٣١٧)ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ قَدْ عُهِدَ مِنهم مَنِ الخِداعِ ما أعْلَمَ أنَّهم مَطْبُوعُونَ مِنهُ عَلى ما لا يُؤْمِنُونَ مَعَهُ فَمُسالَمَتُهم خَطَرٌ بِغَيْرِ نَفْعٍ، لَوَّحَ إلى ما يُنافِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ فِيما تَعْهَدُهُ مِن خِداعِهِمْ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ أمْرَهُ ويَجْعَلُهُ سَبَبًا لِدَمارِهِمْ كَما وقَعَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ فَإنَّ غَدْرَهم فِيهِ كانَ سَبَبَ الفَتْحِ، وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ في هَذا وأمْثالِهِ مُعْلِمٌ بِأنَّهُ يَفْعَلُ مَعَ المُتَوَكِّلِ فِعْلَ الحامِلِ لِما وُكِلَ إلَيْهِ المُطِيقِ لِحَمْلِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّوَكُّلِ الَّذِي مَعْناهُ عَدَمُ الخَوْفِ مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيِ: البالِغُ السَّمْعِ، فَهو يَسْمَعُ كُلَّ ما أبْرَمُوهُ في ذَلِكَ وغَيْرَهُ سِرًّا كَما يَسْمَعُهُ عَلانِيَةً ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ: البالِغُ العِلْمِ وحْدَهُ فَهو يَعْلَمُ كُلَّ ما أخْفَوْهُ كَما أنَّهُ يَعْلَمُ ما أعْلَنُوهُ؛
8:62Page 185
وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢
But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allāh. It is He who supported you with His help and with the believers
ثُمَّ صَرَّحَ بِالِاسْتِهانَةِ بِكَيْدِهِمْ فَقالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ أيِ: الكُفّارُ ﴿أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ أيْ: بِما يُوقِعُونَ مِنَ الصُّلْحِ أوْ بِغَيْرِهِ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ﴾ أيْ: كافِيكَ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ العِزِّ كُلُّها، ثُمَّ عَلَّلَ كِفايَتَهُ أوِ اسْتَأْنَفَ بَيانَها بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أيْ: إذْ كُنْتَ وحْدَكَ ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ الَّتِي كانَتِ العادَةُ قاضِيَةً فِيها بِأنَّ مَن مَعَكَ لا يَقُومُونَ لِلْكُفّارِ فُواقَ ناقَةٍ، ولَعَلَّ هَذا تَذْكِيرٌ بِما كانَ مِنَ الحالِ في أوَّلِ الإسْلامِ، أيْ: إنَّ الَّذِي (p-٣١٨)أرْسَلَكَ مَعَ وحْدَتِكَ في مَكَّةَ بَيْنَ جَمِيعِ الكُفّارِ وغُرْبَتِكَ فِيهِمْ - وإنْ كانُوا بَنِي عَمِّكَ - بِسَبَبِ دَعْوَتِكَ إلى هَذا الدِّينِ وعُلُوِّكَ عَنْ أحْوالِهِمُ البَهِيمِيَّةِ إلى الأخْلاقِ المَلَكِيَّةِ، هو الَّذِي قَوّاكَ وحْدَهُ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ حَتّى لَمْ يَقْدِرُوا عَلى أذًى يَرُدُّكَ عَنِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ مَعَ نَصْبِ جَمِيعِهِمْ لَكَ ولِمُتَّبِعِيكَ شِباكَ الغَدْرِ ومَدِّهِمْ إلَيْكم أيْدِي الكَيْدِ ثُمَّ سَلَّكم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ كَما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في مَنعِكم مِن ذَلِكَ، وأيَّدَكم بِالأنْصارِ وجَمَعَ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ بَعْدَ شَدِيدِ العَداوَةِ
8:63Page 185
وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣
And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allāh brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.
﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ بَعْدَ غايَةِ التَّباغُضِ، فَصارَ البَعِيدُ مِنهم قَرِيبًا والبَغِيضُ حَبِيبًا والعَدُوُّ صَدِيقًا، وكانُوا عَلى قَلْبٍ واحِدٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِما دَلَّ عَلى تَعَذُّرِ أُلْفَتِهِمْ لَوْلا هو فَقالَ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ﴾ أيْ: وأنْتَ أتْقَنُ الخَلْقَ لِما تَصْنَعُهُ ﴿ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: في إرادَةِ ذَلِكَ ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: وهو الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [ثُمَّ] عَلَّلَ [نُفُوذَ] فِعْلِهِ وأمْرِهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لَوْلا عِزَّتُهُ الَّتِي تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُها شَيْءٌ وحِكْمَتُهُ الَّتِي يُتْقِنُ بِها ما أرادَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنهُ لَمّا تَألَّفُوا بَعْدَ أنْ كانَ قَبْلُ كُلُّ أحَدٍ مِن فَرِيقَيْهِمْ لِلْآخَرِ أشْهى مِن لَذِيذِ الحَياةِ وصافِي العَيْشِ لِما بَيْنَهم مِنَ الإحَنِ الَّتِي لا تَزالُ تَثُورُ فَتَغْلِي لَها الصُّدُورُ حَتّى تَفُورَ بِقَتْلِ الأحْبابِ مِنَ الوالِدَيْنِ والأوْلادِ والقَهْرِ بِأنْواعِ الأذى مَعَ (p-٣١٩)المُجاوَرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِدَوامِ التَّحاسُدِ وإثارَةِ الضَّغائِنِ، وكَذا فَعَلَ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ العَرَبِ بَعْدَما كانَ بَيْنَهم مِنَ القَتْلِ المُنْتَشِرِ مَعَ ما لَهم مِنَ الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ الحامِلَةِ عَلى الِانْتِقامِ.
والَّذِي أمَدَّكَ بِهَذِهِ الألْطافِ حَيٌّ لا يَمُوتُ باقٍ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، فَهو الكَفِيلُ بِحِراسَتِكَ مِمَّنْ يُرِيدُ خِداعَكَ، فَإذا أمَرَكم بِأمْرٍ فامْتَثِلُوهُ غَيْرَ مُفَكِّرِينَ في عاقِبَتِهِ، فَإنَّهُ قَدْ بَيَّنَهُ بِعِزَّتِهِ وأتْقَنَهُ بِحِكْمَتِهِ وسَتَعْلَمُونَ.
8:64Page 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٤
O Prophet, sufficient for you is Allāh and for whoever follows you of the believers.
ولَمّا صَرَّحَ بِأنَّ اللَّهَ كافِيهِ، وكانَتْ كِفايَةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أعْظَمَ المَقاصِدِ، التَفَتَتِ الأنْفُسُ إلى أنَّهُ هَلْ يَكْفِيهِ مُطْلَقًا أوْ هو فَعَلَ مَعَ المُؤْمِنِينَ أيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ، فَأتْبَعَها بِقَوْلِهِ: مُعَبِّرًا بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ الَّذِي مَعْناهُ الرِّفْعَةُ والِاطِّلاعُ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَلى ما لا يَعْلَمُهُ العِبادُ؛ لِأنَّهُ في سِياقِ الإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ والتَّصَرُّفِ في المَلَكُوتِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ أيِ: العالِي القَدْرِ الَّذِي نُعْلِمُهُ بِعَواقِبِ أُمُورِهِ ﴿حَسْبُكَ﴾ أيْ: كافِيكَ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿ومَنِ﴾ أيْ: مَعَ مَن ﴿اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعِيَّةُ مِن ضَمِيرِهِ ﷺ فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ مَكْفِيِّينَ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الجَلالَةِ فَيَكُونُوا كافِينَ، حَتّى يَكُونَ المَعْنى: فَهو كافِيهِمْ أيْضًا وهم كافُوكَ؛ لِأنَّهُ مَعَهُمْ، وساقَ سُبْحانَهُ هَذا هَكَذا تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وجَبْرًا لِخَواطِرِهِمْ وبِالمَعْنى الثّانِي: لِتَضَمُّنِهِ الأوَّلِ وزِيادَتِهِ عَلَيْهِ - قالَ ابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: (p-٣٢٠)حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُكَ مَنِ اتَّبَعَكَ، وساقَها سُبْحانَهُ عَلى وجْهٍ مُكَرَّرٍ لِكِفايَةِ نَبِيِّهِ ﷺ مُحْتَمِلٌ لِأنَّ فِيمَن كانَ عَلى اتِّباعِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كِفايَةٌ لِئَلّا يَسْتَقِلُّوا بِالنِّسْبَةِ إلى كَثْرَةِ أعْدائِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences