Al-Biqa'iAt‑Tawbah · 9:124–129

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:124–129

9:124–125Page 207

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ١٢٤

And whenever a sūrah is revealed, there are among them [i.e., the hypocrites] those who say, "Which of you has this increased in faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ١٢٥

But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil.1 And they will have died while they are disbelievers.

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ السُّورَةَ أيِ الطّائِفَةَ الحاضَّةَ بِصِيغَةِ ”لَوْلا“ عَلى النَّفْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الآمِرَةِ بِجِهادِ الكُفّارِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، وكانَ لا يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ إلّا ما أشارَ إلَيْهِ خَتَمَ الآيَةَ السّالِفَةَ مِنَ التَّقْوى بِتَجْدِيدِ الإيمانِ كُلَّما نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُخالِفِينَ لِأمْرِ الجِهادِ بِالتَّخَلُّفِ دُونَ أمْرِ الإيمانِ حِينَ قالَ: ﴿وإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٨٦] التَفَتَ إلى ذَلِكَ لِيَذْكُرَ القِسْمَ الآخَرَ وهو القاعِدُ عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿وإذا﴾ وأُكِّدَ بِزِيادَةِ النّافِي تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِ الإيمانِ (p-٥١)فَقالَ: ”ما“ .

ولَمّا كانَ المَنكِيُّ لَهم \ مُطْلَقُ النُّزُولِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ، أيْ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ المُنَزَّلِ إلَيْهِمْ ﴿مَن يَقُولُ﴾ [أيْ] إنْكارًا واسْتِهْزاءً، وهُمُ المُنافِقُونَ ﴿أيُّكُمْ﴾ أيْ أيُّها العِصابَةُ المُنافِقَةُ ﴿زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ إيهامًا لِأنَّهم مُتَّصِفُونَ بِأصْلِ الإيمانِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ ضَمُّ الشَّيْءِ إلى غَيْرِهِ مِمّا يُشارِكُهُ في صِفَتِهِ، هَذا ما يُظْهِرُونَ تَسَتُّرًا، وأمّا حَقِيقَةُ حالِهِمْ عِنْدَ أمْثالِهِمْ فالِاسْتِهْزاءُ اسْتِبْعادًا لِكَوْنِها تَزِيدُ أحَدًا في حالِهِ شَيْئًا، وسَبَبُ شَكِّهِمْ واسْتِفْهامِهِمْ أنَّ سامِعِيها انْقَسَمُوا إلى قِسْمَيْنِ: مُؤْمِنِينَ ومُنافِقِينَ، ولِذَلِكَ أجابَ تَعالى بِقَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَنْ إنْزالِها: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا الإيمانَ حَقِيقَةً لِصِحَّةِ أمْزِجَةِ قُلُوبِهِمْ ﴿فَزادَتْهُمْ﴾ أيْ تِلْكَ السُّورَةُ ﴿إيمانًا﴾ أيْ بِإيمانِهِمْ بِها إلى ما كانَ لَهم مِنَ الإيمانِ بِغَيْرِها وبِتَدَبُّرِها ورِقَّةِ القُلُوبِ بِها وفَهْمِ ما فِيها مِنَ المَعارِفِ المُوجِبَةِ لِطُمَأْنِينَةِ القُلُوبِ وثَلْجِ الصُّدُورِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِالإيمانِ الحَقِيقَةُ وكانَتِ الزِّيادَةُ مُفْهِمَةً لِمَزِيدٍ عَلَيْهِ، اسْتَغْنى عَنْ أنْ يَقُولَ: إلى إيمانِهِمْ، لِذَلِكَ ولِدَلالَةِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“عَلَيْهِ.

﴿وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: يَحْصُلُ لَهُمُ البِشْرُ بِما زادَتْهم مِنَ الخَيْرِ الباقِي الَّذِي لا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ ﴿وأمّا الَّذِينَ﴾ وبَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ ما فِيهِمْ مَسْكَنُ الآفَةِ فَقالَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فَمَنعَهُمُ الإيمانُ وأثْبَتَ لَهُمُ الكُفْرانَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.

(p-٥٢)ولَمّا كانَ المُرادُ بِالمَرَضِ الفَسادَ المَعْنَوِيَّ المُؤَدِّيَ إلى خُبْثِ العَقِيدَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالرِّجْسِ فَقالَ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ أيِ اضْطِرابًا مُوجِبًا لِلشَّكِّ، وزادَ الأمْرَ بَيانًا بِأنَّ المُرادَ المَجازُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى رِجْسِهِمْ﴾ أيْ شَكِّهِمُ الَّذِي كانَ في غَيْرِها ﴿وماتُوا﴾ أيْ: واسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ لِتَمَكُّنِهِ عِنْدَهم إلى أنْ ماتُوا ﴿وهم كافِرُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في الكُفْرِ، وسُمِّي الشَّكُّ في الدِّينِ مَرَضًا؛ لِأنَّهُ فَسادٌ في الرُّوحِ يَحْتاجُ [إلى عِلاجٍ] كَفَسادِ البَدَنِ في الِاحْتِياجِ، ومَرَضُ القَلْبِ أعْضَلُ. وعِلاجُهُ أعْسَرُ وأشْكَلُ، ودَواؤُهُ أعَزُّ وأطِبّاؤُهُ أقَلُّ. ولَمّا زادَ الكُفّارَ بِالسُّورَةِ رِجْسًا مِن أجْلِ كُفْرِهِمْ بِها، كانَتْ [كَأنَّها] هي الَّتِي زادَتْهُمْ، وحَسُنَ وصْفُها بِذَلِكَ كَما حَسُنَ: كَفى بِالسَّلامَةِ داءً، وكَما قالَ الشّاعِرُ:

؎أرى بَصَرِي قَدْ رابَنِي بَعْدَ نُصْحِهِ وحَسْبُكَ داءً أنْ تَصِحَّ وتَسْلَما

قالَهُ الرُّمّانِيُّ، فالمُؤْمِنُونَ يُخْبِرُونَ عَنْ زِيادَةِ إيمانِهِمْ وهَؤُلاءِ يُخْبِرُونَ عَنْ عَدَمِهِ في وِجْدانِهِمْ، فَهَذا مُوجِبُ شَكِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في غَيِّهِمْ وإفْكِهِمْ، ولَوْ أنَّهم رَجَعُوا إلى حاكِمِ العَقْلِ لِأزالَ شَكَّهم وعَرَّفَهم صِدْقَ المُؤْمِنِينَ بِالفَرْقِ بَيْنَ حالَتَيْهِمْ، فَإنَّ ظُهُورَ الثَّمَراتِ مُزِيلٌ لِلشُّبُهاتِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ الإيمانِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، وإثْباتُ المَرَضِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ الصِّحَّةِ أوَّلًا.

9:126Page 207

أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

Do they not see that they are tried every year once or twice but then they do not repent nor do they remember?

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَسْبِيبًا عَمّا جَزَمَ بِهِ مِنَ الحُكْمِ بِعَراقَتِهِمْ في الرِّجْسِ (p-٥٣)وازْدِيادِهِمْ مِنهُ: أفَلا يَرَوْنَ إلى تَمادِيهِمْ في النِّفاقِ وثَباتِهِمْ عَلَيْهِ؟ عَطَفَ عَلَيْهِ تَقْرِيرَهم بِعَذابِ الدُّنْيا والإنْكارِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ أيِ المُنافِقُونَ، قالَ الرُّمّانِيُّ: والرُّؤْيَةُ هُنا قَلْبِيَّةٌ؛ لِأنَّ رُؤْيَةَ العَيْنِ لا تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُرى مِن وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ ”إنَّهم“ أيِ المُنافِقِينَ؛ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ وُقُوعِ الفِتْنَةِ مِنَ العَذابِ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ أيْ يُخالِطُونَ مِن حَوادِثِ الزَّمانِ ونَوازِلِ الحَدَثانِ بِما يَضْطَرُّهم إلى بَيانِ أخْلاقِهِمْ بِإظْهارِ سَرائِرِهِمْ في نِفاقِهِمْ﴿فِي كُلِّ عامٍ﴾ أيْ وإنْ كانَ النّاسُ أخْصَبَ ما يَكُونُونَ وأرْفَعَهُ عَيْشًا ﴿مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ فَيُفْضَحُونَ بِذَلِكَ، وذَلِكَ مُوجِبٌ لِلتَّوْبَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ مَن عَلِمَ سَرائِرَهم - الَّتِي هم مُجْتَهِدُونَ في إخْفائِها - عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قادِرٌ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ تُمْتَثَلَ أوامِرُهُ وتُخْشى زَواجِرُهُ.

ولَمّا كانَ عَدَمُ تَوْبَتِهِمْ مَعَ فِتْنَتِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ مُسْتَبْعَدًا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ أيْ: لا يُجَدِّدُونَ تَوْبَةً ﴿ولا هُمْ﴾ أيْ بِضَمائِرِهِمْ ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ \ أيْ أدْنى تَذَكُّرٍ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ، فَلَوْلا أنَّهُ حَصَلَتْ لَهم زِيادَةٌ في الرِّجْسِ لَأوْشَكَ تَكْرارُ الفِتْنَةِ أنْ يُوهِيَ رِجْسَهم إلى أنْ يُزِيلَهُ ولَكِنْ كُلَّما أوْهى شَيْئًا خَلَفَهُ مِثْلُهُ أوْ أكْثَرُ بِسَبَبِ الزِّياداتِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى وُجُودِ نُجُومِ القُرْآنِ، والتَّذَكُّرُ طَلَبُ الذِّكْرِ لِلْمَعْنى بِالكُفْرِ فِيهِ، فالآيَةُ ذامَّةٌ لَهم عَلى عَدَمِ التَّوْبَةِ بِإصابَةِ المَصائِبِ لِعَدَمِ تَذَكُّرِ (p-٥٤)أنَّهُ سُبْحانَهُ ما أصابَهم بِها إلّا بِذُنُوبِهِمْ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] كَمًّا أنَّ أحَدَهم لا يُعاقِبُ فَتاهُ إلّا بِذَنْبٍ وما لَمْ يَتُبْ فَهو يُوالِي عِقابَهُ].

9:127Page 207

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٢٧

And whenever a sūrah is revealed, they look at each other, [as if saying], "Does anyone see you?" and then they dismiss themselves. Allāh has dismissed their hearts because they are a people who do not understand.

ولَمّا ذَكَرَ ما يَحْدُثُ مِنهم مَنِ القَوْلِ اسْتِهْزاءً، أتْبَعُهُ تَأْكِيدًا لِزِيادَةِ كُفْرِهِمْ وتَوْضِيحًا لِتَصْوِيرِهِ ما يَحْدُثُ مِن فِعْلِهِمُ اسْتِهْزاءً مِنَ الإيمانِ والتَّغامُزِ بِالعُيُونِ فَقالَ: ﴿وإذا﴾ وأكَّدَ بِالنّافِي فَقالَ: ”ما“ ولَمّا كانَ الغَرَضُ نَفْسَ الإنْزالِ لا تَعْيِينَ المُنَزَّلِ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ طائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ﴾ أيِ المُنافِقِينَ ﴿إلى بَعْضٍ﴾ أيْ مُتَغامِزِينَ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً قائِلِينَ: ﴿هَلْ يَراكُمْ﴾ وأكَّدُوا العُمُومَ فَقالُوا: ﴿مِن أحَدٍ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنِ انْصَرَفْتُمْ، فَإنْ يَشُقَّ عَلَيْنا [سَماعُ مِثْلِ هَذا، ويَشُقَّ عَلَيْنا] أنْ يَطَّلِعَ المُؤْمِنُونَ عَلى هَذا السِّرِّ مِنّا.

ولَمّا كانَ انْصِرافُهم عَنْ مِثْلِ هَذا المَقامِ مُسْتَهْجَنًا، أشارَ إلى شِدَّةِ قُبْحِهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَراهُمْ، وإنْ رَآهم أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَجَشَّمُوا المَشَقَّةَ وثَبَتُوا؛ ولَمّا كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِكُلِّ سُوءٍ أخْبَرَ عَنْهم في أُسْلُوبِ الدُّعاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ والكَمالُ كُلُّهُ ﴿قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ عَنِ الإيمانِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ﴾ وإنْ كانُوا ذَوِي قُوَّةٍ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ فَإنَّهم ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ قُلُوبُهم مَجْبُولَةٌ عَلى عَدَمِ الفَهْمِ لِما بِها مِنَ الغِلْظَةِ، (p-٥٥)وهَذا دَلِيلٌ عَلى خِتامِ الآيَةِ قَبْلَها، وهاتانِ الآيَتانِ المُخْتَتَمَتانِ بِ: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ التّالِيَتانِ لِلْأمْرِ بِالجِهادِ في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] المُوازِي - ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] الآيَةَ. - قَدِ احْتَوَتا مَعَ وجازَتِهِما عَلى حاصِلِ أوْصافِ المُنافِقِينَ التّالِيَةِ لِآيَةِ: ﴿انْفِرُوا﴾ [التوبة: ٤١] المُخْتَتَمِ ما هو العامُّ مِنها في أهْلِ الحاضِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦] بِ: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] ثُمَّ عِنْدَ إعادَةِ ذِكْرِهِمْ بِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩٣] وتَصْوِيبُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ إلى أهْلِ الحاضِرَةِ ظاهِرٌ لِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ يَحْضُرُ نُزُولَ الذِّكْرِ كَثِيرًا مَعَ احْتِمالِهِما لِلْعُمُومِ، والخَتْمُ هُنا بِ: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أنْسَبُ؛ لِأنَّ المَقامَ - وهو النَّظَرُ في زِيادَةِ الإيمانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ - يَقْتَضِي فِكْرًا وتَأمُّلًا وإنْ كانَ بِالنَّظَرِ إلى المُؤْمِنِينَ في غايَةِ الوُضُوحِ.

9:128Page 207

لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٢٨

There has certainly come to you a Messenger from among yourselves. Grievous to him is what you suffer; [he is] concerned over you [i.e., your guidance] and to the believers is kind and merciful.

ولَمّا أُمِرَ ﷺ أنْ يُبَلِّغَ هَذِهِ الأشْياءَ الشّاقَّةَ جِدًّا مِن أمْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَحْمِلُ ذَلِكَ إلّا مَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى، وأمّا المُنافِقُونَ فَيَكْرَهُونَ ذَلِكَ وكانَ انْصِرافُهم دالًّا عَلى الكَراهَةِ، عَرَّفَهم أنَّ الأمْرَ كانَ يَقْتَضِي تَوَفُّرَ دَواعِيهِمْ عَلى مَحَبَّةِ هَذا الدّاعِي لَهُمُ المُقْتَضِي لِمُلازَمَتِهِ والبُعْدِ عَمّا يَفْعَلُونَهُ بِهِ مِنَ الِانْصِرافِ عَنْهُ، [و] أنَّ أحْوالَهُ الدّاعِيَةَ لَهم إلى مَحَبَّتِهِ أعْظَمُ مِن أحْوالِ آبائِهِمُ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهم مِنهم مَنِ المَحَبَّةِ وعَلَيْهِمْ مِنَ الحُقُوقِ ما هم مُفْتَخِرُونَ بِالتَّلَبُّسِ بِهِ والمُغالاةِ فِيهِ، وأنَّ كُلَّ ما يَحْصُلُ بِهَذا القُرْآنِ مِنَ العِزِّ (p-٥٦)والشَّرَفِ في الدُّنْيا فَهو لِكُلِّ مَن آمَنَ بِهِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ .

ولَمّا كانَ الرَّسُولُ يَجِبُ إكْرامُهُ والوُقُوفُ في خِدْمَتِهِ لِأجْلِ مُرْسِلِهِ ولَوْ تَجَرَّدَ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الوَصْفِ، شَرَعَ يَذْكُرُ لَهم مِن أوْصافِهِ ما يَقْتَضِي لَهم مَزِيدَ إكْرامِهِ فَقالَ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: تَرْجِعُونَ مَعَهُ إلى نَفْسٍ واحِدَةٍ بِأنَّكم لِأبٍ قَرِيبٍ، وذَلِكَ أقْرَبُ إلى الأُلْفَةِ وأسْرَعُ إلى فَهْمِ الحُجَّةِ، وأبْعَدُ مِنَ المَحْلِ واللَّجاجَةِ ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ: شَدِيدٌ جِدًّا ﴿عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ والعِزَّةُ: امْتِناعُ الشَّيْءِ بِما يَتَعَذَّرُ مَعَهُ ما يُحاوَلُ مِنهُ بِالقُدْرَةِ أوْ بِالقِلَّةِ أوْ بِالصُّعُوبَةِ، والعَنَتُ: لَحاقُ الأذى الَّذِي يَضِيقُ الصَّدْرُ بِهِ ولا يَهْتَدِي لِلْمَخْرَجِ مِنهُ ﴿حَرِيصٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الحِرْصِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَلى نَفْعِكُمْ، والحِرْصُ: شِدَّةُ طَلَبِ الشَّيْءِ عَلى الِاجْتِهادِ فِيهِ، وقَدَّمَ الجارَّ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ فَقالَ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ كافَّةً خاصَّةً، ولَمّا ذَكَرَ الوَصْفَ المُقْتَضِيَ لِلرُّسُوخِ، قَدَّمَ ما يَقْتَضِي العَطْفَ عَلى مَن يَتَسَبَّبُ لَهُ بِما يَقْتَضِي الوَصْلَةَ فَقالَ: ﴿رَءُوفٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الرَّحْمَةِ لِمَن لَهُ مِنهُ عاطِفَةٌ وصِلَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن مَعْنى الرَّأْفَةِ قَرِيبًا.

ولَمّا كانَ المُؤْمِنُ يُطْلَقُ مَجازًا عَلى مَن يُمْكِنُ مِنهُ الإيمانُ فَوَصَلْتُهُ الآنَ لَيْسَتْ بِالفِعْلِ بَلِ الإمْكانِ، قالَ تَعْمِيمًا لِرَحْمَتِهِ ﷺ كَما هو اللّائِقُ بِشَرِيفِ مَنصِبِهِ وعَظِيمِ خُلُقِهِ: ﴿رَحِيمٌ﴾ ولِأجْلِ مِثْلِ هَذِهِ الأغْراضِ النَّفْسِيَّةِ رَتَّبَ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ هَكَذا، ولَكِنَّ (p-٥٧)المَعانِي المُرادَةَ تارَةً يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى لِعَبْدِهِ مِنحَةً لَهُ وإكْرامًا، وتارَةً يُخْفِيها إظْهارًا لِعَجْزِهِ ونُقْصانِهِ ثُمَّ يُظْهِرُها لَهُ في وقْتٍ آخَرَ إنْ صَدَقَ في التَّضَرُّعِ وإظْهارِ الِافْتِقارِ والتَّذَلُّلِ وأدامَ الطَّلَبَ، أوْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هو أقَلُّ مِنهُ عِلْمًا وأضْعَفُ نَظَرًا وفَهْمًا، وإذا تَأمَّلْتَ كِتابِي هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ فَسَرَّها عَلى غَيْرِ المُرادِ مِنها قَطْعًا أكابِرُ العُلَماءِ، فَعَلى الإنْسانِ - إذا خَفِيَ عَلَيْهِ أمْرٌ - أنْ يَقُولَ: لا أعْلَمُ، ولا يَظُنُّ أنَّهُ رُتِّبَ شَيْءٌ مِن هَذا الكِتابِ العَزِيزِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، فَذَلِكَ أمْرٌ لا يَلِيقُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ عابَ النَّبِيُّ ﷺ السَّجْعَ؛ لِأنَّ السّاجِعَ يَكُونُ مَحَطَّ نَظَرِهِ الألْفاظُ، فَيُدِيرُ المَعانِيَ عَلَيْها ويُتْبِعُها إيّاها، فَرُبَّما عَجَزَ اللَّفْظُ عَنْ تَوْفِيَةِ المَعْنى؛ رَوى البُخارِيُّ في الطِّبِّ وغَيْرُهُ مِن صَحِيحِهِ ومُسْلِمٌ في الدِّياتِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى في الجَنِينِ يُقْتَلُ في بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أوْ ولِيدَةٍ، فَقالَ الَّذِي قَضى عَلَيْهِ: كَيْفَ أغْرَمُ مَن لا شَرِبَ ولا أكَلَ، ولا نَطَقَ ولا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّما هَذا مِن إخْوانِ الكُهّانِ»». مِن أجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ، وفي رِوايَةٍ: فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««سَجْعٌ كَسَجْعِ الأعْرابِ»».

وذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَوْ كانَ نَظَرُهُ إلى المَعْنى وتَصْحِيحِهِ لَأغْنى عَنْ هَذا السَّجْعِ أنْ يُقالَ: كَيْفَ أغْرَمُ مَن حَياةِ لَهُ، ولَوْ قَصَدَ السَّجْعَ وتَهْذِيبَ المَعْنى لَأتى مِمّا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحَياةِ الَّتِي جَعَلَها مَحَطَّ أمْرِهِ؛ فَإنَّ (p-٥٨)ما أتى بِهِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَها، ولَوْ تَقَيَّدَ بِالصِّحَّةِ لاغْتَنى بِنَفْيِ النُّطْقِ عَنْ نَفْيِ الِاسْتِهْلالِ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّهُ دائِرٌ مَعَ تَحْسِينِ اللَّفْظِ صَحَّ المَعْنى أمْ لا، ويَنْطَبِعُ في عَقْلِ عاقِلٍ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ يَذُمُّ السَّجْعَ وهو يَأْتِي بِهِ ويَقْصِدُهُ في القُرْآنِ أوْ في السُّنَّةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَأسْرَعُوا الرَّدَّ عَلَيْهِ، وذَكَرَ أصْحابُ فُتُوحِ البِلادِ في فَتْحِ مُكْرانَ مِن بِلادِ فارِسَ أنَّ الحَكَمَ بْنَ عَمْرٍو لَمّا فَتَحَها أرْسَلَ بِالأخْماسِ مَعَ صُحارٍ العَبْدِيِّ، فَلَمّا قَدِمَ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَألَهُ عَنْ مُكْرانَ وكانَ لا يَأْتِيهِ أحَدٌ إلّا سَألَهُ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي يَجِيءُ مِنهُ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أرْضٌ سَهْلُها جَبَلٌ، وماؤُها وشَلٌ. وثَمَرُها دَقْلٌ، وعَدْوُها بَطَلٌ، وخَيْرُها قَلِيلٌ، وشَرُّها طَوِيلٌ، والكَثِيرُ بِها قَلِيلٌ، والقَلِيلُ بِها ضائِعٌ، وما وراءَها شَرٌّ مِنها؛ فَقالَ، أسَجّاعٌ أنْتَ أمْ مُخْبِرٌ؟ فَقالَ: لا بَلْ مُخْبِرٌ، قالَ: واللَّهِ! لا يَغْزُوها جَيْشٌ لِي ما أُطِعْتُ. فَقَدْ جَعَلَ الفارُوقُ السَّجْعَ قَسِيمًا لِلْخَبَرِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّقَيُّدَ بِهِ عَيْبٌ لِإخْلالِهِ بِالفائِدَةِ أوْ بِتَمامِ الفائِدَةِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُخْبِرًا لِأنَّهُ انْفَكَّ عَنِ السَّجْعِ في آخِرِ كَلامِهِ وكَرَّرَ لَفْظَ ”قَلِيلٌ“ فَكانَ ما ظَنَّهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ السَّجْعَ لَأمْكَنَهُ أنْ يَقُولَ: والكَثِيرُ بِها ذَلِيلٌ، (p-٥٩)والقَلِيلُ بِها ضائِعٌ كَلِيلٌ، وما وراءَها شَرٌّ مِنها بِأقْوَمِ قِيلٍ؛ وقَدْ نَفى سُبْحانَهُ عَنْ هَذا القُرْآنِ المَجِيدِ \ تَصْوِيبَ النَّظَرِ إلى السَّجْعِ كَما نَفى عَنْهُ الشِّعْرَ فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] فَكَما أنَّ [قَوْلَ] الشّاعِرِ إتْيانُهُ بِالكَلامِ مَوْزُونًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُ الكاهِنِ إتْيانُهُ بِالكَلامِ مَسْجُوعًا، والقُرْآنُ لَيْسَ مِن هَذا ولا مِن هَذا. وإنْ وقَعَ فِيهِ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ فَغَيْرُ مَقْصُودٍ إلَيْهِ ولا مُعَوَّلٌ عَلَيْهِ، بَلْ لِكَوْنِ المَعْنى انْتَظَمَ بِهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ فَيُؤْتى بِهِ لِذَلِكَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالِانْفِكاكِ عَنْهُ في كَثِيرٍ مِنَ الأماكِنِ بِقَرِينَةٍ لَيْسَ لَها مُجانِسٌ في اللَّفْظِ لِتَمامِ المَعانِي المُرادَةِ عِنْدَها فَيُعْلَمُ قَطْعًا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ أصْلًا؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَرْضى بِهِ أقَلُّ السّاجِعِينَ، بَلْ يَراهُ عَجْزًا وضِيقًا عَنْ تَكْمِيلِ المُشاكَلَةِ ونَقْصًا - تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ومِمّا يُوجِبُ لَكَ القَطْعَ بِأنَّ تَرْتِيبَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ هَكَذا لِغَيْرِ مُراعاةِ الفَواصِلِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ طه عَنِ الفَخْرِ الرّازِيِّ والقاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ مَنعُ النَّظَرِ إلى السَّجْعِ في الكِتابِ العَزِيزِ نَقْلًا عَنْ جَمِيعِ الأشاعِرَةِ، وإذا تَأمَّلْتَ الفَواصِلَ في الإتْيانِ بِها تارَةً بِكَثْرَةٍ وتارَةً [بِقِلَّةٍ، وتارَةً] تُتْرَكُ (p-٦٠)بِالكُلِّيَّةِ ويُؤْتى في كُلِّ آيَةٍ بِفاصِلَةٍ لا تُوافِقُ الأُخْرى، عَلِمْتَ أنَّ هَذا المَذْهَبَ هو الصَّوابُ ولا سِيَّما آخَرُ سُورَةِ ”اقْرَأْ“ وإذا تَأمَّلْتَ كُتُبَ أهْلِ العَدَدِ أتْقَنْتَ عِلْمَ هَذا المُسْتَنَدِ، وإذا تَأمَّلْتَ ما قُلْتُهُ في هَذا النَّحْوِ مِن كِتابِي «مَصاعِدُ النَّظَرِ لِلشُّرّافِ عَلى مَقاصِدِ السُّوَرِ» لَمْ يَبْقَ عِنْدَكَ شَكٌّ في شَيْءٍ مِن هَذا، فَإيّاكَ أنْ تَجْنَحَ لِهَذا القَوْلِ فَتَكُونَ قَدْ وقَعْتَ في أمْرٍ عَظِيمٍ وأنْتَ لا تَشْعُرُ.

وأوْرَدَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ إيرادَ المُخاطِبِ المُتَلَطِّفِ المُزِيلِ لِما عِنْدَهم مِنَ الرَّيْبِ بِالقَسَمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: [ما لَكُمْ] تَنْصَرِفُونَ عَنْ حَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ وشَمائِلِهِ العُلى! واللَّهِ لَقَدْ جاءَكم - إلى آخِرِهِ،

9:129Page 207

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ١٢٩

But if they turn away, [O Muḥammad], say, "Sufficient for me is Allāh; there is no deity except Him. On Him I have relied, and He is the Lord of the Great Throne."

ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا لَهُ مُقابِلًا لِإعْراضِهِمْ إنْ أعْرَضُوا بِالإعْراضِ عَنْهم والبَراءَةِ مِنهم مُلْتَفِتًا إلى السُّورَةِ الآمِرِ بِالبَراءَةِ مِن كُلِّ مُخالِفٍ، قائِلًا مُسَبَّبًا عَنِ النَّصِيحَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي لا يَشُكُّ عاقِلٌ في مَضْمُونِها: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيِ اجْتَهَدُوا في تَكْلِيفِ فِطَرِهِمُ الأُولى أوْ ولَّوْا مُدْبِرِينَ عَنْكَ بِالِانْصِرافِ المَذْكُورِ أوْ غَيْرِهِ بَعْدَ النَّصِيحَةِ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿فَقُلْ﴾ [أيْ] اسْتِعانَةً بِاللَّهِ [تَفْوِيضًا إلَيْهِ] ﴿حَسْبِيَ﴾ أيْ: كافِيَّ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وهو مِنَ الحِسابِ؛ لِأنَّهُ جَلَّ ثَناهُ يُعْطِي بِحَسْبِ الكِفايَةِ الَّتِي تَعْنِي عَنْ غَيْرِهِ، ويَزِيدُ مِن نِعْمَتِهِ ما لا يَبْلُغُ إلى حَدٍّ ونِهايَةٍ؛ إذْ نِعَمُهُ دائِمَةٌ ومَنَنُهُ مُتَظاهِرٌ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، وإنَّما كانَ كافِيًا لِأنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَلا مُكافِئَ لَهُ فَلا رادَّ لِأمْرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

ولَمّا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ، وجَبَ قَصْرُ الرَّغائِبِ عَلَيْهِ (p-٦١)فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ لِأنَّ أمْرَهُ نافِذٌ في كُلِّ شَيْءٍ ﴿وهُوَ رَبُّ﴾ أيْ مالِكٌ ومُخْتَرِعٌ ومُدَبِّرٌ؛ [ولَمّا كانَ في سِياقِ القَهْرِ والكِبْرِياءِ بِالبَراءَةِ مِنَ الكُفّارِ والكِفايَةِ لِلْأبْرارِ، كانَ المَقامُ بِالعَظَمَةِ أنْسَبَ كَآيَةِ النَّمْلِ فَقالَ]: ﴿العَرْشِ العَظِيمِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ الأجْسامِ الحاوِي لِسائِرِ الأجْرامِ [الَّذِي ثَبَتَ بِآيَةِ الكُرْسِيِّ وغَيْرِها أنَّ رَبَّهُ أعْظَمُ مِنهُ؛ لِأنَّ عَظَمَتَهُ عَلى الإطْلاقِ] فَلا شَيْءَ إلّا هو في قَبْضَتِهِ وداخِلٌ في دائِرَةِ مَمْلَكَتِهِ، وإذا كانَ كافِيَّ فَأنا بَرِيءٌ مِمَّنْ تَوَلّى عَنِّي وبَعُدَ مِنِّي كائِنًا مَن كانَ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ؛ فَقَدْ عانَقَ آخِرُ السُّورَةِ أوَّلَها وصافَحَ مُنْتَهاها مُبْتَدَأها وتَأكَّدَ ما فَهِمْتُهُ مِن سِرِّ الِالتِفاتِ فِي: ﴿فَسِيحُوا﴾ [التوبة: ٢] وفِي: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣] [واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском