Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:99–108
9:99Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩
But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
(p-٦)ولَمّا افْتَتَحَ الآيَةَ الثّانِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ﴾ أيْ: لا يَزالُ يُجَدِّدُ إيمانُهُ آثارَ الدِّينِ ﴿بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَلِمَ أنَّ القِسْمَ الأوَّلَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ مِنهُمُ الإقْرارُ بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ إذْعانٍ، والإيمانُ هو الأصْلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإنْفاقُ [عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لِما يُرْجى مِن ثَوابِهِ في اليَوْمِ الآخِرِ الَّذِي لَوْلا هو انْتَفَتِ الحِكْمَةُ] مِن هَذا الخَلْقِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ: ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُثْمِرُهُ الإيمانُ فَقالَ: ﴿ويَتَّخِذُ﴾ أيْ: يَحُثُّ نَفْسَهُ ويُجاهِدُها إنْ عَرَضَتْ لَهُ الوَساوِسُ الشَّيْطانِيَّةُ عَلى أنْ يَعُدَّ ﴿ما يُنْفِقُ﴾ أيْ: فِيما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ﴿قُرُباتٍ﴾ جَمْعَ قُرْبَةٍ لِما تُقَرِّبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ [أيِ] الَّذِي لا أشْرَفَ مِنَ القُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿وصَلَواتِ﴾ أيْ دَعَواتِ ﴿الرَّسُولِ﴾ أيِ الَّذِي وظِيفَتُهُ التَّبْلِيغُ؛ فَهو لا يَقُولُ لَهم شَيْئًا إلّا عَنِ اللَّهِ، وأطْلَقَ القُرْبَةَ والصَّلاةَ عَلى سَبَبِها.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ أفْعالِهِمْ أخْبَرَ عَنْ عاقِبَتِهِمْ ومَآلِهِمْ؛ قالَ مُسْتَأْنِفًا مُحَقِّقًا لِرَجائِهِمْ تَرْغِيبًا في الصَّدَقَةِ بِأبْلَغِ تَأْكِيدٍ لِما لِأعْدائِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿ألا إنَّها﴾ أيْ نَفَقاتِهَمْ ﴿قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ أيْ: كَما أرادُوا؛ ثُمَّ بَيَّنَ ثَمْرَةَ كَوْنِها قُرْبَةً بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ أيْ إكْرامِهِ فَتَكُونُ مُحِيطَةً بِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (p-٧)مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَسَعُ الإنْسانَ إلّا العَفْوُ وإنْ أعْظَمَ الِاجْتِهادَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ السَّتْرِ لِقَبائِحِ مَن تابَ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الإكْرامِ، ذَلِكَ وصْفٌ لَهُ ثابِتٌ، يُجَلِّلُهُ كُلَّ مَن يَسْتَأْهِلُهُ.
9:100Page 203
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠
And the first forerunners [in the faith] among the Muhājireen1 and the Anṣār2 and those who followed them with good conduct - Allāh is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.
ولَمّا ذَكَرَ القِسْمَ الصّالِحَ مِنهم وكانُوا مُتَفاوِتِينَ فَمِنهُمُ السّابِقُ وأكْثَرُهُمُ التّابِعُ اللّاحِقُ، أتْبَعَهُ السّابِقَيْنِ عَلى وجْهٍ شامِلٍ حاصِرٍ لِصِنْفَيِ البادِي والحاضِرِ إشارَةً إلى أنَّهُ - وإنْ أخَّرَهُ - أصْلُهُ فَقَدْ قَدَّمَهُ وصْفُهُ بِحَيْثُ ساوى أهْلَ الكَمالِ في مُطْلَقِ الِانْخِراطِ في مُلْكِهِمْ والفَوْزِ بِدَرَجَتِهِمْ لِإحْسانِهِ في اتِّباعِهِمْ تَرْغِيبًا لِأهْلِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ في اتِّباعِ أهْلِ الرِّضْوانِ والنِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ ولَمّا دَلَّ عَلى سَبْقِهِمْ بِالعُلُوِّ في مَراتِبِهِ دَلَّ عَلى قَدِيمِ دُخُولِهِمْ فِيهِ فَقالَ: ﴿الأوَّلُونَ﴾ أيْ إلى هَذا الدِّينِ القَيِّمِ ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ أيْ لِدارِ الكُفْرِ فَضْلًا عَنْ أهْلِها ﴿والأنْصارِ﴾ أيِ الَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ ﴿بِإحْسانٍ﴾ أيْ في اتِّباعِهِمْ فَلَمْ يَحُولُوا عَنْ شَيْءٍ مِن طَرِيقِهِمْ ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ بِأفْعالِهِمْ هَذِهِ الَّتِي هي وفْقَ ما أمَرَ [بِهِ] ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ أيْ بِما أتاهم عَنْهُ مِنَ البُشْرى وقَذَفَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ النُّورِ بِلَطِيفِ الوَعْظِ والذِّكْرى ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ أيْ جَزاءً عَلى فِعْلِهِمْ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ ونَبَّهَ عَلى عُمُومِ رِيِّها وكَثْرَةِ مائِها بِنَزْعِ الجارِّ عَلى قِراءَةِ (p-٨)الجَماعَةِ فَقالَ: ﴿تَحْتَها الأنْهارُ﴾ أيْ هي كَثِيرَةُ المِياهِ. فَكُلُّ مَوْضِعٍ أرَدْتَهُ نَبَعَ مِنهُ ماءٌ فَجَرى مِنهُ نَهْرٌ؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الماءِ إنَّما هو السُّهُولَةُ في إنْباطِهِ بِقُرْبِهِ ويُسْرِ جَرْيِهِ وانْبِساطِهِ أثْبَتَهُ ابْنُ كَثِيرٍ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ كَسائِرِ المَواضِعِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ هَذا المَوْضِعِ بِالخِلافِ لِأنَّهُ يَخُصُّ هَذِهِ الأُمَّةَ، فَلَعَلَّها تُخَصُّ بِجَنَّةٍ هي أعْظَمُ الجِنانِ رِيًّا وحُسْنًا وزِيًّا.
ولَمّا كانَ أعْظَمُ العُيُوبِ الِانْقِطاعَ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وأكَّدَ المُرادَ مِنَ الخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ مَدْحَ هَذا الَّذِي أعَدَّهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي المَكانَةِ خاصَّةً ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
9:101Page 203
وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ ١٠١
And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madīnah. They have persisted in hypocrisy. You, [O Muḥammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.
ولَمّا اسْتَوْفى الأقْسامَ الأرْبَعَةَ: قِسْمَيِ الحَضَرِ وقِسْمَيِ البَدْوِ ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَ قِسْمَيْنِ مِنهم تَشْرِيفًا لِلسّابِقِ وتَرْغِيبًا لِلّاحِقِ. خَلَطَ بَيْنَ الجَمِيعِ عَلى وجْهٍ آخَرَ ثُمَّ ذَكَرَ مِنهم فِرَقًا مِنهم مَن نَجَزَ الحُكْمَ بِجَزائِهِ بِإصْرارٍ أوْ مَتابٍ. ومِنهم مَن أُخِّرَ أمْرُهُ إلى يَوْمِ الحِسابِ، وابْتَدَأ الأقْسامَ بِالمَسْتُورِ عَنْ غَيْرِ عِلْمِهِ لِيَعْلَمَ أهْلُ ذَلِكَ القِسْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِالخَفايا فَلا يَزالُوا أذِلّاءَ خَوْفًا مِمّا هَدَّدَهم بِهِ فَقالَ مُصَرِّحًا بِما لَمْ يَتَقَدَّمِ التَّصْرِيحُ بِهِ مِن نِفاقِهِمْ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أيْ حَوْلَ بَلَدِكُمُ المَدِينَةِ ﴿مِنَ الأعْرابِ﴾ أيِ الَّذِينَ قَدَّمْنا أنَّهم أشَدُّ كُفْرًا لِما لَهم مِنَ الجَفاءِ ﴿مُنافِقُونَ﴾ أيْ: راسِخُونَ في النِّفاقِ، وكَأنَّهُ قِدَمُهم لِجَلافَتِهِمْ وعُتُوِّهِمْ، وأتْبَعَهم مَن هو أصْنَعُ مِنهم (p-٩)فِي النِّفاقِ فَقالَ: ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ أيْ مُنافِقُونَ أيْضًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لا يَتُوبُونَ بِوَصْفِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا﴾ أيْ: صُلِبُوا ودامُوا وعَتَوْا وعَسَوْا وعَصَوْا وصارَ لَهم [بِهِ] دُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ وضَراوَةٌ حَتّى ذَلَّتْ لَهم فِيهِ جَمِيعُ أعْضائِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ وصارَ لَهم خُلُقًا ﴿عَلى النِّفاقِ﴾ أيِ اسْتَعْلَوْا عَلى هَذا الوَصْفِ بِحَيْثُ صارُوا في غايَةِ المُكْنَةِ مِنهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ مَهارَتَهم فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: بِأعْيانِهِمْ مَعَ ما لَكَ مِن عَظِيمِ الفَطِنَةِ وصِدْقِ الفِراسَةِ لِفَرْطِ تَوَقِّيهِمْ وتَحامِي ما يُشْكِلُ مِن أمْرِهِ؛ ثُمَّ هَدَّدَهم وبَيَّنَ خَسارَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿نَعْلَمُهُمْ﴾ [ثُمَّ] اسْتَأْنَفَ جَزاءَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: إحْداهُما بِرُجُوعِكَ سالِمًا وشُفُوفِ أمْرِكِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ وضَخامَةِ أرْكانِهِ وعِزِّ سُلْطانِهِ وظُهُورِ بُرْهانِهِ، فَإنَّهم قَطَعُوا لِغَباوَتِهِمْ وجَلافَتِهِمْ وقَساوَتِهِمْ كَما أشَرْتُ إلَيْهِ بِقَوْلِي ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] - أنَّكَ لا تَرْجِعُ هَذِهِ المَرَّةَ مِن هَذِهِ السَّفْرَةِ لِما يَعْرِفُونَهُ مِن ثَباتِكَ لِلْأقْرانِ، وإقْدامِكَ عَلى اللُّيُوثِ الشُّجْعانِ، واقْتِحامِكَ لِلْأهْوالِ، إذا ضاقَ المَجالُ، ونَكَصَ الضَّراغِمَةُ الأبْطالُ، ومِن عَظَمَةِ الرُّومِ وقُوَّتِهِمْ وتَمَكُّنِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، وغابَ عَنِ الأغْبِياءِ وخَفِيَ عَنِ الأشْقِياءِ الأغْنِياءِ أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم أعْظَمُ مِنهم وأكْبَرُ، وجُنُودُهُ أقْوى مِن جُنُودِهِمْ وأكْثَرُ؛ والثّانِيَةُ بَعْدَ وفاتِكَ بِقَهْرِ أهْلِ الرِّدَّةٍ ومَحْقِهِمْ ورُجُوعِ ما أصَّلْتَهُ بِخَلِيفَتِكَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى (p-١٠)ما كانَ عَلَيْهِ في أيّامِكَ مِنَ الظُّهُورِ وانْتِشارِ الضِّياءِ والنُّورِ والحُكْمِ عَلى مَن خالَفَهُ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وسَيَأْتِي أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ المَرَّةُ الثّانِيَةُ إخْرابَ مَسْجِدِ الضِّرارِ والإخْبارُ بِما أضْمَرُوا في شَأْنِهِ مِن خَفِيِّ الأسْرارِ ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ ﴿إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ عَظَمَةَ حَقِّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهو العَذابُ الأكْبَرُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أصْلًا.
9:102Page 203
وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٠٢
And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.1 Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا القِسْمَ المارِدَ الجافِيَ، ثَنّى بِمُقابَلَةِ اللَّيِّنِ الصّافِي، وهي الفِرْقَةُ الَّتِي نُجِزَ المَتابُ عَلَيْها والنَّظَرُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ إلَيْها فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ﴾ أيْ: مِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ آخَرُونَ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم ذِكْرَها تَوْبَةً مِنهم نَدَمًا وإقْلاعًا وعَزْمًا ولَمْ يَفْزَعُوا إلى المَعاذِيرِ الكاذِبَةِ [وهُمُ المُقْتَصِدُونَ].
ولَمّا كانَ الخَلْطُ جَمْعًا في امْتِزاجٍ، كانَ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِهِ يُفْهَمُ أنَّ المَخْلُوطَ امْتَزَجَ بِغَيْرِهِ، فالإتْيانُ بِالواوِ في «آخَرَ» يُفْهِمُ أنَّ المَعْنى: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا﴾ بِسَيِّئٍ ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ بِصالِحٍ، فَهو مِن ألْطَفِ شاهِدٍ لِنَوْعِ الِاحْتِباكِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِما أفْهَمَ ذَلِكَ إشارَةً إلى تَساوِي العَمَلَيْنِ وأنَّهُ لَيْسَ أحَدُهُما بِأوْلى مِنَ الآخَرِ أنْ يَكُونَ أصْلًا، [وقَدْ فَسَّرَها النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ في أُناسٍ رَآهم في المَنامِ شَطْرٌ مِنهم حَسَنٌ وشَطْرٌ مِنهم قَبِيحٌ كَما رَواهُ البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] ثُمَّ أوْجَبَ تَحْقِيقَ تَوْبَتِهِمُ المَلْزُومَةِ لِلِاعْتِرافِ بِقَبُولِها بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ (p-١١)﴿أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَإنَّ ﴿عَسى﴾ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واجِبَةٌ لِأنَّ هَذا دَأْبُ المُلُوكِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِها يُفِيدُ - مَعَ الإيذانِ بِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ، وأنَّ كُلَّ إحْسانٍ يَفْعَلُهُ فَإنَّما هو عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ إشارَةً إلى أنَّهم صارُوا كَغَيْرِهِمْ مِن خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ غَيْرِ المَعْصُومِينَ في مُواقَعَةِ التَّقْصِيرِ وتَوَقُّعِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ بِالرُّجُوعِ بِهِمْ إلى المُراقَبَةِ، فَكَما أنَّ أُولَئِكَ مَعْدُودُونَ في حِزْبِ اللَّهِ مَعَ هَذا التَّقْصِيرِ المَرْجُوِّ لَهُ العَفْوُ فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ فِعْلَهُ بِهِمْ مُرَجِّيًا لِلْمَزِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ ذا الجَلالِ والإكْرامِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِقَبُولِ المُعْرِضِ إذا أقْبَلَ وإبْدالِ سَيِّئِهِ بِحَسَنٍ فَضْلًا مِنهُ وإكْرامًا؛ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في التَّفْسِيرِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَنا: ««أتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ فابْتَعَثانِي فانْتَهَيا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبَنٍ ذَهَبٍ ولَبَنٍ فِضَّةٍ، فَتَلَقّانا رِجالٌ شَطْرٌ مِن خَلْقِهِمْ كَأحْسَنِ ما أنْتَ راءٍ، وشَطْرٌ كَأقْبَحِ ما أنْتَ راءٍ، قالا [لَهُمْ]: اذْهَبُوا فَقَعُوا في ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهم فَصارُوا في أحْسَنِ صُورَةٍ، قالا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وهَذاكَ مَنزِلُكَ، قالا: أمّا القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا شَطْرٌ مِنهم حَسَنٌ وشَطْرٌ مِنهم قَبِيحٌ فَإنَّهم خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَفا اللَّهُ عَنْهم»».
9:103Page 203
خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣
Take, [O Muḥammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allāh's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
(p-١٢)ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الرِّضْوانِ قَبُولُ القُرْبانِ، أمَرَهُ ﷺ تَطْهِيرًا لَهم وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ: «﴿خُذْ﴾» ورَحِمَهم بِالتَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ أيْ تُطَيِّبُ أنْفُسَهم بِإخْراجِها ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أيْ هي مِن ذُنُوبِهِمْ وتَجْرِي بِهِمْ مَجْرى الكَفّارَةِ ﴿وتُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ أنْتَ تَزِيدُهم وتُنَمِّيهِمْ ﴿بِها﴾ بِتَكْثِيرِ حَسَناتِهِمْ ﴿وصَلِّ﴾ أيِ اعْطِفْ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وأظْهِرْ شَرَفَهم بِدُعائِكَ لَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ﴾ أيْ دَعَواتِكَ الَّتِي تَصِلُهم بِها فَتَكُونُ مُوَصِّلَةٌ لَهم إلى اللَّهِ ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أيْ: تَطْمَئِنُّ بِها قُلُوبُهم بَعْدَ قَلَقِ الخَوْفِ مِن عاقِبَةِ الذَّنْبِ لِما يَعْلَمُونَ مِن أنَّ القَبُولَ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنْ حَصَلَ لَهُ الرِّضى عَنْهُمْ، ومِن [أنَّ] اللَّهَ سَمِعَ قَوْلَكَ إجابَةً لَكَ ويَعْلَمُ صِدْقَكَ في صَلاحِهِمْ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ لِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُسْمَعَ وما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ مِنكَ ومِنهم ومِن غَيْرِكُمْ، فَهو جَدِيرٌ بِالإجابَةِ والإثابَةِ، وذَلِكَ أنَّ هَذا الصِّنْفَ «لَمّا اشْتَدَّ نَدَمُهم عَلى التَّخَلُّفِ أوْثَقُوا أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ فَسَألَ عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ فَقِيلَ: نَدِمُوا عَلى التَّخَلُّفِ عَنْكَ فَحَلَفُوا: لا يُطْلِقُهم إلّا أنْتَ، فَقالَ: وأنا لا أُطْلِقُهم حَتّى أُومَرَ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ الآياتِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِها! فَقالَ: ما أُمِرْتُ بِذَلِكَ، فَلَمّا أنْزَلَ [اللَّهُ] هَذِهِ الآيَةَ أخَذَ الثُّلُثَ فَتَصَدَّقَ بِهِ».
9:104Page 203
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤
Do they not know that it is Allāh who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allāh who is the Accepting of Repentance,1 the Merciful?
(p-١٣)ولَمّا ساقَ تَوْبَتَهم سُبْحانَهُ في حَيِّزِ ﴿عَسى﴾ [التوبة: ١٠٢] وكانَ الأصْلُ فِيها التَّرْجِيَةَ في المَحْبُوبِ والإشْفاقَ في المَكْرُوهِ، [و] أمَرَ سُبْحانَهُ بِالأخْذِ مِن أمْوالِهِمْ لِذَلِكَ، وكانَ إخْراجُ المالِ شَدِيدًا عَلى النُّفُوسِ لا سِيَّما في ذَلِكَ الزَّمانِ، كانَ رُبَّما اسْتَوْقَفَ الشَّيْطانُ مَن لَمْ يَرْسَخْ قَدَمُهُ في الإيمانِ عَنِ التَّوْبَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الصَّدَقَةِ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِأنَّها تُقْبَلُ، فَأتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُعْتَرِفُونَ بِالذُّنُوبِ حَتّى تَسْمَحَ أنْفُسُهم بِالصَّدَقَةِ أوْ غَيْرُهم حَتّى يَرْغَبُوا في التَّوْبَةِ والصَّدَقَةِ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يَقْبَلُ﴾ أيْ: مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْبَلَ ﴿التَّوْبَةَ﴾ تَجاوُزًا ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ أيِ التّائِبِينَ المُخْلِصِينَ ﴿ويَأْخُذُ﴾ أيْ يَقْبَلُ قَبُولَ الآخِذِ لِنَفْسِهِ ﴿الصَّدَقاتِ﴾ أيْ مِمَّنْ يَتَقَرَّبُ بِها إلَيْهِ بِنِيَّةٍ خالِصَةٍ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفَتَيِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ لَمْ يَزَلِ التَّجاوُزُ والإكْرامُ مِن شَأْنِهِ وصِفَتِهِ، وفي ذَلِكَ إنْكارٌ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المُخْتَلِفِينَ في كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ مِنَ النَّدَمِ الحامِلِ عَلى أنْ يُعَذِّبُوا أنْفُسَهم بِالإيثاقِ في السَّوارِي ويُقَرِّبُوا بَعْضَ أمْوالِهِمْ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ والنَّدَمِ.
9:105Page 203
وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
And say, "Do [as you will], for Allāh will see your deeds, and [so will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."
ولَمّا أمَرَهُ مِن تَطْهِيرِهِمْ بِما يُعِيدُهم إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الذَّنْبِ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿خُذْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قَوْلَهُ تَحْذِيرًا لَهم مِن مِثْلِ ما وقَعُوا فِيهِ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا﴾ أيْ بَعْدَ طَهارَتِكم ﴿فَسَيَرى اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَمَلَكُمْ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ فاعْمَلُوا عَمَلَ مَن (p-١٤)يَعْلَمُ أنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيْ: بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ. ولَمّا كانَ هَذا القِسْمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَكانَتْ أعْمالُهم خَفاءً فِيها، قالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ فَزَيِّنُوا أعْمالَكم جُهْدَكم وأخْلِصُوا، وفي الأحادِيثِ: ««لَوْ أنَّ رَجُلًا عَمِلَ في صَخْرَةٍ لا بابَ لَها لَأظْهَرَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ»».
ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ لِلْمُؤْمِنِينَ حُذِفَ مِنهُ ”ثُمَّ“ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ لِلْمُذْنِبِينَ أُكِّدَ بِالسِّينِ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ والبَعْثِ ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: بِعِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ما أظْهَرْتُمْ عَمَلَهُ وما كانَ في غَرائِزِكُمْ، فَلَوْ تَأخَّرْتُمْ تَطَهَّرْتُمْ، يُجارِيكم عَلى حَسَنَةٍ ويَزِيدُ مِن فَضْلِهِ، وعَلى سَيِّئَةٍ عَدْلًا إنْ شاءَ ولا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ.
9:106Page 203
وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠٦
And [there are] others deferred until the command of Allāh - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allāh is Knowing and Wise.
ولَمّا ذَكَرَ القِسْمَيْنِ المُنْجَزَ عَذابُهم ومَثابُهُمْ، ذَكَرَ المُؤَخَّرَ أمْرُهم [وهُوَ القِسْمُ الظّالِمُ لِنَفَسِهِ في الَّذِي بَدَأ بِهِ في سُورَةِ فاطِرٍ سُورَةِ الحَشْرِ الآخَرِ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ سُورَةَ الحَشْرِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ ﷺ ساقَ النّاسَ إلى أرْضِ المَحْشَرِ] فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ﴾ أيْ: ومِنهم آخَرُونَ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ أيْ: مُؤَخَّرُونَ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ ﴿لأمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِما يَأْمُرُ بِهِ فِيهِمُ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أمْ يُرْحَمُونَ؛ وقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ أصَرُّوا - تَخْوِيفًا [لَهُمْ] حَمْلًا عَلى المُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ وتَصْفِيَتِها والإخْلاصِ فِيها وحَثًّا عَلى أنْ يَكُونَ الخَوْفُ ما دامَ الإنْسانُ صَحِيحًا (p-١٥)أغْلَبَ، وثَنّى بِقَوْلِهِ: ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: إنْ تابُوا تَرْجِيَةً لَهم وتَرْقِيقًا لِقُلُوبِهِمْ بِالتَّذْكِيرِ بِمَنزِلِ الأُنْسِ الَّذِي أخْرَجُوا أنْفُسَهم مِنهُ ومَنَعُوها مِن حُلُولِهِ وطِيبِ مُسْتَقَرِّهِ ومَقِيلِهِ وحَلْيِ أوْقاتِهِ وعَلِيِّ مَقاماتِهِ وشَهِيِّ أقْواتِهِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ قائِلٌ: ما فائِدَةُ التَّأْخِيرِ وما المانِعُ مِنَ التَّنْجِيزِ؟ قالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا وتَبْعِيدًا وتَقْرِيبًا واحْتِراسًا مِمّا قَدْ يُوهِمُهُ التَّرْدِيدُ مِنَ الشَّكِّ وتَدْرِيبًا، وقِراءَةُ ”غَفُورٌ رَحِيمٌ“ لِلزِّيادَةِ في التَّرْجِيَةِ.
9:107Page 204
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧
And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.
ولَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ أقامَهم في مَقامِ الخَطَرِ أتْبَعَهُ تَعْيِينَ طائِفَةٍ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ المَسْتُورِ المَوْصُوفِ بِالمُرُودِ. فَألْحَقَ بِهِمُ الضَّرَرَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ الواوَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ﴾ [التوبة: ١٠٦] وخَبَرُهُ عَلى ما يَلِيقُ بِالقِصَّةِ: مُنافِقُونَ \ مارِدُونَ، وأمّا عَلى قِراءَةِ المَدَنِيِّينَ وابْنِ عامِرٍ بِحَذْفِها فَيَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ [لَمّا] قالَ تَعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الإعْلامِ بِهِمْ، فَلَمّا قالَ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] اشْتَغَلَ السّامِعُ بِتَفَهُّمِهِ، ورُبَّما ظَنَّ أنَّهُ يَأْتِي في آخِرِ الكَلامِ مِن تَسْمِيَتِهِمْ ما يُغْنِيهِ عَنِ السُّؤالِ، فَلَمّا انْتَقَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦] إلى قِسْمٍ آخَرَ، وخَتَمَ الآيَةَ بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ لِيُعْلَمَ أنَّ التَّرْدِيدَ لِلتَّقْسِيمِ وأنَّهُ إنْ كانَ شَكٌّ فَهو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَمُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَذَكَّرَ السّامِعَ بِالصِّفَتَيْنِ ما كانَ دارَ (p-١٦)فِي خَلَدِهِ ومالَ إلَيْهِ قَلْبُهُ مِنَ الإعْلامِ بِالمارِدِينَ عَلى النِّفاقِ، فاشْتَدَّ تَشَوُّفُهُ إلَيْهِ فَكانَ كَأنَّهُ قالَ: مَن مِنَ المارِدِينَ مِنهُمْ؟ فَقالَ تَعالى [الَّذِينَ] ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ [أيْ] مِنَ المارِدِينَ وهم مِن أعْظَمِهِمْ مَهارَةً في النِّفاقِ وإخْفاءِ الكَيْدِ والشِّقاقِ لِأنَّهم تَوَصَّلُوا إلى ذَلِكَ بِأنْ كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الأخْذَ لِأعْظَمِ عُرى الدِّينِ مَعَ المُنازَعَةِ لِلْفِطْرَةِ الأُولى والحَذَرِ مِن أنْ يُفْضَحُوا، فَكانَ خِتامُ هَذِهِ الآيَةِ مِن بَدِيعِ الخِتامِ فَإنَّهُ احْتِراسٌ عَمّا يُتَوَهَّمُ فِيما قَلْبَهُ ودَلِيلٌ عَلى ما بَعْدَهُ، ولِذَلِكَ خَتَمَ قِصَّتَهم أيْضًا بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، ولاحَ مِن هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ: مَرَّةً بِرُجُوعِكَ، ومَرَّةً بِإخْرابِكَ مَسْجِدَهم وتَفْرِيقِكَ لِشَمْلِهِمْ بَعْدَ هَتْكِ سَرائِرِهِمْ بِكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ، وبَيَّنَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ اتِّخاذِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ضِرارًا﴾ أيْ: لِأهْلِ مَسْجِدِ قُباءَ أوْ لِحِزْبِ اللَّهِ [عامَّةً] ﴿وكُفْرًا﴾ أيْ بِاللَّهِ لِاتِّخاذِ دِينِهِ هُزُؤًا ﴿وتَفْرِيقًا﴾ أيْ [مِمّا] يُبَيِّتُونَهُ مِنَ المَكايِدِ بِاسْتِجْلابِهِمْ لِبَعْضِ مَن يَخْدَعُونَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويَطْمَعُونَ فِيهِ لِيَأْتِيَ مَسْجِدَهم ويَتْرُكَ المَسْجِدَ المُؤَسَّسَ عَلى التَّقْوى ﴿بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِأنَّهم كانُوا يَجْتَمِعُونَ في مَسْجِدِ قُباءَ فَيَغْتَصُّ بِهِمْ ﴿وإرْصادًا﴾ أيْ: إعْدادًا وانْتِظارًا ﴿لِمَن حارَبَ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿ورَسُولَهُ﴾ ولَمّا لَمْ تَكُنْ مُحارَبَتُهم مُسْتَغْرِقَةً لِلزَّمَنِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ (p-١٧)أيْ: قَبْلَ اتِّخاذِهِمْ لِهَذا المَسْجِدِ بِزَمَنٍ قَرِيبٍ وهو أبُو عامِرٍ الفاسِقُ لِيَأْتِيَ إلَيْهِمْ فَيَزِيدَهم قُوَّةً عَلى نِفاقِهِمْ بِأنْ يَصِيرَ كَهْفًا يَأْوُونَ إلَيْهِ ورَأْسًا [لَهُمْ] يَتَجَمَّعُونَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ «أنَّهُ كانَ مِن بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وهو والِدُ حَنْظَلَةَ الغَسِيلِ الَّذِي كانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ، وكانَ أبُو عامِرٍ قَدْ تَرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ ولَبِسَ المُسُوحَ. فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ قالَ لَهُ: ما هَذا الدِّينُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ دِينُ إبْراهِيمَ، قالَ أبُو عامِرٍ: أنا عَلَيْها، قالَ ﷺ: لَسْتَ عَلَيْها، قالَ: بَلى، ولَكِنَّكَ أدْخَلْتَ فِيها ما لَيْسَ مِنها، قالَ: ما فَعَلْتُ، ولَكِنِّي جِئْتُ بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً، قالَ أبُو عامِرٍ: أماتَ اللَّهُ الكاذِبَ مِنّا طَرِيدًا شَرِيدًا وحِيدًا غَرِيبًا! فَقالَ ﷺ: آمِينَ! وسَمّاهُ الفاسِقَ، ثُمَّ تَحَيَّزَ إلى قُرَيْشٍ وقاتَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَعَهم يَوْمَ أُحُدٍ وقالَ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهُمْ، فَلَمّا قاتَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مَعَ هَوازِنَ وانْهَزَمُوا أيِسَ وهَرَبَ إلى الشّامِ، وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنِ اسْتَعَدُّوا فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ فَآتٍ بِجُنُودٍ ومُخْرِجٌ مُحَمَّدًا ! وكانُوا قَدْ حَسَدُوا إخْوانَهم بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلى مَسْجِدِ قُباءَ لَمّا بَنَوْهُ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِيهِ ويُصَلِّي فِيهِ، فَبَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ (p-١٨)وأرْسَلُوا إلَيْهِ ﷺ لِيَأْتِيَهم فَيُصَلِّيَ فِيهِ، وكانَ يَتَجَهَّزُ لِتَبُوكَ فَقالَ: أنا عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، وإذا قَدِمْنا صَلَّيْنا فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ! فَلَمّا قَدِمَ فَكانَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ نَزَلَتِ الآيَةُ، فَدَعا مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ وجَماعَةً وقالَ [لَهُمُ]: انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ، فَفَعَلُوا، وأمَرَ ﷺ أنْ يُتَّخَذَ مَكانَهُ كُناسَةً يُلْقى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ؛ وماتَ أبُو عامِرٍ بِالشّامِ [وحِيدًا غَرِيبًا طَرِيدًا]» وقِيلَ: كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ مُباهاةً أوْ لِغَرَضٍ لَيْسَ بِهِ إخْلاصٌ أوْ بِمالٍ مُشْتَبَهٍ فَهو لاحِقٌ بِمَسْجِدِ الضِّرارِ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَرائِرِهِمْ أخْبَرَ عَنْ نِفاقِهِمْ في ظَواهِرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ﴾ أيْ: جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿أرَدْنا﴾ [أيْ] بِاتِّخاذِنا لَهُ ﴿إلا الحُسْنى﴾ أيْ: مِنَ الخِصالِ؛ ثُمَّ كَذَّبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿يَشْهَدُ﴾ أيْ يُخْبِرُ إخْبارَ الشّاهِدِ ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وقَدْ بانَ بِهَذا كُلِّهِ أنَّ سَبَبَ فَضِيحَتِهِمْ ما تَضَمَّنَهُ فِعْلُهم مِن عَظِيمِ الضَّرَرِ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ.
9:108Page 204
لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨
Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day1 is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allāh loves those who purify themselves.
ثُمَّ قالَ ناهِيًا عَنْ إجابَتِهِمْ إلى ما أرادُوا بِهِ مِنَ التَّلْبِيسِ إنْتاجًا عَنْ هَذا الكَلامِ الَّذِي هو أمْضى مِنَ السِّهامِ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ أيْ مَسْجِدِ الضِّرارِ ﴿أبَدًا﴾ أيْ سَواءً تابُوا أوْ لا، وأرادَ بَعْضُ المُخْلِصِينَ أنْ يَأْخُذَهُ أوَّلًا، أيْ لا بُدَّ مِن إخْرابِهِ ومَحْوِ أثَرِهِ عَنْ وجْهِ الأرْضِ.
ولَمّا ذَمَّهُ وذَمَّ أهْلَهُ مَدَحَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ، إمّا الَّذِي (p-١٩)بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وإمّا الَّذِي بِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُباءَ عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ. وهو الَّذِي اتُّخِذَ في أوَّلِ الإسْلامِ مَسْجِدًا إحْسانًا وإيمانًا وجَمْعًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإعْدادًا لِمَن صادَقَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ومَدَحَ أهْلَهُ إرْشادًا لِكُلِّ مَن كانَ مالٌ إلَيْهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِقُرْبٍ أوْ غَيْرِهِ إلى العِوَضِ عَنْهُ، ولَعَلَّهُ أبْهَمَ تَعْيِينَهُ وذَكَرَ وصْفَهُ لِيَكُونَ صالِحًا لِكُلٍّ مِنَ المَسْجِدَيْنِ.
لِما اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ مِن غَيْرِهِما فَقالَ مُؤَكِّدًا تَعْرِيفًا بِما لَهُ مِنَ الحَقِّ ولِما لِلْمُنافِقِينَ مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ﴾ أيْ: وقَعَ تَأْسِيسُهُ ﴿عَلى التَّقْوى﴾ أيْ: فَأحاطَتِ التَّقْوى بِهِ لِأنَّها إذا أحاطَتْ بِأوَّلِهِ أحاطَتْ بِآخِرِهِ؛ ولَمّا كانَ التَّأْسِيسُ قَدْ تَطُولُ مُدَّةُ أيّامِهِ فَيَكُونُ أوَّلُهُ مُخالِفًا لِآخِرِهِ، قالَ: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ أيْ مِن أيّامِ تَأْسِيسِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمالِ أنْ يُرِيدَ أحَدٌ مِن أهْلِ الإخْلاصِ أنْ يَتَّخِذَهُ مُصَلًّى. فَبَيَّنَ أنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ لِأنَّ تَأْسِيسَهُ كانَ لِما هو مُباعِدٌ لَهُ ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أيْ بِالصَّلاةِ والوَعْظِ وغَيْرِهِ مِن مَسْجِدٍ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّقْوى عَلى التَّقْدِيرِ فَرْضٍ مُحالٍ إلّا في ثانِي الحالِ.
ولَمّا مَدَحَهُ مَدَحَ أهْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾ أيْ لَهم كَمالُ الرُّجُولِيَّةِ ﴿يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ أيْ: في أبْدانِهِمْ وقُلُوبِهِمْ كَمالَ الطِّهارَةِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ، فَهم دائِمًا في جِهادِ أنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ فَأحَبَّهُمُ اللَّهُ (p-٢٠)﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿يُحِبُّ﴾ أيْ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ المُحِبُّ مِنَ الإكْرامِ بِالفَضْلِ والإحْسانِ، ولِإثْباتِ ما أفْهَمَ الِاجْتِهادُ حَصَلَ الغِنى عَنْ إظْهارِ تاءِ التَّفَعُّلِ أوْ لِلنَّدْبِ إلى الطَّهارَةِ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ المُجَزِّئَةِ فَقالَ: ﴿المُطَّهِّرِينَ﴾ أيْ قاطِبَةً مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences