Al-Biqa'iAt‑Tawbah · 9:29–35

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:29–35

9:29Page 191

قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩

Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ تَعَجُّبٍ يَكُونُ سَبَبًا لِأنْ يُقالَ: مِن أيْنَ يَكُونُ ذَلِكَ الغِنى؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا﴾ أيْ: أهْلَ الأمْوالِ والغِنى ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ إيمانًا هو عَلى ما أخْبَرَتْ بِهِ عَنْهُ رُسُلُهُ، ولَوْ آمَنُوا هَذا الإيمانَ ما كَذَّبُوا رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ، وأيْضًا فالنَّصارى مُثَلِّثَةٌ وبَعْضُ اليَهُودِ مُثَنِّيَةٌ ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ، وأقَلُّ ذَلِكَ أنَّهم لا يَقُولُونَ بِحَشْرِ الأجْسادِ ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ وأكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ وتَبْدِيلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿ولا يَدِينُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ويُقِيمُونَ، اشْتَقَّ مِنَ الدِّينِ فِعْلًا ثُمَّ أضافَهُ إلى صِفَتِهِ إغْراقًا في اتِّخاذِهِ بِذَلِكَ الوَصْفِ فَقالَ: ﴿دِينَ الحَقِّ﴾ أيِ: الَّذِي أخَذَتْ عَلَيْهِمْ رُسُلَهُمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ بِاتِّباعِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ المَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ فَقالَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ ودَلَّ عَلى اسْتِهانَتِهِ سُبْحانَهُ بِهِمْ وبَراءَتِهِ (p-٤٣٥)مِنهم بِأنْ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ومَن أُلْحِقَ بِهِمْ ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ أيْ: وهي ما قُرِّرَ عَلَيْهِمْ في نَظَرِ سُكْناهم في بِلادِ الإسْلامِ آمِنِينَ، فِعْلُهُ مِن جَزى يَجْزِي.

إذا قَضى ما عَلَيْهِ ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أيْ: قاهِرَةٍ إنْ كانَتْ يَدُ الآخِذِ أوْ مَقْهُورَةً إنْ كانَتْ يَدَ المُعْطِي، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ أعْطى بِيَدِهِ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ فَفي ذَلِكَ غِنًى لا يُشْبِهُ ما كُنْتُمْ فِيهِ مِن قِتالِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ لِتَغْنَمَ ما في يَدِهِ مِن ذَلِكَ المالِ الحَقِيرِ ولا ما كُنْتُمْ تَعُدُّونَهُ غِنًى مِنَ المَتاجِرِ الَّتِي لا يَبْلُغُ أكْبَرُها وأصْغَرُها ما أرْشَدْناكم إلَيْهِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ العِزِّ المُمْكِنِ مِنَ الإصْلاحِ والطّاعَةِ وسَتَرَوْنَ، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ السَّطْوَةِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها الذُّلُّ والقَهْرُ؛ لِأنَّها الآلَةُ الباطِشَةُ، فالمَعْنى: عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ لَهُمْ، أيْ: عَنْ قَهْرٍ مِنكم لَهم وسَطْوَةٍ بِأفْعالِهِمُ الَّتِي أصْغَرَتْهم عَظَمَتُها وأذَلَّتْهم شِدَّتُها، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِكُلِّ مَن أعْطى شَيْئًا كُرْهًا عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ: أعْطاهُ عَنْ يَدٍ. انْتَهى.

وعَبَّرَ بِ: ”عَنْ“ الَّتِي هي لِلْمُجاوَزَةِ؛ لِأنَّ الإعْطاءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البَطْشِ المُذِلِّ، هَذا إذا أُرِيدَ بِاليَدِ يَدُ الآخِذِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِها يَدُ المُعْطِي، وتَكُونُ كِنايَةً عَنِ النَّفْسِ لِأنَّ مَقْصُودَ الجِزْيَةِ المالُ، واليَدُ أعْظَمُ أسْبابِهِ، فالمَعْنى: حَتّى يُعْطِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الجِزْيَةَ عَنْ نَفْسِهِ.

9:30Page 191

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠

The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?

ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ أتى بِها نَكِرَةً لِتُفِيدَ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدَ هَذا ما نَقَلَ العُلَماءُ عَنِ الرُّواةِ لِفُتُوحِ البِلادِ مِنهُمُ الحافِظُ أبُو الرَّبِيعِ بْنُ سالِمٍ الكَلاعِيُّ، قالَ في كِتابِهِ: الِاكْتِفاءُ في وقْعَةِ جَلُولاءَ مِن بِلادِ فارِسَ: (p-٤٣٦)قالُوا: قالَ بَعْضُهُمْ: فَكانَ الفَلّاحُونَ لِلطُّرُقِ والجُسُورِ والأسْواقِ والحَرْثِ والدَّلالَةُ مَعَ الجَزْيِ عَنْ أيْدِيهِمْ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِمْ، وكانَتِ الدَّهاقِينُ لِلْجِزْيَةِ عَنْ أيْدِيهِمْ والعِمارَةِ، وإنَّما أخَذُوا الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ وأخَذَها مِنهم لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ في الأصْلِ، قالَ الشّافِعِيُّ في بابِ المُجْمَلِ والمُفَسَّرِ مِن كِتابِ اخْتِلافِ الحَدِيثِ: والمَجُوسُ أهْلُ كِتابٍ غَيْرِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وقَدْ نَسُوا كِتابَهم وبَدَّلُوهُ، فَأذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ؛ أخْبَرَنا سُفْيانُ عَنْ أبِي سَعْدٍ سَعِيدِ بْنِ مَرْزُبانَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ قالَ: قالَ فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الأشْجَعِيُّ: عَلامَ تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنَ المَجُوسِ ولَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ؟ فَقامَ إلَيْهِ المُسْتَوْرِدُ فَأخَذَ بِلَبَبِهِ فَقالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ! تَطْعَنُ عَلى أبِي بَكْرٍ وعَلى عُمَرَ وعَلِيٍّ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ - يَعْنِي عَلِيًّا - وقَدْ أخَذُوا مِنهُمُ الجِزْيَةَ، فَذَهَبَ بِهِ إلى القَصْرِ فَخَرَجَ عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِما فَقالَ: البَدا! البَدا! فَجَلَسا في ظِلِّ القَصْرِ فَقالَ عَلِيٌّ: أنا أعْلَمُ النّاسِ بِالمَجُوسِ، كانَ لَهم عِلْمٌ يَعْلَمُونَهُ وكِتابٌ يَدْرُسُونَهُ، وإنَّ مَلِكَهم سَكِرَ فَوَقَعَ عَلى ابْنَتِهِ أوْ أُخْتِهِ فاطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمّا صَحا جاءُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الحَدَّ فامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ فَدَعا أهْلَ مَمْلَكَتِهِ فَقالَ: تَعْلَمُونَ دِينًا (p-٤٣٧)خَيْرًا مِن دِينِ آدَمَ وقَدْ كانَ آدَمُ يَنْكِحُ بَنِيهِ مِن بَناتِهِ، فَأنا عَلى دِينِ آدَمَ، فَبايَعُوهُ وقاتَلُوا الَّذِينَ خالَفُوهم حَتّى قَتَلُوهم فَأصْبَحُوا وقَدْ أُسْرِيَ عَلى كِتابِهِمْ فَرُفِعَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ وذَهَبَ العِلْمُ الَّذِي في صُدُورِهِمْ، وهم أهْلُ كِتابٍ وقَدْ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِنهُمُ الجِزْيَةَ. ولَمّا أمَرَ بِقِتالِهِمْ ووَصَفَهم بِما هو السَّبَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ بَعْضَ أقْوالِهِمُ المُبِيحَةِ لِقِتالِهِمُ المُوجِبَةِ لِنَكالِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَتِ﴾ أيْ: قائِلُو أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم كَفَرُوا بِما وصَفْناهم بِهِ وقالَتِ ﴿اليَهُودُ﴾ مِنهم كَذِبًا وبُهْتانًا ﴿عُزَيْرٌ﴾ تَنْوِينُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ لَهُ مُوَضِّحٌ لِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً، والباقُونَ مَنَعُوهُ نَظَرًا إلى عُجْمَتِهِ مَعَ العَلَمِيَّةِ ولَيْسَ فِيهِ تَصْغِيرٌ، والخَبَرُ في القِراءَةِ قَوْلُهُمْ: ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ العُلُوُّ المُطْلَقُ فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وعُزَيْرٌ هَذا هو المُسَمّى عِنْدَهم في سِفْرِ الأنْبِياءِ مَلاخْيا، ويُسَمّى أيْضًا العازِرَ وهو الأصْلُ والعُزَيْرُ تَعْرِيبُهُ، وأمّا الَّذِي جَمَعَ لَهم هَذِهِ التَّوْراةَ الَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَقالَ السَّمَوْألُ بْنُ يَحْيى المَغْرِبِيُّ الَّذِي كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ: إنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ اسْمُهُ عِزْرا، وإنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ في كِتابِهِ: غايَةُ المَقْصُودِ في الرَّدِّ عَلى النَّصارى واليَهُودِ، وهو كِتابٌ حَسَنٌ جِدًّا، وكانالسَّمَوْألُ هَذا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِشَرِيعَةِ اليَهُودِ وأخْبارِهِمْ مُتَمَكِّنًا مِن عُلُومِ الهَنْدَسَةِ وغَيْرِها، وكانَ فَصِيحًا بَلِيغًا (p-٤٣٨)وكانَ حَسَنَ الإسْلامِ يُضْرَبُ المَثَلُ بِعَقْلِهِ، ورَأيْتُ اليَهُودَ في غايَةِ النِّكايَةِ مِنهُ، وأرانِي بَعْضُهم رِسالَةً إلَيْهِ لِبَعْضِ أحْبارِهِمْ يُسَفِّهُ فِيها رَأْيَهُ في إسْلامِهِ ويُشَبِّهُ عَلَيْهِ بِأشْياءَ خِطابِيَّةٍ وشِعْرِيَّةٍ، فَأجابَهُ بِجَوابٍ بَدِيعٍ افْتَتَحَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] ثُمَّ رَدَّ كَلامَهُ أحْسَنَ رَدٍّ ثُمَّ قالَ لَهُ ما حاصِلُهُ: دَعْ عَنْكَ مِثْلَ هَذِهِ الخُرافاتِ، وأجِبْ عَنِ الأُمُورِ الَّتِي ألْزَمْتُكم بِها في كِتابِ غايَةِ المَقْصُودِ، فَما أحارَ جَوابًا، ثُمَّ القائِلُ لِهَذا القَوْلِ مِنهم رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهم أرْبَعَةٌ، وقِيلَ: قائِلُهُ واحِدٌ وأُسْنِدَ إلى الكُلِّ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخُيُولَ وقَدْ لا يَكُونُ لَهُ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقِيلَ: كانَ فاشِيًا فِيهِمْ فَلَمّا عابَهُمُ اللَّهُ بِهِ تَرَكُوهُ وهُمُ الآنَ يُنْكِرُونَهُ، واللَّهُ تَعالى أصْدَقُ حَدِيثًا ﴿وقالَتِ النَّصارى﴾ أيْ: مِنهم إفْكًا وعُدْوانًا ﴿المَسِيحُ﴾ وأخْبَرُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَعَ أنَّ لَهُ الغِنى المُطْلَقَ والكَمالَ الأعْظَمَ، والمَسِيحُ هَذا هو ابْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: مُتَرْجِمًا قَوْلَيْ فَرِيقَيْهِمْ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: القَوْلُ البَعِيدُ مِنَ العُقُولِ المُكَذِّبِ لِلنُّقُولِ ﴿قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ: حَقِيقَةٌ لَمْ يَحْتَشِمُوا مِن قَوْلِهِ: مَعَ (p-٤٣٩)سَخافَتِهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَوْلٌ لا تُجاوِزُ حَقِيقَتُهُ الأفْواهَ إلى العُقُولِ لِأنَّهُ لا يَتَصَوَّرُهُ عاقِلٌ، بَلْ هو قَوْلٌ مُهْمَلٌ كَأصْواتِ الحَيَواناتِ العُجْمِ لا يَتَحَقَّقُ لَهُ المَعْنى؛ قالَ: ومَعْناهُ الحالُّ أنَّ قائِلَهُ لا عَقْلَ لَهُ، لَيْسَ لَهُ مَعْنًى وراءَ ذَلِكَ، ولِبُعْدِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِعاقِلٍ عَبَّرَ فِيهِ بِالأفْواهِ الَّتِي هي أبْعَدُ مِنَ الألْسِنَةِ إلى القُلُوبِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم إذا كانَ هَذا حالَهم قالُوهُ؟ قالَ ما حاصِلُهُ: إنَّهم قَوْمٌ مَطْبُوعُونَ عَلى التَّشَبُّهِ بِمَن يَفْعَلُ المَفاسِدَ كَما أنَّهم تَشَبَّهُوا بِعَبَدَةِ الأوْثانِ، فَعَبَدُوها غَيْرَ مَرَّةٍ والأنْبِياءُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ يَدْعُونَهم إلى اللَّهِ وكِتابُهم يُنادِي بِمِثْلِ ذَلِكَ ويُنْذِرُهم أشَدَّ الإنْذارِ ﴿يُضاهِئُونَ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ يُشابِهُونَ بِقَوْلِهِمْ هَذا ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِمِثْلِهِ وهُمُ العَرَبُ حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، كَما أنَّهم لَمّا رَأوُا الَّذِينَ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا: ﴿يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]

ولَمّا كانَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ شابَهُوهم إنَّما كانُوا بَعْدَهم أوْ في زَمانِهِمْ مِن قَبْلِ أنْ يُبَيِّنَ فَسادَ قَوْلِهِمْ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مُشِيرًا بِحَرْفِ الجَرِّ إلى أنَّ كُفْرَهم لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ القَبْلِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَحْدُثَ مِنهم هَذا القَوْلُ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَرَبَ غَيَّرُوا دِينَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، اجْتَرَؤُوا عَلى مِثْلِ هَذا القَوْلِ قَبْلَ إيقاعِ بُخْتَنَصَّرَ بِاليَهُودِ (p-٤٤٠)أوْ في حُدُودِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ مَعَ طُولِ الزَّمانِ وإغْواءِ الشَّيْطانِ، فَقَدْ كانَ بَيْنَ زَمانِ إبْراهِيمَ وعُزَيْرٍ عَلَيْهِما السَّلامُ نَحْوَ ألْفٍ وخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ - هَذا عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ عَنْ كُتُبِهِمْ وأيَّدَهُ ما ذَكَرَهُ المَسْعُودِيُّ مِن مُرُوجِ الذَّهَبِ في تارِيخِ مُلُوكِ بابِلَ مِن نَمْرُودَ إلى بُخْتَنَصَّرَ: وذَكَرَ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ أنَّ بَيْنَ الزَّمَنَيْنِ زِيادَةً عَلى ألْفَيْ سَنَةٍ عَلى أنَّهم قَدْ نَقَلُوا ما هو صَرِيحٌ في كُفْرِ العَرَبِ في ذَلِكَ الزَّمانِ فَرَوَوْا عَنْ هِشامِ بْنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ بَدْءُ نُزُولِ العَرَبِ إلى أرْضِ العِراقِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلى بَرْخِيا مِن ولَدِ يَهُودا أنِ ائْتِ بُخْتَنَصَّرَ فَمُرْهُ أنْ يَغْزُوَ العَرَبَ الَّذِينَ لا أغْلاقَ لِبُيُوتِهِمْ ويَطَأ بِلادَهم بِالجُنُودِ فَيَقْتُلَ مُقاتِلَتَهم ويَسْبِيَ ذَرارِيَهم ويَسْتَبِيحَ أمْوالَهم وأعْلِمْهُ بِكُفْرِهِمْ بِي واتِّخاذِهِمُ الآلِهَةَ دُونِي وتَكْذِيبِهِمْ أنْبِيائِي ورُسُلِي، وعَنْ غَيْرِ ابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ نَظَمَ ما بَيْنَ أُبُلَّةَ والإيلَةِ خَيْلًا ورِجالًا ثُمَّ دَخَلُوا عَلى العَرَبِ فاسْتَعْرَضُوا كُلَّ ذِي رُوحٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ، وأوْصى اللَّهُ بَرْخِيا وإرْمِيا بِمَعْدِ بْنِ عَدْنانَ الَّذِي مِن ولَدِهِ مُحَمَّدٌ المَخْتُومُ بِهِ النُّبُوَّةُ، وكانَ ذَكَرَ مُشابَهَتَهم لِأهْلِ الشِّرْكِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ تَجْرِئَةً عَلى الإقْدامِ عَلَيْهِمْ إذْ جَعَلَهم مُشابِهِينَ لِمَن دَرَبُوا قِتالَهم وضَرَبُوا عَلَيْهِمْ فَأذَلُّوهم بَعْدَ أنْ كانُوا في عِزَّةٍ لا يَخْشَوْنَ زَوالَها، وعَزائِمَ شَدِيدَةٍ لا يَخافُونَ (p-٤٤١)انْحِلالَها، كُلُّ ذَلِكَ بِطاعَةِ اللَّهِ في قِتالِهِمْ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ بِنِزالِهِمْ لِأنَّهُ عَلَيْهِمْ، ومَن كانَ عَلَيْهِ لَمْ يُفْلِحْ، وإلى مِثْلِ ذَلِكَ إشارَةً بِقَوْلِهِ: في حَقِّ هَؤُلاءِ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ؛ لِأنَّ مَن قاتَلَهُ لَمْ يَنْجُ مِنهُ، وقِيلَ: لَعَنَهُمْ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِثْلُهُ فَهو لَعْنٌ.

﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ ومِن أيْنَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ مَعَ قِيامِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ عَلَيْهِ،

9:31Page 191

ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١

They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

ثُمَّ زادَهم جُرْأةً عَلَيْهِمْ بِالإشارَةِ إلى ضَعْفِ مُسْتَنَدِهِمْ حَيْثُ كانَ مَخْلُوقًا مِثْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ العُدُولَ عَنِ اللَّهِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وأخَذُوا ﴿أحْبارَهُمْ﴾ أيْ: مِن عُلَماءِ اليَهُودِ، والحَبْرُ في الأصْلِ العالِمُ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانَ ﴿ورُهْبانَهُمْ﴾ أيْ: مِن زُهّادِ النَّصارى، والرّاهِبُ في الأصْلِ مَن تَمَكَّنَتِ الرَّهْبَةُ في قَلْبِهِ فَظَهَرَتْ آثارُها عَلى وجْهِهِ ولِباسِهِ، فاخْتُصَّ في العُرْفِ بِعُلَماءِ النَّصارى أصْحابِ الصَّوامِعِ ﴿أرْبابًا﴾ أيْ: آلِهَةً لِكَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ ما يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ مِن تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا وتَحْلِيلِ ما حَلَّلُوا؛ وأشارَ إلى سُفُولِ أمْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: الحائِزِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ، فَكانُوا يُعَوِّلُونَ عَلَيْهِمْ ويُسْنِدُونَ أمْرَهم إلَيْهِمْ حَتّى أنْ كانُوا لَيَتْبَعُونَهم في الحَلالِ والحَرامِ ﴿والمَسِيحَ﴾ أيِ: المُبارَكَ الَّذِي هو أهْلٌ لِأنْ يُمْسَحَ بِدُهْنِ القُدُسِ وأنْ يَمْسَحَ غَيْرَهُ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أيْ: (p-٤٤٢)اتَّخَذُوهُ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوهُ ابْنًا فَأهَّلُوهُ لِلْعِبادَةِ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ ابْنَ امْرَأةٍ، فَهو لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ بِوَجْهٍ لِمُشارَكَتِهِ لِلْآدَمِيِّينَ في الحَمْلِ والوِلادَةِ والتَّرْبِيَةِ والأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ البَشَرِ المُوجِبَةِ لِلْحاجَةِ المُنافِيَةِ لِلْإلَهِيَّةِ، ومَعَ تَصْرِيحِهِ لَهم بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، فَتَطابَقَ العَقْلُ والنَّقْلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ.

ولَمّا قَبَّحَ عَلَيْهِمْ ما اخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ، قَبَّحَهُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ مُخالَفَتِهِ لِأمْرِهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ما ﴿أُمِرُوا﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَن لَهُ الأمْرُ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ والنَّقْلِ ﴿إلا لِيَعْبُدُوا﴾ أيْ: لِيُطِيعُوا عَلى وجْهِ التَّعَبُّدِ ﴿إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ بِوَجْهٍ لا بِالذّاتِ ولا بِالمُماثَلَةِ، وذَلِكَ مَعْنى وصْفِهِ بِأنَّهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ، فَلَمّا تَعَيَّنَ ذَلِكَ في اللَّهِ وكانَتْ رُتْبَتُهُ زائِدَةً أبْعَدَ عَمّا أشْرَكُوا بِهِ، نَزَّهَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ: بَعُدَتْ رُتْبَتُهُ وعَلَتْ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في كَوْنِهِ مَعْبُودًا أوْ مَشْرُوعًا؛ ذَكَرَ أبُو مُحَمَّدٍ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ البَسْتِيُّ القاضِي في تَفْسِيرِهِ وغَيْرُهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِن ذَهَبٍ فَقالَ: اقْطَعْهُ، فَقَطَعْتُهُ ثُمَّ أتَيْتُهُ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ بَراءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ! (p-٤٤٣)إنّا لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُهُمْ! قالَ: أجَلْ. ألَيْسَ كانُوا يُحِلُّونَ لَكم ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ عَلَيْكم ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَ: تِلْكَ عِبادَتُهم».

9:32Page 192

يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢

They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

ولَمّا وهى سُبْحانَهُ أمْرَهم مِن جِهَةِ اسْتِنادِهِمْ، زادَ تَوْهِيَةً مِن جِهَةِ مُرادِهِمْ بِالإعْلامِ بِأنَّهم بِقِتالِهِمْ لِأهْلِ الطّاعَةِ إنَّما يُقاتِلُونَ اللَّهَ وأنَّهُ لا يُنَفِّذُ غَرَضَهم بَلْ يُرِيدُ غَيْرَ ما يُرِيدُونَ، ومِنَ المُقَرَّرِ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا لِما مَضى مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾ أيْ: بِما مَضى ذِكْرُهُ مِن أحْوالِهِمْ ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينَ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ العُظْمى، وشَرْعُهُ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبادِهِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ العَمَلِ بِالأغْراضِ والأهْوِيَةِ، فَإنَّ اتِّباعَ الرُّسُلِ حاسِمٌ لِلشَّهَواتِ، وهم أبْعَدُ النّاسِ عَنْ ذَلِكَ.

ولَمّا حَقَّرَ شَأْنَهُمْ، هَدَمَهُ بِالكُلِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ: بِقَوْلٍ خالٍ عَنْ شَيْءٍ يُثْبِتُهُ أوْ يُمْضِيهِ ويُنْفِذُهُ، وفي تَسْمِيَةِ دِينِهِ نُورًا ومُعانَدَتِهِمْ إطْفاءً بِالأفْواهِ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُرِيدُ إطْفاءَ نُورِ الشَّمْسِ بِنَفْخِهِ ﴿ويَأْبى﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ يَفْعَلُ فِعْلَ الأبِيِّ وهو أنَّهُ لا يَرْضى ﴿اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ والعِزِّ ونُفُوذُ الكَلِمَةِ ﴿إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أيْ: لا يَقْتَصِرَ عَلى مُجَرَّدِ إشْراقِهِ، بَلْ وعَدَ - وقَوْلُهُ الحَقُّ - بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن إكْمالِهِ (p-٤٤٤)وإطْفائِهِ لِكُلِّ ما عَداهُ وإحْراقِهِ. ولِما في ”يَأْبى“ مِن مَعْنى الجَحْدِ دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ، أيْ: إنَّهُ يَأْبى كُلَّ حالَةٍ إلّا حالَةَ إتْمامِهِ نُورَهُ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في الكُفْرِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ.

9:33Page 192

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.

ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مُعْلٍ لِقَوْلِهِ: ومُكَمِّلٌ، ومُبْطِلٌ لِقَوْلِهِمْ مُسْفِلٌ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ أنَّهُ شَأْنُ المُلُوكِ، وهو أنَّهم إذا بَرَزَ لَهم أمْرُ شَيْءٍ لَمْ يَرْضَوْا أنْ يَرُدَّهُ أحَدٌ؛ فَإنَّ ذَلِكَ رُوحُ المَلِكِ الَّذِي لا يُجازِي الطّاعِنَ فِيهِ إلّا بِالهَلَكِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ أيْ: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿بِالهُدى﴾ أيْ: لِبَيانِ الشّافِي بِالمُعْجِزاتِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ أيِ: الكامِلِ في بَيانِهِ وثَباتِهِ كَمالًا ظاهِرًا لِكُلِّ عاقِلٍ؛ ثُمَّ زادَهم جُرْأةً عَلى العَدُوِّ بِقَوْلِهِ مُعَلِّلًا لِإرْسالِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيِ: الرَّسُولَ ﷺ والدِّينَ - أدامَ اللَّهُ ظُهُورَهُ ﴿عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وساقَ ذَلِكَ كُلَّهُ مَساقَ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: كَيْفَ نُقاتِلُهم وهم في الكَثْرَةِ والقُوَّةِ عَلى ما لا يَخْفى؟ فَقالَ: لِمَ لا تُقاتِلُونَهم وأنْتُمْ لا تَعْتَمِدُونَ عَلى أحَدٍ غَيْرِ مَن كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ، وهم إنَّما يَعْتَمِدُونَ عَلى مَخالِيقَ مِثْلَكُمْ، كَيْفَ لا تَجْسُرُونَ عَلَيْهِمْ وهم في قِتالِكم إنَّما يُقاتِلُونَ (p-٤٤٥)رَبَّهُمُ الَّذِي أنْتُمْ في طاعَتِهِ؟ أمْ كَيْفَ لا تُصادِمُونَهم وهو الَّذِي أمَرَكم بِقِتالِهِمْ لِيَنْصُرَكم ويُظْهِرَ آياتِهِ؟ ولَعَلَّ الخَتْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ أبْلَغُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ قَدْ لا يَكُونُ فِيهِ عِنادٌ، والشِّرْكُ مَبْناهُ عَلى العِنادِ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ، أيْ: لا بُدَّ مِن نَصْرِكم خالَفَ مَن خالَفَ مُجَرَّدَ مُخالَفَةٍ أوْ ضَمَّ إلى ذَلِكَ العِنادَ بِالِاسْتِعانَةِ بِمَن أرادَ.

9:34Page 192

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.

ولَمّا حَقَّرَ أمْرَهم بِتَقْسِيمِ اعْتِمادِهِمْ عَلى رُؤَسائِهِمْ، وحالُهم مَعْرُوفٌ في أنَّهُ لا نَفْعَ عِنْدِهِمْ ولا ضُرَّ، وأعْلى أمْرِ أهْلِ اللَّهِ بِاجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِ وهو القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وكانَ الإقْبالُ عَلى الدُّنْيا أعْظَمَ أمارَةٍ عَلى الخِذْلانِ ولَوْ أنَّهُ بِحَقٍّ فَكَيْفَ إذًا بِالباطِلِ! أقْبَلَ سُبْحانَهُ وعَزَّ شَأْنُهُ عَلى أهْلِ وُدِّهِ مُسْتَعْطِفًا مُتَلَطِّفًا مُنادِيًا بِاسْمِ الإيمانِ الَّذِي بَنى أمْرَهُ في أوَّلِ هَذا الكِتابِ عَلى الإنْفاقِ لا عَلى التَّحْصِيلِ ولَوْ كانَ بِحَقٍّ، فَكَيْفَ إذا كانَ بِباطِلٍ، ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ، مُنَبِّهًا عَلى سَفَهِ مَن تَرَكَ مَن لا يَسْألُهُ عَلى بَذْلِ الهُدى والدَّعْوَةِ إلى دِينِ الحَقِّ أجْرًا وهو سَفِيرٌ مَحْضٌ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، ولَمْ يَعْتَقِدْهُ رَسُولًا واتَّخَذَ مَرْبُوبًا مِثْلَهُ وهو يَأْخُذُ مالَهُ بِالباطِلِ رَبْوًا، وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِتَحْقِيرِهِمْ لا لِمُطْلَقِ تَعْظِيمِهِمْ فَضْلًا عَنِ الرُّتْبَةِ الَّتِي أنْزَلُوهم بِها وأهَّلُوهم لَها مَعَ التَّرَفُّعِ عَلَيْهِمْ لِقَصْدِ أكْلِ أمْوالِهِمْ بِالباطِلِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِإيمانِ داعِيهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ ومِمّا يَؤُولُ إلَيْهِ ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ﴾ (p-٤٤٦)أيْ: مِن عُلَماءِ اليَهُودِ ﴿والرُّهْبانِ﴾ أيْ: مِن زُهّادِ النَّصارى ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ أيْ: يَتَناوَلُونَ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِأنَّهُ مُعْظَمُ المُرادِ مِنَ المالِ، وإشارَةً إلى تَحْقِيرِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ بِأنَّهم يَفْعَلُونَ ما يُنافِي مَقامَهُمُ الَّذِي أقامُوا أنْفُسَهم فِيهِ ﴿أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ أيْ: بِأخْذِها بِالرُّشى وأنْواعِ التَّصَيُّدِ بِإظْهارِ الزُّهْدِ والمُبالَغَةِ في التَّدَيُّنِ المُسْتَجْلِبِ لَها بِالنُّذُورِ ونَحْوِها فَيَكْنِزُونَها ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ مَن أتاهم بِها بِالإقْبالِ بِقُلُوبِ عِبادِهِ إلَيْهِمْ.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ إقْبالِهِمْ عَلى الدُّنْيا، أتْبَعَهُ الإخْبارَ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَصُدُّونَ﴾ أيْ: يَحْتالُونَ في صَرْفِ مَن يَأْتِيهِمْ بِتِلْكَ الأمْوالِ وغَيْرِهِمْ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِإبْعادِهِمْ عَنْهُ بِإخْفاءِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ عَنْهم خَوْفًا عَلى انْقِطاعِ دُنْياهم بِزَوالِ رِئاسَتِهِمْ لَوْ أقْبَلَ أُولَئِكَ عَلى الحَقِّ.

ولَمّا كانَ أكْثَرُهم يَكْنِزُونَ تِلْكَ الأمْوالَ، شَرَعَ سُبْحانَهُ عَلى مُطْلَقِ الكَنْزِ، فَفُهِمَ مِن بابِ الأوْلى الصَّدُّ الَّذِي هو سَبَبُ الجَمْعِ الَّذِي هو سَبَبُ الكَنْزِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِينَ ﴿يَكْنِزُونَ﴾ أيْ: يَجْمَعُونَ تَحْتَ الأرْضِ أوْ فَوْقَها مِن قَوْلِهِمْ لِلْمُجْتَمِعِ اللَّحْمِ: مُكْتَنِزٌ ﴿الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ أيْ: مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِن غَيْرِ تَزْكِيَةٍ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُما أجَلُّ مالِ النّاسِ، وكانَ الكَنْزُ دالًّا (p-٤٤٧)عَلى المُكاثَرَةِ فِيهِما، أعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِما بِما يَدُلُّ عَلى الأنْواعِ الكَثِيرَةِ فَقالَ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها﴾ أيْ: يُنْفِقُونَ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ مِن هَذِهِ الأمْوالِ الَّتِي جَمَعُوها مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ أوْ مُنْفَرِدَيْنِ، ولَوْ ثَنّى لِأوْهَمَ أنَّ اجْتِماعَها شَرْطٌ لِلتَّرْهِيبِ، وإنَّما أعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْها مِن غَيْرِ ذِكْرِ ”مِن“ - وهي مُرادَةٌ - لِمَزِيدِ التَّرْغِيبِ في الإنْفاقِ والتَّرْهِيبِ مِن تَرْكِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى الفِضَّةِ؛ لِأنَّ الذَّمَّ عَلى كَنْزِها، والحاجَةَ إلَيْها لِكَثْرَتِها أقَلُّ، فالذَّمُّ عَلى كَنْزِ الذَّهَبِ مِن بابِ الأوْلى لِأنَّهُ أعْلى مِنها وأعَزُّ بِخِلافِ الذَّمِّ عَلى كَنْزِ الذَّهَبِ؛ وقالَ الحَرالِّيُّ في آلِ عِمْرانَ: فَأوْقَعَ الإنْفاقَ عَلَيْهِما ولَمْ يَخُصَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ، ولا يُنْفِقُونَ مِنها كَما قالَ في المَواشِي [خُذْ مِن أمْوالِهِمْ] لِأنَّ هَذَيْنِ الجَوْهَرَيْنِ خَواتِمُ يَنالُ بِها أهْلُ الدُّنْيا مَنافِعَهم وقَدْ صَرَفَ عَنْهُمُ الِانْتِفاعَ بِهِما فَلَمْ يَكُنْ لِوُجُودِهِما فائِدَةٌ إلّا بِإنْفاقِهِما لِأنَّهُما صَنَما هَذِهِ الأُمَّةِ، فَكانَ كَسْرُهُما بِإذْهابِهِما. انْتَهى.

﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ المَلِكُ الأعْلى بِإنْفاقِها فِيهِ ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ أيْ: نَقُولُ فِيهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَهَكُّمًا بِهِمْ: بَشِّرْهم ﴿بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ عِوَضًا عَمّا أرادُوا مِنَ السُّرُورِ بِإنْجاحِ المَقاصِدِ.

9:35Page 192

يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥

The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

ولَمّا كانَ السِّياقُ دالًّا دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ هَذا العَذابَ يَحْصُلُ لَهم ويَقَعُ بِهِمْ، فَنَصَبَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يُحْمى﴾ أيْ: يَحْصُلُ الإحْماءُ وهو الإيقادُ الشَّدِيدُ ﴿عَلَيْها﴾ أيِ: الأمْوالِ الَّتِي جَمَعُوها ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ (p-٤٤٨)أيِ: الَّتِي لا يُقارِبُها نارُكُمْ، وتُلْقى داخِلَها بِالتَّجَهُّمِ والعُبُوسَةِ كَما كانَ يَلْقى بِذَلِكَ الفُقَراءَ وغَيْرَهم مِن أهْلِ اللَّهِ لا سِيَّما مِن مَنعِهِ ما يَجِبُ لَهُ مِنَ النَّفَقَةِ ﴿فَتُكْوى بِها﴾ أيْ: بِهَذِهِ الأمْوالِ ﴿جِباهُهُمْ﴾ الَّتِي هي أشْرَفُ أعْضائِهِمْ لِأنَّها مَجْمَعُ الوُجُوهِ والرُّؤُوسِ ومَوْضِعُ الجاهِ الَّذِي يَجْمَعُ المالَ لِأجْلِهِ لِتَعْبِيسِهِمْ بِها في وُجُوهِ الفُقَراءِ ﴿وجُنُوبُهُمْ﴾ الَّتِي يَحْوُونَهُ لِمَلْئِها بِالمَآكِلِ المُشْتَهاةِ والمُشارِبِ المُسْتَلَذَّةِ ولِازْوِرارِهِمْ بِها عَنِ الفُقَراءِ ﴿وظُهُورُهُمْ﴾ الَّتِي يَحْوُونَهُ لِتَقْوِيَتِها وتَحْمِيلِها بِالمَلابِسِ وتَجْلِيَتِها ولِتَوْلِيَتِهِمْ إيّاها إذا اجْتَمَعُوا مَعَ الفُقَراءِ في مَكانٍ. ثُمَّ يُقالُ لَهُمْ: ﴿هَذا ما كَنَـزْتُمْ﴾ وأشارَ إلى الحامِلِ عَلى الجَمْعِ المُنافِي لِلْعَقْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: لِتُنافِسُوا بِهِ وتَلْتَذُّوا فَلَمْ تُنْفِقُوهُ فِيما أمَرَ اللَّهُ ﴿فَذُوقُوا ما﴾ أيْ: وبالَ وعَذابَ ما ﴿كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أيْ: تُجَدِّدُونَ جَمْعَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ حَرِيصِينَ عَلَيْهِ، وأشارَ بِفِعْلِ الكَوْنِ إلى أنَّهم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قالَ: مَرَرْتُ عَلى أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالرَّبَذَةِ قُلْتُ: ما أنْزَلَكَ بِهَذِهِ الأرْضِ قالَ: كُنّا بِالشّامِ فَقَرَأْتُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] - الآيَةَ. قالَ (p-٤٤٩)مُعاوِيَةُ: ما هَذِهِ فِينا، ما هَذِهِ إلّا في أهْلِ الكِتابِ! قُلْتُ: إنَّها لَفِينا وفِيهِمْ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هَذا قَبْلَ أنْ تُنْزَلَ الزَّكاةُ، فَلَمّا أُنْزِلَتْ جَعَلَها اللَّهُ طُهْرًا لِلْأمْوالِ، يَعْنِي فَما أعْطى صاحِبُهُ ما وجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском