Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:16–17
9:16Page 189
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦
Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - لِما أرْشَدَ إلَيْهِ تَقاعُدُهم عَنِ القِتالِ وإدْخالُ ”أمْ“ المُرْشِدِ إلى أنَّ مَدْخُولَهُ وسَطَ الكَلامِ فَإنَّ الِابْتِداءَ لَهُ الألِفُ وحْدَها: وهَلْ حَسِبْتُمْ أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ ذَلِكَ أوْ لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِكُمْ؟ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُوَبِّخًا لِمَن تَثاقَلَ عَنْ ذَلِكَ بِنَوْعِ تَثاقُلٍ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيْ: لِنَقْصٍ في العَقْلِ أنَّهُ يَبْنِي الأمْرَ فِيهِ عَلى غَيْرِ الحِكْمَةِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تُتْرَكُوا﴾ أيْ: قارِّينِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ تُبْتَلَوْا بِما يَظْهَرُ بِهِ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿ولَمّا﴾ عَبَّرَ بِها لِدَلالَتِها - مَعَ اسْتِغْراقِ الزَّمانِ الماضِي - عَلى أنْ يَتَبَيَّنَ ما بَعْدَها مُتَوَقَّعٌ كائِنٌ ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ أيْ: عِلْمًا ظاهِرًا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلَيْكم في (p-٣٩٩)مَجارِي عاداتِكم عَلى مُقْتَضى عُقُولِكم بِأنْ يَقَعَ الجِهادُ في الواقِعِ بِالفِعْلِ.
ولَمّا كانَ المَعْنى: جاهِدُوا مُخْلِصِينَ، تَرْجَمَهُ وبَسَطَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ﴾ أيْ: ولَمّا يَعْلَمِ الَّذِينَ لَمْ ﴿يَتَّخِذُوا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، ودَلَّ عَلى تَراخِي الرُّتَبِ عَنْ مَكانَتِهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَعْدِلُ عَنْهُ ويَرْغَبُ في غَيْرِهِ مِن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ الِافْتِعالُ - لِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالكَمالِ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِتَكْرِيرِ ”لا“ فَقالَ: ﴿ولا رَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي هو خُلاصَةُ خَلْقِهِ ﴿ولا المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اصْطَفاهم مِن عِبادِهِ ﴿ولِيجَةً﴾ أيْ: بِطانَةً تُباطِنُونَها وتَسْكُنُونَ إلَيْها فَتَلِجُ أسْرارُكم إلَيْها وأسْرارُها إلَيْكُمْ، فَإنَّ الوَلِيجَةَ كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ، والرَّجُلُ يَكُونُ في قَوْمٍ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، فَوَلِيجَةُ الرَّجُلِ مَن يَخْتَصُّهُ بِدَخِيلَةِ أمْرِهِ دُونَ النّاسِ، يُقالُ: هو ولِيجَتِي وهم ولِيجَتِي - لِلْواحِدِ والجَمْعِ - نَقَلَ ذَلِكَ البَغَوِيُّ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، قالَ ابْنُ هِشامٍ: ولِيجَةً: دَخِيلًا وجَمْعُها ولائِجُ، يَقُولُ: لَمْ يَتَّخِذُوا دَخِيلًا مِن دُونِهِ يُسِرُّونَ إلَيْهِ غَيْرَ ما يُظْهِرُونَ نَحْوَ ما يَصْنَعُ المُنافِقُونَ، يُظْهِرُونَ الإيمانَ لِلَّذِينَ (p-٤٠٠)آمَنُوا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إنّا مَعَكم.
والحاصِلُ أنَّهُ لا يَكُونُ التَّرْكُ بِدُونِ عِلْمِ الأمْرَيْنِ حاصِلَيْنِ، والمُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ، فالمَعْنى: ولَمّا يَكُنْ مُجاهِدُونَ مُخْلِصُونَ.
ولَمّا كانَ ظاهِرُ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ مَن لَمْ يَرْسَخْ قَدَمُهُ في المَعارِفِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: سَواءٌ بَرَزَ إلى الخارِجِ أوْ لا.
9:17Page 189
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧
It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.
ولَمّا حَذَّرَهم مِنَ اتِّخاذِ ولِيجَةٍ مِن دُونِهِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ أنَّ الوَلِيجَةَ الَّتِي يَتَّخِذُها بَعْضُهم لا تَصْلُحُ لِلْعاطِفَةِ بِما اتَّصَفَتْ بِهِ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ ما لَمْ تُوضَعْ تِلْكَ المَحاسِنُ عَلى الأساسِ الَّذِي هو الإيمانُ المُبَيَّنُ بِدَلائِلِهِ، فَقالَ سائِقًا لَهُ مَساقَ جَوابِ قائِلٍ قالَ: إنَّ فِيهِمْ مِن أفْعالِ الخَيْرِ ما يَدْعُو إلى الكَفِّ عَنْهم مِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ وخِدْمَتِهِ وتَعْظِيمِهِ! ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ عَبَّرَ بِالوَصْفِ دُونَ الفِعْلِ لِأنَّ جَماعَةً مِمَّنْ أشْرَكَ أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصارَ أهْلًا لِما نُفِيَ عَنْهم ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ أيْ: وهو المُنَزَّهُ بِإحاطَتِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ الحَسَنُ: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يُتْرَكُوا فَيَكُونُوا أهْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ، ثُمَّ قالَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجَمْعِ: قالَ الحَسَنُ: إنَّما قالَ: مَساجِدَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها - يَعْنِي فَعامِرُهُ عامِرٌ جَمِيعَ المَساجِدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الجِنْسُ، وإذا (p-٤٠١)لَمْ يَصْلُحُوا لِعِمارَةِ الجِنْسِ دَخَلَ المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ صَدْرُ الجِنْسِ، وذَلِكَ آكَدُ لِأنَّهُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ - قالَ الفَرّاءُ: ورُبَّما ذَهَبَ العَرَبُ بِالواحِدِ إلى الجَمْعِ وبِالجَمْعِ إلى الواحِدِ؛ ألا تَرى أنَّ الرَّجُلَ يَرْكَبُ البِرْذَوْنَ فَيَقُولُ: أخَذْتُ في رُكُوبِ البَراذِينِ، ويُقالُ: فُلانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ. انْتَهى.
فَتَحَرَّرَ أنَّ المَعْنى: مَنعُهم مِن إقامَةِ شَعائِرِهِ بِطَوافٍ أوْ زِيارَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّهم نَجَسٌ - كَما يَأْتِي.
﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي هي مَعْدِنُ الأرْجاسِ والأهْوِيَةِ ﴿بِالكُفْرِ﴾ أيْ: بِإقْرارِهِمْ؛ لِأنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وقَدْ نَصَبُوا فِيهِ الأصْنامَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وادَّعَوْا أنَّها شُرَكاؤُهُ، فَإذْنُ عِمارَتِهِمْ تَخْرِيبٌ لِتَنافِي عَقْدِهِمْ وفِعْلِهِمْ، قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: شَهادَتُهم سُجُودُهم لِلْأصْنامِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا نَصَبُوا أصْنامَهم خارِجَ البَيْتِ الحَرامِ عِنْدَ القَواعِدِ وكانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، كُلَّما طافُوا شَوْطًا سَجَدُوا لِأصْنامِهِمْ.
ولَمّا نَفى قَبِيحُ ما يَفْعَلُونَ حُسْنَ ما يَعْتَقِدُونَ، أشارَ إلى بُعْدِهِمْ عَنِ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العِمارَةِ والحِجابَةِ والسِّقايَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَسَدَتْ بِبُطْلانِ مَعانِيها لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ ﴿وفِي النّارِ هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ومَن فَعَلَ كَفِعْلِهِمْ فَهو مِنهم ﴿خالِدُونَ﴾ (p-٤٠٢)أيْ: بِجَعْلِهِمُ الكُفْرَ مَكانَ الإيمانِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences