Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:117–123
9:117Page 205
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧
Allāh has already forgiven the Prophet and the Muhājireen and the Anṣār who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.
ولَمّا أشارَ إلى أنَّهُ هو ولِيُّهم أحْياهم بِرُوحٍ مِنهُ مُبَيِّنٌ لَهم ما يُصْلِحُهم وأنَّهُ لا ولِيَّ لَهم غَيْرُهُ، أقامَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿عَلى النَّبِيِّ﴾ أيِ الَّذِي لا يَزالُ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ خَبَرٌ عَظِيمٌ يُرْشِدُهُ إلى ما يُؤْذِنُ بِتَقْوِيَةِ حَياتِهِ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِ، فَما مِن مَقامٍ يُرَقِّيهِ إلَيْهِ إلّا رَأى أنَّهُ لِمَزِيدِ عُلُوِّهِ وتَقَرُّبِهِ لِلْمَقامِ الَّذِي كانَ دُونَهُ، فَهو في كُلِّ لَمْحَةٍ في ارْتِقاءٍ مِن كامِلٍ إلى أكْمَلَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِعُلُوِّ رُتْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَرْقِيَتِهِ في رُتَبِ الكَمالاتِ والأكْمَلِيّاتِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ عَلى وجْهٍ هو في غايَةِ البَعْثِ لِكُلِّ (p-٣٦)مُؤْمِنٍ عَلى المُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ بِمَحْوِ هَفَواتِهِمْ ورَفْعِ دَرَجاتِهِمْ ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيِ النَّبِيَّ ﷺ ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ أيْ أزْمِنَةِ عِزْوَةِ تَبُوكَ، كانُوا في عُسْرَةٍ مِنَ الزَّمانِ بِالجَدْبِ والضِّيقَةِ الشَّدِيدَةِ والحَرِّ الشَّدِيدِ، وعُسْرَةٍ مِنَ الظَّهْرِ ”يَعْتَقِبُ العَشَرَةُ“ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ. وعُسْرَةٍ مِنَ الزّادِ ”تَزَوَّدُوا التَّمْرَ [المُدَوِّدَ] والشَّعِيرَ [المُسَوِّسَ] والإهالَةَ الزَّنِخَةَ“، وبَلَغَتْ بِهِمُ الشِّدَّةُ أنِ اقْتَسَمَ التَّمْرَةَ اثْنانِ، ورُبَّما مَصَّها الجَماعَةُ لِيَشْرَبُوا عَلَيْها الماءَ، وفي عُسْرَةٍ مِنَ الماءِ حَتّى نَحَرُوا الإبِلَ واعْتَصَرُوا فُرُوثَها؛ وسَمّاها ساعَةً تَهْوِينًا لِأوْقاتِ الكُرُوبِ وتَشْجِيعًا عَلى مُواقَعَةِ المَكارِهِ؛ فَإنَّ أمَدَها يَسِيرٌ وأجْرَها عَظِيمٌ خَطِيرٌ، فَكانَتْ حالُهم بِاتِّباعِهِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ أكْمَلَ مِن حالِهِمْ قَبْلَها، \ وأشارَ سُبْحانَهُ إلى تَفاوُتِهِمْ في الثَّباتِ عَلى مَقاماتٍ عالِيَةٍ، تَرَقَّوْا بِالتَّوْبَةِ إلى أعْلى مِنها، وفي قَبُولِ وساوِسَ أبْعَدَتْهم التَّوْبَةُ عَنْ قَبُولِها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ﴾ أيْ قَرُبَ قُرْبًا عَظِيمًا ﴿يَزِيغُ﴾ أيْ تَزُولُ عَنْ أماكِنِها المُوجِبَةِ لِصَلاحِها، وأشارَ بِ ”مِن“ إلى تَقارُبِ ما بَيْنَ كَيْدُودَةِ الزَّيْغِ والتَّدارُكِ بِالتَّوْبَةِ. ولَمّا كانَ المَقامُ لِلزَّلازِلِ، (p-٣٧)ناسَبَ التَّعْبِيرُ بِما مِنهُ الِانْقِلابُ والفُرْقَةُ فَقالَ: ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾ أيْ: هم بِحَيْثُ تَحْصُلُ مِنهُمُ الفُرْقَةُ لِما هُناكَ مِنَ الزَّلازِلِ المُمِيلَةِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن عَظِيمِ ما نالَهم مِنَ الشَّدائِدِ فَتَمِيلُ لِذَلِكَ عَنِ الحَقِّ كَأبِي خَيْثَمَةَ، ومَن أحَبَّ الرّاحَةَ وهّابَ السَّفَرَ في ذَلِكَ الحَرِّ الشَّدِيدِ إلى بَنِي الأصْفَرِ المُلُوكِ الصِّيدِ الأبْطالِ الصَّنادِيدِ، وهم مَلْءُ الأرْضِ كَثْرَةً، وقَدْرَ الحَصى عِدَّةً، ومِثْلُ الجِبالِ شِدَّةً، ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لَهُ فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ سُبْحانَهُ بِالجَمِيعِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قُبَيْلَ مُقارَبَةِ الزَّيْغِ مِن مُباعَدَتِهِ، ولَمّا صارُوا كَمَن لَمْ يُقارِبِ الزَّيْغَ أعْلاهم إلى مَقامٍ آخَرَ عَبَّرَ عَنْ عَظَمَتِهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ [كُلِّهِمْ تَكْرِيرًا لِلرِّفْعَةِ، أوْ عَلى مَن كادَ يَزِيغُ] بِالثَّباتِ عَلى مُباعَدَةِ الزَّلّاتِ وبِالتَّرَقِّي في أعالِي الدَّرَجاتِ إلى المَماتِ: ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ زَيْغَها هَمُّها بِالِانْصِرافِ لِما لَقِيَتْ مِنَ المَشَقَّةِ، قالَ: وقِيلَ: ساءَ ظَنُّها بِما رَأتْهُ مِن شِدَّةِ العُسْرَةِ وقِلَّةِ الوَفْرِ وبُعْدِ الشُّقَّةِ وقُوَّةِ العَدُوِّ المَقْصُودِ - انْتَهى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِ ”ثَّمَ“ لِوُصُولِهِمْ إلى حالَةٍ يَبْعُدُ مَعَها الثَّباتُ فَضْلًا عَنْ مُباعَدَةِ مَواقِعِ الزَّلّاتِ فَثَبَّتَها حَتّى عادَتْ كالحَدِيدِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ظاهِرٍ مِن ”جَيْشٍ أوْ غَيْرِهِ“ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ مالِكُ المُلْكِ مُتَمَكِّنٌ (p-٣٨)مِن فِعْلِ كُلِّ ما يُرِيدُهُ وأنَّهُ لا ولِيَّ لَهم سِواهُ: ثُمَّ عَلَّلَ لُطْفَهُ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والرَّأْفَةُ: شِدَّةُ الرَّحْمَةِ، فَقَدَّمَ الأبْلَغَ فَيُقالُ فِيهِ ما قِيلَ في ”الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ فالمَعْنى: أنَّهُ يَرْحَمُهم أعْلى الرَّحْمَةِ بِإسْباغِ جَلائِلِ النِّعَمِ ودَفْعِ جَلائِلِ النِّقَمِ، ويَرْحَمُهم أيْضًا بِإسْباغِ دَقائِقِ النِّعَمِ ودَفْعِ دَقائِقِ النِّقَمِ، وقِيلَ: الرَّأْفَةُ: إزالَةُ الضُّرِّ، والرَّحْمَةُ: إيصالُ النَّفْعِ، ومادَّةُ رَأفَ تَدُورُ مَعَ السِّعَةِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ في سُورَةِ سُبْحانَ عَلى شِدَّةِ الوَصْلَةِ. فالرَّأْفَةُ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ في البَقَرَةِ - عَطْفُ العاطِفِ عَلى مَن يَجِدُ عِنْدَهُ مِنَّةً وصِلَةً، فَهي رَحْمَةُ ذِي الصِّلَةِ بِالرّاحِمِ، والرَّحْمَةُ تَعُمُّ مَن لا صِلَةَ لَهُ بِالرّاحِمِ - انْتَهى. فَتَكُونُ الرَّأْفَةُ حِينَئِذٍ لِلثّابِتِينَ والرَّحْمَةُ لِمَن قارَبَ الزَّيْغَ. فَيَصِيرُ الثّابِتُ مَرْحُومًا مَرَّتَيْنِ؛ لِأنَّهُ مَنظُورٌ إلَيْهِ بِالصِّفَتَيْنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ الحِزْبَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ ما يَنْفَعُ هُنا.
9:118Page 206
وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨
And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness1 and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.
ولَمّا صَرَّحَ بِالتَّوْبَةِ عَلى مَن قارَبَ الزَّيْغَ وخَلَطَ مَعَهم أهْلَ الثَّباتِ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ فَقِيرٌ إلى الغَنِيِّ الكَبِيرِ [ولِيَكُونَ اقْتِرانُهم بِأهْلِ المَعالِي، وجَعَلَهم في حَيِّزِهِمْ تَشْرِيفًا لَهم وتَأْنِيسًا لِئَلّا يَشْتَدَّ إنْكارُهُمْ]، أتْبَعَهُ التَّوْبَةَ عَلى مَن وقَعَ مِنهُ الزَّيْغُ فَقالَ غَيْرَ مُصَرِّحٍ بِالزَّيْغِ تَعْلِيمًا [لِلْأدَبِ وجَبْرًا لِلْخَواطِرِ المُنْكَسِرَةِ]: ﴿وعَلى﴾ أيْ: ولَقَدْ (p-٣٩)تابَ اللَّهُ عَلى ﴿الثَّلاثَةِ الَّذِينَ﴾
ولَمّا كانَ الخالِعُ لِلْقُلُوبِ مُطْلَقَ التَّخْلِيفِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿خُلِّفُوا﴾ أيْ خَلَّفَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالهِجْرانِ ونَهى النّاسَ عَنْ كَلامِهِمْ، وأخَّرَ الحُكْمَ فِيهِمْ لِيَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ في بَيانِ أمْرِهِمْ واسْتَمَرَّ تَخْلِيفُهم ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ﴾ أشارَ إلى عَظِيمِ الأمْرِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمُ الأرْضُ﴾ أيْ كُلُّها ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ مَعَ شِدَّةِ اتِّساعِها، أيْ: ضاقَ عَلَيْهِمْ فَسِيحُها ووَسَعُها.
ولَمّا كانَ هَذا قَدْ يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ، وكانَ ضِيقُ المَحَلِّ [قَدْ] لا يَسْتَلْزِمُ ضِيقَ الصَّدْرِ. أتْبَعُهُ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ المُرادَ المَجازُ فَقالَ: ﴿وضاقَتْ عَلَيْهِمْ﴾ بِالهَمِّ المُزْعِجِ والغَمِّ المُقْلِقِ ﴿أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: مِن شِدَّةِ ما لاقَوْا مِنَ الهِجْرانِ حَتّى بِالكَلامِ حَتّى بِرَدِّ السَّلامِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي التَّوْبَةَ إلّا بِالمُراقَبَةِ، أتْبَعَهُ - ذَلِكَ لِلتَّخَلُّفِ بِها - قَوْلَهُ: ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ: أيْقَنُوا، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالظَّنِّ إيذانٌ بِأنَّهم لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ كانَتْ قُلُوبُهم لا تَسْتَقِرُّ عَلى حالٍ، فَكانَ يَقِينُهم لِشِدَّةِ الخَواطِرِ كَأنَّهُ ظَنٌّ، [أوْ يُقالُ - وهو حَسَنٌ -: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ عَنْ يَقِينِ المُخْلِصِينَ إشارَةٌ إلى أنَّ أعْلى اليَقِينِ في التَّوْحِيدِ لا يَبْلُغُ الحَقِيقَةَ عَلى ما هي عَلَيْهِ أنْ لا يَقْدِرَ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ لِلَّهِ حَقَّ قَدْرِهِ - كَما قالَ أصْدَقُ الخَلْقِ ﷺ: ««لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ»». وهَذا مِنَ النَّفائِسِ فاسْتَعْمَلَهُ في أمْثالِهِ] ﴿أنْ لا مَلْجَأ﴾ أيْ مَهْرَبَ ومَفْزَعَ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ (p-٤٠)أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿إلا إلَيْهِ﴾ \ أيْ بِما يُرْضِيهِ، وهو مَثَلٌ لِتَحَيُّرِهِمْ في أمْرِهِمْ، وجَوابُ ﴿إذا﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ صَدْرُ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: تَدارَكَهم بِالتَّوْبَةِ فَرَدَّهم إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ مُواقَعَةِ الذَّنْبِ.
ولَمّا كانَ ما عَمِلُوهُ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنْ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ عَظِيمًا بِمُجَرَّدِ المُخالَفَةِ ثُمَّ يَتْرُكُ المُواساةَ ثُمَّ بِالرَّغْبَةِ عَنْهُ ﷺ ثُمَّ بِأُمُورٍ عَظِيمَةٍ شَدِيدَةِ القُبْحِ وخِيمَةٍ فَكانَ يَبْعُدُ مَعَهُ الزِّيادَةُ عَنْ رُتْبَةِ التَّوْبَةِ، أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَقّاهم في رُتَبِ الكَمالِ بِأنْ جَعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَطْهِيرِهِمْ مِن جَمِيعِ الأدْناسِ وتَنْقِيَتِهِمْ مِن سائِرِ الأرْدانِ المُقْتَضِي لِمَزِيدِ القُرْبِ بِالعُرُوجِ في مَصاعِدِ المَعارِفِ - كَما أشارَ إلَيْهِ «قَوْلُهُ ﷺ لِكَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ»»، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ الإعْلامَ بِهِ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا إلى [ما] بَعْدَهُ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ - بِأداةِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ رَجَعَ بِهِمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلى مَقامٍ مِن مَقاماتِ سَلامَةِ الفِطْرَةِ الَّذِي هو أحْسَنُ تَقْوِيمٍ يَعْلُو لِعُلُوِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما دُونَهُ، تَوْبَةً ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أيْ: لِيَرْجِعُوا إلى ما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ الثَّباتِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإحْسانِ في الدِّينِ والتَّخَلُّقِ بِإخْلاقِ السّابِقِينَ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالظَّنِّ مَوْضِعَ العِلْمِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي في الخَوْفِ مِن جَلالِهِ لِلِانْقِطاعِ إلَيْهِ مُجَرَّدُ الظَّنِّ بِأنَّهُ لا سَبَبَ إلَيْهِ إلّا مِنهُ لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ - ﴿ثُمَّ﴾ إشارَةً إلى عَظِيمِ ما قاسَوْا مِنَ الأهْوالِ وما تَرَقَّوْا إلَيْهِ مِن مَراتِبِ الخَوْفِ، وامْتِنانٍ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْبَةِ (p-٤١)مِن عَظِيمِ ما ارْتَكَبُوا، وإنَّما خُصُّوا عَنْ رُفَقائِهِمْ بِأنْ أُرْجِئُوا لِأمْرِ اللَّهِ لِعُلُوِّ مَقامِهِمْ بِما لَهم مِنَ السّابِقَةِ ورُسُوخِ القَدَمِ في الإسْلامِ، فالمُخالَفَةُ اليَسِيرَةُ مِنهم أعْظَمُ مِنَ الكَثِيرِ مِن غَيْرِهِمْ لِأنَّهم أئِمَّةُ الهُدى ومَصابِيحُ الظُّلَمِ، ومِن هَذا البارِقِ: «حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ» ثُمَّ عَلَّلَ التَّوْبَةَ بِأمْرٍ يَعُمُّ غَيْرَهم تَرْغِيبًا فَقالَ مُعَبِّرًا بِما يُشِيرُ مَعَ أعْلى مَقامِهِمْ إلى نُزُولِهِ عَنْ مَقامِ مَن قَبْلَهُمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿التَّوّابُ﴾ أيِ البَلِيغُ التَّوْبَةِ عَلى مَن تابَ وإنْ عَظُمَ جُرْمُهُ وتَكَرَّرَتْ تَوْبَتُهُ لِتَكَرُّرِ ذُنُوبِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيِ المُكْرِمُ لِمَن أرادَ مِن عِبادِهِ بِأنْ يَحْفَظَهُ عَلى ما يَرْتَضِيهِ فَلا يَزِيغُ، ويُبالِغُ في الإنْعامِ عَلَيْهِ.
9:119Page 206
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩
O you who have believed, fear Allāh and be with those who are true.
ولَمّا كانَ الَّذِي نالُوا بِهِ الإقْبالَ مِن مَوْلاهم عَلَيْهِمْ - مِمّا وصَفَهم بِهِ [مِنَ الضِّيقِ وما مَعَهُ] - هو التَّقْوى والصِّدْقُ في الإيمانِ كَما كانَ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِمّا المَوْتُ عِنْدَهُ والقَذْفُ في النّارِ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ التَّلَفُّظِ بِهِ صَرِيحَ الإيمانِ بِشَهادَةِ المُصْطَفى ﷺ، رَغَّبَ سُبْحانَهُ في الصِّدْقِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا ذَلِكَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ خافُوا سَطْوَةَ مَن لَهُ العَظَمَةُ الكامِلَةُ تَصْدِيقًا لِدَعْواكم فَلا تَفْعَلُوا إلّا ما يُرْضِيهِ ﴿وكُونُوا﴾ أيْ كَوْنًا صادِقًا بِجَمِيعِ الطَّبْعِ والجِبِلَّةِ ﴿مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ في كُلِّ أمْرٍ يُطْلَبُ مِنهُمْ، ولَعَلَّهُ أخْرَجَ الأمْرَ مَخْرَجَ العُمُومِ لِيَشْمَلَ (p-٤٢)كُلَّ مُؤْمِنٍ، فَمَن كانَ مُقَصِّرًا كانَتْ آمِرَةً لَهُ بِاللَّحاقِ، ومَن كانَ مُسابِقًا كانَتْ حاثَّةً لَهُ عَلى حِفْظِ مَقامِ الِاسْتِباقِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِ ”مَعَ“ لِيَشْمَلَ أدْنى الدَّرَجاتِ، وهو الكَوْنُ بِالجَثِّ، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ تَوْبَةَ كَعْبٍ أحَدِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في مَواضِعَ مِن صَحِيحِهِ مِنها التَّفْسِيرُ، وكَذا رَواهُ غَيْرُهُ عَنْ كَعْبٍ نَفْسِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««أنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ غَزاها قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ: غَزْوَةُ العُسْرَةِ - يَعْنِي هَذِهِ - وغَزْوَةُ بَدْرٍ. وأنَّ تَخَلُّفَهُ بِبَدْرٍ إنَّما كانَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ] لَمْ يَنْدُبِ النّاسَ إلَيْها ولا حَثَّهم عَلَيْها؛ لِأنَّهُ ما خَرَجَ أوَّلًا إلّا لِأجْلِ العِيرِ، قالَ: فَأجْمَعْتُ صُدَقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانَ قَلَّ ما يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ سافَرَهُ إلّا ضُحًى، وكانَ يَبْدَأُ بِالمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، ونَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلامِي وكَلامِ صاحِبَيَّ - يَعْنِي مُرارَةَ بْنَ الرَّبِيعِ العَمْرِيَّ وهِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ الواقِفِيَّ - ولَمْ يَنْهَ عَنْ كَلامِ أحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غَيْرَنا، فاجْتَنَبَ النّاسُ كَلامُنا فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتّى طالَ عَلَيَّ الأمْرُ، وما مِن شَيْءٍ أهَمَّ إلَيَّ مِن أنْ أمُوتَ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أوْ يَمُوتَ النَّبِيُّ ﷺ فَأكُونَ مِنَ النّاسِ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ مِنهم ولا يُصَلِّي عَلَيَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ تَوْبَتَنا عَلى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلْثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وكانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ (p-٤٣)مُحْسِنَةً في شَأْنِي مَعْنِيَّةً في أمْرِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا أُمَّ سَلَمَةَ ! تِيبَ عَلى كَعْبٍ، قالَتْ: أفَلا أُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قالَ: «إذَنْ يَحْطِمَكُمُ النّاسُ فَيَمْنَعُوكُمُ النَّوْمَ سائِرَ اللَّيْلَةِ». حَتّى إذا صَلّى رَسُولُ اللَّهُ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلاةَ الفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنا، وكانَ إذا اسْتَبْشَرَ اسْتَنارَ وجْهُهُ حَتّى كَأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ، وكُنّا - أيُّها الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا - خُلِّفْنا عَنِ الأمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ لَنا التَّوْبَةَ، فَلَمّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ واعْتَذَرُوا بِالباطِلِ ذُكِرُوا بِشَرِّ ما ذُكِرَ بِهِ أحَدٌ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤] الآيَةَ».
9:120Page 206
مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠
It was not [proper] for the people of Madīnah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allāh or that they prefer themselves over his self.1 That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allāh, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that it is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of the doers of good.
ولَمّا كانَ ما نالَهم مِنَ الأهْوالِ إنَّما نالَهم بِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ أشْرَفِ الخَلْقِ، والَّذِي التَفَتَ بِهِمْ إلى مَرابِعِ الإقْبالِ إنَّما هو الصِّدْقُ، قالَ تَعالى ناهِيًا بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِيَكُونَ أبْلَغَ، جامِعًا إلَيْهِمْ مَن كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ في مُطْلَقِ التَّخَلُّفِ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما انْبَغى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لأهْلِ المَدِينَةِ﴾ أيِ الَّتِي هي سَكَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي دارُ الهِجْرَةِ ومَعْدِنُ النُّصْرَةِ ﴿ومَن حَوْلَهُمْ﴾ أيْ: في جَمِيعِ نَواحِي المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ ﴿مِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ مِن سُكّانِ البَوادِي الَّذِينَ أقْسَمُوا بِالإسْلامِ ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ أيْ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (p-٤٤)أيِ المَلِكِ الأعْلى، ومِن شَأْنِ المُرْسَلِ إلَيْهِ أنْ لا يَبْرَحَ عَنْ جَنانِ الرَّسُولِ لا سِيَّما وهو رَأْسُ الصّادِقِينَ الَّذِينَ وقَعَ الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَهم ﴿ولا يَرْغَبُوا﴾ أيْ و[ما] كانَ لَهم أنْ يَرْغَبُوا، ولَعَلَّهُ قَلَّلَهم بِصِيغَةِ القِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أيَّدَهُ بِهِ ﷺ مِن جُنُودِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيِ الَّتِي هي أشْرَفُ النُّفُوسِ مُطْلَقًا بِأنْ يَصُونُوا نُفُوسَهم عَمّا باشَرَهُ ﷺ بَلْ يُلْقُونَها في المَتالِفِ دُونَهُ وصِيانَةً لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ عَنْ أدْنى الأذى، فَهي كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى؛ أيْ: خافُوا اللَّهَ وأصْدِقُوهُ كَما صَدَقَ هَؤُلاءِ "لِيَتُوبَ عَلَيْكم كَما تابَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَكُمُ التَّخَلُّفُ فَهو نَهْيٌ بَلِيغٌ مَعَ تَقْبِيحٍ وتَوْبِيخٍ وإلْهابٍ وتَهْيِيجٍ.
ولَمّا عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّقْوى عَلَّلَ النَّهْيَ عَنِ التَّخَلُّفِ بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الإيمانِ فَيَصِيرُ نَقِيضُهُ دالًّا عَلى نَقِيضِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ النَّهْيُ العَظِيمُ عَنِ التَّخَلُّفِ في هَذا الأُسْلُوبِ النّافِي لِلْكَوْنِ ﴿بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ أيْ عَطَشٌ شَدِيدٌ ﴿ولا نَصَبٌ﴾ أيْ: تَعَبٌ بالِغٌ ﴿ولا مَخْمَصَةٌ﴾ أيْ شِدَّةُ مَجاعَةٍ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ طُرُقِ دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُتَوَصِّلَةِ بِهِ إلى جِهادِ أعْدائِهِ، ورُتِّبَتْ هَذِهِ الأشْياءُ تَرْتِيبَها في الوُجُودِ؛ فَإنَّ مُطْلَقَ الحَرَكَةِ يُهَيِّجُ الحَرارَةَ فَيَنْشَأُ العَطَشُ وتَمادِيَها يُورِثُ التَّعَبَ، والأغْلَبُ (p-٤٥)أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُوعِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن إجْهادِ النَّفْسِ بِما ذُكِرَ إرْغامَ الكُفّارِ بِاقْتِحامِ أرْضِهِمُ المُتَوَصِّلِ بِهِ إلى إيمانِهِمْ بِالنَّيْلِ مِنهُمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ أيْ: وطْأً أوْ مَكانًا وطْؤُهُ ﴿يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ وطْؤُهم لَهُ بِأرْجُلِهِمْ أوْ دَوابِّهِمْ ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا﴾ أيْ: كائِنًا ما كانَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا ﴿إلا كُتِبَ لَهم بِهِ﴾ أيْ في صَحائِفِ الأعْمالِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ القَصْدَ إثْباتُهُ لا مِن مُعَيَّنٍ ﴿عَمَلٌ صالِحٌ﴾ أيْ تَرَتَّبَ لَهم عَلَيْهِ أجْرُ جَزِيلٌ.
ولَمّا كانَ فاعِلُ هَذِهِ الأشْياءِ مُقَدَّمًا عَلى المَعاطِبِ في نَفْسِهِ ومُحَصِّلًا لِعَرْضِ الجِهادِ، أُشِيرَ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ إلى أنَّهُ مُحْسِنٌ، أمّا في حَقِّ نَفْسِهِ فَبِإقامَةِ الدَّلِيلِ بِطاعَتِهِ عَلى صِدْقِ إيمانِهِ. وأمّا في غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَبِحِمايَتِهِمْ عَنْ طَمَعِ الكافِرِينَ. وأمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَبِحَمْلِهِمْ عَلى الإيمانِ بِغايَةِ الإمْكانِ، فَقالَ تَعالى مُعَلِّلًا لِلْمُجازاةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لا يُضِيعُ﴾ أيْ لا يَتْرُكُ تَرْكَهُ ما مِن شَأْنِهِ الإهْمالُ ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وأُظْهِرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ.
9:121Page 206
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١
Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allāh may reward them for the best of what they were doing.
ولَمّا كانَتِ المَشَقَّةُ بِالإنْفاقِ العائِدِ ضَرَرُهُ إلى المالِ، ووَطْءُ مُطْلَقِ الأرْضِ (p-٤٦)الَّذِي قَدْ لا يَلْزَمُ مِنهُ وُصُولٌ إلى ما يَغِيظُ العَدُوَّ دُونَ المَشَقَّةِ الحاصِلَةِ في النَّفْسِ بِالظَّمَأِ وما مَعَهُ مِن فِعْلِ ما يَغِيظُ العَدُوَّ ويَنْقُصُهُ، قَدَّمَ ذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ﴾ ولَمّا كانَ القَلِيلُ قَدْ يُحْتَقَرُ، ابْتَدَأ بِهِ تَرْغِيبًا في قَوْلِهِ: ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولَمّا كانَ رُبَّما تَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ فَجَعَلَ ذِكْرَها قَيْدًا، قالَ: ﴿ولا كَبِيرَةً﴾ إعْلامًا بِأنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ لِئَلّا يُتْرُكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى آيَةِ اللَّمْزِ لِلْمُطَّوِّعِينَ في الصَّدَقاتِ ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ أيْ مِنَ الأوديَةِ بِالسَّيْرِ في الجِهادِ، والوادِي: كُلُّ مُنْفَرِجٍ بَيْنَ جِبالٍ وآكامٍ يَنْفُذُ فِيهِ السَّيْلُ، وهو في الأصْلِ فاعِلٌ مِن ودى - إذا سالَ ﴿إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الإنْفاقُ والقَطْعُ، بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ القَصْدَ الحِفْظُ بِالكِتابَةِ مُطْلَقًا ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ، أيْ بِذَلِكَ مِن فَضْلِهِ ﴿أحْسَنَ ما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مُضاعَفًا عَلى قَدْرِ الثَّباتِ، وأُكِّدَتْ فاصِلَةُ الأُولى دُونَ هَذِهِ لِزِيادَةِ تِلْكَ في المَشَقَّةِ والنَّفْعِ، ولِذا صَرَّحَ فِيها الأجْرَ والعَمَلَ الصّالِحَ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الإمامُ أبُو حَيّانَ. ومِن هُنا بَلْ مِن عِنْدِ ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى﴾ [التوبة: ١١١] شَرَعَ في عَطْفِ الآخَرِ عَلى الأوَّلِ الَّذِي مَضْمُونُهُ البَراءَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ والِاجْتِهادُ في قِتالِهِمْ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّتِهِمْ حَيْثُ وجَدُوا - إلى أنْ قالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩] - إلى أنْ قالَ: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] ثُمَّ قالَ (p-٤٧)﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ قِصَصَ المُنافِقِينَ كَما أنَّهُ فَعَلَ هُنا كَذَلِكَ أنْ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] الآيَةَ. ثُمَّ أتْبَعَها ذِكْرَ المُنافِقِينَ.
9:122Page 206
۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢
And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn [i.e., advise] their people when they return to them that they might be cautious.
ولَمّا تَواتَرَتِ النَّواهِي لِلْمُتَخَلِّفِينَ وتَواصَلَتِ الزَّواجِرُ وتَعاظَمَ التَّبْكِيتُ والتَّهْدِيدُ، طارَتِ القُلُوبُ وأشْفَقَتِ النُّفُوسُ، فَكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أنْ لا يَتَخَلَّفَ بَعْدَها أحَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَمَّنْ يَقُومُ مَقامَهُ فَيَتَمَكَّنُ حِينَئِذٍ الأعْداءُ مِنَ الأمْوالِ والذَّرارِيِّ والعَيّالِ، فَأتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ حَثَّهم عَلى النَّفْرِ الرُّسُوخُ في الإيمانِ ﴿لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الأغْراضِ الصّالِحَةِ، وهو تَعْلِيمٌ لِما هو الأنْسَبُ بِالدِّينِ والدُّنْيا مِنَ انْقِسامِ النّاسِ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا لِلْجِهادِ، وقِسْمًا لِلنَّفَقَةِ وحِفْظِ الأمْوالِ والأوْلادِ، كُلُّ ذَلِكَ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والعَمَلِ بِما يَرْضاهُ، ولا يَخْفى ذَلِكَ عَلى المُخْلِصِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالفِعْلِ الماضِي في قَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَمّا قَبْلَهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ لِيُفْهَمَ تَبْكِيتُ مَن قُصِدَ تَبْكِيتُهُ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ في جَمِيعِ هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَنْفِرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ أيْ ناسٍ [كَثِيرٍ] يَسْهُلُ افْتِراقُهُمْ، قالُوا: وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى ثَلاثَةٍ ﴿مِنهم طائِفَةٌ﴾ أيْ: ناسٌ لا يَنْفَكُّونَ حافِّينَ بِالنَّبِيِّ ﷺ يَلْزَمُونَهُ، قِيلَ: والطّائِفَةُ واحِدٌ واثْنانِ، فالآيَةُ حُجَّةٌ عَلى قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ ووُجُوبِ العَمَلِ بِهِ، [وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِلْإشارَةِ (p-٤٨)إلى الحَثِّ عَلى كَثْرَةِ النّافِرِينَ كَما هو أصْلُ مَدْلُولِها الأغْلَبِ فِيهِ] ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ أيْ لِيُكَلِّفَ النّافِرُونَ أنْفُسَهُمُ الفَهْمَ مِنهُ ﷺ شَيْئًا فَشَيْئًا \ ﴿فِي الدِّينِ﴾ أيْ: بِما يَسْمَعُونَهُ مِن أقْوالِهِ ويَرَوْنَهُ مِن جَمِيلِ أفْعالِهِ ويَصِلُ إلى قُلُوبِهِمْ مِن مُسْتَنِيرِ أحْوالِهِ، وهَذا غايَةُ الشَّرَفِ لِلْعِلْمِ حَيْثُ جُعِلَ غايَةَ المُلازَمَةِ لَهُ ﷺ لِلْجِهادِ، هَذا إنْ كانَ هو ﷺ النّافِرَ في تِلْكَ الغَزاةِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ كانَ ضَمِيرُ ”يَتَفَقَّهُوا“ لِلْباقِينَ مَعَهُ ﷺ.
ولَمّا كانَ مِنَ العِلْمِ بِشارَةٌ ومِنهُ نِذارَةٌ، وكانَ الإنْسانُ - لِما فِيهِ مِنَ النُّقْصانِ - أحْوَجَ شَيْءٍ إلى النِّذارَةِ، خَصَّها بِالذِّكْرِ فَقالَ عَطْفًا عَلى نَحْوِ: لِيَخافُوا في أنْفُسِهِمْ فَيَعْمَلُوا في خَلاصِها: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أيْ: يُحَذِّرُوهم ما أمامَهم مِنَ المَخاوِفِ إنْ فَرَّطُوا في جانِبِ التَّقْوى ﴿إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ أيْ: ما أنْذَرَهُمُوهُ الرَّسُولُ ﷺ ويُبَشِّرُوهم [بِما بَشَّرَهُمْ] بِهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ غايَةَ العِلْمِ مُشِيرًا إلى أنَّ مَن جَعَلَ لَهُ غايَةً غَيْرَها مِن تَرَفُّعٍ أوِ افْتِخارٍ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا كَبِيرًا، فَقالَ مُوجِبًا لِقَبُولِ خَبَرِ مَن بَلَّغَهُمْ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ كُلَّهم ﴿يَحْذَرُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ أهْلِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ بِما حَصَّلُوا مِنَ الفِقْهِ لِأنَّهُ أصْلُ كُلِّ خَيْرٍ، بِهِ تَنْجَلِي القُلُوبُ فَتُقْبِلُ عَلى الخَيْرِ وتُعْرِضُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّ الحَذَرَ تَجَنُّبُ الشَّيْءِ لِما فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، والمُرادُ بِالفِقْهِ هُنا حِفْظُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وفَهْمُ مَعانِيهِما مِن (p-٤٩)مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ والآدابِ والفَضائِلِ، وقالَ الرُّمّانِيُّ: الفِقْهُ فَهْمُ مُوجِباتِ المَعانِي المُضَمَّنَةِ بِها مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالدَّلالَةِ عَلَيْها.
9:123Page 207
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٢٣
O you who have believed, fight against those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allāh is with the righteous.
ولَمّا عُلِمَتِ المَقاصِدُ وتَهَيَّأتِ القُلُوبُ [لِقَبُولِ] الفَوائِدِ، وأُمِرَ بِالإنْذارِ بِالفِقْهِ، وكانَ مِنَ النّاسِ مَن لا يَرْجِعُ إلّا بِشَدِيدِ البَأْسِ، أقْبَلَ عَلى الكُلِّ مُخاطِبًا لَهم بِأدْنى أسْنانِ القُلُوبِ لِيَتَوَجَّهَ إلى الأدْنى ويَتَناوَلَ الأعْلى مِنهُ مِن بابِ الأوْلى فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا بِألْسِنَتِهِمُ الإيمانَ ﴿قاتِلُوا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِدَعْواكم ذَلِكَ ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ أيْ: يَقْرَبُونَ مِنكم ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ فالَّذِينَ يَلُونَهم إنْ لَمْ تَرَوْا غَيْرَهُ أصْلَحَ لِمَعْنًى يَعْرِضُ لِما في ذَلِكَ مِن حُسْنِ التَّرْتِيبِ ومُقْتَضى الحِكْمَةِ، ولِأنَّ الجِهادَ مَعْرُوفٌ وإحْسانٌ، والأقْرَبُونَ أوْلى بِالمَعْرُوفِ، ولِتُبْعِدُوا العَدُوَّ عَنْ بِلادِكم فَيَكْثُرَ صَلاحُهم ويَقِلَّ فَسادُكم وتَكُونُوا قَدْ جَمَعْتُمْ بِالتَّفَقُّهِ والقِتالِ بَيْنَ الجَهادَيْنِ: جِهادِ الحُجَّةِ وجِهادِ السَّيْفِ مَعَ الِاحْتِراسِ بِهَذا التَّرْتِيبِ مِن أنْ يَبْقى وراءَكم إذا قاتَلْتُمْ مَن تَخْشَوْنَ كَيْدَهُ.
ولَمّا كانَتِ المُلايَنَةُ أوْلى بِالمُسالَمَةِ، والمُخاشَنَةُ أوْلى بِالمُصارَمَةِ، قالَ: ﴿ولْيَجِدُوا﴾ مِنَ الوِجْدانِ ﴿فِيكم غِلْظَةً﴾ أيْ شِدَّةً وحَمِيَّةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ أهْيَبُ في صُدُورِهِمْ.
(p-٥٠)وأكَفَّ عَنْ فُجُورِهِمْ، وحَقِيقَةُ الغَلْطَةِ في الأجْسامِ، اسْتُعِيرَتْ هُنا لِلشِّدَّةِ في الحَرْبِ، وهي تَجْمَعُ الجَراءَةَ والصَّبْرَ عَلى القِتالِ وشِدَّةَ العَداوَةِ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ كانُوا جامِعِينَ بَيْنَ جِهادِ الحُجَّةِ والسَّيْفِ كَما قِيلَ:
؎مَن لا يُعَدِّلُهُ القُرْآنُ كانَ لَهُ مِنَ الصَّغارِ وبِيضِ الهِنْدِ تَعْدِيلُ
نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولْيَكُنْ كُلُّ ذَلِكَ مَعَ التَّقْوى لا بِسَبَبِ مالٍ ولا جاهٍ فَإنَّها مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿مَعَ المُتَّقِينَ﴾ فَلا تَخافُوا أنْ يُؤَدِّيَ شَيْءٌ مِن مُصاحَبَتِها إلى وهَنٍ؛ فَإنَّ العِبْرَةَ بِمَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences