Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
At-Takwir 81:21–29
(p-٢٩٠)ولَمّا كانَ المُتَمَكِّنُ في نَفْسِهِ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أعْوانٌ، قالَ: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ أيْ في المَلَأِ الأعْلى فَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ أطْوَعُ شَيْءٍ لَهُ، قالَ الحَسَنُ: فَرَضَ اللَّهُ عَلى أهْلِ السَّماواتِ طاعَةَ جِبْرِيلٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما فَرَضَ عَلى أهْلِ الأرْضِ طاعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي الأمانَةَ، صَرَّحَ بِها فَقالَ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ بَلِيغُ الأمانَةِ فَهو مُصَدِّقُ القَوْلِ مَقْبُولُ الأمْرِ مَوْثُوقٌ بِهِ في أمْرِ الرِّسالَةِ وإفاضَةِ العُلُومِ عَلى القُلُوبِ رُوحانِيٌّ مُطَهَّرٌ جَوْهَرًا وفِعْلًا وحالًا، ومَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ كانَ بِحَيْثُ لا يَأْتِي إلّا في أمْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا لِأنَّ المُلُوكَ لا يُرْسِلُونَ خَواصَّهم [إلّا - ] في مِثْلِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ ائْتَمَنَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رِسالَتِهِ.
81:22Page 586
وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونٖ ٢٢
And your companion [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ) ] is not [at all] mad.1
ولَمّا وصَفَهُ السَّفِيرُ المَلَكِيُّ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسِ الَّتِي أزالَتْ عَنِ القُرْآنِ كُلَّ لَبْسٍ، وكانَ وصْفُهُ بِها إنَّما هو لِأجْلِ إثْباتِ شَرَفِ الرَّسُولِ البَشَرِيِّ الَّذِي هو بَيْنَ الحَقِّ وعامَّةِ الخَلْقِ، وهو النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّ ما يَقُولُهُ كَلامُ اللَّهِ حَقًّا، وكانُوا يَصِفُونَهُ بِما هو في غايَةِ النَّزاهَةِ عَنْهُ وهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أبْطَلَهُ مُبَكِّتًا لَهم بِالكَذِبِ ومُوَبِّخًا بِالبَلادَةِ بِقَوْلِهِ زِيادَةً في شَرَفِهِ حَيْثُ كانَ هو المُدافِعُ عَنْهُ: ﴿وما صاحِبُكُمْ﴾ أيِ الَّذِي طالَتْ صُحْبَتُهُ لَكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ (p-٢٩١)فِي غايَةِ الكَمالِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ وصْفٌ عِنْدَكم إلّا الأمِينَ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ أيْ كَما تَبْتَهُونَهُ بِهِ مِن غَيْرِ اسْتِحْياءٍ مِنَ الكَذِبِ الظّاهِرِ مَعَ ظُهُورِ التَّناقُضِ فِعْلُ ألْأمِ اللِّئامِ، بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ، فَما القُرْآنُ الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْكم قَوْلُ مَجْنُونٍ ولا [قَوْلُ - ] مُتَوَسِّطٍ في العَقْلِ بَلْ قَوْلُ أعْقَلِ العُقَلاءِ وأكْمَلِ الكُمَلاءِ، وهَذا النَّفْيُ المُؤَكَّدُ ثابِتٌ لَهُ دائِمًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْراقِ لِكُلِّ زَمانٍ - هَذا ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ لا ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعَلى بَقِيَّةِ المَلائِكَةِ، فَإنَّهُ ما سِيقَ لِذَلِكَ ولا هو واللَّهِ مِمّا يُرْضِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ الأصْبِهانِيُّ هُنا: هَذا يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِ وأمّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ المَلائِكَةِ ومِن مُحَمَّدٍ ﷺ فَلا يُمْكِنُهُ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى في البَقَرَةِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٩٨] ولَمْ يَلْزَمْ مِن تَقْدِيمِ المَلائِكَةِ في الذِّكْرِ تَفْضِيلُهم عَلى الرُّسُلِ، وأمّا تَقْدِيمُ جِبْرِيلَ عَلى مِيكائِيلَ فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَكُونَ لِلشَّرَفِ كَما أنَّ تَخْصِيصَهُما بِالذِّكْرِ لِفَضْلِهِما، وقالَ في النَّجْمِ: ثُمَّ دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: «إنَّ أقْرَبَ المَلائِكَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ» - انْتَهى. ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ (p-٢٩٢)لَكانَ فِيهِ كِفايَةً لَكِنْ لَمْ أجِدْهُ أصْلًا، وقالَ الأصْبَهانِيُّ في عَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبإ: ٣٨] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو أعْظَمُ المَلائِكَةِ خَلْقًا وأشْرَفُ مِنهُمْ، وأقْرَبُ مِن رَبِّ العالَمِينَ - انْتَهى. فَهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في تَفْضِيلِ الرُّوحِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ في غَزْوَةِ بَدْرٍ في كِتابِهِ الرَّوْضِ: ونَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَكانَ في خَمْسِمِائَةٍ في المَيْمَنَةِ، ومِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في خَمْسِمِائَةٍ في المَيْسَرَةِ، ووَراءَهم مَدَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يُقاتِلُوا وهُمُ الآلافُ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكانَ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَطَ الصَّفِّ لا يُقاتِلُ كَما يُقاتِلُ غَيْرُهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - [انْتَهى- ] . وهَذا يَدُلُّ عَلى شَرَفِ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ مَوْقِفَهُ مَوْقِفُ رَئِيسِ القَوْمِ وفِعْلَهُ فِعْلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ.
81:23Page 586
وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِينِ ٢٣
And he has already seen him [i.e., Gabriel] in the clear horizon.1
ولَمّا كانَ المَجْنُونُ لا يُثْبِتُ ما يَسْمَعُهُ ولا ما يُبْصِرُهُ حَقَّ الإثْباتِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ هَذا النَّفْيِ: فَلَقَدْ سَمِعَ مِن رَسُولِنا إلَيْهِ ما أرْسَلَ بِهِ حَقَّ السَّمْعِ، ما التَبَسَ عَلَيْهِ [فِيهِ - ] حَقٌّ بِباطِلٍ، عَطَفَ [عَلَيْهِ - ] الإخْبارَ بِرَفْعِهِ شَأْنَهُ في رُؤْيَةِ ما لَمْ يَرَهُ [غَيْرُهُ - ] وأمانَتُهُ وُجُودُهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ﴾ أيِ المُرْسَلُ إلَيْهِ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ وبِعَرَفاتٍ، جامِعًا إلى حِسِّ السَّمْعِ حِسِّ البَصَرِ ﴿بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ أيِ الأعْلى الَّذِي هو عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، حَيْثُ (p-٢٩٣)لا يَكُونُ لَبْسٌ أصْلًا، ولا يَكُونُ لِشَيْطانٍ عَلى ذَلِكَ المَكانِ سَبِيلٌ فَعَرَفَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ، وقالَ البَيْضاوِيُّ: بِمَطْلَعِ الشَّمْسِ الأعْلى - يَعْنِي وهو مَشْرِقُ الأنْوارِ، والأُفُقُ: النّاحِيَةُ الَّتِي تَفُوقُ وتَعْلُو.
81:24Page 586
وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ ٢٤
And he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] is not a withholder of [knowledge of] the unseen.1
ولَمّا انْتَفى ما يُظَنُّ مِن لَبْسِ السَّمْعِ وزَيْغِ البَصَرِ، لَمْ يَبْقَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّأْدِيَةِ فَنَفى ما يُتَوَهَّمُ مِن ذَلِكَ [بِقَوْلِهِ- ]: ﴿وما﴾ أيْ سَمِعَهُ ورَآهُ والحالُ أنَّهُ ما ﴿هُوَ عَلى الغَيْبِ﴾ أيِ الأمْرِ الغائِبِ عَنْكم في النَّقْلِ عَنْهُ ولا في غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى ﴿بِضَنِينٍ﴾ أيْ بِمُتَّهَمٍ، مِنَ الظِّنَّةِ وهي التُّهْمَةُ، كَما يُتَّهَمُ الكاهِنُ لِأنَّهُ يُخْطِئُ في بَعْضِ ما يَقُولُ، فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُوثَقَ بِكُلِّ شَيْءٍ يَقُولُهُ في كُلِّ أحْوالِهِ، هَذا في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِالظّاءِ، والمَعْنى في قِراءَةِ الباقِينَ [بِالضّادِ- ]: بِبَخِيلٍ كَما يَبْخَلُ الكاهِنُ رَغْبَةً في الحُلْوانِ، بَلْ هو حَرِيصٌ عَلى أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن أُمَّتِهِ عالِمًا بِكُلِّ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِتَبْلِيغِهِ.
81:25Page 586
وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٖ ٢٥
And it [i.e., the Qur’ān] is not the word of a devil, expelled [from the heavens].
ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الأمانَةَ والجُودَ بَعْدَ أنْ نَفى عَنْهُ ما بَهَتُوهُ بِهِ، وكانَ الجُنُونُ أظْهَرَ مِن قَوْلِ المَجْنُونِ لِأنَّ بَعْضَ المَجانِينِ رُبَّما تَكَلَّمَ الكَلامَ (p-٢٩٤)المُنْتَظِمَ في [بَعْضِ - ] الأوْقاتِ فَنَفاهُ لِذَلِكَ، وكانَ قَوْلُ الكاهِنِ أظْهَرَ مِنَ الكَهانَةِ، نَفى القَوْلَ فَقالَ: ﴿وما هُوَ﴾ أيِ القُرْآنُ الَّذِي مِن جُمْلَةِ مُعْجِزاتِهِ الإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِالتَّأْكِيدِ بِالباءِ فَقالَ: ﴿بِقَوْلِ شَيْطانٍ﴾ . ولَمّا كانَ الشَّيْطانُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الطَّرْدِ لِأنَّ اشْتِقاقَهُ مَن شَطَنَ وشاطَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي البُعْدَ والِاحْتِراقَ، وصَفَهُ بِما هو لازِمٌ لَهُ فَقالَ: ﴿رَجِيمٍ﴾ أيْ مَرْجُومٌ بِاللَّعْنِ وغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُبِ لِأجْلِ اسْتِراقِ السَّمْعِ مَطْرُودٌ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ القائِلَ لَهُ لَيْسَ بِكاهِنٍ كَما تَعْلَمُونَ، وبَقِيَ مِمّا قالُوهُ السِّحْرُ وهو لا يَحْتاجُ إلى نَفْيِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلٍ، بَلْ هو فِعْلٌ صِرْفٌ أوْ قَوْلٌ مُقْتَرَنٌ بِهِ، والأضْغاثُ وهي لِذَلِكَ واضِحَةُ العَوارِ فَلَمْ يُعِدْها، فَمَن عَلِمَ هَذِهِ الأوْصافَ لِلْقُرْآنِ والرَّسُولَيْنِ الآتِيَيْنِ بِهِ المَلَكِيِّ والبَشَرِيِّ أحَبَّهُ وأحَبَّهُما، وبالَغَ في التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، وأقْبَلَ عَلى تِلاوَتِهِ في كُلِّ أوْقاتِهِ، وبالَغَ في السَّعْيِ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ والهَرَبِ مِمّا يَنْهى عَنْهُ، لِيَحْصُلَ لَهُ الِاسْتِقامَةُ رَغْبَةً في مُرافَقَةِ مَن أتى بِهِ ورُؤْيَةَ مَن أتى مِن عِنْدِهِ.
ولَمّا لَمْ يَدَعْ وجْهًا يُلَبِّسُ بِهِ عَلى مَن لا يُعْرَفُ حالُهُ ﷺ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُوَبِّخًا مُنْكِرًا: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أيْ بِقُلُوبِكم عَنْ (p-٢٩٥)هَذا الحَقِّ المُبِينِ يا أهْلَ مَكَّةَ المُدَّعِينَ لِغايَةِ الفَطِنَةِ وقَدْ عَلِمْتُمْ هَذا الحِفْظَ العَظِيمَ في الرَّسُولَيْنِ المَلَكِيِّ والبَشَرِيِّ فَمِن [أيْنَ - ] يَأْتِي ما تَدَّعُونَ مِنَ التَّخْلِيطِ في هَذا الكِتابِ العَظِيمِ الَّذِي دَلَّ عَلى حِفْظِهِ بِبُرْهانِ عَجْزِكم عَنْ مُعارَضَةِ شَيْءٍ مِنهُ؟ وهو اسْتِضْلالٌ لَهم واسْتِجْهالٌ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ في كُلِّ ما كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ بِحَيْثُ صارَ ضَلالُهم مَعْرُوفًا لا لَبْسَ فِيهِ.
ولَمّا كانَ الحالُ قَدْ صارَ في الوُضُوحِ إلى أنَّهُ إذا نَبَّهَ صاحِبَهُ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ نَظَرَ أدْنى نَظَرٍ، فَقالَ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ: لا أيْنَ، قالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ﴾ أيِ القُرْآنِ الَّذِي أتاكم بِهِ ﴿إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ شَرَفٌ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ ومَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم.
81:28Page 586
لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨
For whoever wills among you to take a right course.
ولَمّا تَشَرَّفَ الوُجُودَ كُلَّهُ بِإظْهارِهِ فِيهِ نَوْعِ تَشَرُّفٍ، أطْلَقَ هَذِهِ العِبارَةَ. ولَمّا كانَ الَّذِي ثَمَّ شَرَّفَهُ المُهْتَدِي، فَكانَ الوَعْظُ والشَّرَفُ إنَّما هو لَهُ في الحَقِيقَةِ قالَ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُخاطَبُونَ ﴿أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أيْ يَطْلُبَ القَوْمَ ويُوجِدَهُ.
81:29Page 586
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩
And you do not will except that Allāh wills - Lord of the worlds.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما تَعَنَّتَ بِهِ المُتَعَنِّتُ في خَلْقِ الأفْعالِ، قالَ نافِيًا (p-٢٩٦)لِاسْتِقْلالِهِمْ ومُثْبِتًا لِلْكَسْبِ: ﴿وما تَشاءُونَ﴾ أيْ أيُّها الخَلائِقُ الِاسْتِقامَةُ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا حُكْمَ لِأحَدٍ سِواهُ مَشِيئَتُكُمْ، وإنْ لَمْ يَشَأْها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى مَشِيئَةٍ، فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يَشَأْ لَكم ما يُرْضِيهِ فَيُوَفِّقَكم إلَيْهِ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: الكُتُبُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِضْعٌ وتِسْعُونَ كِتابًا قَرَأْتُ مِنها بِضْعًا [وثَمانِينَ - ] كِتابًا فَوَجَدْتُ فِيها: مَن جَعَلَ إلى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ المَشِيئَةِ فَقَدْ كَفَرَ - انْتَهى.
ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآيَةَ أدْنى تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ كَلامَ المُعْتَزِلَةِ بَعْدَها في القَدْرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ لَهُ هَوًى لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ أصْلًا ”ومَن يُضَلِّلُ الله فَما لَهُ مِن هادَ“ .
ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الوَصْفَ بِما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيِ المُوجِدِ لَهم والمالِكِ والمُحْسِنِ إلَيْهِمْ والمُرَبِّي لَهم وهو أعْلَمُ بِهِمْ مِنهُمْ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يَقْدِرُونَ إلّا عَلى ما قَدَّرَهم عَلَيْهِ، ويَجِبُ عَلى كُلٍّ مِنهم طاعَتُهُ والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وشُكْرُهُ اسْتِمْطارًا [لِلزِّيادَةِ- ]، فَلِهَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ صَحَّ تَصَرُّفُهُ في الشَّمْسِ وما تَبِعَها مِمّا ذَكَرَ (p-٢٩٧)أوَّلَ السُّورَةِ لِإقامَةِ السّاعَةِ لِأجْلِ حِسابِ الخَلائِقِ، والإنْصافِ بَيْنَهم بِقَطْعِ كُلِّ العَلائِقِ، كَما يَفْعَلُ كُلُّ رَبٍّ مَعَ مَن يُرَبِّيهِ فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ! فَقَدِ التَقى طَرَفاها عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ وأجْلاها، وانْتَظَمَ أوَّلُ الِانْفِطارِ بِما لَهُ مِن بَدِيعِ الأسْرارِ، فالتَّكْوِيرُ كالِانْشِقاقِ والتَّفْطِيرِ، والِانْكِدارُ مِثْلُ التَّساقُطِ والِانْتِشارِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ هو أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences