Al-Biqa'iAl‑Anfal · 8:71–75

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:71–75

8:71Page 186

وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١

But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allāh before, and He empowered [you] over them. And Allāh is Knowing and Wise.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ صَدَّقُوكَ وقَبِلُوا - بُشْرى اللَّهِ، وفّى لَهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ أيِ: الأسْرى والكُفّارُ كُلُّهم أوْ واحِدٌ مِنهم كَأبِي عَزَّةَ ﴿خِيانَتَكَ﴾ أيْ: وأنْتَ أعْلى الخَلْقِ في عَهْدٍ مِن إسْلامٍ أوْ غَيْرِهِ يُوثِقُونَهُ لَكَ تَرْضى بِهِ في المَنِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ، بِغَيْرِ فِداءٍ، يَرُدُّ اللَّهُ أنْ يَكُونَ وبالُ ذَلِكَ راجِعًا إلَيْهِمْ فَيُمْكِنُ مِنهُمْ، فَلا تَخْشَ مِن أمْرِهِمْ ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ولَمّا كانَتْ خِيانَتُهم غَيْرَ مُسْتَغْرِقَةٍ لِلزَّمَنِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ بِالكُفْرِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الفِسْقِ ﴿فَأمْكَنَ﴾ أيْ: فَأوْجَدَ الإمْكانَ مِنهُمْ، وقَصَرَهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم صارُوا سِلْمًا لِكُلِّ أحَدٍ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: يَوْمَ بَدْرٍ بِسَبَبِ خِيانَتِهِمْ، فَمَثَّلَ ما أمْكَنَ مِنهم عِنْدَ وُقُوعِ الخِيانَةِ سَيُمَكِّنُكَ مِنهم إذا أرادُوا الخِيانَةَ؛ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ مُطْلَقًا فَهو يَعْلَمُ الأشْياءَ كُلَّها (p-٣٣٦)الَّتِي مِنها أحْوالُهم ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ الحِكْمَةِ فَهو يَتَيَقَّنُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ فَهو يُوهِنُ كَيْدَهم ويُتْقِنُ ما يُقابِلُهم بِهِ فَيَلْحَقُهم لا مَحالَةَ، «وكَذا فَعَلَ سُبْحانَهُ في أبِي عَزَّةَ الجُمَحِيِّ؛ فَإنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ في المَنِّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِفَقْرِهِ وعِيالِهِ وعاهَدَهُ عَلى أنْ لا يُظاهِرَ عَلَيْهِ أحَدًا ومَدَحَهُ ثُمَّ خانَ فَظَهَرَ بِهِ في غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ عَقِبَ يَوْمِ أُحُدٍ أسِيرًا، فاعْتَذَرَ لَهُ وسَألَهُ في العَفْوِ عَنْهُ فَقالَ: ألّا تَمْسَحَ عارِضَيْكَ بِمَكَّةَ وتَقُولَ: سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ، وأمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ،» وقالَ أبُو حَيّانَ في الخِيانَةِ: هي كَوْنُهم أظْهَرَ بَعْضُهُمُ الإسْلامَ ثُمَّ رَجَعُوا إلى دِينِهِمْ.

8:72Page 186

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢

Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no support of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allāh is Seeing of what you do.

ولَمّا بَيَّنَ لِلْأسْرى أنَّ الخَيْرَ الَّذِي لَمْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن قُلُوبِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ لا يَنْفَعُهم في إسْقاطِ الفِداءِ عَنْهم لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وكُلُّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ العَدَمِ؛ لِأنَّ مَبْنى الشَّرْعِ عَلى ما يُمْكِنُ المُكَلَّفَ مَعْرِفَتُهُ وهو الظَّواهِرُ، وخَتَمَ بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ الخَبَرَ الَّذِي يُفِيدُ القُرْبَ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ المُناصَرَةُ وكُلُّ خَيْرٍ، فَقالَ مُقَسِّمًا أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَةَ أقْسامٍ: قِسْمٌ جَمَعَ الإيمانَ والهِجْرَةَ أوَّلًا والجِهادَ، وقِسْمٌ آوى، وقِسْمٌ آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ، وقِسْمٌ هاجَرَ مِن بَعْدُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿وهاجَرُوا﴾ أيْ: واقَعُوا الهِجْرَةَ (p-٣٣٧)مِن بِلادِ الشِّرْكِ، وهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، هَجَرُوا أوْطانَهم وعَشائِرَهم وأحْبابَهم حُبًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ ﴿وجاهَدُوا﴾ أيْ: واقَعُوا الجِهادَ، وهو بَذْلُ الجُهْدِ في تَوْهِينِ الكُفْرِ وأهْلِهِ.

ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ في آلاتِ الجِهادِ مِنَ النَّفْسِ والمالِ تارَةً بِالحَثِّ عَلى إنْفاقِهِ وأُخْرى بِالنَّهْيِ عَنْ حُبِّهِ وتارَةً بِالتَّسْلِيَةِ لِلْأسْرى عِنْدَ فَقْدِهِ، كانَ الأنْسَبُ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿بِأمْوالِهِمْ﴾ أيْ: بِإنْفاقِهِمْ لَها في الجِهادِ وتَضْيِيعِ بَعْضِها بِالهِجْرَةِ مِنَ الدِّيارِ والنَّخِيلِ وغَيْرِها ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ بِإقْدامِهِمْ عَلى القِتالِ مَعَ شِدَّةِ الأعْداءِ وكَثْرَتِهِمْ؛ وقَدَّمَ المالَ لِأنَّهُ سَبَبُ قِيامِ النَّفْسِ، وكانَ في غايَةِ العِزَّةِ في أوَّلِ الأمْرِ، وأخَّرَ قَوْلَهُ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ لِذَلِكَ، ”وفِي“ سَبَبِيَّةٌ أيْ: جاهَدُوا بِسَبَبِهِ حَتّى لا يَصُدَّ عَنْهُ صادٌّ فَتَظْهَرَ مَحاسِنُهُ ويَسْهُلَ المُرُورُ فِيهِ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِ: ”فِي“ إعْلامًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ السَّبِيلِ تَمَكُّنَ المَظْرُوفِ مِن ظَرْفِهِ حَتّى يَكُونَ الدِّينُ غالِبًا عَلَيْهِ لا يَخْرُجُ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأمّا في سُورَةِ بَراءَةَ فَلَمّا كانَ السِّياقُ في بَعْضِ الأماكِنِ بِها لِلسَّبِيلِ قُدِّمَ - كَما سَيَأْتِي، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في أوائِلِ الأمْرِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وكانَ الحالُ إذْ ذاكَ شَدِيدًا جِدًّا، والأمْوالُ في غايَةِ القِلَّةِ، والأعْداءُ لا يُحْصَوْنَ، فَناسَبَ الِاهْتِمامُ بِشَأْنِ المالِ والنَّفْسِ (p-٣٣٨)فَقُدِّما تَرْغِيبًا في بَذْلِهِما، وأمّا بَراءَةُ فَنَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في أواخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ، فَكانَ المالُ قَدِ اتَّسَعَ، والدِّينُ قَدْ عَزَّ وضَخُمَ وقَوِيَ وعَظُمَ، وأسْلَمَ غالِبُ النّاسِ، فَبَعُدَتْ مَواضِعُ الجِهادِ فَعَظُمَتِ المَشَقَّةُ، وتَواكَلَ النّاسُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ورَغِبُوا في الإقْبالِ عَلى إصْلاحِ الأمْوالِ، فَناسَبَ البُداءَةَ هُناكَ بِالسَّبِيلِ.

ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ الهِجْرَةِ الأُولى، أتْبَعَهم أهْلَ النُّصْرَةِ، وهُمُ القِسْمُ الثّانِي مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى زَمَنِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آوَوْا﴾ أيْ: مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَأسْكَنُوهم في دِيارِهِمْ، وقَسَّمُوا لَهم مِن أمْوالِهِمْ، وعَرَضُوا عَلَيْهِمْ أنْ يَنْزِلُوا لَهم عَنْ بَعْضِ نِسائِهِمْ لِيَتَزَوَّجُوهُنَّ، وإنَّما قَصَرَ الفِعْلَ إشارَةً إلى تَعْظِيمِ فِعْلِهِمْ بِحَيْثُ كَأنَّهُ لا إيواءَ في الوُجُودِ غَيْرُ ما فَعَلُوا، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَصَرُوا﴾ أيِ: اللَّهَ ورَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وهُمُ الأنْصارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، حازُوا هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ فَكانُوا في الذُّرْوَةِ مِن كِلْتا الحُسْنَيَيْنِ، ولَوْلا إيواؤُهم ونَصْرُهم لَما تَمَّ المَقْصُودُ، والمُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ أعْلى مِنهم لِسَبْقِهِمْ في الإيمانِ الَّذِي هو رَئِيسُ الفَضائِلِ ولِحَمْلِهِمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ زَمانًا طَوِيلًا وصَبْرِهِمْ عَلى فُرْقَةِ الأوْطانِ والعَشائِرِ.

وأشارَ إلى القِسْمَيْنِ بِأداةِ البُعْدِ لِعُلُوِّ مَقامِهِمْ وعِزِّ مَرامِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: العالُو الرُّتْبَةِ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: في المِيراثِ دُونَ القُرْبِ العارِي عَنْ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ أنَّ الإيمانَ (p-٣٣٩)إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِشَهِيدَيْنِ هُما الهِجْرَةُ والجِهادُ مِنَ الغُرَّبِ عَنِ المَدِينَةِ وشَهِيدِينَ هُما الإيواءُ والنُّصْرَةُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، كانَ عائِقًا عَنْ مُطْلَقِ القُرْبِ بَلْ مانِعًا مِن نُفُوذِ لُحْمَةِ النَّسَبِ كُلَّ النُّفُوذِ، فَكَأنَّ مَن آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَرِثْ مِمَّنْ هاجَرَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومادَّةُ ولِيَ بِجَمِيعِ تَصارِيفِها تَرْجِعُ إلى المَيْلِ، ويَلْزَمُ مِنهُ القُرْبُ والبُعْدُ، ورُبَّما نَشَأ عَنْ كُلٍّ مِنهُما الشِّدَّةُ، وتَرْتِيبُ ولِيَ بِخُصُوصِهِ يَدُورُ عَلى القُرْبِ، ومِن لَوازِمِهِ النُّصْرَةُ، فالمَعْنى: بَعْضُهم أقْرِباءُ بَعْضٍ، يَلْزَمُ كُلًّا مِنهم في حَقِّ الآخَرِ مِنَ المُناصَرَةِ وغَيْرِهِ ما يَلْزَمُ القَرِيبَ لِقَرِيبِهِ، فَمَتى جَمَعَهم وصْفٌ جَعَلَهم شُرَكاءَ فِيما يُثْمِرُهُ، فَوَصَفَ الحُضُورَ في غَزْوَةٍ يُشْرَكُ بَيْنَهم في الغَنائِمِ؛ لِأنَّ أنْواعَ الجِهادِ كَثِيرَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم باشَرَ بَعْضَها، فَعَنْ حُضُورِ الكُلِّ نَشَأتِ النُّصْرَةُ، والمُهاجِرُ في الأصْلِ مَن فارَقَ الكُفّارَ بِقَلْبِهِ ولاواهُمْ، ورافَقَ المُؤْمِنِينَ بِحُبِّهِ ولُبِّهِ ووالاهُمْ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَذا قَدْ يَخْفى، نِيطَ الأمْرُ بِالمَظِنَّةِ وهي الدّارُ، لِأنَّها أمْرٌ ظاهِرٌ، فَصارَ المُهاجِرُ مَن باعَدَ دارَ المُشْرِكِينَ فِرارًا بِدِينِهِ، ثُمَّ صارَ شَرْطُ ذَلِكَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ تَكُونَ النَّقْلَةُ إلى دارِ هِجْرَتِهِ: المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ هَذا حُكْمُ كُلِّ مُهاجِرٍ إلّا ما كانَ مِن خُزاعَةَ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ قَدْ عَلِمَ مِن مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ حُبَّهُ ونُصْحَهُ وبُغْضَ عَدُوِّهِ فَلَمْ يُلْزِمْ مُؤْمِنَهُمُ النَّقْلَةَ؛ قالَ الحافِظُ أبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتابِ المَدْخَلِ إلى (p-٣٤٠)الِاسْتِيعابِ؛ ويُقالُ لِخُزاعَةَ حُلَفاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم حُلَفاءُ بَنِي هاشِمٍ وقَدْ أدْخَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كِتابِ القَضِيَّةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ - إلى أنْ قالَ: وأعْطاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَنزِلَةً لَمْ يُعْطِها أحَدًا مِنَ النّاسِ أنْ جَعَلَهم مُهاجِرِينَ بِأرْضِهِمْ وكَتَبَ لَهم بِذَلِكَ كِتابًا. انْتَهى.

وقالَ شاعِرُهم نُجِيدُ بْنُ عِمْرانَ الخُزاعِيُّ يَفْخَرُ بِذَلِكَ وغَيْرُهُ مِمّا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:

؎وقَدْ أنْشَأ اللَّهُ السَّحابَ بِنَصْرِنا رُكامَ سَحابِ الهَيْدَبِ المُتَراكِبِ

؎وهِجْرَتُنا في أرْضِنا عِنْدَنا بِها ∗∗∗ كِتابٌ أتى مَن خَيْرِ مُمْلٍ وكاتِبِ

؎ومِن أجْلِنا حَلَّتْ بِمَكَّةَ حُرْمَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لِنُدْرِكَ ثَأْرًا بِالسُّيُوفِ القَواضِبِ

ذَكَرَ ذَلِكَ الحافِظُ أبُو الرَّبِيعِ بْنُ سالِمٍ الكَلاعِيُّ في غَزْوَةِ الفَتْحِ مِن سِيرَتِهِ، والَّذِي تَوَلّى حِلْفَهم أوَّلًا هو عَبْدُ المُطَّلِبِ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ الواقِدِيُّ في أوَّلِ غَزْوَةِ الفَتْحِ: وكانَتْ خُزاعَةُ حُلَفاءَ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَ رَسُولُ ﷺ بِذَلِكَ عارِفًا، لَقَدْ جاءَتْهُ يَوْمَئِذٍ - يَعْنِي يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ - خُزاعَةُ بِكِتابِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَرَأهُ وهو ”بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ هَذا حِلْفَ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هاشِمٍ لِخُزاعَةَ إذْ قَدِمَ عَلَيْهِ وسُراتُهم (p-٣٤١)وأهْلُ الرَّأْيِ، غائِبُهم مُقِرٌّ بِما قَضى عَلَيْهِ شاهِدُهُمْ، إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكم عَهْدَ اللَّهِ وعُقُودَهُ، ما لا يُنْسى أبَدًا، اليَدُ واحِدَةٌ والنَّصْرُ واحِدٌ، ما أشْرَفَ ثُبَيْرٌ وثَبَتَ حِراءُ، وما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، لا يَزْدادُ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَكم إلّا تَجَدُّدًا أبَدًا أبَدًا، الدَّهْرَ سَرْمَدًا“ فَقَرَأهُ عَلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: ”ما أعْرَفَنِي بِحِلْفِكم وأنْتُمْ عَلى ما أسْلَمْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحِلْفِ، وكُلُّ حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَلا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً، ولا حِلْفَ في الإسْلامِ“؛ قالَ الواقِدِيُّ: ”وجاءَتْهُ أسْلَمُ هو بِغَدِيرِ الأشْطاطِ“ جاءَ بِهِمْ بُرَيْدَةُ بْنُ الحَصِيبِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أسْلَمُ وهَذِهِ مِحالُّها وقَدْ هاجَرَ إلَيْكَ مَن هاجَرَ مِنها وبَقِيَ قَوْمٌ مِنهم في مَواشِيهِمْ ومَعاشِهِمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتُمْ مُهاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ، ودَعا العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ لَهم كِتابًا فَكَتَبَ: ”هَذا كِتابٌ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأسْلَمَ لِمَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ وشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَإنَّهُ آمَنَ بِأمانِ اللَّهِ، ولَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ، وإنَّ أمْرَنا وأمْرَكم واحِدٌ عَلى مَن دَهَمَنا مِنَ النّاسِ بِظُلْمٍ، اليَدُ واحِدَةٌ والنَّصْرُ واحِدٌ، ولِأهْلِ بادِيَتِهِمْ مِثْلُ ما لِأهْلِ قَرارِهِمْ (p-٣٤٢)وهم مُهاجِرُونَ حَيْثُ كانُوا“ وكَتَبَ العَلاءُ بْنُ الحَضْرَمِيِّ فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! نِعْمَ الرَّجُلُ بُرَيْدَةُ بْنُ الحُصَيْبِ لِقَوْمِهِ عَظِيمُ البَرَكَةِ عَلَيْهِمْ، مَرَرْنا بِهِ لَيْلَةَ مَرَرْنا ونَحْنُ مُهاجِرُونَ إلى المَدِينَةِ، فَأسْلَمَ وأسْلَمَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ مَن أسْلَمَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نِعْمَ الرَّجُلُ بُرَيْدَةُ لِقَوْمِهِ وغَيْرِ قَوْمِهِ. يا أبا بَكْرٍ، إنَّ خَيْرَ القَوْمِ مَن كانَ مُدافِعًا عَنْ قَوْمِهِ ما لَمْ يَأْثَمْ، فَإنَّهُ الإثْمُ لا خَيْرَ فِيهِ”انْتَهى.

وأسْلَمُ شَعْبٌ مِن أرْبَعَةِ شُعُوبٍ مِن خُزاعَةَ. ولَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ لِظُهُورِ الدِّينِ وضَعْفِ المُشْرِكِينَ، وقامَ مَقامَ الهِجْرَةِ النِّيَّةُ الخالِصَةُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِالجِهادِ كَما قالَ ﷺ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ“». وقالَ ﷺ: «”المُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ» فَإنْ كانَ المُؤْمِنُ لا يَتَمَكَّنُ مِن إظْهارِ دِينِهِ وجَبَتْ عَلَيْهِ النَّقْلَةُ.

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ تَعالى أمْرَ مَن جَمَعَ الشُّرُوطَ، شَرَعَ يُبَيِّنُ حُكْمَ مَن قَعَدَ عَنْ بَعْضِها وهو القِسْمُ الثّالِثُ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: اشْتُهِرَ إيمانُهم ﴿ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ أيْ: قَبْلَ الفَتْحِ بَلِ اسْتَمَرُّوا في بِلادِهِمْ ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: في التَّوارُثِ ولا في غَيْرِهِ؛ ورَغَّبَهم في الهِجْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ أيْ: يُواقِعُوا الهِجْرَةَ لِدارِ الشِّرْكِ ومَن فِيها ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ أيْ: طَلَبُوا نَصْرَكم ﴿فِي الدِّينِ﴾ أيْ: (p-٣٤٣)بِسَبَبِ أمْرٍ مِن أُمُورِهِ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الدِّينِ تَمَكُّنَ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أيْ: واجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم عَلى المُشْرِكِينَ، فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَهم عَلَيْكم حَقُّ القَرِيبِ إلّا في الِاسْتِنْصارِ في الدِّينِ، فَإنَّ تَرْكَ نَصْرِهِمْ يَجُرُّ إلى مَفْسَدَةٍ كَما أنَّ مُوالاتَهم تَجُرُّ إلى مَفاسِدَ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِنَ الوُجُوبِ فَقالَ: ﴿إلا عَلى قَوْمٍ﴾ وقَعَ وكانَ ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ: لِأنَّ اسْتِنْصارَهم يُوقِعُ بَيْنَ مَفْسَدَتَيْنِ: تَرْكِ نُصْرَةِ المُؤْمِنِ ونَقْضِ العَهْدِ وهو أعْظَمُهُما، فَقُدِّمَتْ مُراعاتُهُ وتُرِكَتْ نُصْرَتُهُمْ، فَإنْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفّارِ فَهو المُرادُ مِن غَيْرِ أنْ تُدَنِّسُوا بِنَقْضٍ، وإنْ نُصِرَ الكُفّارُ حَصَلَ لِمَن قُتِلَ مِن إخْوانِكُمُ الشَّهادَةُ ولِمَن بَقِيَ الضَّمانُ بِالكِفايَةِ، وكانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى الهِجْرَةِ، ومَنِ ارْتَدَّ مِنهم أبْعَدَهُ اللَّهُ ولَنْ يَضُرَّ إلّا نَفْسَهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، فَقَدْ وقَعَ - كَما تَرى - تَقْسِيمُ المُؤْمِنِينَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أعْلاها المُهاجِرُ، ويَلِيهِ النّاصِرُ، وأدْناها القاعِدُ القاصِرُ، وبَقِيَ قِسْمٌ رابِعٌ يَأْتِي؛ قالَ أبُو حَيّانَ: فَبَدَأ بِالمُهاجِرِينَ - أيِ: الأوَّلِينَ - لِأنَّهم أصْلُ الإسْلامِ وأوَّلُ مَنِ اسْتَجابَ لِلَّهِ تَعالى، فَهاجَرَ قَوْمٌ إلى المَدِينَةِ، وقَوْمٌ إلى الحَبَشَةِ، وقَوْمٌ إلى ابْنِ ذِي يَزَنَ، ثُمَّ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ وكانُوا قُدْوَةً لِغَيْرِهِمْ في الإيمانِ وسَبَبَ تَقْوِيَةِ الدِّينِ «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وثَنّى بِالأنْصارِ لِأنَّهم ساوَوْهم (p-٣٤٤)فِي الإيمانِ وفي الجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ، لَكِنَّهُ عادَلَ بِالهِجْرَةِ الإيواءَ والنُّصْرَةَ، وانْفَرَدَ المُهاجِرُونَ بِالسَّبْقِ، وذَكَرَ ثالِثًا مَن آمَنَ ولَمْ يَنْصُرْ، فَفاتَهم هاتانِ الفَضِيلَتانِ وحُرِمُوا الوِلايَةَ حَتّى يُهاجِرُوا، ثُمَّ قالَ: «آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ،» فَكانَ المُهاجِرِيُّ يَرِثُهُ أخُوهُ الأنْصارِيُّ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِالمَدِينَةِ ولِيٌّ مُهاجِرِيٌّ، ولا تَوارُثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِيبِهِ المُسْلِمِ غَيْرِ المُهاجِرِيِّ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: واسْتَمَرَّ أمْرُهم كَذَلِكَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ. انْتَهى.

لَكِنْ ما ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ - كَما سَيَأْتِي - مِن أنَّ حُكْمَ ذَلِكَ زالَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ أوْلى لِلْآيَةِ الآتِيَةِ آخِرَ السُّورَةِ مَعَ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مِن آيَةِ الأحْزابِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِمَصالِحِكم خَبِيرٌ، وكانَ لِلنُّفُوسِ دَواعٍ إلى مُناصَرَةِ الأقارِبِ والأحْبابِ ومُعاداةِ غَيْرِهِمْ خُفْيَةً، ولَها دَسائِسُ تُدْرَكُ، حَذَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: عاطِفًا عَلى هَذا المُقَدَّرِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، ولَمّا كانَ السِّياقُ لِبَيانِ المَصالِحِ الَّتِي تُنَظِّمُ الدِّينَ وتَهْدِمُ ما عَداهُ، وكانَ لِلنُّفُوسِ - كَما تَقَدَّمَ - أحْوالٌ، اقْتَضى تَأْكِيدُ العِلْمِ بِالخَفايا فَقَدَّمَ الجارَّ الدّالَّ عَلى الِاخْتِصاصِ الَّذِي هو هُنا كِنايَةٌ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ فَقَطْ مُرَهِّبًا: ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَرْغِيبٌ في العَمَلِ بِما حَثَّ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ والإنْفاقِ والتَّحَرِّي (p-٣٤٥)فِي جَمِيعٍ مِن ذَلِكَ وتَرْهِيبٌ مِنَ العَمَلِ بِأضْدادِها، وفي“البَصِيرِ" إشارَةٌ إلى العِلْمِ بِما يَكُونُ مِن ذَلِكَ خالِصًا أوْ مَشُوبًا، فَفِيهِ مَزِيدُ حَثٍّ عَلى الإخْلاصِ.

8:73Page 186

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣

And those who disbelieved are allies of one another. If you do not do so [i.e., ally yourselves with other believers], there will be fitnah [i.e., disbelief and oppression] on earth and great corruption.

ولَمّا بَيَّنَ شَرْطَ مُوالاةِ المُسْلِمِ، بَيَّنَ مُوالاةَ الكافِرِ وما يَجِبُ مِن مُناظَرَتِهِمْ ومُباراتِهِمْ فِيها، وأنَّهُ لا شَرْطَ لَها غَيْرُ مُطْلَقِ الكُفْرِ فَإنَّهُ وإنِ اخْتَلَفَتْ أنْواعُهُ وتَباعَدَتْ أنْحاؤُهُ - يَجْمَعُهُ عَداوَةُ اللَّهِ ووِلايَةُ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ عَلى أيِّ حالٍ كانُوا فِيهِ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: في المِيراثِ والنُّصْرَةِ وغَيْرِهِما، وهو خَبَرٌ مَحْضٌ مُشِيرٌ إلى نَهْيِ المُسْلِمِ عَنْ مُوالاتِهِمْ، وأمّا الَّذِي مَضى في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَهو أمْرٌ في صُورَةِ الخَبَرِ وصِيغَتِهِ، يَعْنِي أنَّ في كُلٍّ مِنَ الكُفّارِ قُوَّةَ المُوالاةِ لِلْآخَرِ عَلَيْكم والمَيْلَ العَظِيمَ الحاثَّ لَهم عَلى المُسارَعَةِ في ذَلِكَ وإنِ اشْتَدَّتْ عَداوَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ لِأنَّكم حِزْبٌ وهم حِزْبٌ، يَجْمَعُهم داعِي الشَّيْطانِ بِوَصْفِ الكُفْرانِ كَما يَجْمَعُكم داعِي الرَّحْمَنِ بِوَصْفِ الإيمانِ، قالَ أبُو حَيّانَ: كانُوا قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيَّ ﷺ يُعادِي أهْلُ الكِتابِ مِنهم قُرَيْشًا ويَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، فَصارُوا بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ يُوالِي بَعْضُهم بَعْضًا [و] إلْبًا واحِدًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى.

وما ذَكَرَهُ مَذْكُورٌ في السِّيَرِ مَشْهُورٌ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ أيْ: مِثْلَهُ مِن تَوَلِّي المُؤْمِنِينَ ومُعاداةِ الكافِرِينَ (p-٣٤٦)كَما يَفْعَلُ الكُفّارُ بِالتَّعاضُدِ والتَّعاوُنِ بِالنَّفْسِ والمالِ كَما أرْصَدُوا مالَ العِيرِ الَّذِي فاتَكم حَتّى اسْتَعانُوا بِهِ عَلى قِتالِكم في أُحُدٍ، فاللّائِقُ بِكم أنْ تَكُونُوا أعْظَمَ مِنهم في ذَلِكَ؛ لِأنَّهم يُرِيدُونَ بِذَلِكَ رَمَّ واهِي دُنْياهُمُ الفانِيَةِ وأنْتُمْ تَبْنُونَ آخِرَتَكُمُ الباقِيَةَ، وداعِيكم ولِيٌّ غَنِيٌّ وداعِيهِمْ عَدُوٌّ دَنِيٌّ فَضْلًا عَنْ أنْ تَنْزِلُوا إلى حَضِيضِ التَّنازُعِ في الغَنائِمِ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: عَظِيمَةٌ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: خَلْطَةٌ مُمِيلَةٌ لِلْمَقاصِدِ عَنْ وُجُوهِها ﴿وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: يَنْشَأُ عَنْ تِلْكَ الفِتْنَةِ، والكَبِيرُ ناظِرٌ إلى العِظَمِ، وقُرِئَ شاذًّا بِالمُثَلَّثَةِ فَيَكُونُ عِظَمُهُ حِينَئِذٍ مَخْصُوصًا بِالأنْواعِ، وبَيانُ الفَسادِ أنَّهُ إذا قارَبَ المُؤْمِنُ الكافِرَ والكافِرُ المُؤْمِنَ وتَناصَرُوا أوْ تَرَكَ المُؤْمِنُونَ التَّناصُرَ فِيما بَيْنَهُمُ انْحَلَّ النِّظامُ فاخْتَلَّ كُلٌّ مِنَ النَّقْضِ والإبْرامِ، فاخْتَلَفَ الكَلامُ فَتَباعَدَتِ القُلُوبُ، فَتَزايَدَتِ الكُرُوبُ، فالواجِبُ عَلَيْكم أنْ تَكُونُوا إلْبًا واحِدًا ويَدًا واحِدَةً في المُوالاةِ وتُقاطِعُوا الكُفّارَ بِكُلِّ اعْتِبارٍ لِيَقُومَ أمْرُكم وتَطِيبَ حَياتُكُمْ، وتَصْلُحَ غايَةَ الصَّلاحِ دُنْياكم وآخِرَتُكُمْ، والآيَةُ شامِلَةٌ لِكُلِّ ما يُسَمّى تَوَلِّيًا حَتّى في الإرْثِ وقِتالِ الكُفّارِ ومُدافَعَةِ المُسْلِمِينَ بِالأمْرِ والإنْكارِ، ولَمّا تَرَكَ بَعْضُ العُلَماءِ إعانَةَ بَعْضِ فِئَةٍ حَصَلَ ما خَوَّفَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ مِنَ الفِتْنَةِ والفَسادِ حَتّى صارَ الأمْرُ إلى ما تَرى مِن عُلُوِّ المُفْسِدِينَ وضَعْفِ أهْلِ الدِّينِ، فالأمْرُ بِالمَعْرُوفِ فِيهِمْ في غايَةِ الذُّلِّ والغُرْبَةِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ أدْنى النّاسِ فَلا يَجِدُ لَهُ ناصِرًا، ويَجِدُ ذَلِكَ الآخَرُ لَهُ عَلى (p-٣٤٧)الرَّدِّ أعْوانًا كَثِيرَةً، وصارَ أحْسَنُ النّاسِ حالًا مَعَ الأُمَراءِ وأعْظَمُهم لَهُ مَحَبَّةً مَن يَقْنَعُ بِلَوْمِهِ عَلى فِعْلِهِ ظَنًّا مِنهُ أنَّ ذَلِكَ شَفَقَةٌ عَلَيْهِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.

8:74Page 186

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٧٤

But those who have believed and emigrated and fought in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - it is they who are the believers, truly. For them is forgiveness and noble provision.

ولَمّا تَقَدَّمَتْ أنْواعُ المُؤْمِنِينَ: المُهاجِرُ والنّاصِرُ والقاعِدُ، وذِكْرُ أحْكامِ مُوالاتِهِمْ، أخَذَ يُبَيِّنُ تَفاوُتَهم في الفَضْلِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ وما أتى مِنهُ ﴿وهاجَرُوا﴾ أيْ: فِيهِ مَن يُعادِيهِ سابِقِينَ مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ ﴿وجاهَدُوا﴾ أيْ: بِما تَقَدَّمَ مِنَ المالِ والنَّفْسِ أوْ بِأحَدِهِما ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَبَذَلُوا الجُهْدَ في إذْلالِهِمْ كَما بَذَلَ الأعْداءُ الجُهْدَ في إذْلالِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ آلَةَ الجِهادِ لِأنَّها - مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِها لازِمَةٌ ﴿والَّذِينَ آوَوْا﴾ أيْ: مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ﴿ونَصَرُوا﴾ أيْ: حِزْبَ اللَّهِ، وأعْلَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ خاصَّةً ﴿هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيْ: حَقَّ الإيمانِ؛ لِأنَّهم حَقَّقُوا أيْمانَهُمْ: المُهاجِرُ بِالِانْسِلاخِ مَن كُلِّ ما يُحِبُّهُ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والنّاصِرُ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكُفْرِ بِإيواءِ أهْلِ اللَّهِ ونُصْرَتِهِمْ.

ولَمّا بَيَّنَ وصْفَهُمْ، بَيَّنَ ما حَباهم بِهِ بِقَوْلِهِ: دالًّا عَلى أنَّ الإنْسانَ مَحَلُّ النُّقْصانِ، فَهو - وإنِ اجْتَهَدَ حَتّى كانَ مِنَ القِسْمِ الأعْلى - لا يَنْفَكُّ عَنْ مُواقَعَةِ ما يَحْتاجُ فِيهِ إلى الغُفْرانِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: لِزَلّاتِهِمْ وهَفَواتِهِمْ؛ لِأنَّ مَبْنى الآدَمِيِّ عَلى العَجْزِ اللّازِمِ عَنْهُ التَّقْصِيرُ وإنِ اجْتَهَدَ، والدِّينُ مَتِينٌ فَلَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ؛ ولَمّا ذَكَرَ تَطْهِيرَهم بِالمَغْفِرَةِ، ذَكَرَ (p-٣٤٨)تَزْكِيَتَهم بِالرَّحْمَةِ فَقالَ: ﴿ورِزْقٌ﴾ أيْ: مِنَ الغَنائِمِ وغَيْرِها في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿كَرِيمٌ﴾ أيْ: لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ، لا في قَطْعِهِ ولا في نُقْصانِهِ ولا في شَيْءٍ مِن شَأْنِهِ.

8:75Page 186

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٧٥

And those who believed after [the initial emigration] and emigrated and fought with you - they are of you. But those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh.1 Indeed, Allāh is Knowing of all things.

ولَمّا حَصَرَ المُؤْمِنِينَ حَقًّا في المَوْصُوفِينَ، بَيَّنَ أنَّ مَن تَرَكَ ما هو عَلَيْهِ مِن لُزُومِ دارِ الكُفْرِ والقُعُودِ عَنِ الجِهادِ، لَحِقَ بِمُطْلَقِ دَرَجَتِهِمْ وإنْ كانُوا فِيها أعْلى مِنهُ فَقالَ ذاكِرًا القِسْمَ الرّابِعَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمّا كانُوا قَدْ تَأخَّرُوا عَنْ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ مُدَّةً، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ تَأخُّرِ إيمانِهِمْ عَنِ السّابِقِينَ ﴿وهاجَرُوا﴾ أيْ: لاحِقِينَ لِلسّابِقِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهم مَن هاجَرَ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ: وهي الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ ﴿وجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ أيْ: مَن تُجاهِدُونَهُ مِن حِزْبِ الشَّيْطانِ ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ أيْ: لَهم ما لَكم وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم مِنَ المَوارِيثِ والمَغانِمِ وغَيْرِها؛ لِأنَّ الوَصْفَ الجامِعَ هو المَدارُ لِلْأحْكامِ وإنْ تَأخَّرَتْ رُتْبَتُهم عَنْكم كَما أفْهَمَتْهُ أداةُ البُعْدِ.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم مِنهُمْ، بَيَّنَ أنَّهُ مَتى جَمَعَهُمُ الوَصْفُ المُحَصِّلُ لِلْوِلايَةِ، كانَ القُرْبُ في الرَّحِمِ أوْلى مِن غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ المَوْصُوفِينَ ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ أيْ: في الإرْثِ وغَيْرِهِ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِوِلايَةِ الدِّينِ الخالِيَةِ عَنِ الرَّحِمِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ (p-٣٤٩)أيِ: القُرْآنِ أوْ في حُكْمِهِ وقَسْمِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْكُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ في آياتِ الإرْثِ، وهي مُقَيَّدَةٌ بِالعَصِباتِ فَنَسَخَتِ الوِلايَةَ فَلا دَلالَةَ عَلى تَوْرِيثِ غَيْرِهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ في تَرْجَمَةِ المُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو أنَّ بَدْرًا قَطَعَتِ المُواخاةَ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، يَعْنِي فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةَ آيَةِ: ”بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ“ وتَكُونُ تِلْكَ حِينَئِذٍ مُبَيِّنَةً أمْرَ ما كانَ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ - وهو حَسَنٌ، والآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ الأحْزابِ مُؤَيِّدَةٌ لَهُ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما ذُكِرَ بِما يُرَغِّبُ فِيهِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ كُلُّها ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَهو يَعْلَمُ أنَّ هَذا هو الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ المَصْلَحَةُ وتَدُومُ بِهِ الأُلْفَةُ كَما عَلِمَ في أوَّلِ الأمْرِ أنَّ نَوْطَ الإرْثِ وغَيْرِهِ مِن لَوازِمِ القُرْبِ بِالأُخُوَّةِ الإسْلامِيَّةِ أوْلى لِما في ذَلِكَ مِن تَكْثِيرِ قِلَّتِكم ونَصْرِ ذِلَّتِكم وجَمْعِ شَتاتِكم وجَعَلَ ما بَيْنَكم مِنَ الأُخُوَّةِ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، فَأمّا الآنُ فَقَدْ ضَرَبَ الدِّينَ بِجِرانِهِ، وثَبَتَ بِقَواعِدِهِ وأرْكانِهِ، ووَلّى الكُفْرُ بِسُلْطانِهِ، ونَكَصَ مُدْبِرًا بِأعْوانِهِ، فَتَوارَثُوا بِالإسْلامِ والقَرابَةِ وتَقاطَعُوا الكُفّارَ، وقَرِّبُوا وبَعِّدُوا، وانْحازُوا عَنْهم كَما انْحازُوا عَنْكُمْ، وتَبَرَّؤُوا مِنهم كَما تَبَرَّؤُوا مِنكُمْ، فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ بِالإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وبَيانِ المُؤْمِنِينَ حَقًّا وتَقْلِيدِ العَلِيمِ في جَمِيعِ الأعْمالِ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ - عَلى أوَّلِها، وبِبَيانِ مَن يُوالِي ومَن يُعادِي عَلى أوَّلِ بَراءَةَ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском