Al-Biqa'iAt‑Tawbah · 9:21–28

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:21–28

9:21Page 190

يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ جَزاءَ أُولَئِكَ الخُلُودُ في النّارِ، بَيَّنَ ما لِهَؤُلاءِ، فَقالَ مُفَسِّرًا لِفَوْزِهِمْ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِهِدايَتِهِمْ واجْتِبائِهِمْ. وناهِيكَ بِهَذِهِ البِشارَةِ الدّالَّةِ عَلى عُلُوِّ مَقامِهِمْ؛ لِأنَّها بِلا واسِطَةٍ، وكَوْنُ البِشارَةِ عَلى قَدْرِ المُبَشِّرِ دالٌّ أنَّ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لا نِهايَةَ لَها ولا يُحاطُ بِمَعْرِفَةِ مِقْدارِها ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ أيْ: عَظِيمَةٍ، وزادَها عِظَمًا (p-٤١٩)بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾ وذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا نَجاةَ بِدُونِ العَفْوِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّ الرَّحْمَةَ كَما أثْمَرَتِ العَفْوَ الَّذِي هو أدْنى المَنازِلِ أسْعَدَتْ بِأعْلاها فَقالَ: ﴿ورِضْوانٍ﴾ أيْ: بِأنْ يَكُونَ راضِيًا عَنِ اللَّهِ لِلرِّضى بِقَضاءِ اللَّهِ وذَلِكَ يَكُونُ إذا قَصَرَ نَظَرَهُ عَلى اللَّهِ؛ فَإنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ أبَدًا بِقَضاءٍ مِن أقَضِيَتِهِ كَما أنَّ اللَّهَ - الَّذِي هو راحِمُهُ - لا يَتَغَيَّرُ، ومَن كانَ نَظَرُهُ لِطَلَبِ حَظٍّ لَهُ كانَ أبَدًا في تَغَيُّرٍ مِنَ الفَرَحِ إلى الحُزْنِ ومِنَ السُّرُورِ إلى الغَمِّ ومِنَ الرّاحَةِ إلى الجِراحَةِ ومِنَ اللَّذَّةِ إلى الألَمِ، فَثَبَتَ أنَّ الرَّحْمَةَ التّامَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا لِلرّاضِي بِقَضاءِ اللَّهِ ويَكُونُ اللَّهُ راضِيًا عَنْهُ فَتَكُونُ نَفْسُهُ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، ولِهَذا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِ: ”مِنهُ“ وهَذانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الجَنَّةَ الرُّوحانِيَّةَ المُنْعَمَ بِها في الدُّنْيا، أتْبَعَهُ بَيانَ الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ البَدَنِيَّةِ الخاصَّةِ بِالدّارِ الَّتِي فِيها القَرارُ فَقالَ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ كَثِيرَةِ الأشْجارِ والثِّمارِ ﴿لَهم فِيها نَعِيمٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا خالِصٌ عَنْ كَدَرٍ ما، ودَلَّ عَلى الخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُقِيمٌ﴾

9:22Page 190

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.

ثُمَّ صَرَّحَ بِخُلُودِهِمْ فِيها بِلَفْظِ الخُلُودِ لِيَكُونَ أقَرَّ لِلنَّفْسِ فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وحَقَّقَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ المَدْحَ لِذَلِكَ مُؤْذِنًا بِالمَزِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ والقُدْرَةُ الكامِلَةُ ﴿عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وناهِيكَ بِما يَصِفُهُ العَظِيمُ دالًّا بِالعِظَمِ، وخَصَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِهَذا الثَّوابِ المُعَبَّرِ عَنْ دَوامِهِ بِهَذِهِ العِباراتِ الثَّلاثِ المَقْرُونَةِ بِالتَّعْظِيمِ والِاسْمِ الأعْظَمِ، فَكانَ أعْظَمَ الثَّوابِ؛ لِأنَّ (p-٤٢٠)إيمانَهم أعْظَمُ الإيمانِ.

9:23Page 190

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

ولَمّا فَرَغَ مِنَ العاطِفَةِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ، شَرَعَ في العاطِفَةِ بِالأنْسابِ والأمْوالِ، وقَدَّمَ الأوَّلَ إشارَةً إلى أنَّ المُجانَسَةَ في الأفْعالِ مُقَدَّمَةٌ عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ، ولَمّا كانَ مَحَطُّ المُوالاةِ المُناصَرَةَ، وكانَتِ النُّصْرَةُ بِالآباءِ والإخْوانِ أعْظَمَ مِنَ النُّصْرَةِ بِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ مَرْجِعَها إلى كَثْرَةِ الأعْوانِ والأخْدانِ، اقْتَصَرَ عَلَيْها فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِالإيمانِ بِرَبِّهِمْ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ مِنَ الأنْدادِ الظّاهِرَةِ! صَدِّقُوا ادِّعاءَكم ذَلِكَ بِأنْ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ أيْ: تَتَعَمَّدُوا وتَتَكَلَّفُوا أنْ تَأْخُذُوا ﴿آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ أيْ: عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ الطِّباعُ وتَقْوِيَةُ الأطْماعِ فَتُلْقُوا إلَيْهِمْ أسْرارَكم وتُؤْثِرُوا رِضاهم والمَقامُ عِنْدَهم ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا﴾ أيْ: طَلَبُوا وأوْجَدُوا أنْ أحَبُّوا ﴿الكُفْرَ﴾ وهو تَغْطِيَةُ الحَقِّ والتَّكْذِيبُ ﴿عَلى الإيمانِ﴾ نَبَّهَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ عَلى أنَّ الإيمانَ لِكَثْرَةِ مَحاسِنِهِ وظُهُورِ دَلائِلِهِ مَعْشُوقٌ بِالطَّبْعِ، فَلا يَتْرُكُهُ أحَدٌ إلّا بِنَوْعِ مُعالَجَةٍ ومُكابَرَةٍ لِعَقْلِهِ ومُجاهَدَةٍ.

ولَمّا كانَ أعَزُّ الأشْياءِ الدِّينَ، وكانَ لا يُنالُ إلّا بِالهِدايَةِ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ سَلْبُها عَنِ الظّالِمِ، ورَهَّبَهم مِنَ انْتِزاعِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُ أنْ يَفْعَلَ في أمْرِهِمْ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ ما أعْلَمَكُمُ اللَّهُ في أمْرِهِمْ مِمّا أعْلَمَ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ: المُبْعَدُونَ عَنِ الحَضَراتِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لِوَضْعِهِمُ المُوالاةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها (p-٤٢١)بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الزَّواجِرِ، وهَذا رُجُوعٌ بِالِاحْتِراسِ إلى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] - الآيَةَ. الوالِيَةِ لِبَيانِ المُؤْمِنِينَ حَقًّا وإشارَةً إلى أنَّهُ يُضِلُّهم ولا يَهْدِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الخَبَرِ بِأنَّهُ لا يَهْدِي الظّالِمِينَ.

9:24Page 190

قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤

Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."

ولَمّا كانَتِ الأنْفُسُ مُخْتَلِفَةَ الهِمَمِ مُتَبايِنَةَ السَّجايا والشِّيَمِ، كانَ هَذا غَيْرَ كافٍ في التَّهْدِيدِ لِكُلِّها، فَأتْبَعَهُ تَهْدِيدًا أشَدَّ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ النُّفُوسِ فَقالَ مُنْتَقِلًا مِن أُسْلُوبِ الإقْبالِ إلى مَقامِ الإعْراضِ المُؤْذِنِ بِزَواجِرِ الغَضَبِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: يا أعْظَمَ الخَلْقِ شَفَقَةً ورِفْقًا ونَصِيحَةً لِمَن لَمْ يُزْعِمْهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الزَّواجِرِ أنَّهُ يَجِبُ تَحَمُّلُ جَمِيعِ هَذِهِ المَضارِّ في الدُّنْيا لِيَبْقى الدِّينُ سالِمًا ولا يَنْثَلِمَ ﴿إنْ كانَ آباؤُكُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ أنْتُمْ أشَدُّ شَيْءٍ تَوْقِيرًا لَهم ﴿وأبْناؤُكُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم أعَزُّ النّاسِ لَدَيْكم وأحَبُّهم إلَيْكم ﴿وإخْوانُكُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم مِن أُصُولِكم فَهم كَأنْفُسِكم ﴿وأزْواجُكُمْ﴾ أيِ: اللّاتِي هُنَّ سَكَنٌ لَكم ﴿وعَشِيرَتُكُمْ﴾ أيِ: الَّتِي بِها تَمامُ الرّاحَةِ وقِيامُ العِزِّ والمَنَعَةِ وهم أهْلُ الإنْسانِ الأدْنَوْنَ الَّذِينَ يُعاشِرُونَهُ.

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ ما هو مُقَدَّمٌ عَلى المالِ عِنْدَ أُولِي الهِمَمِ العَوالِ قالَ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ أيِ اكْتَسَبْتُمُوها بِالمُعالَجَةِ مِنَ الأسْفارِ (p-٤٢٢)وغَيْرِها لِمَعاشِكم ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ أيْ: لِفَواتِ أوْقاتِ نِفاقِها بِسَبَبِ اشْتِغالِكم بِما نَدَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ فَيُفَوِّتُ - عَلى ما تَتَوَهَّمُونَ - ما بِهِ قَوامُكم ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ أيْ: لِأنَّها مَجْمَعٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ، ولَقَدْ رَتَّبَها سُبْحانَهُ أحْسَنَ تَرْتِيبٍ، فَإنَّ الأبَ أحَبُّ المَذْكُورِينَ لِما هُنا مِن شائِبَةِ النُّصْرَةِ، وبَعْدَهُ الِابْنُ ثُمَّ الأخُ ثُمَّ الزَّوْجُ ثُمَّ العَشِيرُ الجامِعُ لِلذُّكُورِ والإناثِ ثُمَّ المالُ المَوْجُودُ في اليَدِ ثُمَّ المُتَوَقَّعُ رِبْحُهُ بِالمَتْجَرِ، وخَتَمَ بِالمَسْكَنِ لِأنَّهُ الغايَةُ الَّتِي كَلُّ ما تَقَدَّمَ أسْبابٌ لِلِاسْتِرْواحِ فِيهِ والتَّجَمُّلِ بِهِ ﴿أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ، ومَتى شاءَ سَلَبَكُمُوهُ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي أتاكم بِما بِهِ حِفْظُ هَذِهِ النِّعَمِ في الدّارَيْنِ ﴿وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ أيِ: لِرَدِّ الشّارِدِ مِن عِبادِهِ إلَيْهِ وجَمْعِهِمْ عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظِرُوا مُتَرَبِّصِينَ - تَهْدِيدٌ بَلِيغٌ ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَبْلُغُهُ أوْصافُكم ولا تَحْتَمِلُهُ قُواكم.

ولَمّا كانَ مَن آثَرَ حُبَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى حُبِّهِ تَعالى، كانَ مارِقًا مِن دِينِهِ راجِعًا إلى دِينِ مَن آثَرَهُ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَيُصِيبُكم بِقارِعَةٍ لا تُطِيقُونَها ولا تَهْتَدُونَ إلى دَفْعِها بِنَوْعِ حِلْيَةٍ؛ لِأنَّكُمُ اخْتَرْتُمْ لِأنْفُسِكم مُنابَذَةَ الهِدايَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مَطْبُوعٌ في الفِسْقِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيْ: لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ (p-٤٢٣)﴿الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اسْتَعْمَلُوا ما عِنْدَهم مِن قُوَّةِ القِيامِ فِيما يُرِيدُونَ مِنَ الفَسادِ حَتّى صارَ الفِسْقُ - وهو الخُرُوجُ مِمّا حَقُّهُ المُكْثُ فِيهِ والتَّقَيُّدُ بِهِ وهو هُنا الطّاعَةُ - خُلُقًا مِن أخْلاقِهِمْ ولازِمًا مِن لَوازِمِهِمْ، بَلْ يَكِلُهم إلى نُفُوسِهِمْ فَيَخْسَرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ.

9:25Page 190

لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥

Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.

ولَمّا كانَ في بَعْضِ النُّفُوسِ مِنَ الغُرُورِ بِالكَثْرَةِ ما يُكْسِبُها سَكْرَةً تُغْفِلُها عَنْ بَعْضِ مَواقِعِ القُدْرَةِ، ساقَ قِصَّةَ حُنَيْنٍ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ الَّذِي أبْهَمَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ جَوابًا لِسائِلٍ كانَ كَأنَّهُ قالَ: ما ذاكَ الأمْرُ الَّذِي يُتَرَبَّصُ لِإتْيانِهِ ويُخْشى مِن عَظِيمِ شَأْنِهِ؟ فَقِيلَ: الذُّلُّ والهَوانُ والِافْتِقارُ والِانْكِسارُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: بِأنْ يُسَلِّطَ القَدِيرُ عَلَيْكم - وإنْ كُنْتُمْ كَثِيرًا - أقْوِياءَ غَيْرَكم وإنْ كانُوا قَلِيلًا ضُعَفاءَ كَما سَلَّطَكم - وقَدْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ - حَتّى صِرْتُمْ إلى ما صِرْتُمْ إلَيْهِ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْلى مَعَ شِدَّةِ ضَعْفِكم ﴿فِي مَواطِنَ﴾ أيْ: مَقاماتٍ ومَواقِفَ وأماكِنَ تُوَطِّنُونَ فِيها أنْفُسَكم عَلى لِقاءِ عَدُوِّكم ﴿كَثِيرَةٍ﴾ أيْ: مِنَ الغَزَواتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَكم كَبَدْرٍ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وقَيْنُقاعَ والحُدَيْبِيَةِ وخَيْبَرَ وغَيْرِها مِن مُخاصَماتِ الكُفّارِ، وكُنْتُمْ مِنَ الذِّلَّةِ والقِلَّةِ والِانْكِسارِ بِحالٍ لا يُتَخَيَّلُ مَعَها نَصْرُكم وظُهُورُكم عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ وأنْتُمْ فِيهِمْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، وما وكَلَكم (p-٤٢٤)إلى مُناصَرَةِ مَن تَقَدَّمَ أمْرُهُ لَكم بِمُقاطَعَتِهِمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ ورَجَّحَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا آتاهُ اللَّهُ الدِّينَ والدُّنْيا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وإنْ عاداهُ النّاسُ أجْمَعُونَ، ودَلَّ بِما بَعْدَها مِن قِصَّةِ حُنَيْنٍ عَلى أنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلى الدُّنْيا فاتَهُ الدِّينُ والدُّنْيا إلّا أنْ يَتَدارَكَهُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ فَيَرْجِعَ بِهِ. فَقالَ تَعالى:﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: ونَصَرَكم بَعْدَ أنْ قَوّاكم وكَثَّرَكم هو وحْدَهُ، لا كَثْرَتُكم وقُوَّتُكم يَوْمَ ﴿حُنَيْنٍ﴾ وهو وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ إلى جانِبِ ذِي المَجازِ، وهو إلى مَكَّةَ أقْرَبُ، وراءَ عَرَفاتٍ إلى الشَّمالِ.

ولَمّا كانَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ قالَ حِينَ التَقى الجَمْعانِ وأعْجَبَتْهُ كَثْرَةُ النّاسِ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ! فَساءَ النَّبِيَّ ﷺ كَلامُهُ وأنْ يَعْتَمِدَ إلّا عَلى اللَّهِ، وكانَ الإعْجابُ سُمًّا قاتِلًا لِلْأسْبابِ، أدَّبَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الغَزْوَةِ بِذِكْرِ سُوءِ أثَرِهِ لِنَحْذَرَهُ، ثُمَّ عادَ سُبْحانَهُ بِالإنْعامِ لِكَوْنِ الَّذِي قالَهُ شَخْصًا واحِدًا كَرِهَ غَيْرُهُ مَقالَتَهُ. فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ أيْ: فَقَطَعْتُمْ لِذَلِكَ أنَّهُ لا يَغْلِبُها غالِبٌ، وأسْنَدَ سُبْحانَهُ الفِعْلَ لِلْجَمْعِ إشارَةً إلى أنَّهم لِعُلُوِّ مَقامِهِمْ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ مِنهم مَن يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الإغْناءِ ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ﴾ أيِ: الواسِعَةُ ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: مَعَ اتِّساعِها فَصِرْتُمْ لا تَرَوْنَ أنَّ فِيها مَكانًا يُحَصِّنُكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ لِفَرْطِ الرُّعْبِ، فَما ضاقَ في الحَقِيقَةِ إلّا ما كانَ (p-٤٢٥)مِنَ الآمالِ الَّتِي سَكَنَتْ إلى الأمْوالِ والرِّجالِ، ولَعَلَّ عَطْفَهُ - لِتَوَلِّيهِمْ بِأداةِ التَّراخِي في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ﴾ أيْ: تَوْلِيَةً كَثِيرَةً ظُهُورَكُمُ الكُفّارَ، وحَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ أيِ: انْهِزامًا مَعَ أنَّ الفِرارَ كانَ حِينَ اللِّقاءِ لَمْ يَتَأخَّرْ - إشارَةً إلى ما كانَ عِنْدَهم مِنَ اسْتِعْبادِهِ اعْتِمادًا عَلى القُوَّةِ والكَثْرَةِ

9:26Page 190

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦

Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

﴿ثُمَّ أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿سَكِينَتَهُ﴾ أيْ: رَحْمَتَهُ، وهي الأمْرُ الَّذِي يُسَكِّنُ القُلُوبَ عَنْ أنْ تَتَأثَّرَ بِما يَدْهَمُها مِنَ البَلاءِ مِنَ الوُثُوقِ بِهِ سُبْحانَهُ ومُشاهَدَةِ جَنابِهِ الأقْدَسِ والغَناءِ عَنْ غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِلرِّسالَةِ، وكانَ تَأْيِيدُ مُدَّعِيها مِن أماراتِ صِدْقِهِ في دَعْوى أنَّهُ رَسُولٌ، وأنَّ مُرْسِلَهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ لا سِيَّما إنْ كانَ تَأْيِيدُهُ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ، عَبَّرَ بِهِ دُونَ وصْفِ النُّبُوَّةِ فَقالَ: ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى ما كانَ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ الَّتِي لَمْ يَحُزْ مِثْلَها أحَدٌ، ثَبَّتَ بِها الثَّلاثِينَ ألْفًا أوْ عِشْرِينَ ألْفًا أوْ أرْبَعَةَ آلافٍ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ في عَشْرَةِ أنْفُسٍ أوْ مِائَةٍ أوْ ثَلاثِمِائَةٍ - عَلى الِاخْتِلافِ أيْضًا، لَمْ يَكُنْ ثَباتُهم إلّا بِهِ، ثُمَّ لَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إلّا تَقَدُّمًا حَتّى أنْ كانَ العَبّاسُ عَمُّهُ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ ابْنُ عَمِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَيَكُفّانِ بَغْلَتَهُ عَنْ بَعْضِ التَّقَدُّمِ، ولَعَلَّ العَطْفَ بِ: ”ثُمَّ“ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ ذَلِكَ الثَّباتِ واسْتِبْعادِ أنْ يَقَعَ مِثْلُهُ في مَجارِي العاداتِ ﴿وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أمّا مَن كانَ مِنهم ثابِتًا فَزِيادَةً عَلى ما كانَ لَهُ مِن ذَلِكَ، وأمّا غَيْرُهُ فَأُعْطِيَ ما (p-٤٢٦)لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ قالَ لِعَمِّهِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ بَعْدَما فَرَّ النّاسُ: نادِ فِيهِمْ يا عَبّاسُ! فَنادى وكانَ صِيتًا: يا عِبادَ اللَّهِ! يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ! يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ! فَكَرُّوا عُنُقًا واحِدًا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ! ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُجَرَّدِ التَّبَرُّكِ كَما في ذِكْرِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وزِيادَةً في تَعْظِيمِ الِامْتِنانِ بِهِ لِأنَّ النُّفُوسَ إلى ما أعْطى مِنهُ الرَّسُولُ أمْيَلُ والقُلُوبُ لَهُ أقْبَلُ لِاعْتِقادِ جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ ﴿وأنْـزَلَ﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ ﴿جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿وعَذَّبَ﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والأسْرِ والهَزِيمَةِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَبَّرَ بِالفِعْلِ لِأنَّ فِيهِمْ مَن آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ ما عُذِّبَ بِهِ مَن أوْجَدَ مُطْلَقَ هَذا الوَصْفِ عَظِيمًا، أتْبَعَهُ بَيانَ جَزاءِ العَرِيقِ في ذَلِكَ تَرْهِيبًا لِمَن آثَرَ حُبَّ شَيْءٍ مِمّا مَضى عَلى حُبِّ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ: العَذابُ الَّذِي مِنهُ ما عُذِّبَ بِهِ هَؤُلاءِ وغَيْرُهُ ﴿جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في وصْفِ الكُفْرِ الَّذِينَ آثَرُوا حُبَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الآباءِ وغَيْرِهِمْ عَلى اللَّهِ فَثَبَتُوا عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ في الباطِلِ بَعْدَما رَأوْا مِنَ الدَّلائِلِ ما بَهَرَ الشَّمْسَ ولَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِن لَبْسٍ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ كُفْرُهم راسِخًا فَكانَ ذَلِكَ صَلاحًا لَهم لِأنَّهُ قادَهم إلى الإسْلامِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ المَنصُورَ مَن نَصَرَهُ اللَّهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وأنَّ القِلَّةَ (p-٤٢٧)والكَثْرَةَ والقُوَّةَ والضَّعْفَ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ سَواءٌ، فَلا تَغْتَرُّوا بِما ألْزَمَكم مِنَ النِّعَمِ؛ فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى نَزْعِها، لا يَسْتَحِقُّ أحَدٌ عَلَيْهِ شَيْئًا، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّ قَضائِهِ، وفي ذَلِكَ إعْلامٌ بِأنَّهُ لا يَرْتَدُّ بَعْدَ إيمانِهِ إلّا مَن كانَ عَرِيقًا في الكُفْرِ، وفِيهِ أبْلَغُ تَهْدِيدٍ؛ لِأنَّهُ إذا عَذَّبَ مَن أوْجَدَ الكُفْرَ وقْتًا ما فَكَيْفَ بِمَن رَسَخَ فِيهِ!

9:27Page 191

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧

Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ العَذابَ جَزاءُ الكافِرِينَ، بَيَّنَ أنَّهُ يَتُوبُ عَلى مَن يُرِيدُ مِنهُمْ، وهم كُلُّ مَن عَلِمَ مِنهُ قابِلِيَّةً لِلْإيمانِ وإنْ كانَ شَدِيدًا في وصْفِ الكُفْرانِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى: ﴿وعَذَّبَ﴾ [التوبة: ٢٦] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ عِلْمًا وقُدْرَةً، ولَمّا لَمْ يَكُنِ أحَدٌ تَسْتَغْرِقُ تَوْبَتُهُ زَمانَ البُعْدِ أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ: العَذابِ العَظِيمِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: فَيَهْدِيهِ إلى الإسْلامِ ويَغْفِرُ لَهُ جَمِيعَ ما سَلَفَ مِنَ الآثامِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مَحّاءٌ لِلْخَطايا عَظِيمُ الإكْرامِ لِمَن تابَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الوَقْعَةَ لِحِكْمَتِهِ الَّتِي اقْتَضَتْ رَبْطَ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها - سَبَبًا لِإسْلامِ مَن حَضَرَها مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُؤَلَّفَةِ بِما قَسَّمَ فِيهِمْ ﷺ مِن غَنائِمِ هَوازِنَ وبِما رَأوْا مِن عِزِّ الإسْلامِ وعُلُوِّهِ، فَكانَ في ذَلِكَ تَرْغِيبٌ لَهم بِالمالِ، وتَرْهِيبٌ بِسَطَواتِ القِتالِ، ولِإسْلامِ وفْدِ هَوازِنَ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ القَهْرِ وما شاهَدُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن عَظِيمِ النَّصْرِ، ولِإسْلامِ (p-٤٢٨)غَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ بِسَبَبِ عِلْمِ كُلٍّ مِنهم بِهَذِهِ الوَقْعَةِ أنَّهم أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا، كُلُّ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنهُ سُبْحانَهُ لَهم ورِفْقًا لَهُمْ، وقَدْ كانَ جَمِيعُ ذَلِكَ كَما أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَأسْلَمَ الطُّلَقاءُ وحَسُنَ إسْلامُهُمْ، وقَدِمَ وفْدُهَوازِنَ وسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ جَبْرَهم بِرَدِّ ما أُخِذَ لَهم فَقالَ لَهُمْ: إنِّي اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ، فَلَمّا أبْطَأْتُمْ قَسَّمْتُ بَيْنَ النّاسِ فَيْئَهُمْ، فاخْتارُوا المالَ أوِ السَّبْيَ! فاخْتارُوا السَّبْيَ فَشَفَعَ لَهم عِنْدَ النّاسِ فَأجابُوهُ فَرَدَّ إلَيْهِمْ أبْناءَهم ونِساءَهم رَحْمَةً مِنهُ لَهُمْ، وذَلَّ العَرَبُ لِذَلِكَ فَدَخَلُوا في الدِّينِ أفْواجًا. وخَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلى ما هو الأنْسَبُ لِسِياقِ التَّوْبَةِ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ ما عَدَلَ إلى خَتْمِ الأُولى بِ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٥] إلّا لِما قَرَّرَتْهُ مِن جَعْلِ أمْ في ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ [التوبة: ١٦] مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

9:28Page 191

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.

ولَمّا تَقَدَّمَ في الأمْرِ والنَّواهِي وبَيانِ الحِكَمِ المُرَغِّبَةِ والمُرَهِّبَةِ ما لَمْ يُبْقِ لِمَن عِنْدُهُ أدْنى تَمَسُّكٍ بِالدِّينِ شَيْئًا مِنَ الِالتِفاتِ إلى المُفْسِدِينَ، بَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ في مُدافَعَتِهِمْ وشَدِيدِ مُقاطَعَتِهِمْ أنَّهم نَجَسٌ وأنَّ المَواضِعَ - الَّتِي ظَهَرَتْ فِيها أنْوارُ عَظَمَتِهِ وجَلالَتِهِ وأشْرَقَتْ عَلَيْها شُمُوسُ نَبُّوتِهِ ورِسالَتِهِ، ولَمَعَتْ فِيها بُرُوقُ كِبْرِهِ وجالَتْ صَوارِمُ نَهْيِهِ وأمْرِهِ - مَواضِعُ القُدْسِ ومُواطِنُ الأُنْسِ، مَن دَنا إلَيْها مِن غَيْرِ أهْلِها احْتَرَقَ (p-٤٢٩)بِنارِها، وبَهَرَتْ بَصَرَهُ أشِعَّةُ أنْوارِها، فَقالَ مُسْتَخْلِصًا مِمّا تَقَدَّمَ ومُسْتَنْتِجًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِالإيمانِ وهم مِمَّنْ يَسْتَقْبِحُ الكَذِبَ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في الشِّرْكِ بِدَلِيلِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ.

ولَمّا كانُوا مُتَّصِفِينَ بِهِ، وكانُوا لا يَغْتَسِلُونَ - ولا يَغْسِلُونَ - ثِيابَهم مِنَ النَّجاسَةِ، بُولِغَ في وصْفِهِمْ بِها بِأنْ جُعِلُوا عَيْنَها فَقالَ: ﴿نَجَسٌ﴾ أيْ: وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّكم أبْعَدُ النّاسِ عَنِ النَّجَسِ حِسًّا ومَعْنًى، فَيَجِبُ أنْ يُقْذَرُوا وأنْ يُبْعَدُوا ويُحْذَرُوا كَما يُفْعَلُ بِالشَّيْءِ النَّجِسِ لِما اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِن خِلالِ الشَّرِّ واتَّصَفُوا بِهِ مِن خِصالِ السُّوءِ، وأمّا أبْدانُهم فاتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى طَهارَتِها؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِن أوانِيهِمْ ولَمْ يَنْهَ عَنْ مُؤاكَلَتِهِمْ ولا أمَرَ بِالغَسْلِ مِنها ولَوْ كانَتْ نَجِسَةً ما طَهَّرَها الإسْلامُ. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إبْعادُهُمْ، قالَ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، وهَذا نَهْيٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِن ذَلِكَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِنَهْيِهِمْ مُبالَغَةً فِيهِ ﴿المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ أيِ: الَّذِي أخْرَجُوكم مِنهُ وأنْتُمْ أطْهَرُ النّاسِ، واسْتَغْرَقَ الزَّمانَ فَأسْقَطَ الجارَّ ونَبَّهَهم عَلى حُسْنِ الزَّمانِ واتِّساعِ الخَيْرِ فِيهِ بِالتَّعْبِيرِ بِالعامِّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ﴾ وحَقَّقَ الأمْرَ وأزالَ اللَّبْسَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا﴾ وهو آخِرُ سِنَةِ تِسْعٍ سَنَةِ الوُفُودِ مَرْجِعَهُ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَعَبَّرَ بِقُرْبانِهِ لا بِإتْيانِهِ بَعْدَ التَّقْدِيمِ إلَيْهِمْ بِأنْ لا يُقْبَلَ مِن مُشْرِكٍ إلّا الإسْلامُ أوِ القَتْلُ إشارَةً إلى إخْراجِ المُشْرِكِينَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ وأنَّها لا يَجْتَمِعُ بِها دَيْنانِ لِأنَّها كُلَّها مَحَلُّ النُّبُوَّةِ العَرَبِيَّةِ (p-٤٣٠)ومَوْطِنُ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، فَمَن كانَ فِيها - ولَوْ في أقْصاها - فَقَدْ قارَبَ جَمِيعَ ما فِيها، وتَكُونُ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَرَمِ كَأفْنِيَةِ الدُّورِ ورِحابِ المَساجِدِ؛ وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْسَلَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أمِيرًا عَلى الحَجِّ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِن تَبُوكَ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِبَراءَةَ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَأذَّنَ مَعَنا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ في أهْلِ مِنًى بِبَراءَةَ وأنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ». وهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ؛ فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ التَّوْراةِ بِأنْ لا يُبْقُوا في جَمِيعِ بِلادِ بَيْتِ المَقْدِسِ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ البِلادِ الَّتِي يَفْتَحُها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، مِنها ما قالَ المُتَرْجِمُ في أواخِرِ السِّفْرِ الخامِسِ: وإذا تَقَدَّمْتُمْ إلى قَرْيَةٍ أوْ مَدِينَةٍ لِتُقاتِلُوا أهْلَها ادْعُوهم إلى الصُّلْحِ، فَإنْ قَبِلُوهُ وفَتَحُوا لَكم مَن كانَ فِيها مِنَ الرِّجالِ يَكُونُوا عَبِيدًا لَكم يُؤَدُّوا إلَيْكُمُ الخَراجَ، وإنْ لَمْ يَقْبَلُوا الصُّلْحَ وحارَبُوكم فَحارِبُوهم وضَيِّقُوا عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ رَبَّكم يَدْفَعُها إلَيْكم وتَظْفَرُونَ بِمَن فِيها، فَإذا ظَفِرْتُمْ بِمَن فِيها فاقْتُلُوا الذُّكُورَ كُلَّهم بِالسَّيْفِ، كَذَلِكَ اصْنَعُوا بِجَمِيعِ القُرى البَعِيدَةِ النّائِيَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن قُرى هَذِهِ الشُّعُوبِ فَأمّا قُرى هَذِهِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ مِيراثًا فَلا تُبْقُوا مِن أهْلِها أحَدًا ولَكِنِ اقْتُلُوهم قَتْلًا كالَّذِي أمَرَكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لِئَلّا يُعَلِّمُوكُمُ النَّجاسَةَ (p-٤٣١)الَّتِي يَعْمَلُونَها لِآلِهَتِهِمْ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِيها، وقَدْ مَضى بَعْدَهُ فِيما ذَكَرْتُهُ عَنِ التَّوْراةِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

وجُمْلَةُ بِلادِ الإسْلامِ في حَقِّ الكُفّارِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: أحَدُها الحَرَمُ، فَلا يَجُوزُ لِلْكافِرِ أنْ يَدْخُلَهُ بِحالٍ لِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، الثّانِي الحِجازُ وما في حُكْمِهِ وهو جَزِيرَةُ العَرَبِ، فَيَدْخُلُهُ الكافِرُ بِالإذْنِ ولا يُقِيمُ أكْثَرَ مِن مَقامِ السَّفَرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ”». وهي مِن أقْصى عَدَنِ أبْيَنَ، وهي في الجَنُوبِ إلى أطْرافِ الشّامِ وهي في الشَّمالِ طُولًا، ومِن جُدَّةَ وهي أقْصى الجَزِيرَةِ غَرْبًا عَلى شاطِئِ بَحْرِ الهِنْدِ إلى رِيفِ العِراقِ وهو في المَشْرِقِ عَرْضًا، والثّالِثُ سائِرُ بِلادِ الإسْلامِ يَجُوزُ لِلْكافِرِ الإقامَةُ فِيها بِذِمَّةٍ وأمانٍ ما شاءَ، ولَكِنْ لا يَدْخُلُ المَساجِدَ إلّا بِإذْنِ مُسْلِمٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ البَغَوِيُّ، قالَ ابْنُ الفُراتِ في تارِيخِهِ عِنْدَ غَزْوِ بُخْتَنَصَّرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ولِأرْضِ العَرَبِ: إنَّما سُمِّيَتْ بِلادُ العَرَبِ جَزِيرَةً لِإحاطَةِ البِحارِ والأنْهارِ بِها، فَصارَتْ مِثْلَ الجَزِيرَةِ مِن جَزائِرِ البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفُراتَ أقْبَلَ مِن بِلادِ الرُّومِ وظَهَرَ مِن ناحِيَةِ قَنْسَرِينَ ثُمَّ انْحَطَّ عَلى الجَزِيرَةِ وسَوادِ العِراقِ حَتّى وقَعَ في البَحْرِ مِن ناحِيَةِ البَصْرَةِ والأُبُلَّةِ وامْتَدَّ البَحْرُ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ مُطِيفًا بِبِلادِ العَرَبِ، فَأتى مِنهُ عُنُقٌ عَلى كاظِمَةَ وتَعَدّى (p-٤٣٢)إلى القَطِيفِ وهَجَرَ وعُمانَ والشَّجَرِ، ومالَ مِنهُ عُنُقٌ إلى حَضْرَمَوْتَ وناحِيَةَ أبْهَرَ وعَدَنَ، واسْتَطالَ ذَلِكَ العُنُقُ فَطَعَنَ في تِهامَةِ اليَمَنِ ومَضى إلى ساحِلِ جُدَّةَ، وأقْبَلَ النِّيلُ في غَرْبِيِّ هَذا العُنُقِ مِن أعْلى بِلادِ السُّودانِ مُسْتَطِيلًا مُعارِضًا لِلْبَحْرِ مَعَهُ حَتّى وقَعَ في بَحْرِ مِصْرَ والشّامِ، ثُمَّ أقْبَلَ ذَلِكَ البَحْرُ مِن مِصْرَ حَتّى بَلَغَ بِلادَ فِلَسْطِينَ فَمَرَّ بِعَسْقَلانَ وسَواحِلِها، وأتى عَلى بَيْرُوتَ ونَفَذَ إلى سَواحِلِ حِمْصَ وقَنْسَرِينَ حَتّى خالَطَ النّاحِيَةَ الَّتِي أقْبَلَ مِنها الفُراتُ مُنْحَطًّا عَلى أطْرافِ قَنْسَرِينَ والجَزِيرَةِ إلى سَوادِ العِراقِ، وأقْبَلَ جَبَلُ السَّراةِ مِن قَعْرَةِ اليَمَنِ حَتّى بَلَغَ أطْرافَ الشّامِ فَمَسَّتْهُ العَرَبُ حِجازًا؛ لِأنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ الغَوْرِ ونَجْدٍ فَصارَ ما خَلْفَ ذَلِكَ الجَبَلِ في غَرْبِيِّهِ الغَوْرَ وهو تِهامَةُ، وما دُونَهُ في شَرْقِيِّهِ نَجْدًا. انْتَهى.

ولَمّا كانَ ما والاها مِن أرْضِ الشّامِ ونَحْوِها كُلُّهُ أنْهارًا أوْ جَداوِلَ، جُعِلَ كَأنَّهُ بَحْرٌ لِأنَّهُ في حُكْمِ شاطِئِهِ، ولَمّا كانَ قَوامُهم بِالمَتاجِرِ، وكانَ قَوامُ المَتاجِرِ بِاجْتِماعِهِمْ في أسْواقِهِمْ، وكانَ نَفْيُهم مِن تِلْكَ الأراضِي مَظِنَّةً لِخَوْفِ انْقِطاعِ المَتاجِرِ وانْعِدامِ الأرْباحِ المُفْضِي إلى الحاجَةِ وكانَ قَدْ أمَرَ بِنَفْيِهِمْ رِعايَةً لِأمْرِ الدِّينِ، وكانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِأنَّ (p-٤٣٣)ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى النُّفُوسِ لِما ذُكِرَ مِنَ العِلَّةِ ولا سِيَّما وقَدْ قالَ بَعْضُهم لَمّا قَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ آياتِ البَراءَةِ عَلى أهْلِ المَوْسِمِ: يا أهْلَ مَكَّةَ! سَتَعْلَمُونَ ما تَلْقَوْنَهُ مِنَ الشِّدَّةِ بِانْقِطاعِ السَّبِيلِ وبُعْدِ الحُمُولاتِ، وعَدَ سُبْحانَهُ - وهو الواسِعُ العَلِيمُ - بِما يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ الدُّنْيا لِأجْلِ الدِّينِ أوْصَلَهُ سُبْحانَهُ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا مَعَ ما سَعِدَ بِهِ مِن أمْرِ الدِّينِ «“مَن تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ» فَقالَ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَنعِهِمْ مِن قُرْبانِ المَواطِنِ الإلَهِيَّةِ ﴿عَيْلَةً﴾ أيْ: فَقْرًا وحاجَةً ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: هو ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ وهو ذُو الفَضْلِ والطَّوْلِ والقُوَّةِ والحَوْلِ.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ المَلِكَ الغَنِيَّ القادِرَ القَوِيَّ الَّذِي لا يَجِبُ لِأحَدٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ وتَجِبُ طاعَتُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ عِنْدَهم مُسْتَبْعَدًا، عَلَّلَ تَقْرِيبًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِوُجُوهِ المَصالِحِ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: في تَدْبِيرِ اسْتِجْلابِها وتَقْدِيرِ إدْرارِها ولَقَدْ صَدَقَ سُبْحانَهُ ومَن أصْدَقُ مِنهُ قِيلًا؛ فَإنَّهُ أغْناهم - بِالمَغانِمِ الَّتِي انْتَثَلَها بِأيْدِيهِمْ بَعْدَ نَحْوِ ثَلاثِ سِنِينَ مِن إنْزالِها مِن كُنُوزِ كِسْرى وقَيْصَرَ - غِنًى لَمْ يَطْرُقْ أوْهامَهم قَطُّ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاخْتِلاطِ بَعْضِ الطَّوائِفِ مِن جَمِيعِ النّاسِ بِبَعْضٍ لِصَيْرُورَتِهِمْ إخْوانًا في الدِّينِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِأنْ يَجْتَمِعَ (p-٤٣٤)فِي سُوقِ مِنًى وغَيْرِهِ في أيّامِ الحَجِّ كُلَّ عامٍ مِنَ المَتاجِرِ مَعَ العَرَبِ والعَجَمِ ما لا يَكُونُ مِثْلُهُ في بُقْعَةٍ مِنَ الأرْضِ، والعَيْلَةُ: الفاقَةُ والِافْتِقارُ، ومادَّتُها بِهَذا التَّرْتِيبِ تَدُورُ عَلى الحاجَةِ وانْسِدادِ وُجُوهِ الحِلْيَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ أوَّلَ النِّساءِ أنَّها - لا بِقَيْدِ تَرْتِيبٍ - تَدُورُ تَقالِيبُها الثَّمانِيَةُ عَلى الِارْتِفاعِ ويَلْزَمُهُ الزِّيادَةُ والمَيْلُ، ومِنهُ تَأْتِي الحاجَةُ، وبَرْهَنَ عَلى ذَلِكَ في جَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском