Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الغاشية
Al-Ghashiyah
The Overwhelming · Meccan · 26 ayahs
88:1Page 592
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ ١
Has there reached you the report of the Overwhelming [event]?
(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ مَقْصُودُها
شَرْحُ ما في آخِرِ ”سَبِّحْ“ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ العَبَثِ بِإثْباتِ الدّارِ الآخِرَةِ الَّتِي الغاشِيَةُ مَبْدَؤُها، وذَكَرَ ما فِيها لِلْأتْقى والأشْقى، والدَّلالَةُ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْها، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَقْصُودِ الغاشِيَةُ - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ القَلْبِ الغاشِي والبَصِيرَةِ الغاشِيَةِ، لِئَلّا تَكُونَ الغاشِيَةُ عَلَيْنا بِسُوءِ الأعْمالِ ناشِيَةً ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ البالِغَةُ والحِكْمَةُ الباهِرَةُ ”الرحمنْ“ الَّذِي لَهُ الفَيْضُ الأعْلى والنِّعَمُ الظّاهِرَةُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي اصْطَفى أوْلِياءَ فَأصْلَحَ بَواطِنَ نِعَمِهِمْ حَتّى عادَتْ ظاهِرَةً طاهِرَةً.
* *
لَمّا خُتِمَتْ ”سَبِّحْ“ بِالحَثِّ عَلى تَطْهِيرِ النُّفُوسِ عَنْ وضَرِ الدُّنْيا، ورَغِبَ في ذَلِكَ بِخَيْرِيَّةِ الآخِرَةِ تارَةً والِاقْتِداءِ بِأُولِي العَزْمِ مِنَ الأنْبِياءِ أُخْرى، رَهِبَ أوَّلُ هَذِهِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ مَرَّةً، ومِنَ التَّزَكِّي بِغَيْرِ مِنهاجِ الرُّسُلِ أُخْرى، فَقالَ تَعالى مُذَكِّرًا بِالآخِرَةِ الَّتِي حَثَّ عَلَيْها آخِرُ
(p-٢)تِلْكَ مُقَرِّرًا لِأشْرَفِ خَلْقِهِ ﷺ لِأنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ في تَقْدِيرِ اتِّباعِهِ وأقْعَدُ في تَحْرِيكِ النُّفُوسِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ بِالقَبُولِ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ جاءَكَ وكانَ لَكَ وواجَهَكَ عَلى وجْهِ الوُضُوحِ يا أعْظَمَ خَلْقَنا ﴿حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيِ القِيامَةِ الَّتِي تَغُشِّي النّاسَ بِدَواهِيها وشَدائِدِها العُظْمى وزَواجِرِها ونَواهِيها، فَإنَّ الغَشْيَ لا يَكُونُ إلّا فِيما يُكْرَهُ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَقَدَّمَ تَنْزِيهُهُ سُبْحانَهُ عَمّا تَوَهَّمَ الظّالِمُونَ، واسْتَمَرَّتْ أيِ السُّورَةُ عَلى ما يُوَضِّحُ تَقَدُّسَ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ عَنْ عَظِيمِ مَقالِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الغاشِيَةِ بَعْدَ افْتِتاحِ السُّورَةِ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمًا لِأمْرِها، فَقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ”هَلْ أتاك“ يا مُحَمَّدُ ”﴿حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾“ وهي القِيامَةُ، [فَكَأنَّهُ] سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: في ذَلِكَ اليَوْمِ يُشاهِدُونَ جَزاءَهم ويَشْتَدُّ تَحَسُّرُهم حِينَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ، ثُمَّ عَرَفَ بِعَظِيمِ امْتِحانِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] مَعَ ما بَعْدَ ذَلِكَ وما قَبْلَهُ، ثُمَّ عَرَفَ بِذِكْرِ حالِ مَن كانَ في نَقِيضِ حالِهِمْ إذْ ذَلِكَ أزْيَدُ في الفَرَحِ وأدْهى، ثُمَّ أرْدَفَ بِذِكْرِ ما نَصَبَ مِنَ الدَّلائِلِ وكَيْفَ لَمْ يُغْنِ فَقالَ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] - الآياتُ، أيْ أفَلا يَعْتَبِرُونَ بِكُلِّ ذَلِكَ ويَسْتَدِلُّونَ بِالصَّنْعَةِ عَلى الصّانِعِ ثُمَّ أمَرَهُ بِالتِّذْكارِ - انْتَهى.
ولَمّا هَوَّلَ أمْرَها بِانْبِهامِها وعُمُومِها، زادَ في التَّهْوِيلِ بِما ذَكَرَ مِن (p-٣)أحْوالِها في تَفْصِيلِ النّاسِ إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ، وبَدَأ بِالشَّقِيِّ لِأنَّ المَقامَ لِإنْذارِ المُؤْثِرِينَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ التَّفْصِيلُ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ﴾ أيْ كَثِيرَةٌ جِدًّا كائِنَةٌ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [أيْ] إذْ تَغْشى النّاسَ ﴿خاشِعَةٌ﴾ أيْ ذَلِيلَةٌ مُخْبِتَةٌ مِنَ الخَجَلِ والفَضِيحَةِ والخَوْفِ والحَسْرَةِ الَّتِي لا تَنْفَعُ في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ
﴿عامِلَةٌ﴾ أيْ مُجْتَهِدَةٌ في الأعْمالِ الَّتِي تَبْتَغِي بِها النَّجاةَ حَيْثُ لا نَجاةَ بِفَواتِ دارِ العَمَلِ فَتَراها جاهِدَةً فِيما كَلَّفَتْها بِهِ الزَّبانِيَةُ مِن جَرِّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ وخَوْضِ الغَمَراتِ مِنَ النِّيرانِ ونَحْوِ ذَلِكَ كَأنْ يُقالُ لَهُ: أدِّ الأمانَةَ ثُمَّ تُمَثِّلُ لَهُ أمانَتَهُ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، فَتُكَلِّفُ النُّزُولَ إلَيْها ثُمَّ يَحْمِلُها عَلى عُنُقِهِ ويَصْعَدَ في جِبالِ النِّيرانِ حَنى إذا كادَ أنْ يَصِلَ إلى أعْلاها سَقَطَتْ مِنهُ فَيَتَكَلَّفُ النُّزُولَ إلَيْها وهَكَذا، وهَذا بِما كانَ يُهْمِلُ العَمَلَ في الدُّنْيا ﴿ناصِبَةٌ﴾ أيْ هي في ذَلِكَ في غايَةِ التَّعَبِ والدُّؤُوبُ في العَمَلِ والِاجْتِهادِ - هَذِهِ رِوايَةُ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَخْشَوُا اللَّهَ في الدُّنْيا فَلَمْ يَعْمَلُوا لَهُ فَلَمْ يَنْصِبُوا في طاعَتِهِ أجْسادَهم فاضْطَرَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى أعْظَمِ مِمّا أبَوْهُ في الدُّنْيا مَعَ المَضَرَّةِ دُونَ المَنفَعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الَّذِينَ تَعِبُوا ونَصَّبُوا في الدُّنْيا أجْسامَهم وهم عَلى غَيْرِ (p-٤)دِينِ الإسْلامِ كالرُّهْبانِ مِنَ النَّصارى بَعْدَ النُّسَخِ وزَنادِقَةِ المُتَصَوِّفَةِ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأتْباعِهِمْ، بِأنْ يَكُونَ ”وُجُوه“ مُبْتَدَأٌ و”يَوْمَئِذٍ“ خَبَرُهُ أيْ كائِنَةٍ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ يُقَدَّرُ ما بَعْدَهُ في جَوابِ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: ما شَأْنُها؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: خاشِعَةٌ، أيْ في الدُّنْيا - إلى آخِرِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ العَذابُ لا يَكُونُ إلّا [عَلى] ما يَكْرَهُهُ المُعَذَّبُ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّهُ عَلى أنْهى ما يَكُونُ بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فَقالَ: ﴿تَصْلى﴾ أيْ يُصَلِّيها مُصَلٍّ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ وأسْهَلِهِ بِأمْرِ مَن لَهُ الأمْرُ بِأنْ يَغْمِسَها قَهْرًا عَلى وجْهِ الإحاطَةِ بِها، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ: تَدْخُلُ وتُباشِرُ بِأنْ يَدُسَّها فِيها أصْحابُها فَيُحِيطُ بِها مِن كُلِّ جانِبٍ وهو يَدُلُّ عَلى غايَةِ الذُّلُّ لِأنَّ مَن فَعَلَ بِنَفْسِهِ هَذا لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ ﴿نارًا حامِيَةً﴾ مُتَناهِيَةً في الحَرِّ لِأنَّها عَمِلَتْ بِالجَهْلِ عَلى خِلافِ ما حَدَّهُ لَها نَبِيُّها فَأخَلَّتْ بِرُكْنٍ لِلْعَمَلِ أوْ شَرْطٍ لِما اسْتَوْلى عَلَيْها مِنَ الغَفْلَةِ الَّتِي أحاطَتْ بِها، فَلَمْ تُدْعَ لَها مَوْضِعًا يَصْلُحُ لِدُخُولِ الرَّحْمَةِ مِنهُ.
ولَمّا كانَ مَن في الحَرِّ أحْوَجَ شَيْءٍ إلى ما يَبْرُدُ باطِنُهُ، قالَ بانِيًا [عِنْدَ الكُلِّ] لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو في الَّذِي قَبْلَهُ: ﴿تُسْقى﴾ (p-٥)أيْ يُسْقى كُلُّ مَن أذِنَ لَهُ المَلِكُ في ذَلِكَ عَلى أهْوَنِ وجْهٍ وأيْسَرِهِ ﴿مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ بَلَغَتْ غايَتُها في الحَرِّ فَنَضِجَتْ غايَةَ النُّضْجِ فَصارَتْ إذا قَرَّبُوها مِنهم سَقَطَ لَحْمُ وُجُوهِهِمْ، وإذا شَرِبُوا قَطَعَتْ أمْعاءَهم مِمّا شَرِبُوا في الدُّنْيا مِن كاساتِ الهَوى الَّتِي قَطَعُوا باسْتِلْذاذِهِمْ لَها قُلُوبُ الأوْلِياءِ.
88:6Page 592
لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦
For them there will be no food except from a poisonous, thorny plant
ولَمّا ذَكَرَ ما يَسْقُونَهُ عَلى وجْهِ عِلْمٍ مِنهُ أنَّهُ لا يَلْذَذْ ولا يَرْوِي مِن عَطَشٍ، أتْبَعُهُ ما يُطْعِمُونَهُ فَقالَ حاصِرًا لَهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أذابُوا أنْفُسَهم في عِبادَةٍ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيها ﴿طَعامٌ﴾ أصْلًا ﴿إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ أيْ يَبِيسٍ الشَّبْرَقِ، وهو شَوْكٌ تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطِبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ، [و] قالَ في القامُوسِ: والضَّرِيعُ كَأمِيرٍ: الشَّبْرَقُ أوْ يَبِيسُهُ أوْ نَباتُ رُطَبِهِ يُسَمّى شَبْرَقًا، ويابِسُهُ يُسَمّى ضَرِيعًا، لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ لِخُبْثِهِ، أوْ شَيْءٌ في جَهَنَّمَ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ وأنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ وأحَرُّ مِنَ النّارِ، ونَباتُ مُنْتِنٌ يُرْمى بِهِ البَحْرُ، وقالَ الهَرَوِيُّ في الغَرِيبَيْنِ وعَبْدِ الحَقِّ في الواعِي: الضَّرِيعُ: الشَّبْرَقُ، وهو نَباتٌ مَعْرُوفٌ بِالحِجازِ ذُو شَوْكٍ، ويُقالُ شَبْرَقَ ما دامَ رَطِبًا، فَإذا جَفَّ فَهو ضَرِيعٌ، وقالَ القَزّازُ في دِيوانِهِ: الضَّرِيعُ: يَبِيسٌ مَن يَبِيسُ الشَّجَرِ، وقِيلَ: هو يَبِيسُ الشَّبْرَقِ خاصَّةً، وقِيلَ: هو نَباتٌ أخْضَرُ يُرْمى [بِهِ] البَحْرُ وهو مُنْتِنٌ.
أبُو حَنِيفَةَ (p-٦)رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: وهو مَرْعى لا تَعْقِدُ عَلَيْهِ السّائِمَةُ شَحْمًا و[لا] لَحْمًا، وإنْ لَمْ تُفارِقْهُ إلى غَيْرِهِ ساءَتْ حالُها. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ: الضَّرِيعُ هو نَبْتٌ بِالحِجازِ لَهُ شَوْكٌ كِبارٌ، وقالَ: الشَّبْرَقُ نَباتٌ حِجازِيٌّ يُؤْكَلُ ولَهُ شَوْكٌ، وإذا يَبِسَ سُمِّيَ الضَّرِيعُ. وهَذا ثَوْبٌ مُشَبْرَقٌ وهو الَّذِي أُفْسِدَ، وفي نَسْجِهِ سَخافَةٌ، وشَبْرَقْتُ الثَّوْبَ أيْضًا: حَرَقْتَهُ، وقالَ في القامُوسِ: الشَّبْرَقُ كَزِبْرِجَ: رُطَبُ الضَّرِيعِ واحِدُهُ بَهاءٍ، قالَ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: هو نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ الشَّبْرَقُ، فَإذا هاجَ سَمُّوهُ الضَّرِيعُ، وهو أخْبَثُ طَعامٍ وأبْشَعُهُ، وهو رِوايَةُ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ولا يَمْتَنِعُ في قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَكُونَ الغِسْلِينُ إذا انْفَصَلَ عَنْ أبْدانِ أهْلِ النّارِ صارَ عَلى هَيْئَةِ الشَّبْرَقِ المُسَمّى ضَرِيعًا، فَيَكُونُ طَعامُهُمُ الغِسْلِينَ الَّذِي هو الضَّرِيعُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ أقْبَحِ العَيْشِ ولا يُرادُ بِهِ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، قالَ المَلْوِيُّ: وسُمِّيَ ضَرِيعًا لِأنَّ الإنْسانَ يَتَضَرَّعُ عِنْدَ أكْلِهِ مِن خُشُونَتِهِ ومَرارَتِهِ ونَتْنِهِ.
88:7Page 592
لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧
Which neither nourishes nor avails against hunger.
(p-٧)ولَمّا حَصَرَ أكْلَهم في هَذا، وكانَ الضَّرِيعُ المَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ قَدْ يَتَصَوَّرُ مُتَصَوِّرٌ أنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ شَيْءٌ عَلى أكْلِهِ أسْمَنَهُ أوْ سَدَّ جَوْعَتَهُ، وكانَ الضَّرِيعُ المَأْكُولُ لَهم في القِيامَةِ شَوْكًا مِن نارٍ كَما ورَدَ تَفْسِيرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ نَفى عِنْدَ فائِدَةِ الطَّعامِ، فَقالَ واصِفًا الضَّرِيعَ أوِ الطَّعامَ المُقَدَّرَ بَعْدَ ”إلّا“ بِما يَفْهَمُهُ تَحامِي الإبِلِ الَّتِي تَرْعى كُلَّ نابِتٍ وهي أعْظَمُ الحَيَواناتِ إقْبالًا عَلى أنْواعِ الشَّوْكِ لَهُ مِن أنَّهُ ضَرٌّ بِلا نَفْعٍ ﴿لا يُسْمِنُ﴾ [أيْ] فَلا يُشْبِعُ ولا يُقَوِّي لِأنَّهُ يَلْزَمُ ما يُسْمِنُ، فَعَدَمُهُ يُلازِمُ عَدَمَهُ.
ولَمّا نَفى عَنْهُ ما هو مَقْصُودُ أهْلِ الرَّفاهِيَةِ وبَدَأ بِهِ [لِأنَّ المَقامَ] لَهُ نَفْيُ ما يُقْصَدُ لِلْكَفافِ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا يُغْنِي﴾ أيْ يَكْفِي كِفايَةً مُبْتَدِئَةً ﴿مِن جُوعٍ﴾ فَلا يَحْفَظُ الصِّحَّةَ ولا يَمْنَعُ الهُزالَ، والمَقْصُودُ مِنَ الطَّعامِ أحَدُ الأمْرَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَأْكُلُونَ الحَرامَ الَّذِي تَنْبُتُ عَلَيْهِ لُحُومُهم فَيُفْسِدُها بِفَسادِهِ وتَنْمُو بِهِ نُفُوسُهم فَيُخْبِثُها بِخُبْثِهِ ويَتَغَذَّوْنَ بِالشُّبَهِ أيْضًا ويُباشِرُونَها في جَمِيعِ أوْقاتِهِمْ ويُباشِرُونَ العُلُومَ الَّتِي تَظْلِمُ (p-٨)القُلُوبَ كالفَلْسَفَةِ والشِّعْرِ والسِّحْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَجُرُّ إلى البِدَعِ. والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: نَفْيُ السِّمَنِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى إثْباتِ الهُزالِ ثانِيًا، ونَفْيُ الإغْناءِ مِنَ الجَزَعِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشِّبَعِ أوَّلًا، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ صِفَةَ الطَّعامِ أفْسَدَ المَعْنى لِأنَّهُ يُؤَوَّلُ إلى: لَيْسَ لَهم طَعامٌ مَنفِيٌّ عَنْهُ الإسْمانُ والإغْناءُ، بَلْ لَهم طَعامٌ لا يَنْفِي عَنْهُ ذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ الأعْداءَ وقَدَّمَهم لِما تَقَدَّمَ، أتْبَعُهُ الأوْلِياءُ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا ذَكَرَ ما لَهم مِن ضِدِّ ما ذَكَرَ لِلْأعْداءِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ [إذْ] كانَ ما ذَكَرَ ﴿ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتَ بَهْجَةٍ وسُرُورٍ تَظْهَرُ عَلَيْها النِّعْمَةُ والنَّضْرَةُ والرّاحَةُ والرَّفاهِيَةُ بِضِدِّ تِلْكَ النّاصِبَةِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في دارِ العَمَلِ الدُّنْيا وصَبَرُوا عَلى التَّقَشُّفِ وشَظَفِ العَيْشِ
﴿لِسَعْيِها﴾ أيْ عَمَلِها لِلْآخِرَةِ الَّذِي كَأنَّهُ لا سَعْيَ غَيْرُهُ خاصَّةً لِعِلْمِها أنَّهُ مُنْجٍ ﴿راضِيَةٌ﴾ لِما رَأتْ مِن ثَوابِهِ تَوَدُّ أنَّ جَمِيعَ سَعْيِها (p-٩)[فِي الدُّنْيا] كانَ لِذَلِكَ بَعْدَ أنْ كانَ ذَلِكَ السَّعْيُ الَّذِي هو لِلْآخِرَةِ كَرِيهًا إلَيْها في الدُّنْيا لا تُباشِرُهُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّعْيَ أتْبَعُهُ ثَوابَهُ فَقالَ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ في المَكانِ العالِي والمَكانَةِ العالِيَةِ والأشْجارِ والغُرَفِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِما صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنِ الدَّنايا ورَفَعُوا هِمَمَهم إلى النَّفائِسِ.
ولَمّا كانَ ما كانَ مِن هَذا لا يَصْفُو، وفِيهِ ما يُكْرَهُ مِنَ الكَلامِ قالَ مُنَزِّهًا لَها عَنْ كُلِّ سُوءٍ: ﴿لا تَسْمَعُ﴾ أيْ أيُّها الدّاخِلُ إلَيْها - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو أبْلَغُ في النَّفْيِ ﴿فِيها لاغِيَةً﴾ أيْ لَغْوٌ ما أوْ نَفْسٌ تَلْغُو أوْ كَلِمَةٌ ذاتُ لَغْوٍ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، بَلِ المَسْمُوعُ فِيها الذِّكْرُ مِنَ التَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ والتَّنْزِيهِ لِحَمْلِ ما يَرى فِيها مِنَ البَدائِعِ عَلى ذَلِكَ مَعَ نَزْعِ الحُظُوظِ الحامِلَةِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ القُلُوبِ بِما كانُوا يَكْرَهُونَ مِن لَغْوِ أهْلِ الدُّنْيا المُنافِي لِلْحِكْمَةِ.
ولَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بِأوَّلِ ما يُعْتَبَرُ فِيها وهو عَدَمُ المُنَغِّصِ، أتْبَعُهُ ما يَطْلُبُ بَعْدَهُ وهو تَناوُلُ المُلْتَذّاتِ، وكانَ الأكْلُ قَدْ فُهِمَ مِن ذِكْرِ لَفْظِ الجَنَّةِ، ذِكْرُ المَشْرُوبِ لِذَلِكَ ولِدَلالَتِهِ إذا كانَ جارِيًا عَلى (p-١٠)زِيادَةِ حُسْنِ الجَنَّةِ وكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ النَّباتاتِ المَقِيتَةِ والمُفَكِّهَةِ مِنَ النَّجْمِ والأشْجارِ والرَّيِّ والأطْيارِ، فَقالَ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ جَنَّةٍ مِمّا نَعْرِفُهُ فِيهِ ماءٌ جارٍ بِنَفْسِهِ: ﴿فِيها﴾ أيِ الجَنَّةِ. ولَمّا كانَ الماءُ الجارِي صالِحًا لِأنْ يُقَسَّمَ إلى أماكِنَ كَثِيرَةٍ، وحَدَّ قَوْلَهُ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلْكَثِيرِ مُقابَلَةٌ لِعَيْنِ أهْلِ النّارِ في دارِ البَوارِ: ﴿عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةُ الجَرْيِ جِدًّا، فَهي بِحَيْثُ لا تَنْقَطِعُ أصْلًا لِما لِأرْضِها مِنَ الزَّكاءِ والكَرْمِ و[ما] لِمائِها مِنَ الغَزارَةِ وطِيبِ العُنْصُرِ، فَهو صالِحٌ لِأنْ يَعُمُّ جَمِيعَ نَواحِيها أقاصِيها وأدانِيها وإنْ عَظُمَ [اتِّساعُها] وتَناءَتْ أقْطارُها وبِقاعُها، كَما نَراهُ يَجْرِي مِن ساقِ الشَّجَرَةِ الكَبِيرَةِ جِدًّا فَيَسْقِي جَمِيعَ أغْصانِها وأوْراقِها وثِمارِها، ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ جَرْيَهُ مِن أسْفَلِ إلى فَوْقٍ، يَجْدِبُهُ جادِبُ الشَّوْقِ ويَسُوقُهُ أيْ سَوْقٌ يُقَدِّرُهُ الخَلّاقُ العَلِيمُ، والَّذِي قَدَرَ عَلى هَذا كَما هو مُشاهِدٌ لَنا لا نَشُكُّ فِيهِ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ هَذِهِ العَيْنَ - الصّالِحَةَ لِلْجِنْسِ ولَوْ كانَتْ واحِدَةً بِالشَّخْصِ - عامَّةً لِجَمِيعِ مَرافِقِ الجَنَّةِ [تَجْرِي] إلى خِيامِها ورِياضِها وبَساتِينِها ومَصانِعِها ومَجالِسِها ويَصْعَدُها إلى أعالِي غُرَفِها وإنْ عَلَتْ، مُقَسَّمَةً بِحَسْبِ المَصالِحِ، مُوَزَّعَةً عَلى قَدْرِ المَنافِعِ، بِغايَةَ الإحْكامِ بِما كانَ لِداخِلِها مِنَ الخُضُوعِ الَّذِي يُجْرِي مِنهُمُ الدُّمُوعَ ويُقِلُّ الهُجُوعَ ويُكْثِرُ الظَّمَأ والجُوعَ.
(p-١١)ولَمّا لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ إلّا الِاتِّكاءُ، قالَ مُفْهِمًا أنَّهم مَلُوكٌ: ﴿فِيها﴾ مُعِيدًا الخَبَرَ قَطْعًا لِلْكَلامِ عَنِ الأوَّلِ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِ العَيْنِ لِأنَّ الماءَ مِمّا لا حَياةَ بِدُونِهِ ﴿سُرُرٌ﴾ أيْ زائِدَةُ الحَدِّ في الكَثْرَةِ، جَمْعُ سَرِيرٍ وهو مُقْعَدٌ عالٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المَلِكُ يَنْقُلُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُسْرُ النَّفْسِ، والمادَّةُ كُلُّها لِلسُّرُورِ والطِّيبِ والكَرْمِ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى المُلْكِ والنِّعْمَةِ وخَفْضِ العَيْشِ ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ رَفَعَها رافِعٌ عَظِيمٌ [فِي السَّمَكِ] وهو جِهَةُ العُلُوِّ لِيَرى الجالِسُ عَلَيْها جَمِيعَ مُلْكِهِ وما نَعِمَ بِهِ وما شاءَ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ وفي القَدْرِ، لا كَما تَعْهَدُونَهُ في الدُّنْيا، بَلِ ارْتِفاعُها نَمَطٌ جَلِيلٌ مِن مِقْدارِ عَظَمَةِ رافِعِها الَّذِي رَفَعَ السَّماءَ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، وبَنى الِاسْمَ لِلْمَفْعُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِها إلّا الِانْخِفاضُ، وأمّا ارْتِفاعُها فَبِقَسْرِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا يَدُلُّ [عَلى أنَّها] كَسَماءٍ لا عَمَدَ لَها، قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها [تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها] - ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَواضِعِها - انْتَهى. وذَلِكَ بِما كانُوا يَتَواضَعُونَ ويُباشِرُونَ [مِن] مَشاقِّ العِباداتِ عَلى التُّرابِ ورِثَ الأثْوابَ.
(p-١٢)ولَمّا كانَ المُسْتَرِيحُ يَحْتاجُ إلى تَكْرارِ الشُّرْبِ وما يَشْرَبُ فِيهِ قالَ: ﴿وأكْوابٌ﴾ جَمْعُ كُوبٍ وهو إناءٌ لا عُرْوَةَ لَهُ، فَهو صالِحٌ لِلْمُناوَلَةِ والشُّرْبِ مِن كُلِّ جِهَةٍ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ أيْ مَلَآى وهي بِحَيْثُ يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ تَناوُلُها.
ولَمّا كانَ مَن هو بِهَذِهِ المَثابَةِ يَحْتاجُ إلى المَسانِدِ والفُرُشِ الزّائِدَةِ قالَ تَعالى: ﴿ونَمارِقُ﴾ أيْ مَسانِدُ يَسْتَنِدُونَ إلَيْها، جَمْعُ نَمْرُقَةٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ وهي الوِسادَةُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ أيْ بَعْضُها إلى بَعْضٍ فَهي في غايَةِ الكَثْرَةِ كَأنَّها الرَّوابِي المِنضَدَةُ عَلى بِساطِ الأرْضِ
﴿وزَرابِيُّ﴾ أيْ بُسْطٌ عَرِيضَةٌ كَثِيرَةُ الوَبَرِ كَأنَّها الرِّياضُ فاخِرَةٌ ناضِرَةٌ زائِدَةٌ عَنْ مَواضِعِ اسْتِراحاتِهِمْ، وهي جُمَعٌ زَرَبِيَّةٍ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ أيْ مَبْسُوطَةٍ عَلى وجْهِ التَّفَرُّقِ في المَواضِعِ الَّتِي لا يُرادُ التَّنَزُّهُ بِها مِن مَواضِعِ الرَّياحِينَ النّابِتَةِ والأشْجارِ المُتَشابِكَةِ كَما بَسَطَ سُبْحانَهُ وتَعالى أدِيمَ الأرْضِ ورَصَّعَهُ بِأنْواعِ النَّباتِ الفاخِرَةِ بِما بَسَطُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا لِلْحَقِّ وألانُوها لَهُ.
88:17Page 592
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧
Then do they not look at the camels - how they are created?
ولَمّا أنْهى سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن تَصْوِيرِ تِلْكَ الدّارِ عَلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ السُّوَرِ القِصارِ، وكانُوا يُنْكِرُونَ غايَةَ الإنْكارِ فَوَبَّخَهم بِما يَعْصِمُهم (p-١٣)مِنَ الزَّيْغِ عَنِ العَقائِدِ الحَقَّةِ في اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ مُذَكَّرًا لَهم بِأُمُورِهِمْ في غايَةِ الوُضُوحِ في نَفْسِها، لِأنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّوَرِ كانَ في [أوَّلِ الأمْرِ قَبْلَ أنْ يَتَمَرَّنُوا عَلى المَعارِفِ تَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وعَلى قُدْرَتِهِ عَلى ما ذَكَرَ ما هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أوْدَعَها الجِنانَ لِلَذَّةِ الإنْسانِ، وذَلِكَ لِما فِي] هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي ذَكَرَ بِها سُبْحانَهُ مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ مَعَ تَفاوُتِهِ في جَعْلِ بَعْضِها ذا اخْتِيارٍ في الخَفْضِ والرَّفْعِ، وبَعْضُها عَلى كَيْفِيَّةٍ واحِدَةٍ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْها مِن عُلُوٍّ أوْ سُفُولٍ مَعَ التَّمَهُّدِ أوِ التَّوَعُّرِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى مِنَ الإخْبارِ عَنْ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ وعَنْ قُدْرَتِهِ عَلى ما ذَكَرَ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾ أيِ المُنْكِرُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الجَنَّةِ وما ذَكَرَ فِيها [والنّارُ وما ذَكَرَ فِيها -] نَظَرُ اعْتِبارٍ.
ولَمّا كانَ [لَهُمْ] مِن مُلابَسَةِ الإبِلِ ما لَيْسَ لَهم مِن مُلابَسَةِ غَيْرِها، وكانَتْ فَرِدَةً في المَخْلُوقاتِ لا شَبِيهَ لَها مَعَ ما لَها مِن كَثْرَةِ المَنافِعِ - كَما قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - مَعَ أكْلِها لِكُلِّ مَرْعًى واجْتِزائِها بِأيْسَرِ (p-١٤)شَيْءٍ لا سِيَّما في الماءِ وطُولُ صَبْرِها عَنْهُ مَعَ عِظَمِ خَلْقِها وكَبْرِ جُرْمِها وشَدَّةِ قُوَّتِها، فَكانَتْ أدَلَّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، قالَ مُنَبِّهًا بِذِكْرِها عَلى التَّدَبُّرِ في الآياتِ المُنْبَثَّةِ في الحَيَواناتِ الَّتِي هي أشْرَفُ المَرْكَباتِ وأكْثَرُها صُنْعًا بَعْدَ ما أشارَ إلى دَلالَتِها عَلى البَعْثِ في البُرُوجِ بِذِكْرِ ثَمُودَ بَعْدَ أنْ صَرَّحَ بِهِ في سُورَةِ سُبْحانَهُ كَما مَضى [بَيانُهُ] في المَوْضِعَيْنِ ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الفَجْرِ والشَّمْسُ، وأوْضَحَ التَّعْبِيرَ عَنْها هُنا بِما يَدُلُّ عَلى الخُلْطَةِ المُمِيلَةِ المُحِيلَةِ المُناسِبَةِ لِمَعْنى الغاشِيَةِ بِخِلافِ التَّعْبِيرِ في سُورَةِ النَّحْلِ بِالأنْعامِ لِأنَّها سُورَةُ النِّعَمِ ﴿إلى الإبِلِ﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّ عَجِيبَ خَلْقِها مِمّا يَنْبَغِي أنْ تَتَوَفَّرَ الدَّواعِي عَلى الِاسْتِفْهامِ والسُّؤالُ عَنْهُ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّ الدّالَّ هو التَّأمُّلُ في مُجَرَّدِ خَلْقِها الدّالِّ عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ وعَظِيمِ إحْسانِهِ وقُدْرَتِهِ تَعالى وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ حَيْثُ خَلَقَها لِجَرِّ الأثْقالِ [إلى البِلادِ] النّائِيَةِ فَجَعَلَها عَظِيمَةً بارِكَةً لِلْحَمْلِ ناهِضَةً بِهِ مِن غَيْرِ مُعَيَّنٍ، مُنْقادَةً لِمَنِ اقْتادَها طَوالَ الأعْناقِ لِتَنُوءَ بِالأوْقارِ الثِّقالِ تَرْعى كُلَّ نَباتٍ وتَحْتَمِلُ العَطَشَ إلى عَشْرٍ فَصاعِدًا لِيَتَأتّى بِها قَطْعُ المَفاوِزِ، فَهي سُفُنُ البَرِّ مَعَ ما لَها مِن مَنافِعَ أُخَرَ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ولِذَلِكَ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِبَيانِ الآياتِ (p-١٥)المُنْبَثَّةِ في الحَيَواناتِ الَّتِي هي أشْرَفُ المَرْكَباتِ وأكْثَرُها صُنْعًا [و] لِأنَّها أعْجَبُ ما عِنْدَ العَرَبِ - انْتَهى، وتَنْفَعِلُ لِلْبَسْطِ وتَجِدُ في سَيْرِها [فَتَتَأثَّرُ] بِالصَّوْتِ الحَسَنِ جِدًّا، ومِن عَجائِبِها أنَّها لا تَكْذِبُ أصْلًا فَإنَّها لا تَبْرِكُ [عَجْزًا عَنِ الحَمْلِ -] إلّا ولَيْسَ فِيها مِنَ القُوى شَيْءٌ، ولَيْسَ فِيها ما تَعُمُّ كَراهَتُهُ إلّا كَثْرَةُ رُغائِها فَلَعَلَّهُ سُبْحانَهُ نَفى عَنِ الجَنَّةِ اللَّغْوَ لِذَلِكَ، ولَعَلَّهُ مِثْلُ العَيْنِ الجارِيَةِ وقُرْبُها بَدَرِّها، والسُّرُرُ المَرْفُوعَةُ الَّتِي حَكى أنَّها تَنْخَفِضُ حَتّى يَتَمَكَّنَّ المُنْتَفِعُ بِها مِن ظُهُورِها ثُمَّ تَرْتَفِعُ بِهِ بِالسَّماءِ في عُلُوِّها مَعَ ما يَعْهَدُونَ مَن بُرُوكِ الإبِلِ لِلْحَمْلِ والرُّكُوبِ ثُمَّ ارْتِفاعُها لِتَمامِ الِانْتِفاعِ، وقُرْبِ نَصْبِ الأكْوابِ بِسَنامِها والنَّمارِقِ بِبَقِيَّتِها حالَ بَرُوكِها، ثُمَّ فَصَلَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الإبِلُ مِنَ الأكْوابِ بِالجِبالِ [الَّتِي] لا تُرْتَقى مِثْلَ جَبَلِ السَّدِّ، والنَّمارِقُ بِالَّتِي تُرْتَقى، وبَسَطَ الزَّرابِيَّ بِمَهْدِ الأرْضِ، قالَ أبُو حَيّانِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: و﴿كَيْفَ﴾ سُؤالٌ عَنْ حالٍ والعامِلُ فِيهِ ﴿خُلِقَتْ﴾ وإذا عَلَّقَ الفِعْلَ عَمّا فِيهِ الِاسْتِفْهامُ لَمْ يَبْقَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا المَخْلُوقَ المُفْرَدَ الَّذِي هو أدَلُّ ما يَكُونُ (p-١٦)عَلى هَذا القَوْلِ بِالطَّبِيعَةِ، أتْبَعُهُ ذِكْرَ السَّماءِ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ ذَلِكَ فَيُباعِدُ مَن يَقُولُ بِهِ فَقالَ: ﴿وإلى السَّماءِ﴾ أيِ الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِنا ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ حَصَلَ بِأيْسَرِ أمْرٍ رَفْعُها مِنَ الَّذِي خَلَقَها بِلا عَمَدٍ عَلى ما لَها مِنَ السِّعَةِ والكِبْرِ والثِّقَلِ والإحْكامِ وما فِيها مِن جِبالِ الكَواكِبِ والغَرائِبِ والعَجائِبِ، فَذَلِكَ دالٌّ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ الَّتِي لا يُشارِكُ تَعالى فِيها أحَدٌ قَلَّ ولا جَلَّ عَلى إيجادِ الجَنَّةِ العالِيَةِ وعَلى رَفْعِ السُّرُرِ [فِيها] لِأنَّهُ دَلَّ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ ونَفى حُكْمَ الطَّبِيعَةِ حُكْمًا وحَتْمًا، وذَلِكَ دالٌّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
ولَمّا ذَكَرَ العالِي مِنَ الحَيَوانِ المَلابِسِ لِلْإنْسانِ والعالِي [مِنَ] الأكْوانِ، أتْبَعَهُ أعْلى الأرْضِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإلى الجِبالِ﴾ أيِ الشّامِخَةِ وهي أشَدُّ الأرْضِ ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أيْ كانَ نَصْبُها مَن ناصَبَها عالِيَةً جِدًّا عَلى بَقِيَّةِ الأرْضِ بِلا مُوجِبٍ فِيها لِذَلِكَ مِن طَبِيعَةٍ ولا غَيْرِها بَلْ بِفِعْلِ الفاعِلِ المُخْتارِ فَهي راسِخَةٌ لا تَمِيلُ، فَوَضَعَها كَذَلِكَ عَلى ما فِيها مِنَ المَنافِعِ مِنَ المِياهِ الجارِيَةِ والأشْجارِ المُخْتَلِفَةِ أعْجَبُ مِن وضْعِ الأكْوابِ (p-١٧)والنَّمارِقِ المُزَيَّنَةِ، وبِها مَعَ ذَلِكَ ثَبَتَتِ الأرْضُ وحُفِظَتْ مِنَ المَيْدِ، واعْتَدَلَ أمْرُ الكَواكِبِ في تَقْدِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِاعْتِدالِ البِلادِ بِالطَّلْقِ بِإعْلاءِ بَعْضِها قِبَلَ بَعْضٍ حَتّى كانَتِ المَطالِعُ والمَغارِبُ عَلى تَرْتِيبٍ مُطَّرِدٍ ونِظامٍ مُحْكَمٍ غَيْرِ مُنْخَرِمٍ تُقَدَّرُ بِهِ الأزْمانُ والفُصُولُ والسُّنُونُ والأيّامُ والشُّهُورُ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ لَها إلّا بِقاهِرٍ قادِرٍ مُخْتارٍ لا شَرِيكَ لَهُ.
ولَمّا كانَ الخَفْضُ لا يَكُونُ إلّا بِخافِضٍ قاهِرٍ كَما أنَّ الرَّفْعَ كَذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وإلى الأرْضِ﴾ أيْ مَعَ سِعَتِها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيِ اتَّفَقَ بَسْطُها مَن باسَطَها حَتّى صارَتْ مِهادًا مَوْضُوعًا يَمْشِي عَلَيْهِ بِغايَةِ السُّهُولَةِ، والقُدْرَةِ عَلى جَعْلِها كَذَلِكَ عَلى ما هي فِيهِ مِنَ الزِّينَةِ بِناضِرِ النَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ دالَّةٌ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، ولَيْسَتْ بِدُونِ القُدْرَةِ عَلى بَثِّ الزَّرابِيِّ في الجَنَّةِ عَلى اخْتِلافِ أشْكالِها وصُوَرِها وألْوانِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences