Al-Biqa'iAl‑Fajr · 89:21–30

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Fajr 89:21–30

89:21Page 593

كـَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا ٢١

No! When the earth has been leveled - pounded and crushed

(p-٣٧)ولَمّا كانَ السِّياقُ هادِيًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: يَحْسَبُونَ أنَّ ذَلِكَ يُوَفِّرُ أمْوالَهم ويُحْسِنُ أحْوالَهم ويَصْلُحُ بِالهَمِّ، زَجَرَ عَنْهُ بِمَجامِعِ الزَّجْرِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ ما هَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ذِكْرُ ما يُوجِبُ نَدَمَهم ويُنَبِّهُهم مِن رَقْدَتِهِمْ ويُعَرِّفُهم أنَّ حُبَّ المالِ لا يَقْتَضِي نُمُوَّهُ، ولَوِ اقْتَضى نُمُوَّهُ ما اقْتَضى إيجابَهُ لِلسَّعادَةِ فَقالَ: ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ﴾ أيْ حَصَلَ دَكَّها ورَجَّها وزَلْزَلَتَها لِتَسْوِيَتِها فَتَكُونُ كالأدِيمِ المَمْدُودِ بِشِدَّةِ المَطِّ لا عِوَجَ فِيها بِوَجْهٍ، وأشارَ بِالبُيَناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى سُهُولَةٍ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ عَظِيمٌ لِعَظَمَةِ الفاعِلِ الحَقِّ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ أيْ مُكَرَّرًا بِالتَّوْزِيعِ عَلى كُلِّ مَوْضِعٍ ناتٍ فِيها، فَيَكُونُ لِكُلِّ جَبَلٍ وأكَمَةٍ وثَنِيَّةٍ وعَقَبَةٍ دَكٌّ يَخُصُّهُ عَلى حِدَّتِهِ لِيُفِيدَ ذَلِكَ أنَّهُ دَكٌّ مُبالِغٌ فِيهِ فَتَصِيرُ جِبالُها وأكْمامُها هَباءً مَنثُورًا ثُمَّ تَسْتَوِي حَتّى لا يَكُونَ فِيها شَيْءٌ مِن عِوَجٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ زَلازِلَ عَظِيمَةٍ لا تَحْمِلُها الجِبالُ الرَّواسِي فَيَكُفُّ بِغَيْرِها.

89:22Page 593

وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا ٢٢

And your Lord has come1 and the angels, rank upon rank,

ولَمّا دَلَّتِ التَّسْوِيَةُ عَلى مَجِيءِ أمْرٍ عَظِيمٍ، فَإنَّ العادَةَ في الدُّنْيا أنَّ الطُّرُقَ لا تَعُمُّ بِالكَنْسِ أوِ الرَّشِّ أوِ التَّسْوِيَةِ إلّا لِحُضُورٍ عَظِيمٍ كالسُّلْطانِ، قالَ مُتَلَطِّفًا بِالمُخاطَبِ مِن أواخِرِ سُورَةِ البُرُوجِ إلى هُنا بِذِكْرِ صِفَةِ الإحْسانِ عَلى وجْهٍ يُفَتِّتُ أكْبادَ أضْدادِهِ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ أيْ أمْرُ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإظْهارِ رِفْعَتِكَ العُظْمى في ذَلِكَ اليَوْمِ الأعْظَمِ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ العِبادِ (p-٣٨)بِشَفاعَتِكَ ﴿والمَلَكُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ حالَ كَوْنِ المَلائِكَةِ مُصْطَفِّينَ ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ أيْ مُوَزَّعًا اصْطِفافُهم عَلى أصْنافِهِمْ، كُلُّ صِنْفٍ صَفٌّ عَلى حِدَةٍ، ويُحِيطُ أهْلَ السَّماءِ الدُّنْيا بِالجِنِّ والإنْسِ، وأهْلَ كُلِّ سَماءٍ كَذَلِكَ، وهم عَلى الضَّعْفِ مِمَّنْ أحاطُوا بِهِ حَتّى يُحِيطُوا أهْلَ السَّماءِ السّابِعَةِ بِالكُلِّ وهم عَلى الضَّعْفِ مِن جَمِيعِ مَن أحاطُوا بِهِ مِنَ الخَلائِقِ، ومَعْنى مَجِيئِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ نَنْفِيَ عَنْهُ أنْ يُشْبِهَ مَجِيءَ شَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ ولا في أفْعالِهِ، فَإذا صَحَّحْنا العَقْدَ في ذَلِكَ في كُلِّ ما كانَ مِنَ المُتَشابِهِ قُلْنا في هَذا إنَّهُ مِثْلُ أمْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في ظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ وتَبْيِينِ آثارِ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ وسُلْطانِهِ يُحالُ المَلِكُ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ فَظَهَرَ بِحُضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِظُهُورِ عَساكِرِهِ كُلِّها خالِيَةً عَنْهُ، فَمَجِيئُهُ عِبارَةٌ عَنْ حُكْمِهِ وإظْهارِ عَظَمَتِهِ وبَطْشِهِ وكُلُّ ما يُظْهِرُهُ المُلُوكُ إذا جاءُوا إلى مَكانٍ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى شَأْنُهُ حاضِرٌ مَعَ المَحْكُومِ بَيْنَهم بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، لَمْ يُوصَفْ بِغَيْبَةٍ أصْلًا أزَلًا و[لا] أبَدًا، فَحُضُورُهُ في [ذَلِكَ] الحالِ وبُعْدُهُ كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا ولَمْ يَتَجَدَّدْ شَيْءٌ (p-٣٩)غَيْرُ تَعْلِيقِ قُدْرَتِهِ عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ بِالفَصْلِ بَيْنَ الخَلْقِ، ولَوْ غابَ في وقْتٍ أوْ أمْكَنَتْ غَيْبَتُهُ بِحَيْثُ يَحْتاجُ إلى المَجِيءِ لَكانَ مُحْتاجًا، ولَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَ عاجِزًا، ولَوْ عَجَزَ أوْ أمْكَنَ عَجْزُهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لَمْ يَصْلُحْ لِلْإلَهِيَّةِ - تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ والجاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وفي تَكْرِيرِ ”صَفًّا“ تَنْبِيهٌ عَلى صَرْفِ المَجِيءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وإرْشادٌ إلى ما ذَكَرْتُ مِنَ التَّمْثِيلِ.

89:23Page 593

وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣

And brought [within view], that Day, is Hell - that Day, man will remember, but how [i.e., what good] to him will be the remembrance?

ولَمّا كانَتْ جَهَنَّمُ لا تَأْتِي بِنَفْسِها لِأنَّها لَوْ أتَتْ بِنَفْسِها لَرُبَّما ظَنَّ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ القُدْرَةِ بَلْ تَقُودُها المَلائِكَةُ، فَكُلَّما عالَجُوها ذِهابًا وإيابًا حَصَلَ لِلنّاسِ مِن ذَلِكَ مِنَ الهَوْلِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وكانَ المَهُولُ نَفْسَ المَجِيءِ بِها لا تَعْيِينَ الفاعِلِينَ، لِذَلِكَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿وجِيءَ﴾ أيْ بِأسْهَلِ أمْرٍ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ وقَعَ ما ذَكَرَ ﴿بِجَهَنَّمَ﴾ أيِ النّارُ الَّتِي تَتَجَهَّمُ مَن يَصْلاها، رُوِيَ «أنَّهُ يُؤْتى بِها لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ»، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وأبْدَلَ مِن ”إذا“ تَوْضِيحًا لِطُولِ الفَصْلِ وتَهْوِيلًا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ وقَعَتْ هَذِهِ الأُمُورُ فَرَأى الإنْسانُ ما أعَدَّ لِلشّاكِرِينَ وما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ.

ولَمّا قَدَّمَ هَذِهِ الأُمُورَ الجَلِيلَةَ والقَوارِعَ المَهُولَةَ اهْتِمامًا [بِها] (p-٤٠)وتَنْبِيهًا عَلى أنَّها، لِما لَها مِن عَظِيمِ المَوْعِظَةِ، جَدِيرَةٌ بِأنْ يَتَّعِظَ بِها كُلُّ سامِعٍ، ذَكَرَ العامِلَ في ظَرْفِها وبَدَّلَهُ فَقالَ: ﴿يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ فَيَذْكُرُ كُلَّ ما [كانَ] يَنْفَعُهُ في الدُّنْيا وما يَضُرُّهُ فَيَعْلَمُ أنَّ حُبَّهُ لِلدُّنْيا لَمْ يُفِدْهُ إلّا خَسارًا، لا زادَ بِحُبِّها شَيْئًا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ ولا كانَ يَنْقُصُهُ بِذُلِّها شَيْئًا كَما كَتَبَ لَهُ أوْ بَذَلَها، وإذا تَذَكَّرَ ذَلِكَ هانَ عَلَيْهِ البَذْلُ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الدّارُ دارَ العَمَلِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وأنّى﴾ أيْ كَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿لَهُ الذِّكْرى﴾ أيْ نَفْعِ التَّذَكُّرِ العَظِيمِ فَإنَّهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلا يَنْفَعُهُ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِفَواتِ دارِ العَمَلِ، ولا يَقَعُ بِذَلِكَ عَلى شَيْءٍ سِوى النَّدَمِ وتُضاعُفِ الغَمِّ والهَمِّ والآلامِ.

89:24Page 594

يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤

He will say, "Oh, I wish I had sent ahead [some good] for my life."1

ولَمّا كانَ النَّدَمُ يَقْتَضِي أنْ يَعْمَلَ الإنْسانُ ما يُنافِيهِ، بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ عَمَلٌ إلّا [إظْهارُ] النَّدَمِ فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿يَقُولُ﴾ أيْ مُتَمَنِّيًا المُحالَ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ: ﴿يا لَيْتَنِي﴾ وهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا ”لَيْتَ“ ﴿قَدَّمْتُ﴾ أيْ أوْقَعَتِ التَّقْدِيمَ لِما يَنْفَعُنِي مِنَ الجِدِّ والعَمَلِ [بِهِ] ﴿لِحَياتِي﴾ أيْ أيّامَ حَياتِي في الدُّنْيا أوْ لِأجْلِ حَياتِي هَذِهِ الباقِيَةِ الَّتِي لا مَوْتَ بَعْدَها، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَمَنِّيهِ هَذا عَلِمَهُ بِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا مُخْتارًا، وأنَّ الطّاعاتِ في نَفْسِها [كانَتْ] مُمْكِنَةً لا مانِعَ لَهُ مِنها في (p-٤١)الظّاهِرِ إلّا صَرَفَ نَفْسَهُ عَنْها وعَدَمُ تَعْلِيقِ ما أتاهُ اللَّهُ مِنَ القُوى بِها.

89:25Page 594

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٥

So on that Day, none will punish [as severely] as His punishment,

ولَمّا كانَ هَذا غَيْرُ نافِعٍ لَهُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ وقَعَتْ هَذِهِ الأُمُورُ كُلُّها ﴿لا يُعَذِّبُ﴾ أيْ يُوقِعُ ﴿عَذابَهُ﴾ أيْ عَذابَ [اللَّهِ، أيْ] مِثْلَ عَذابِهِ المُطْلَقِ المُجَرِّدِ فَكَيْفَ بِتَعْذِيبِهِ. ولَمّا اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى الفاعِلِ، أتى بِهِ عَلى وجْهٍ لا أعَمَّ مِنهُ أصْلًا فَقالَ: ﴿أحَدٌ﴾

89:26Page 594

وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦

And none will bind [as severely] as His binding [of the evildoers].

ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المُعَذَّبَ يَسْتَوْثِقُ مِنهُ بِسَجْنٍ أوْ غَيْرِهِ، ويَمْنَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أنْ يَقْتُلَ بِهِ نَفْسَهُ، خَوْفًا مِن أنْ يَهْرُبَ أوْ يَهْلَكَ نَفْسَهُ قالَ: ﴿ولا يُوثِقُ﴾ أيْ يُوجَدُ ﴿وثاقَهُ﴾ [أيْ] مِثْلُ وِثاقِهِ فَكَيْفَ بِإيثاقِهِ ﴿أحَدٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يَقَعُ في خَيالِ أحَدٍ لِأجْلِ انْقِطاعِ الأنْسابِ والأسْبابُ أنَّ أحَدًا يَقْدِرُ عَلى [مِثْلِ] ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الضُّرِّ لِيَخْشى كَما يَقَعُ في هَذِهِ الدُّنْيا، بَلْ يَقَعُ في الدُّنْيا في أوْهامٍ كَثِيرَةٍ أنَّ عَذابَ مَن يَخْشَوْنَهُ أعْظَمَ مِن عَذابِ اللَّهِ - وأنَّ عَذابَ الدُّنْيا بِأسْرِهِ لَوِ اجْتَمَعَ عَلى إنْسانٍ وحْدَهُ لا يُساوِي رُؤْيَةَ جَهَنَّمَ بِذَلِكَ المَقامِ في ذَلِكَ المَحْفِلِ المُهَوِّلِ دُونَ دُخُولِها - ولِذَلِكَ تَقَدَّمَ خَوْفُهُ عَلى الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، وبَنى الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى (p-٤٢)عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِبِنائِها لِلْفاعِلِ: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ عَذابًا مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ أيْ لا يُعَذِّبُ أحَدٌ غَيْرَ اللَّهِ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ [لَهُ]، والحاصِلُ أنَّهُ لا يَخافُ في القِيامَةِ مِن أحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِهَذا الكَلامِ أنَّ عَذابَهُ لا مِثْلَ لَهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُعَذَّبَ مَن هو فَيَرْجِعُ الأمْرُ إلى [أنَّ] المَعْنى: فَيَوْمَئِذٍ يَخافُ الإنْسانُ مِنَ اللَّهِ خَوْفًا لا مِثْلَ لَهُ، أيْ لا يَخافُ مِن أحَدِ مِثْلَ خَوْفِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ”عَذابِهِ“ لِلْإنْسانِ، أيْ لا يُعَذِّبُ أحَدٌ مِنَ الزَّبانِيَةِ أحَدًا غَيْرَ الإنْسانِ مِثْلَ عَذابِهِ، وفي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ: لا يُعَذِّبُ عَذابَ الإنْسانِ [أحَدٌ] لَكِنْ يُبْعِدُهُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَذابُ الإنْسانِ أعْظَمَ مِن عَذابِ إبْلِيسَ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّهُ لا يَحْمِلُ أحَدٌ ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨]

89:27Page 594

يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧

[To the righteous it will be said], "O reassured soul,

ولَمّا عَلِمَ أنَّ هَذا الجَزاءَ المَذْكُورَ لا يَكُونُ إلّا لِلْهَلُوعِ الجَزُوعِ المُضْطَرِبِ النَّفْسِ الطّائِشِ في حالِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، الَّذِي لا يُكْرِمُ اليَتِيمَ ولا المِسْكِينَ ويُحِبُّ الدُّنْيا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن لَيْسَ هو كَذَلِكَ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى جَزائِهِ فَشَفى عَيُّ هَذا التَّشَوُّفِ بِقَوْلِهِ، إعْلامًا بِأنَّهُ يُقالُ لِنُفُوسِهِمْ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ وبَعْثَرَةِ ما في القُبُورِ لِلْبَعْثِ والنُّشُورِ: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ أيِ الَّتِي هي في غايَةِ (p-٤٣)السُّكُونِ لا خَوْفَ عَلَيْها ولا حُزْنَ ولا نَقْصَ ولا غُبُونَ، لِأنَّها كانَتْ في الدُّنْيا في غايَةِ الثَّباتِ عَلى كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ الدّارِ الآخِرَةِ وغَيْرِها مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وتَحْذِيرٍ وتَهْدِيدٍ، فَهم راجُونَ لِوَعْدِهِ خائِفُونَ مِن وعِيدِهِ، وإذا كانَتْ هَذِهِ حالُ النَّفْسِ الَّتِي شَأْنُها المَيْلُ إلى الدُّنْيا فَما ظَنُّكَ بِالرُّوحِ الَّتِي هي خَيْرُ صَرْفٍ

89:28Page 594

ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨

Return to your Lord, well-pleased and pleasing [to Him],

﴿ارْجِعِي﴾ أيْ بِالبَعْثِ ﴿إلى رَبِّكِ﴾ أيْ مَوْعِدِ الَّذِي أوَجَدَكَ ورَبّاكَ تَرْبِيَةَ المُوَفَّقِينَ، أوْ إلى بَدَنِكَ حالَ كَوْنِكَ ﴿راضِيَةً﴾ أيْ بِما تُعْطِينَهُ. فَلا كَدَرَ يَلْحَقُكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا كَما كُنْتَ في دارِ القَلَقِ [والِاضْطِرابِ] مُطَمْئِنَةً ساكِنَةً تَحْتَ القَضاءِ والقَدَرِ سالِكَةً سَبِيلَ الرِّضا إنْ حَصَلَ ابْتِلاءٌ بِالتَّكْرِيمِ والتَّنْعِيمِ أوِ التَّضْيِيقِ والتَّغْرِيمِ وُثُوقًا بِما عِنْدَ اللَّهِ ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عِنْدَ اللَّهِ وسائِرِ خَلْقِهِ، فَلا شَيْءَ يُكْرِهُكَ بِسَبَبِ ما كُنْتَ مُطَمْئِنَةً تَعْمَلِينَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ تَحْتَ القَضاءِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ حُلْوِهِ ومُرِّهِ،

89:29Page 594

فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي ٢٩

And enter among My [righteous] servants

ثُمَّ بَيَّنَ ما أجْمَلَ مِنَ الرُّجُوعِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فادْخُلِي﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذا الأمْرِ ﴿فِي عِبادِي﴾ أيْ في زُمْرَةِ الصّالِحِينَ الوافِدِينَ عَلَيَّ، الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلْإضافَةِ إلَيَّ، أوْ في أجْسادِ عِبادِي (p-٤٤)الَّتِي خَرَجَتْ في الدُّنْيا مِنها، وقِراءَةُ ”عَبْدِي“ بِالتَّوْحِيدِ [لِلْجِنْسِ] الشّامِلِ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ

89:30Page 594

وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي ٣٠

And enter My Paradise."

﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [أيْ] وهي جَنَّةُ عَدْنٍ وهي أعْلى الجِنانِ، قالَ البَغَوِيُّ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ماتَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما [ بِالطّائِفِ ] فَشَهِدَتْ جِنازَتَهُ فَجاءَ طائِرٌ لَمْ نَرَ عَلى [صُورَةِ] خَلْقِهِ، فَدَخَلَ نَعْشَهُ فَلَمْ نَرَ خارِجًا مِنهُ، فَلَمّا دُفِنَ تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى شَفِيرِ القَبْرِ فَلَمْ نَدْرِ مَن تَلاها، وهَذا الآخَرُ هو أوَّلُها عَلى ما هو ظاهِرُ المُقْسِمِ عَلَيْهِ بِالفَجْرِ مِنَ البَعْثِ المَحْتُومِ، الَّذِي لَوْلا هو لَكانَ خَلْقُ الخَلْقِ مِنَ العَبَثِ المَذْمُومِ، المُنَزَّهِ عَنْهُ الحَيُّ القَيُّومُ، فَسُبْحانَ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي هَذا كَلامُهُ، عَلَتْ مَعانِيهِ عَنْ طَعْنٍ وشَرُفَتْ أعْلامُهُ، وغَرَّ في ذُرْوَةِ الإعْجازِ تَرْكِيبُهُ ونِظامُهُ، ”وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوَلِ“ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском