Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Mutaffifin 83:18–36
83:18Page 588
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨
No! Indeed, the record of the righteous is in ʿilliyyūn.
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أفْهَمَ أنَّهم يَرَوْنَ جَمِيعَ عَذابِهِمْ إذْ ذاكَ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لَيْسَ هو المَجْمُوعُ بَلْ هو فَرْدٌ مِنَ الجِنْسِ فَلِهَذا عَمِلَ عَلَيْهِ الجِنْسُ وهو نُزُلُهم والأمْرُ أطَمُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ الوَصْفُ. ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُكَذِّبِينَ مِنَ العَذابِ الَّذِي جَرَّهُ إلَيْهِمْ إقْبالُهم عَلى الدُّنْيا بادِئًا بِهِ لِأنَّ المَقامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ لِلْوَعِيدِ وصَوادِعِ التَّهْدِيدِ، أتْبَعَهُ ما لِلْمُصَدِّقِينَ الَّذِينَ أقْبَلَ بِهِمْ إلى السَّعادَةِ تَرْكَ الحُظُوظِ وإعْراضِهِمْ عَنْ عاجِلِ شَهَواتِ الدُّنْيا، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ﴾ أيْ صَحِيفَةَ حَسَناتِ الَّذِينَ هم في غايَةِ الِاتِّساعِ في شَرْحِ صُدُورِهِمْ، واتِّساعِ عُقُولِهِمْ وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ وزَكائِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَحاسِنِ أُمُورِهِمْ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أيْ أماكِنَ مَنسُوبَةً إلى العُلُوِّ، وقَعَ النَّسَبُ أوَّلًا إلى فِعْلِيٍّ ثُمَّ جَمَعَ [وإنْ كانَ -] لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعِشْرِينَ وأخَواتِهِ، قالَ الكِسائِيُّ: إذا جَمَعَتِ العَرَبُ ما لا يَذْهَبُونَ فِيهِ إلى أنَّ لَهُ بِناءً مِن واحِدٍ واثْنَيْنِ فَإنَّهم يَجْمَعُونَ بِالواوِ والنُّونِ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ - انْتَهى، فَهي دَرَجاتٌ مُتَصاعِدَةٌ تَصْعَدُ إلى اللَّهِ ولا تَحْجُبُ (p-٣٢٦)عَنْهُ كَما يَحْجُبُ ما لِلْأشْقِياءِ بَعْضُها فَوْقَ [بَعْضٍ - ] إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ بِحَسَبِ رُتَبِ الأعْمالِ، وكُلُّ مَن كانَ كِتابُهُ مِنَ الأبْرارِ في مَكانٍ لَحِقَ بِهِ كَما أنَّ مَن كانَ كِتابُهُ مِنَ الفُجّارِ في سِجِّينٍ لَحِقَ بِهِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: مَن تَرَقّى عِلْمُهُ عَنِ الحَواسِّ والأوْهامِ وفِعْلُهُ عَنْ مُقْتَضى الشَّهْوَةِ والغَضَبِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلِيًّا، ومَن كانَ عِلْمُهُ وإدْراكُهُ مَقْصُورًا عَلى الحَواسِّ والخَيالِ والأوْهامِ وفِعْلُهُ عَلى مُقْتَضى الشَّهَواتِ البَهِيمِيَّةِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ في سِجِّينٍ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا عَظِيمًا، زادَ في تَعْظِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ ﴿أدْراكَ﴾ أيْ جَعَلَكَ دارِيًا وإنْ بالَغْتَ في الفَحْصِ ﴿ما عِلِّيُّونَ﴾ فَإنَّ وصْفَهُ لا تَسَعُهُ العُقُولُ ويَلْزَمُهُ لِعُلُوِّهِ فَضاءٌ مُطْلَقٌ واتِّساعٌ مُبِينٌ.
ولَمّا عَظَّمَ المَكانَ فَعُلِمَتْ عَظَمَةُ الكِتابِ، ابْتَدَأ الإخْبارُ عَنْهُ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ زِيادَةً في عَظَمَتِهِ فَقالَ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ ﴿مَرْقُومٌ﴾ أيْ فِيهِ [أنَّ - ] فُلانًا أمِنَ مِنَ النّارِ فَيا لَهُ مِن رَقْمٍ ما أحْسَنَهُ وما أبْهاهُ وما أجْمَلَهُ.
ولَمّا عَظَّمَهُ في نَفْسِهِ وفي مَكانِهِ، عَظَّمَهُ في حِضارِهِ فَقالَ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ أيْ يَحْضُرُهُ حُضُورًا تامًّا دائِمًا لا غَيْبَةَ فِيهِ الجَماعَةُ (p-٣٢٧)الَّذِينَ يَعْرِفُ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ لَيْسَ لَهم عِنْدَ كُلِّ مَن يَعْتَبِرُ تَقْرِيبَهُ إلّا التَّقْرِيبَ مِنَ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ هم شُهُودُ هَذا المَسْطُورِ وهُمُ المَلائِكَةُ يُشِيعُونَهُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ ويَحِفُّونَ بِهِ سُرُورًا وتَعْظِيمًا لِصاحِبِهِ ويَشْهَدُهُ مَن في السَّماواتِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فالآيَةُ مَعَ الأُولى مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ سَجِينٍ أوَّلًا دالٌّ عَلى الِاتِّساعِ ثانِيًا، وذِكْرُ عِلِّيِّينَ والمُقَرَّبِينَ ثانِيًا دالٌّ عَلى أسْفَلِ سافِلِينَ والمُبْعَدِينَ أوَّلًا.
ولَمّا عَظُمَ كِتابُهم بِهَذِهِ الفَضائِلِ، التَفَتَتِ النَّفْيُ إلى مَعْرِفَةِ حالِهِمْ فَقالَ شافِيًا لِعِيِّ هَذا الِالتِفاتِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يُنْكِرُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ﴾ أيِ الَّذِينَ هَذا كِتابُهم ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ أيْ مُحِيطٍ بِهِمْ ضِدَّ ما فِيهِ الفُجّارِ مِنَ الجَحِيمِ:
ولَمّا كانَ لا شَيْءَ أنْعَمُ لِلْإنْسانِ مِن شَيْءٍ عالٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ ويَمُدُّ بَصَرَهُ إلى ما يَشْتَهِي مِمّا لَدَيْهِ، قالَ مُبَيِّنًا لِذَلِكَ النَّعِيمِ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيِ الأسِرَّةِ العالِيَةِ [مَعَ هَذا -] العُلُوِّ المُطْلَقِ في الحِجالِ الَّتِي يُعْيِي الفِكْرَ وصْفُها لِما لَها مِنَ العُلُوِّ مِن تَرْصِيعِ اللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ إلى ما يَشْتَهُونَ مِنَ الجِنانِ والأنْهارِ والحُورِ والوِلْدانِ، لَيْسَ لَهم شُغْلٌ غَيْرَ ذَلِكَ وما شابَهَهُ مِنَ المُسْتَلَذّاتِ. وقالَ الإمامُ القُشَيْرِيُّ: أثْبَتَ النَّظَرَ ولَمْ يُبَيِّنِ المَنظُورَ إلَيْهِ لِاخْتِلافِهِمْ: مِنهم مَن يَنْظُرُ إلى قُصُورِهِ، ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلى حُورِهِ، ومِنهم ومِنهُمْ، (p-٣٢٨)والخَواصُّ عَلى دَوامِ الأوْقاتِ إلى اللَّهِ تَعالى يَنْظُرُونَ كَما أنَّ الفُجّارَ دائِمًا عَنْ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ.
83:24Page 588
تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤
You will recognize in their faces the radiance of pleasure.
ولَمّا وصَفَ نَعِيمَهُمْ، أخْبَرَ أنَّهم مِن عَراقَتِهِمْ فِيهِ [يَعْرِفُهم بِهِ -] كُلُّ ناظِرٍ إلَيْهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ﴾ أيْ أيُّها النّاظِرُ إلَيْهِمْ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وهو أدَلُّ عَلى العُمُومِ ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أيْ بَهْجَتَهُ ورَوْنَقَهُ وحُسْنَهُ وبَرِيقَهُ وطَراوَتَهُ، مِن نَضَرَ النَّباتُ - إذا أزْهَرَ ونَوَّرَ، وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: النَّضِرَةُ في الوَجْهِ والسُّرُورُ في القَلْبِ.
83:25Page 588
يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥
They will be given to drink [pure] wine1 [which was] sealed.
ولَمّا كانَتْ مَجالِسُ الأُنْسِ لا سِيَّما في الأماكِنِ النَّضِرَةِ لا تَطِيبُ إلّا بِالمَآكِلِ والمَشارِبِ، وكانَ الشَّرابُ يَدُلُّ عَلى الأكْلِ، قالَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ لِأنَّ هَذِهِ السُّوَرَ قِصارٌ يَقْصِدُ فِيها الجَمْعَ مَعَ الِاخْتِصارِ قالَ: ﴿يُسْقَوْنَ﴾ بانِيًا لَهُ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى أنَّهم مَخْدُومُونَ أبَدًا لا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في شَيْءٍ ﴿مِن رَحِيقٍ﴾ أيْ شَرابٍ خالِصٍ صافٍ عَتِيقٍ أبْيَضَ مُطَيَّبٍ في غايَةِ اللَّذَّةِ، فَإنَّهم قالُوا: إنَّ الرَّحِيقَ الخَمْرُ أوْ أطْيَبُها أوْ أفْضَلُها أوِ الخالِصُ أوِ الصّافِي، وضَرْبٌ مِنَ الطِّيبِ. ولا شَكَّ أنَّ العاقِلَ لا يَشْرَبُ (p-٣٢٩)الخَمْرَ مُطْلَقًا فَكَيْفَ بِأعْلاها [إلّا - ] إذا [كانَ - ] مُسْتَكْمِلًا لِمُقَدِّماتِها مِن مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ ومَلْبُوسٍ ومَنكُوحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ الخَتْمُ لا يَكُونُ إلّا لِما عَظُمَتْ رُتْبَتُهُ وعَزَّتْ نَفاسَتُهُ، قالَ مُرِيدًا الحَقِيقَةَ، أوِ الكِنايَةَ عَنْ نَفاسَتِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ أيْ فَهو مَعَ نَفاسَتِهِ سالِمٌ مِنَ الغُبارِ وجَمِيعِ الأقْذاءِ والأقْذارِ.
83:26Page 588
خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦
The last of it1 is musk. So for this let the competitors compete.
ولَمّا كانَ الخَتْمُ حِينَ الفَكِّ لا بُدَّ أنْ يَنْزِلَ مِن فُتاتِهِ في الشَّرابِ قالَ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ المُرادَ بِخِتامِهِ آخِرُ طَعْمِهِ، فَيَحْصُلُ أنَّ خِتامَهُ في أوَّلِ فَتْحِهِ وفي آخِرِ شُرْبِهِ المِسْكَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ يَفْتَحُهُ إلّا شارِبُهُ، وأنَّهُ يَكُونُ عَلى قَدْرِ كِفايَتِهِ فَيَشْرَبُهُ كُلَّهُ، والعِبارَةُ صالِحَةٌ لِأنْ يَكُونَ [الخِتامُ - ] أوَّلًا وآخِرًا، وهو يَجْرِي مَجْرى افْتِضاضِ البِكْرِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: [فِيهِ - ] يَبْلُغُ نِهايَةَ اللَّذَّةِ الشّارِبُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وفِي ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ [العَظِيمِ - ] البَعِيدِ المُتَناوَلِ وهو العَيْشُ والنَّعِيمُ والشَّرابُ الَّذِي هَذا وصْفُهُ ﴿فَلْيَتَنافَسِ﴾ أيْ فَلْيَرْغَبْ غايَةَ الرَّغْبَةِ بِجَمِيعِ الجُهْدِ والِاخْتِيارِ ﴿المُتَنافِسُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمُ المُنافَسَةُ وهو أنْ يَطْلُبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُتَنافِسُ فِيهِ لِنَفْسِهِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا، (p-٣٣٠)والنَّفِيسُ هو الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ وتَتَغالى فِيهِ. والمُنافَسَةُ في مِثْلِ هَذا بِكَثْرَةِ الأعْمالِ [الصّالِحاتِ - ] والنِّيّاتِ الخالِصَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ الشَّرابَ، أتْبَعَهُ مِزاجَهُ عَلى ما يَتَعارَفَهُ أهْلُ الدُّنْيا لَكِنْ بِما هو أشْرَفُ مِنهُ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِحالِ هَذا المَسْقِيِّ: ﴿ومِزاجُهُ﴾ أيْ يَسْقُونَ مِنهُ والحالُ أنَّ مِزاجَ هَذا الرَّحِيقِ ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ عَلَمٌ عَلى عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ وهو - مَعَ كَوْنِهِ عَلَمًا - دالٌّ عَلى أنَّها عالِيَةُ المَحَلِّ والرُّتْبَةِ، والشَّرابُ يُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ ماؤُها [مِنَ العُلُوِّ -] -، وقالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: ماؤُها يَجْرِي عَلى الهَواءِ مُتَنَسِّمًا يَنْصَبُّ في أوانِي أهْلِ الجَنَّةِ عَلى مِقْدارِ الحاجَةِ، فَإذا امْتَلَأتْ أمْسَكَ، وهو في الشِّعْرِ اسْمُ جَبَلٍ عالٍ وكَذا التَّنْعِيمُ وأصْلُهُ مِنَ السَّنامِ، ولِذَلِكَ قَطَعَها مادِحًا فَقالَ:
83:28Page 588
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨
A spring from which those near [to Allāh] drink.
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها﴾ أيْ بِسَبَبِها عَلى طَرِيقَةِ المِزاجِ مِنها ﴿المُقَرَّبُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ وقَعَ تَقْرِيبُهم مِنَ اجْتِذابِ الحَقِّ لَهم إلَيْهِ وقَصْرِ هِمَمِهِمْ عَلَيْهِ، كُلُّ شَرابٍ يُرِيدُونَهُ، وأمّا الأبْرارُ فَلا يَشْرَبُونَ بِها إلّا الرَّحِيقَ، وأمّا غَيْرُهم فَلا يَصِلُ إلَيْها أصْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُقَرَّبِينَ يَشْرَبُونَ مِن هَذِهِ العَيْنِ صِرْفًا، والأبْرارُ يَمْزُجُ لَهم مِنها والفَرْقُ ظاهِرٌ - هَنِيًّا لَهم.
83:29Page 588
إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ ٢٩
Indeed, those who committed crimes used to laugh at those who believed.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَزاءَ الكافِرِ بِالجَحِيمِ وجَزاءَ المُؤْمِنِ بِالنَّعِيمِ، (p-٣٣١)وكانَ مِن أجْلِ النَّعِيمِ الشَّماتَةُ بِالعَدُوِّ، عَلَّلَ جَزاءَ الكافِرِ بِما فِيهِ شَماتَةُ المُؤْمِنِ بِهِ لِأنَّهُ اشْتَغَلَ في الدُّنْيا بِما لا يُغْنِي، فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ تَفْوِيتُهُ لِما يُغْنِي، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ ذا المُرُوءاتِ والهِمَمِ العالِياتِ والطَّبْعِ السَّلِيمِ والمِزاجِ القَوِيمِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ مِثْلُ هَذا، وأكَّدَهُ إشارَةً إلى أنَّ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَكُونَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ قَطَعُوا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿كانُوا﴾ أيْ في الدُّنْيا دَيْدَنًا وخُلُقًا وطَبْعًا وجِبِلَّةً ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ ولَوْ كانُوا في أدْنى دَرَجاتِ الإيمانِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الضَّحِكَ كُلَّما رَأوْهم أوْ ذَكَّرُوهُمُ اسْتِهْزاءً بِهِمْ وبِحالاتِهِمُ الَّتِي هم عَلَيْها مِن عَلاماتِ الإيمانِ في رَثاثَةِ أحْوالِهِمْ وقِلَّةِ أمْوالِهِمْ [و - ] احْتِقارِ النّاسِ لَهم مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا بُدَّ أنْ يَنْصُرَهم ويُعْلِيَ أمْرَهُمْ
83:30Page 588
وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ ٣٠
And when they passed by them, they would exchange derisive glances.
﴿وإذا مَرُّوا﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿بِهِمْ﴾ أيْ بِالَّذِينِ أجْرَمُوا في أيِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ يَسْتَهْزِئُونَ و﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَغْمِزُ بَعْضُ الَّذِينَ أجْرَمُوا بَعْضًا لِأذى الَّذِينَ آمَنُوا.
83:31Page 588
وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ ٣١
And when they returned to their people, they would return jesting.
ولَمّا وصَفَهم في مَواضِعِ التَّرَدُّدِ والتَّقَلُّبِ، وصَفَهم في المَنازِلِ فَقالَ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ أيْ رَجَعَ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِرَغْبَتِهِمْ في الرُّجُوعِ وإقْبالِهِمْ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَكَرُّهٍ ﴿إلى أهْلِهِمُ﴾ أيْ مَنازِلِهِمُ الَّتِي هي عامِرَةٌ (p-٣٣٢)بِجَماعَتِهِمْ ﴿انْقَلَبُوا﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿فَكِهِينَ﴾ أيْ مُتَلَذِّذِينَ غايَةَ التَّلَذُّذِ بِما كانَ مِن مُكْنَتِهِمْ ورِفْعَتِهِمُ الَّتِي أوْصَلَتْهم إلى الِاسْتِسْخارِ بِغَيْرِهِمْ، قالَ: ابْنُ بُرْجانَ: وذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ الدِّينَ بَدَأ غَرِيبًا وسَيَعُودُ [غَرِيبًا - ] - كَما بَدَأ، يَكُونُ القابِضُ عَلى دِينِهِ كالقابِضِ عَلى الجَمْرِ» وفي أُخْرى: «يَكُونُ المُؤْمِنُ فِيهِمْ أذَلَّ مِنَ الأُمَّةِ. وفي أُخْرى: العالَمُ فِيهِمْ أنْتَنُ مِن جِيفَةِ حِمارٍ» - فاللَّهُ المُسْتَعانُ.
83:32Page 588
وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ٣٢
And when they saw them, they would say, "Indeed, those are truly lost."
ولَمّا ذَكَرَ مُرُورَهم بِهِمْ، ذَكَرَ مُطْلَقَ رُؤْيَتِهِمْ لَهم فَقالَ: ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ أيْ رَأى الَّذِينَ أجْرَمُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴿قالُوا﴾ أيْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِلَّذِينِ آمَنُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّهم يَسْتَشْعِرُونَ أنَّ كُلَّ ذِي عَقْلٍ يُكَذِّبُهم مُشِيرِينَ إلى تَحْقِيرِهِمْ بِأداةِ القُرْبِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿لَضالُّونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في الضَّلالِ لِأنَّهم تَرَكُوا الدُّنْيا لِشَيْءٍ أجَلَّ لا صِحَّةَ لَهُ
83:33Page 588
وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ ٣٣
But they had not been sent as guardians over them.
﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهم [ما - ] ﴿أُرْسِلُوا﴾ أيْ مِن مُرْسَلٍ ما ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا خاصَّةً حَتّى يَكُونَ لَهم بِهِمْ هَذا الِاعْتِناءُ في بُيُوتِهِمْ وخارِجِها عِنْدَ مُرُورِهِمْ وغَيْرِهِ ﴿حافِظِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في حِفْظِ أعْمالِ الَّذِينَ آمَنُوا فَما اشْتِغالُهم بِهِمْ إلى هَذا الحَدِّ أنْ كانُوا عِنْدَهم في عِدادِ السّاقِطِ المُهْمَلِ كَما يَزْعُمُونَ فَما هَذِهِ المُراعاةُ المُسْتَقْصِيَةُ لِأحْوالِهِمْ وإنْ كانُوا في عِدادِ المَنظُورِ إلَيْهِ المُعْتَنى بِهِ فَلْيُبَيِّنُوا فَسادَ حالِهِمْ بِوَجْهٍ تَقْبَلُهُ العُقُولُ (p-٣٣٣)ويَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أوْ لِيُتْبِعُوهم وإلّا فَهم غَيْرُ عارِفِينَ بِمَواضِعِ الإصْلاحِ وتَعاطِي الأُمُورِ عَلى وجْهِها فَما أحَقَّهم بِقَوْلِ القائِلِ:
؎أوْرَدَها سَعْدٌ وسَعْدٌ مُسْتَمِلٌ ∗∗∗ ما هَكَذا تُورَدُ يا سَعْدُ الإبِلَ
83:34Page 588
فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ ٣٤
So Today1 those who believed are laughing at the disbelievers,
ولَمّا كانَ لا نَعِيمَ أفْضَلُ مِنَ الشَّماتَةِ بِالعَدُوِّ لا سِيَّما إذا كانَتْ عَلى أعْلى طَبَقاتِ الشَّماتَةِ قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا مِن فِعْلِهِمْ في دارِ العَمَلِ أنَّهُ يَكُونُ في دارِ الجَزاءِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَوْ كانُوا في أدْنى دَرَجاتِ الإيمانِ ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ خاصَّةً، وهُمُ الرّاسِخُونَ في الكُفْرِ مِن عُمُومِ الَّذِينَ أجْرَمُوا، في الحَشْرِ والجَنَّةِ سُخْرِيَةً وهُزُؤًا، فَإنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لا يَضْحَكُونَ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ لَوْ رَأوْهم يُعَذَّبُونَ بَلْ يَرْحَمُونَهم لِاشْتِراكِهِمْ في الدِّينِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ قَصاصًا وجَزاءً حِينَ يَرَوْنَ ما هم فِيهِ مِنَ الذُّلِّ سُرُورًا بِحالِهِمْ شُكْرًا لِلَّهِ عَلى ما أعْطاهم مِنَ النَّجاةِ مِنَ النّارِ والنِّقْمَةِ مِن أعْدائِهِمْ، قالَ أبُو صالِحٍ: تُفْتَحُ لَهُمُ الأبْوابُ ويُقالُ: اخْرُجُوا، فَيُسْرِعُونَ فَإذا وصَلُوا إلى الأبْوابِ غُلِّقَتْ في وُجُوهِهِمْ ورَدُّوا عَلى أقْبَحِ حالٍ، فَيَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ - انْتَهى. ويا لَها مِن خَيْبَةٍ وخَجِلَةٍ (p-٣٣٤)وسَوادِ وجْهٍ وتَعَبِ قَلْبٍ وتَقْرِيعِ نَفْسٍ مِنَ العَذابِ بِالنّارِ وبِالشَّماتَةِ والعارِ، حالَ كَوْنِ الَّذِينَ آمَنُوا مُلُوكًا
﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيِ الأُسْرَةِ العالِيَةِ المُزَيَّنَةِ الَّتِي هي مِن حُسْنِها أهْلٌ لِأنْ يُقِيمَ المُتَّكِئَ بِها ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ تَحْدِيقَ العُيُونِ إلَيْهِمْ كُلَّما أرادُوا فَيَرَوْنَ ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والذُّلِّ والعَذابِ بَعْدَ العِزَّةِ والنَّعِيمِ نَظَرُ المُسْتَفْهِمِ
83:36Page 589
هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦
Have the disbelievers [not] been rewarded [this Day] for what they used to do?
﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُلَذَّذَ مُطْلَقُ مُجازاتِهِمْ ﴿الكُفّارُ﴾ أيْ وقَعَ تَثْوِيبُ العِرِيقِينَ في الكُفْرِ أيْ إعْطاؤُهُمُ الثَّوابَ والجَزاءَ عَلى أنْهى ما يَكُونُ، فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبِ ”يَنْظُرُونَ“ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ نَفْسَ فِعْلِهِمْ بِما هو لَهم كالجِبِلّاتِ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ [أيْ - ] بِدَواعِيهِمُ الفاسِدَةِ ورَغَباتِهِمُ المَعْلُولَةِ، فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ لَهُمُ الوَيْلَ الَّذِي افْتَتَحَتِ السُّورَةُ بِالتَّهْدِيدِ بِهِ لِمَن يَفْعَلُ فِعْلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يُجازى عَلى فِعْلِهِ، وآخِرُها فِيمَنِ انْتَقَصَ الأعْراضَ في خَفاءٍ، [و - ] أوَّلُها فِيمَنِ انْتَقَصَ الأمْوالَ كَذَلِكَ، وجَفاءُ العَدْلِ والوَفاءِ، واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ وإلَيْهِ المَتابُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences